انتفض أدم واقفًا يحدق بذلك الرجل دقيقة قبل أن يصرخ فيه متسائلاً بحدة: -في إيه يا بني، إيه اللي حصل؟ تلعثم الرجل في رده نوعًا ما: -چمانة هانم... آآ... لينفذ صبر أدم الذي زمجر فيه بجنون وكأنه على وشك الانفجار، بل هو بالفعل انفجر فيه صارخًا بعصبية مفرطة: -ما تنطق يا زفت، مالها چمانة؟ أجاب بسرعة: -معرفش ياباشا، مابتنطقش ومغمى عليها لما جينا ندخلها الأكل.
ركض أدم نحو الغرفة التي كانت تقطن بها چمانة، تتبعه أسيا التي كانت ترتعد من فكرة موتها الآن وبسببهم تحديدًا. دلف أدم ليجدها فاقدة الوعي، فنظر للخادمة آمرًا بسرعة: -اطلبوا الدكتور بسرعة وهاتوا برفان أفوقها بيه. هركضت الخادمة بالفعل تنفذ ما أُمر به. عادت بعد دقيقة تمد يدها بالعطر لأدم الذي تناوله على عجالة ليبدأ محاولة استعادة چمانة لوعيها. وبالفعل خلال دقائق بدأت چمانة تستعيد وعيها. فسألها أدم بقلق: -چمانة، انتِ كويسة؟
حاسة بإيه؟ ولكنها لم تجب. كانت تحدق بهم بعيون دامعة فقط. عيون بدت وكأنها سحابة تخفي أسفلها أمطارًا غزيرة حارقة. فهزها أدم ببطء يحثها على الحديث: -انطق، فيكِ إيه؟ أشارت له چمانة على فاهها وهي تهز رأسها نافية، لتتصنم أسيا مكانها وهي تدرك معنى إشارة چمانة. أيعقل أنها فقدت النطق؟ حاول أدم جعلها تنهض معه ولكنها كانت تهز رأسها نافية ببكاء وهي تشير لقدامها. حينها كادت أسيا تفقد وعيها.
يا الله، أي عقاب ذلك الذي حل بتلك المسكينة؟ ولكن يقبع السؤال هنا بين ثنايا تفكيرها... هل چمانة فعليًا مسكينة؟ أم هي شيطان سُلبت مخالبه فقط؟ كان كلاً من أدم وأسيا مع الطبيب حينما بدأ الطبيب يفحصها بعناية. وما إن انتهى حتى نظر لهم بأسف مرددًا: -للأسف واضح أن المدام جالها شلل وفقدت النطق.
حينها انتبهوا لچمانة التي بدأت تدب على قدماها بهيسترية وهي تبكي. كان أدم يراقبها بأسف حقيقي. مهما بلغ حقده ومقته على تصرفاتها، ولكن عشرة السنوات جعلت قلبه يرق مصدرًا خلفية آسفة لصفحة يبدو أنها أُغلقت للابد. خرج من الغرفة بهدوء. فركضت أسيا خلفه تسأله بصوت مبحوح: -هتعمل إيه دلوقتي يا أدم؟ هز أدم رأسه نافيًا. ثم قال بوضوح:
-هبعتها مع ورقها لعمها في فرنسا. أنا كنت حكيتله على اللي حصل وحجزت لها تذكرة بس معرفش إن كل ده هيحصل. احتضنته أسيا دون رد. ليشدد هو من احتضانها هامسًا في حنو: -هروح أخليهم يجهزوا حاجتها وهاخدها ونروح المطار. خليكِ هنا ممكن ماتروحيش حتة لحد ما أرجع؟ أومأت موافقة بطاعة غريبة عليها: -حاضر يا حبيبي. طبع قبلة حانية على جبهتها برقة مغموسة بحنانه المعهود معها قبل أن يتركها ويتجه نحو الغرفة مرة أخرى بهدوء. بعد ثلاث أيام.
وبعد معرفة شروق لما حدث عن طريق الصدفة من إحدى خادمات القصر التي أصبحت كصديقتها. لم يسلم أدهم من زنها وإصرارها على زيارة جدها في المستشفى. كانت تقف مع أدهم أمام المستشفى تتنفس بعمق وكأنها تعيد تنظيم تلك الضوضاء التي يرتفع صوتها أكثر بداخلها. توجهوا معًا نحو الاستقبال لتسأل شروق الموظفة بهدوء تام: -لو سمحتي، فين أوضة مصطفى العزاوي؟ أجابتها الموظفة بجدية: -الدور التاني، أول أوضة ع اليمين.
أومأت شروق بابتسامة خافتة وسارت مع أدهم نحو الغرفة. كلما تقدمت خطوة نحو تلك الغرفة شعرت بقلبها يكاد يخرج من مكانه. وكأنها تتقدم من فاجعة ستبتلع كلاهما حتمًا. وصلا أمام الغرفة. فتقدمت شروق ببطء خشية رد فعلهم. وجدت أولاد اعمامها الاثنان. فابتلعت ريقها بتوتر وهي تخبرهم: -أنا كنت جايه ع... آآ... عشان أشوفه. لم يرد كلاهما بل أشاروا لها أن تدخل بصمت. وما إن رآها الجد حتى بدأت عيناه تدمع ببطء. حينها سارعت شروق تقول:
-أنا والله ما جايه أشمت فيك، أنا جيت أطمئن عليك بس وأقولك البقاء لله. ثم استدارت لتغادر ولكنها أوقفها صوته المتقطع بسبب إصابته بالشلل وهو يستطرد: -مسمح... مسمحاني؟ حينها ابتسمت شروق ابتسامة تحوي ضعفها وطيبتها الزائدة. ثم تابعت متنهدة: -مسمحاك، وربنا يسامحك. ثم غادرت دون كلمة أخرى. احتضنها أدهم برفق قبل أن يهمس لها بصوت حاني:
-ممكن تهدي بقا خلاص. عملتلك اللي كنتي عاوزاه. تعالي بقا هغديكِ أحلى غدا في أحلى مطعم قبل ما أروح للأستاذ أدم، بقالي كام يوم ماشفتوش. أومأت شروق موافقة بابتسامة هادئة وهي تمسك بيده التي تحتضنها. وكأنها تشكره على ذلك الاحتواء بدون مقابل. دلف جواد إلى منزله بصمت. فاستقبلته سيليا التي ركضت تحتضنه بخوف وكأنها كانت تحترق بأفكارها وهو أطفأ لهبها للتو. ضمته لها بكل قوتها وهي تهمس بحنق واضح: -كنت فين كل ده يا جواد؟
قلقتني أووووي عليك ومابتردش على تليفونك كمان؟ رد جواد بشرود: -كنت عند بيت مصطفى مع البوليس. شهقت سيليا بقلق وقد بدأت الأفكار السوداء تستوطن عقلها مرة أخرى: -ليه؟ إيه اللي حصل؟ أوعى تكون اتخانقت معاه تاني يا جواد؟ هز رأسه نافيًا قبل أن يخبرها: -مصطفى اتقتل ونشوى هي اللي قتلته. هربت الـ 4 أيام ومحدش عرف إنه اتقتل إلا أما هي راحت اعترفت في اليوم الخامس وبيقولوا إن عقلها شت (اتهبل) شوية.
كانت سيليا تراقب تلك الأخبار التي كانت بمثابة صفعات تُسدد لها على التوالي. وعندما انتهى تنهدت وهي تهز رأسها نافية بأسف: -مش عارفة أفرح إننا خلصنا منه ولا أزعل على الطريقة اللي مات بيها. حاول جواد أن يخلق جوًا من المرح حينما جذبها من خصرها له مغمغمًا بعبث: -تفرحي لأن من هنا ورايح مفيش غير فرح وبس. وعلى فكرة في حفلة عامل هيحضرها أدم وأدهم ومراتاتهم وأنتِ أكيد هتحضريها. أومأت سيليا موافقة بين أحضانه: -أكيد أيوه.
كانت عيناهُ مُسلطة على شفتاها التي كانت كالشهد بالنسبة له لا يكل ولا يمل منه. ثم تابع بمكر: -طب بقولك إيه، ماتيجي أقولك حاجة سر؟ ضحكت سيليا ولكن قبل أن ترد وجدت تيا تركض باتجاههم صارخة بنبرة طفولية: -باااااابي، قولي أنا يا بااابي! أغمض جواد عيناه يستغفر بصوت مكتوم ثم تمتم بغيظ من تلك الصغيرة: -أهي جت هادمة اللذات. ثم رفعها عن الأرض وهو يدغدغها لتشاركه سيليا وتتعالى ضحكاتهم التي تسطر صفحات أخرى من الحياة.
في اليوم التالي وبعد ساعات عديدة عاد أدم من المطار أخيرًا. كان يدلف للمنزل وهو شارد بلقائه الأخير مع "چمانة". طليقته التي كانت كالشيطانة في حياته، ولكن الآن تحديدًا الآن كانت صامتة، أو الأصح لم تريد أن تنطق بأي شيء. وكأن الصمت هو أقوى تعبير يمكن. لا يدري أدم إن كان ظلمها أم لا، ولكن ما يعلمه جيدًا أن الارتياح لم يعرف طريق حياته إلا حينما خرجت هي منها وبلا عودة.
انتبه للأصوات التي تصدر من الداخل فانتبه وبدأ يدخل بترقب وهدوء تام كالصقر. ولكن بمجرد أن دلف تجمد مكانه من ذلك المشهد الذي أثلج صدره.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!