بدأ الجو وكأنه نقلة زمنية تعود بك لأحدى الحروب الدامية. ولكن تلك الحرب ليست متعلقة بأسباب دينية أو دافعية، وإنما متعلقة بنفوس استوطنتها الشياطين. وضعت أسيا يداها على أذنيها تحاول قتل تلك الصرخة قبل أن تخرج من فمها. ركضت تجلس جوار والدها وهي تضم نفسها له وكأنها تحتمي به. ظلت حوالي ثلث ساعة وهي على نفس الوضع، حتى وجدت من يفتح الباب ويدلف. وصوت طلبته روحها قبل أذنها يصدح مناديًا بخوف: "أسيا!!!
ركضت أسيا ترتمي بين أحضان آدم الذي أغمض عينيه بعد أن غمرها ارتياح عميق. يضمها له بكل جوارحه، بكيانه الذي اهتز رعبًا على تلك المعشوقة. رفع وجهها له يحاول تهدئتها بحنانه المعهود مؤخرًا: "هش... خلاص اهدي يا حبيبي أنا معاكِ." كادت تبكي وهي تتوسله النفي، قائلة: "هو إحنا هنفضل طول عمرنا عايشين كدا يا آدم؟ ممكن في أي لحظة حد يهجم علينا عشان يقتلنا؟ هز رأسه نافيًا، يتبعها هزة رأسها حازمة منه وهو يخبرها صراحةً:
"لأ. دا كان خالد جاي عشان ياخد حقه طبعًا، بس خلاص... أنا قتلته! تردد في نطق الكلمة الأخيرة، وتحديدًا التي جعلت أسيا تتراجع عدة خطوات للخلف وكأن أمان أحضانه تبخر تزامنًا مع نطقه بشناعة ما فعل. كانت تحدق بعينيه السوداء والتي كانت مظلمة، مظلمة بدرجة مخيفة وكأنها تبتلع شياطين داخل أعماقها. لتهمس بصوت مبحوح: "قـ... إيه؟ قتلته! ببساطة كدا قتلته يا آدم؟ تبعًا لمقولة "الطبع يغلب التطبع"، لم يبالي وهو يرد بجبروت بارد:
"أيوه قتلته، أنا أقسمت المرة اللي فاتت إنه لو جه تاني هقتله، وهو مش باقي على روحه وجه! مش هفضل طول حياتي عايش مستني هجومه." أخرجها عن طور الصدمة فبدأت تصرخ فيه وهي تضربه على صدره: "انت إيه؟ كان ممكن تسلمه للبوليس، إنما تقتله بكل دم بارد! انت خلاص معندكش قلب للدرجة وقادر تاخد روح مش ملكك؟! أمسك يداها الاثنان بعنف يزمجر بصوت أشبه لزئير الأسد:
"اهدي وبطلي جنان، أنا ماروحتش بيته مخصوص أقتله، دا هو اللي جه يتهجم عليا وكان طبيعي أدافع عن نفسي وعنك. يعني دا دفاع عن النفس، اللي البوليس نفسه ما يقدرش يحاسبني عليه. انتِ هتحاسبيني عليه بأمارة إيه؟ "بأمارة إني مراتك ومش هقدر أعيش مع قاتل! ردت بتلقائية كادت تندم عليها لاحقًا، ولكنها تماسكت وهي تستطرد دون أن تنظر له: "صعب، صعب أوي شعور إنك تشوف روح حد بتطلع قدامك. إزاي انت بنفسك اللي كنت سبب طلوعها؟
ما صعبش عليك ولو لحظة؟ "لأ." أجاب بصدق، وبرود، وهدوء أرعبها. لم تجد ما تقوله فنظرت نحو الباب وهي تهتف بتوتر: "أنا عايزة أشوفه، ولو للمرة الأخيرة! صمت برهة قبل أن يومئ موافقًا لها. ولكن قبل أن تخطي خطوة واحدة، أمسك ذراعها يحذرها بجدية: "بس لو مش هتقدري تتحملي المنظر خليكِ، أنا مش مستعد أسمع محاضرة من محاضرات النبالة منك تاني! صدرت ضحكة خافتة قصيرة مغموسة بالسخرية منها وهي تهمس له:
"متقلقش، مش هسمعك محاضرة من محاضراتي تاني." ثم اتجهت نحو الخارج بخطى سريعة وهي متيقنة من أن ما ستراه لن يعجبها إطلاقًا. وبالفعل، وجدت جثمان "مدحت" على الأرض مُغطى بغطاء أبيض. تقدمت بخطى مرتعشة حتى أصبحت أمامه. هبطت لمستواه لترفع ذاك الغطاء. شهقت بعنف وهي ترى منظر رأسه التي فجرها الرصاص. مظهر جعل جسدها يرتعش تأثرًا، فلم تفعل سوى أن همست بحروف متقطعة قبل أن تنهض لتركض: "الله يرحمك ويغفر لك ذنوبك!
ركض آدم خلفها نحو غرفتها، ولكن قبل أن يدلف، وجدها تُغلق باب الغرفة. كانت تقف في منتصف الغرفة تحدق باللاشيء. إن كان مدحت به كل مساوئ الدنيا، ولكن -الدم بيحن -كما يقولون. لا تستطع تقبل مظهره هذا والتشفي فيه كما يجب. بدأت تشعر بالدنيا تدور من حولها. وصوت آدم يخترق عقلها وكأنه صوت بعيد جدًا: "أسيا... أسيا افتحي الباب." ولكنها لم تستطع التحرك، بل سقطت أرضًا فاقدة الوعي دون سابق إنذار. *** في "سوهاج"....
تحديدًا منزل عائلة شروق. كان الجد يترأس الجلسة في إحدى الغرف هو وأحفاده الثلاثة. بعدما أغلقوا الباب عليهم ليبدأ اجتماع الشياطين. قطع ذلك الصمت المهيمن على الأجواء صوت كريم الأجش الذي قال بابتسامة هادئة: "حمدلله على السلامة يا جدي." رد الجد بملامح متجهمة: "الله يسلمك يا ولدي." يهتف مراد المندفع دائمًا بغضبه الدفين تجاه شروق وأدهم: "هنعمل إيه يا جدي؟ عيلة الدهاشنة ما هايسكتوش على طار ولدهم! أومأ الجد مؤكدًا يردد:
"عارف يا ولدي، وأنا مش هقدر أضحي بحد فيكوا عشان كدا كنت عايز أجوز بت المركوب دي لحد فيهم ونخلص من الموال دا! هنا تدخل ثالثهم يتابع بحنق: "وأديك شوفت اللي حصل، هنعمل إيه يا جدي؟ تنهد الجد أكثر من مرة قبل أن يقول بصوت خشن امتلأ بالحقد الواضح للأعمى حتى: "ماعرفش يا ولدي، بس حاجة واحدة اللي أعرفها... لو كنت ممكن بنسبة 1 في المية أحن وأسيبها، بعد اللي عملوه هي وجوزها مستحيل أسيبها إلا أما أخلص من الموضوع دا."
"طب والورث يا جدي اللي أخدته دا؟ هنسبلها تعبنا وشقانا؟ تدخل كريم قائلًا بتلك الجملة. فبدت الدائرة وكأنها تحوي الكثير والكثير، وكلهم يبحث عن ما يهمه. وكله على حساب تلك المسكينة "شروق". ليرد الجد نافيًا بحدة: "الفلوس بتروح وتيجي يا ولدي، إنما انتوا لو رحتوا مش هقدر أعوض حد فيكوا خصوصًا بعد موت أبوكوا وعمكوا! العيلة هتبقى من غير شجرة! جز كريم على أسنانه بغيظ وهو يتوعد أخذ حقه الذي سلبته شروق من وجهة نظره وليس العكس.
ليطاوع جده مكملاً بتساؤل: "طب هنعمل إيه برضه يا جدي؟ تنهد الجد تنهيدة عميقة تحمل في طياتها الكثير والكثير، ثم أردف وهو يحدق بالفراغ مفكرًا: "أنا عرفت أنا هعمل إيه، أنا هصدرها في وش المدفع! رد الثلاث في صوت واحد بعدم فهم: "إزاي يعني يا جدي؟؟ لينظر لهم بأعين احتلتها الخبث كعدو مُحبب لها، ثم قال بصوت خفيض نوعًا ما:
"يعني أنا هجيب كبير عيلة الدهاشنة وهقوله إنه زي ما هو عارف مفيش بنات في العيلة، وشروق لقيناها بس لقيناها مع واحد كدا منعرفش أصله من فصله طمع في فلوسها لما جت أخدت ورثها مننا، وبعد ما خدت الفلوس رفضت تتنازل شوية عشان عيلتها وتتجوز وهربت مننا وإحنا مانعرفشي هي فين دلوقتي. وحد منكم يقول لحد من ولاده بطريقة غير مباشرة على عنوان شروق والواد اللي اتجوزته دا، وبكدا نكون أقنعنا الدهاشنة ولو ما اقتنعوش هما هيتصرفوا بقاااا معاهم!!!!
اتسعت ابتسامة الثلاثة وهم يحدقون به بانبهار من تلك العقلية الشيطانية. ليهتف كريم بفخر مبتسم: "تسلم دماغك يا جدي." *** وأخيرًا استطاعت سيليا رؤية وجه ذلك المجهول الذي لم يكن سوى "جواد"، ولكن لم يرد إيقاظ الصغيرة "تيا". أنزلها أرضًا وهو يتنفس بصوت عالي مرددًا يشاكسها: "يخربيتك دا أنا لو حرامي مش هتعملي كدا! أغمضت هي عيناها تحاول تنظيم أنفاسها التي أصبحت في حالة هرج ومرج. لتهمس بارتياح: "أوف خضتني طب انطق." ابتسم
ابتسامة صغيرة وهو يقول: "خوفت تصحى تتصرفي بتلقائية وتتكلمي بصوت عالي وتيا تصحى، وبصراحة دماغي مصدعة مش مستحمل عياطها دلوقتي خالص! أومأت بهدوء هامسة: "طيب.. هروح أحضرلك العشا، انت أكيد جعان." ولم تعطه فرصة الرد بل سارت بهدوء نحو المطبخ. ليتنهد هو بصوت مسموع يعلم أن طريق الليلة سيكون طويل. وربما جدًا. بدأت سيليا تحضر بعض الأطعمة بحركة خفيفة وهي شاردة، متعجبة. لم يتحدث حتى حول ما جرى.
ما سبب تغيره هذا من حالة الغليان المرتفع لحالة السكون المقلقة هذه؟ ارتفع هاتفها بصوت رنين لتمسك به فوجدت المتصل "شروق". فردت بسرعة وهي تهمس: "شروق.. جيتي في وقتك والله." "إيه مالك يا بنتي؟ انتِ معيطة ولا إيه؟ "لأ لسه صاحية من النوم، بس محتاجاكِ جدًا." ضحكت شروق بشرود قبل أن تتشدق بـ: "جتلك يا عبد المعين تعيني! ابتسمت سيليا دون صوت لتهمس بعد دقيقة صمت من الطرفان:
"حياتي اتلخبطت أوي يا شروق، وبقا في سر كمان مش عارفة أقول لجواد عليه ولا هدمره لو عرف! سألتها شروق بعدم فهم: "سر إيه؟ هزت رأسها نافية وكأنها تراها: "مش هينفع على التليفون،، تعاليلي بكرة أو أنا هحاول أجلك." "تمام ماشي، خلاص هسيبك دلوقتي وأشوفك بكرة بقا." "تمام.. سلام يا حبيبتي." "مع السلامة." وقبل أن تغلق الهاتف، وجدت من يُحيط خصرها ليحتضنها من الخلف. هامسًا وأنفاسه تداعب رقبتها بطريقة جعلت القشعريرة تسري في جسدها:
"هو إيه دا اللي مش هينفع على التليفون؟ شهقت بصوت مكتوم وهي تحمد الله أنه لم يسمع ما سبق ذلك. لتتلعثم حروفها وهي تجيبه: "لا دي آآ.. شروق كانت عايزة تفضفض فـ قولتلها مش هينفع على التليفون! همهم بصوت منخفض جدًا وهو يتعمد أن تسير شفتاه على رقبتها بحركة بطيئة: "اممممم... حاولت الابتعاد من بين حصاره وهي تهمس بتوتر: "جواد... الــ آآ الأكل! لم يبتعد عنها بل ظل كما هو ليقول بصوت أجش متنهدًا: "أنا آسف."
وقبل أن تنطق، أكمل مقاطعًا إياها: "آسف إني اتسرعت واتنرفزت عليكِ قبل ما أسمعك، بس اتجننت لما شوفتُه ماسك إيدك في الصور، بس لما هديت عرفت إنه أكيد قاصد يمسك إيدك عشان أشوف الصورة دي، واللي انتِ هتحكيهولي إنتِ بقا روحتي تقابليه لييييه؟! فتحت فاهها تود النطق، ولكنه وضع إصبعه على شفتيها بحركة مباغتة يمنعها: "لأ، مش دلوقتي... بعدين، دلوقتي في حاجة أهم." قال آخر حرف له وهو يغمض عينيه لاثمًا رقبتها بعمق.
ضغطت بيدها على يده التي تلتف حول خصرها. لتشعر بشفتيه التي تُفتح وتُغلق على جلدها الناعم فتشعر بعمق إحساسها كفراشات رقيقة تُداعب معدتها. جذبها له أكثر حتى أصبحت ملتصقة به. ثم عض شحمة أذنها برقة متناهية وهو يهمس لها: "وحشتيني... همست وصوت لهاثها عالي: "وأنت أكتر." أمسك كتفيها يلفها له ببطء. لينظر لجفنيها اللذين كانا كـ عازل يمنع ضي عينيها اللامع عنه. ليُقبل جفنيها ببطء متابعًا: "افتحي عينك يا زيتونتي!
فتحت عينيها ببطء لتطل عيناها الزيتونية الساحرة. فتسحبه ككل مرة ليغرق بين غاباتها تلك وكأنها المرة الأولى. اقترب منها ببطء وشفتاه تبحث بتلهف عن شفتيها المنفرجة. وحينما لامسها لتبدأ معركة دامية من نوع آخر. معركة أسلحتها الشغف واللهفة والشوق العميق. كان يلتهم شفتيها بنهم بينما هي تمسك طرف قميصه وكأنها ستقع من فرط تأثيره عليها إن تركها. ليبتعد هو بعد دقيقة ليلتقطا أنفاسهما اللاهثة. حينها مد يده يعبث بأطراف ملابسها ببطء.
وهي مغمضة العينان مستمتعة بذلك الشعور. ليحملها بين ذراعيه كريشة خفيفة. لتسطر ليلة أخرى في صفحات عشقهم. *** فتحت أسيا عينيها ببطء شديد لتتضح الرؤية لديها شيئًا فشيئًا. فبالطبع كان أول من رأته "آدم" الذي صاح بلهفة بمجرد أن فتحت عينيها: "أسيا حبيبتي خضتيني عليكِ يا طفلتي." أدارت وجهها للجهة الأخرى دون أن تنطق. ليمـسك هو وجهها بيده يحركه برفق ناحيته ليطبع قبلة حانية على جبينها هامسًا:
"انتِ لازم تفهميني وتفهمي شخصيتي عشان نعرف نعيش مع بعض يا طفلتي." ردت هي بتهكم مرير: "وطفلتك مش قادرة على دا." عقد بين حاجبيه: "يعني إيه؟ هزت كتفاها بقلة حيلة وهي تخبره بصوت ذو بحة واضحة: "يعني أنا تعبت وأنا بحاول أفهمك وأبررلك يا آدم، طريقتك غير طريقتي، مبدأك غير مبدأي، طبعك كمان غير طبعي،،، كل حاجة بينا مختلفة! مفيش حاجة بنتفق فيها إلا حاجة واحدة."
اقترب منها بوجهه حتى لطمت أنفاسه الساخنة وجهها وهو يهمس مغمض العينين وكأنه يحاول زج تلك الحقيقة بعقلها: "إننا بنعشق بعض.. ودا كفاية! أبعدت يداه عن وجهها وهي تهز رأسها نافية. لتقول بمرارة: "لأ عمره ما كان كفاية يا آدم،، العشق ما بيأكلش عيش.. يعني هو مش هيخلينا متفاهمين ومش كافي عشان يحل مشاكلنا.. مش كافي عشان نبقى أسرة متفاهمة فيما بعد! جـز على أسنانه بعنف. يحاول تهدئة ذلك الوحش الكاسر داخله. ليسألها
بهدوء ما قبل العاصفة: "يعني إيه؟ عايزه توصلي لأيه يا أسيا من غير لف ودوران! تنهدت بصوت مسموع وهي تخبره بجمود أطاح بصوابه: "يعني مش هنكمل مع بعض يا آدم،، أنا عايزة أطلق ولو ما طلقتنيش هرفع قضية خلع! عندها ومن دون سابق إنذار. حررت الشيطان الذي يحبسه بداخله فانطلق متأهبًا لذاك الانفجار.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!