تحميل رواية اسير غرامك بقلم سيليا البحيري pdf
بقلم سيليا البحيري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يجلس بهدوء تام على أريكة مكتبه. أول أزرار قميصه مفتوحة لتظهر عضلات صدره الضخمة والصلبة. يدب على المكتب بأصابعه بخفة وعقله مخطوف لكون آخر وملكوت آخر. عقله خطفته تلك الجنية الصغيرة منذ أول وهلة وقعت عيناه عليها، فأصبح عقله وروحه الجافة بين قبضتها. تسحقه بتجاهلها له، بخوفها المبرر منه. لم يتمنى يومًا سواها، سوى امتلاكها، إلتهامها. وهو لم يتمنى شيئًا ولم يحصل عليه. فهو الديكتاتور "آدم صفوان" ملك المافيا. قانونه قاسٍ، مخيف، وحاد كالحديد الملتهب. ولكن ذاك الحديد حتمًا ينصهر أمام صغيرته الباردة، فتشكل...
رواية اسير غرامك الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سيليا البحيري
دلف "أدم" إلى غرفة أسيا يبحث عنها بسرعة.. ظنًا منه أن مدحت ابن خالها سيحاول أخذها الليلة من القصر.
ولكنه تجمد مكانه بمجرد أن رأى الغرفة فارغة.
لا يدري لمَ شعر بانقباضة شرسة من الماضي تفرض رياحها لتختلط بالحاضر فتُعيد ما جرى.
عندها صرخ بصوت عالٍ ينادي على ذلك الحارس:
"حاااامد.. انت يا حيوان ياللي براد"
دقيقتان تقريبًا ووجده أمامه ينحني بقلق مجيبًا:
"أمرني يا باشا"
سأله أدم بشراسة وهو يمسكه من ياقة قميصه:
"فين أسيا؟ مش المفروض ماتخرجش من الاوضه دي وانت المسؤل عن ده؟"
تلجلج أمامه يحاول تثبيت الحروف وهو ينطق:
"مش حضرتك آآ.. أمرت إننا نحطها في الاوضه اياها اللي تحت... التلج"
تجمـدت عينا أدم ومغزى كلام ذاك الأبله يخترق عقله مهددًا بالانفجار.
دقيقة واثنان مرت وهو كالصنم من الجليد قبل أن يلكم ذلك الرجل بجنون ويأخذ منه المفتاح وينطلق راكضًا نحو تلك الغرفة.
دلف مسرعًا ليجد "أسيا" متسطحة أرضًا تضم ركبتيها لبطنها كالجنين وقد شحب وجهها كالموتى بينما شفتاها ترتعش بعنف.
أسرع أدم نحوها يضمها له بقوة ويردد بخوف:
"أسيا... أسيا إنتِ كويسه؟ ردي عليا يا طفلتي"
ولكنها كانت كالجماد.. تشعر وكأن روحها أصابتها قسوة البرد فلم تعد تنضم لفلك البشرية.
ولكن تحركت يداها لتختبئ بين أحضانه، وخرج صوتها خافتًا وهي تهمس:
"أدم... هموت"
أسرع يحملها بين ذراعيه متجهًا بها نحو الخارج وهو يصرخ بالخدم:
"هاتوا دكتوووووور فوراً"
دلف بها إلى غرفته يضعها على الفراش ويأمر تلك الخادمة التي ركضت وراءه:
"شغلي التكيف على السخن.. خليه درجة السخونية عالية يلاااااا"
ركضت تنفذ ما أُمرت به بينما هو يغطي أسيا بلهفة مغمغمًا باسمها كالمجنون.
يشعر وكأن قلبه هو من سيتوقف بدلاً منها.. وكأن الرابط بينهمـا يُدميه الزمن مع كل دقيقة تمر.
ضمها له يخفيها بين ذراعاه ليسمعها تهمس بصوت يكاد يسمع:
"أدم...."
فسارع هو بالرد في حنان:
"يا روح أدم"
شددت من لف ذراعيها حوله وهي تتشدق:
"ضمني جامد.. دفيني فـ حضنك"
وبالفعل لم يفعل سوى ذلك.. ضمها له بكل قوته وراح يملأ رئتيه برائحة شعرها التي كانت كإدمان سيطر على خلاياه كليًا.
مر بعض الوقت ودلف الطبيب للغرفة فوضع أدم الشال عليها ليغطي شعرها.
بدأ الطبيب يفحصها. وبعد وقت قصير كان ينظر لأدم متمتمًا بجدية:
"مافيهاش حاجة يا أدم باشا،، هي بردت جامد بس وانت طلعتها فـ الوقت المناسب"
أومأ أدم موافقًا، ثم أشار له نحو الباب قائلاً:
"ماشي يلا أطلع أنت"
في تلك اللحظة دخل أحد رجاله بسرعة يهتف:
"أدم باشا.. عرفنا أنه مدحت كان عايز يعملنا دربكة بس،، لكن انا اتأكدت انه مش ناوي يجي على القصر"
أومأ ادم موافقًا ثم أمره بخشونة:
"برضه خليكوا عاملين احتياطكم وزودوا الحراسه على القصر"
رد الرجل بخنوع:
"أمرك يا باشا"
ثم امتثل الطبيب لأوامره بينما جلس أدم جوارها مرة أخرى ليغطيها بإحكام.
ثم كاد ينهض ولكن وجدها تمسك بيده الخشنة وتهمس بصوت مبحوح:
"خليك جمبي ما تمشيش"
ضمهـا له بحنان يُقبل مقدمة رأسها مغمغمًا بصوت أجش:
"مش همشي.. مش همشي يا طفلتي"
ثم تمدد جوارها ليضمها له.
وداخلـه يُقسم.. يُقسم أن تُسفك الدماء ضحيةً لكل دمعة ذرفتها لؤلؤتيها اللاتي يعشقهما حد الجنون.
كان كلاً من "أدهم" وشروق عائدان مع "كريم" الذي ألح إلحاحًا شديدًا عليهما ليبقيا.
ووعدهم بعدم تنفيذ أي مما قاله الجد.
عندها وافق أدهم على مضض عازمًا على فتح الوصية فقط والمغادرة من تلك البلد على الفور.
دلفـا إلى المنزل فأشار لهم كريم نحو الأعلى قائلاً:
"في اوضه اتخصصت ليكم.. اطلعوا ريحوا نص ساعة عقبال ما المحامي يجي وما تقلقش يا أدهم ابقى امشي بعدها على طول"
أومأ أدهم موافقًا على مضض ثم صعد هو وشروق معًا بهدوء.
مرت دقائق وهما يتفحصان الغرفة ببطء. لينتبه أدهم بعد دقيقة فضرب جبينه صائحًا:
"اووووه.. نسيت أجيب الشنط، هروح اجيبها"
أومأت شروق موافقة فجلست على الفراش في انتظاره.
بينما هبط ادهم بهدوء ليُقابله كريم الذي سأله بمرح مصطنع:
"ايه ده يابني انت لحقت ترتاح؟"
هز ادهم رأسه نافيًا بهدوء:
"لا نسيت اخد شنطنا بتاعتنا، هي العربية فين؟"
قال آخر كلمة وهو يدور بعيناه يبحث عنها ليجد كريم يجيب بحبور:
"العربية راحت الجراج،، تعالى معايا هجيبهم معاك"
أومأ ادهم موافقًا ليسيرا معًا بهدوء.
مر ما يقرب من ربع ساعة فعاد ادهم وكريم بالحقائب.
إتجه أدهم دون كلمة نحو الغرفة. ولكن لم يستطع الحركة عندما وجد "الجد" يقف أمام الغرفة وخلفه حارسان يقفان على الباب.
إتسعت ابتسامة شيطانية ملونة بالحقد على وجه الجد الذي قال:
"تعالى تعالى ده انا مجهزلك مفجأة حلوة اوووي"
يركض ادهم نحو الغرفة بسرعة ليوقفه إشارة الجد بيداه وهو يغمغم بخبث تراقص بين حدقتيه:
"أنا حاولت أكون كويس معاك بس انت الظاهر ما بتجيش بالذوق"
أمر الحارس بعيناه ان يفتح الباب لتظهر "شروق" التي كانت فاقدة الوعي بملابسها الداخلية فقط ومغطاه على الفراش.
تنحنح الجد مكملاً بحدة:
"يا تطلقها حالاً،، يا إما هدخل حد من الرجالة جمبها وهتصل بالبوليس وهلبسها قضية زنا.... ايه رأيك فيا؟"
جن جنون أدهم حينها. لم يكن يتخيل أن الحقارة كالألغام تحتل عقله اللعين.
حاول الانقضاض عليه ليضربه ولكن هذان الحارسان منعاه بقوة.
حينها نظر الجد لثالثهم آمراً:
"ادخل يابني واتصل بالبوليس وانت داخل"
كاد الرجل يدلف بالفعل فصرخ أدهم بسرعة مرتجفًا من فكرة ظهورها أمام الغريب بهذا الشكل:
"لو حد دخل عليها كدة مش هطلقها لو دبحتوها ودبحتوني حتى"
حينها توقف الرجل فزجر الجد "أدهم" يأمره:
"يلا أرمي اليمين"
عقل أدهم كان كالبحر الذي يرتجف بالأمواج.
بحر شاطئه بعيد كل البعد عن صراعه فلا يستطع الهروب من ظلمة الغرق.
خاصةً ولم يمـر على اقترابه من شروق 24 ساعة. بمعنى إذا امسكت بها الشرطة وأجروا كشف الطب الشرعي سيُثبت أن شروق أقامت علاقة بالفعل.
لعن ذلك الحظ الذي رماهم في ذلك الجحر حتى كاد يخنقهم حرفيًا.
ثم تنفس بعمق قبل أن يقول دون تعبير واضح:
"شروق.... حفيدتك......آآ طالق"
تلوت "سيليا" بين ذراعي "جواد" الذي أحكم قبضته حولها.
بينما هي كانت كمن يحاول الفرار من بين براثن كابوس مزعج يؤرق عليها تلك الحياة.
حاول "جواد" تثبيتها وهو يهمس بجدية:
"سيليا اهدي،،، بقولك اهدي مش هأذيكِ"
كانت تتنفس بصوت عالٍ وهي تحدق به واخيرًا سكنت حركتها.
حينها أحاط جواد وجهها بيداه يهمس لها بصوت أجش:
"رعبتيني.. خوفتيني عليكِ لما هربتي يا زيتونة"
رفعت حاجبها الأيسر بسخرية:
"ااه.. أتفاقك مع ال*** التاني كان هيفشل للأسف صح؟"
ثم هزت رأسها مكملة:
"بس تمام انت لاقتني اهو،،، يلا رجعني للوساخه اللي انا استاهلها على رأيك"
لم تكن تنظر له وهي تتحدث. كانت تنظر للجهة الاخرى والعصبية كانت تصفع حروفها بعنف.
ولكن فجأة وجدته يجذبها له بقوة لتصبح بين أحضانه.
يضمهـا له بقوة محيطًا خصرهـا بيداه.
بينما وجهه مدفون عند رقبتها يستنشق رائحتها التي اشتاقها بعمق.
كادت ترتعش بين يداه وهي تشعر بأنفاسه الساخنة تضرب عنقهـا الأبيض الظاهر.
لتهمس بحروف مشتتة:
"جـ جواد.... ابعد"
وبعد دقيقة كانت كمن استعادت وعيها فدفعته بسرعة بعيدًا عنها قبل أن تُحكم دقاتها السيطرة على شظايا العقل الذي يحاول ترميم ما تبقى من كرامتها.
ليُخرج جواد هاتفه ويتصل بـ نادر الذي أجاب بعد دقيقة مرددًا:
"ايوة يا جواد بيه،، للاسف لسه مالاقتهاش"
قال جواد بصوت حاد بعد أن فتح الاسبيكر لتستمع سيليا للمكالمة:
"ايه اللي حصل يا نادر؟"
رد نادر بسرعة:
"والله يا جواد بيه انا حطتها فـ الاوضه وقفلت عليها زي ما اتفقنا وفهمتهم إن دي مش جايه تشتغل زي ما حضرتك قولت وإنها هتفضل فـ الاوضه دي كام يوم بس وهتمشي،، واتفاجأت بعدين إن شريكتي فـ الشقه حاولت تخليها تشتغل بالعافيه وهي هربت"
كان جواد يحدق بـ سيليا التي اصبحت عيناها فارغة تحدق بالاشيء والضياع يبتلعها شيءً فشيء.
ثم هتف بجمود:
"لاقتها.. سلام"
ثم أغلق الخط دون أن ينتظر رده.
لتسأله سيليا مباشرةً:
"انت ازاي دخلت هنا وعرفت اني هنا ازاي؟"
أجاب جواد وقد تسربت ضحكة خفيفة لثغره:
"انا مكنتش اعرف انك هنا،،، انا اول مرة استفاد من قرابة أدم.. كنت جايله عادي اقوله يساعدني ألاقيكِ بس اتضح انه ساعدني من غير ما يعرف"
ثم عاد لجديته وهو يخبرها:
"اصل أدم ابن عمي... لو ركزتي شوية كنتي هتعرفي،، هو أدم صفوان وانا جواد صفوان"
كزت سيليا على أسنانها بعنف.
عادت لأشد مخاوفها بقدمها.
انتبهت لجواد الذي أردف بصوت هادئ ولكنه خرج مختنقًا:
"انا عمري ما كنت هشغلك فتاة ليل،،، ولا هقبل إن حد تاني يلمسك اصلًا"
ثم اقترب منها ببطء وهو يكمل مثبتًا عيناه على غابات عيناها الزيتونية:
"إنتِ كنتي محتاجة صدمة يا سيليا،، كنتي محتاجة تعرفي إنك مش مفيش حاجة بتفرق معاكِ زي ما إنتِ بتقنعي نفسك.. كنتي محتاجة صدمة تخليكِ تخرجي من اللامبالاة اللي بتبينيها دي.. كنتي محتاجة تعرفي أنه الموضوع مش بسيط وتافه إنك تبيعي نفسك لواحد،، كنتي محتاجة تعرفي إن الموضوع أصعب وأزبل مما تتخيلي"
وبكل أسف كان كلامه نسخة ليست مشوهة من الحقيقة.
الحقيقة التي وغزت قلبها بكل قسوة حتى شعرت بداخلها ينزف.
أمسك وجهها يتحسس وجنتاها برقة متابعًا:
"اسف لو كلامي وجعك،، بس دي الحقيقه !! انا كنت عاوزك تفوقي مش أكتر"
أبعدت يداه عن وجهها وهي تردد بنبرة خالية:
"انت عايز ايه مني؟"
رد دون تردد وكأن تلك الأجابة حُفرت في صميم قلبه فكان جميع خلاياه تصرخ بها:
"عايزك... عايزك يا زيتونة وبعترف.... بس المرة دي مش عايزك كام ساعة تسليه،، عايزك معايا على طول"
وقبل أن تنطق كان يقول بسرعة:
"اسمعيني الاول،، انا بنتي عايشه مع اختي فـ بيتها.. آن الآوان بقا اجيب بنتي تعيش معايا، وانتِ هتكوني المربيه بتاعتها.. هتكوني معانا فـ البيت وانا مليش دعوة بيكِ صدقيني، وهتاخدي مرتب زيك زي اي مربيه هجيبها لبنتي !! ها قولتي ايه؟"
كانت نظراتها تائهة، ولكن سرعان ما إرتكزت وهي تردف بجدية:
"طب وانا ايش ضمني انك هتصدُق المرة دي"
رفع كتفاه متمتمًا:
"مفيش ضمان.. لازم تثقي فيا"
عندها رفعت حاجباها ساخرة وهي تمط شفتاها:
"اثق؟؟! هيهيهي... على رأي المثل " يا مآمنة للرجال يا مآمنة الميه في الغربال"
ابتسم جواد على روحها المرحة التي تظهر رغمًا عنها دائمًا.
ليهمس:
"لا،، المرة دي بجد"
كادت تنطق ولكنه قاطعها للمرة الثانية يغمغم بما جعل عيناها تتسع بذهول من إصرار ذلك الرجل:
"وعشان تبقي عارفه لو ما رضتيش بالزوق أنا هطلبك فـ بيت الطاعة"
ثم إتسعت ابتسامته مستطردًا:
"لإني ماطلقتكيش يا زوجتي العزيزة"
تأففت مرة بعد مرة.
ثم قالت موافقة على مضض:
"موافقة يا بعلي العزيز"
صاح جواد مستنكرًا بمرح خفيف:
"بعلك؟؟؟ إنتِ بتشتميني يا بيئة!! جواد بيه صفوان باشا يتقاله يا بعل؟!"
كادت "سيليا" تبتسم رغمًا عنها.
ليعاود الاقتراب منها مرة اخرى وهو يتشدق بعبث:
"ايوة كدة يا شيخه.. اضحكي خلي الدنيا تضحك فـ وشنا، ودلوقتي بقا لو سمحتي عايز اخذ جرعتي"
حدقت به بعدم فهم لتجده يجذبها له بسرعة ويلتهم شفتاها في قبلة محمومة.
قبلة تُعبر عن اشتياقه.. عن جنونه بها وخوفه الذي كاد يقضي عليه.
كانت "أسيا" في المرحاض تحديدًا تجلس في البانيو لتستحم بعد أن عادت لطبيعتها نوعًا ما.
ولكن حتى الان لا تتخيل أنها كانت على بُعد خطوة يتيمة من الموت.
أنها ستترك كل شيء.. لن ترى والدها.
والاهم لن ترى أدم مرة أخرى.
لن تشعر بغيرته المجنونة وخوفه بل وتملكه فيها.
حاوطتها الافكار من هنا وهناك فبدأت تبكي كالأطفال بصوت عالٍ.
مرت دقائق معدودة ووجدت "أدم" يخترق المرحاض بسرعة متلهفًا كالمجنون يسألها بقلق:
"مالك يا حبيبي؟؟ ايه اللي حصل"
جلس على طرف البانيو يحيط وجهها بيداه وهو يسألها بخوف.
لتتعالى شهقاتها وهي تضع يدها على يداه التي تحيط وجهه.
تنظر لعيناه السوداء التي لمعت بالقلق.
لتهمس دون وعي:
"أدم انا بحبك"
توقفت الدنيا عند تلك الكلمة.
لم يعد يسمع سوى دقاته التي كانت وكأنها في حالة حرب.
لا بل كيانه كله اصبح في حالة هرج ومرج.
نال حبها واخيرًا.
فرض سيطرته على قلبها كما فرضت سيطرتها هي على روحه العصية.
رفعها من ذراعاها يبعد خصلاتها عن وجهها وهو يسألها بلهفة واضحة:
"انتِ قولتي ايه ؟؟ قولتي ايه يا أسيا!!! قولتي ايه يا طفلتي عيديها... عيدي ارجوكِ"
كررت بصوت مبحوح:
"بحبك يا ادم.. بحبك... بحبك..."
في اللحظة التالية كان يبتلع باقي حروفها في جوفه.
يلتهم شفتاها بنهم ناعم متناغم جعل كيانها يرتجف استجابة له.
لم تكن تعي هي الاخرى أنها تقف عارية بين يداه.
لفت يداها حوله تحاول مبادلته تلك القبلة التي تحولت لعدة قبلات مجنونة.
ابتعد عنها لحظة يلهث بصوت مسموع.
زادت ظلمة عيناه ولمعت بها الرغبة وهو يُدقق النظر لمعالم جسدها.
حينها شهقت هي بصوت مكتوم فأسرعت تحتضنته لتختبئ منه فيه.
أبعدها دقيقة ليخلع قميصه ثم باقي ملابسه على عجالة.
ثم انضم لها يُشبعها تقبيلاً وهي تأن استجابةً له.
ليبـدأ استحمام من نوع آخر.
رواية اسير غرامك الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سيليا البحيري
كانت "أسيـا" تتسطح جوار "أدم"... تستمـع لضخات صدره التي اصبحت وكأنها في سبـاق..
سبـاق كان الحكم فيه هو العشق !!
نظـرت له بطرف عينـاها لتجده يحدق في اللاشيء دون تركيـز... فتنهدت بعمق والافكـار تتشابك كالعجين اللين داخل ثنايا عقلها....!!!
لا تدري هل تسرعت بقول تلك الكلمة ام لا..ولكن ما هي متيقنة منه أنها تكن مشاعر واضحة لأدم... تخشى فقدانـه... وتغار عليه بجنون !!؟
تململت وهي تهمس بأسمه بخفوت :-
أدم...
همهم بصوت خفيض وهو يضغط على خصرها برفق :-
امممم؟؟
استقامت لتستند على صدره بيداها وتغطي جسدها بإحكـام... ثم همست بابتسامة ماكرة :-
هو ده عقابك؟؟ عشان تعرف بس انا ماحدش بيقدر يقسى عليا اصلًا..!
نظـر في عينـاها التي يتوه في كل مرة بينهما !!...
لتتشكل ابتسامة عابثة على ثغره وهو يقول :-
لا منا حبيت العقاب ده اكتر.. وبعدين مش عايزك تقلقي انا مش بنسى !
عضت على شفتاها بتوتر وهي تخفي وجهها في احضانه... لتتنهد بعدها مرددة :-
خايفه اندم يا أدم.. حاسه اني اتسرعت !!!
تجمدت قبضته على خصرها... اذا كانت هي تشعر بالندم.. ماذا يشعر هو ؟!!!
يشعر بالنيـران تلتهم ما تبقى من كرامته امامها لتتركه كالمُعرى يبتلعه الخزي !!....
نهض فجأة يبعدها عنه لتسأله بهدوء :-
انت رايح فين؟!!
كان يرتدي ملابسه وهو يجيب على مضض :-
ورايا حاجات أهم...
وبعدما انتهى نظر لها ليتابـع ببرود :-
معلش.. دي كانت غلطه ولحظة ضعف مني !!
اعتدلت في جلستها بسرعة كالذي لدغها ثعبـان.. لتزمجر فيه بحنق واضح :-
انت مُدرك إن الغلطه دي ممكن يحصل حمل بسببها ؟!!
رفـع كتفاه بلامبالاة ظاهرية وتشدق بـ ؛-
ياريت.. بس ماعتقدش !
صرخت بجنون تناديه قبل ان يخرج :-
أدم.. يا أدم
نظر لها بطرف عينـاه لترى العبث كالأشـواك التي غُرزت بعيناه وهو يغمغم غامزًا لها بطرف عيناه :-
"أدم" كمان بطريقتك دي وهفهم انها دعوة صريحة عشان أجي ونعيد امجاد الليلة اللي فاتت تاني !!
عندها كُتمت أنفاسها بصمت لتتعالى ضحكاته الرجولية التي دغدغت حواسها...!
ثم غادر الغرفة ببرود تام تاركًا إياها تشتعل من الغيظ وهي تسبه وتلعنه في كل لحظـة.....
مرت حوالي عشر دقائق لتسمع صراخ "چمانة" يملأ اركـان القصر...
فنهضت فزعة تركض لتلحق بهم !!....
خرجت شروق خلف أدهم مباشرةً وكأنها تختبئ خلفه من أعينـهم...
أعينهم التي كانت تجلدها في كل لحظة تقـع فيها عليها حتى فقدت قدرتها على الاستمرار !!!....
جلسـا أمام "الشيخ" الذي من المفترض أنه سيُطلقهم رسميًا...
كانت شروق متشبثة بقميص أدهم تهمس بصوت مبحوح مرتعد :-
ادهم ماتعملش كدة،، انا مش عايزة اطلق انا عايزة افضل مراتك يا ادهم
ربت أدهم على يدها في حنو يُقبل باطنها وهو يبادلها الهمس المتملك ؛-
وانا مستحيل أسيبك لراجل تاني اصلاً يا قلب ادهم!
جلسـا أمام ذلك الشيـخ وأدهم يُهيء نفسه للحظة الفاصلة التي ستقلب صفحات حياتهم...
وعندما قال الشيخ :-
يلا أمضوا هنـا
نظر أدهم له يهتف بصوت أجش تماوجت بينه الحدة ؛-
هو مش الطلاق لا يصح في حالة الأجبار برضه يا شيخنا ؟!!! هو مش المُطلقة لها عدة برضه !!
سمع همسة شروق المتهكمة جواره :-
إنهم يدعون لدينًا جديدًا...
كاد أدهم يضحك ولكنه تمالك نفسه بصعوبة ليكمل بخشونة تليق به :-
ده الدين اللي انا اعرفه،، يعني شروق مراتي وانا مش عايز أطلقها !!
كان الشيخ ينقـل نظراته المترددة ما بين أدهم و "الجد" الذي كان يُطلق نظراته الناريـة التي كانت كالسهـام المشتعلة التي تود أختـراق صدر العدو...!
فصاح الجد بصوت عالٍ مستنكرًا ما يحدث بشدة :-
ايه ده يا أدهم؟؟ هو لعب عيال ولا ايه!!!!؟
هـز رأسه نافيًا ببساطة :-
لا،،، ده جد الجد كمان.. وعشان اثبتلك قد ايه انا جاد مش بلعب... البوليس زمانه على وصول واوعدك هبقى ازورك واجبلك عيش وحلاوة عشان تعرف اني اصيل بس !!!
إنتفخـت اوداجه وهو يشعـر بصفعة عنيفة أطاحت بأحلامه التي كان يبنيها ارضًا...
بينما أدهم يراقبه بتشفي مبتسمًا وهو يضم شروق له.. حينها ظهر ابن عمها "مراد" وهو يُمسك بسلاحه صارخًا كالمجنون في أدهم :-
انت مفكر انك هتدخل البوليس بيتنا ولاول مرة وهتخرب كل حاجة وهسيبك؟؟! لا عليا وعلى اعدائي....!
ولم ينتظر اكثر بل أطلق النار بعشوائية تجاه أدهم الذي لم تسعفه المفاجأة للفرار من بين قبضة..... الموت !!!
دلف "مصطفى" إلى احد المنازل بهدوء تام.....
ليجد فتاة ما تجلس امام الشرفة بشرود تعطيه ظهرها ليظهر نحالة جسدهـا...
تنحنح مصطفى بصوت عالي يناديها :-
نشوى !
استدارت حينها بسرعـة تنظـر له،،، لتحدق به بنظرة تصرخ بالحنق والعجز وهي تتمتم :-
ياااه واخيرًا افتكرت نشوى يا مصطفى !!؟ بقالك شهر ما بتسألش فيا حابسني فـ الشقه دي من ساعة اللي حصل.. بسرعة كدة نسيت نشوى اللي سابت كل حاجة عشانك حتى انها خانت جوزها عشانك !؟
تأفف من "الاسطوانة" المتكررة التي تلقيها على مسامعه في كل مرة يأتي ليزورها فيها...
جلس أمامها يضع يداه في جيبه ليخبرها بجدية :-
سيبك من كل ده.. انا جايلك فـ حاجة مهمة
هزت رأسها بعدم فهم :-
حاجة ايه؟؟ انت مش قولت اني هختفي عشان جواد مايعرفش اني لسه عايشه!!؟
هـز رأسه نافيًا... لتسيطـر الظلمة على جحري عيناه كسيطرتها على غابة موحشة مشبعة بالشراسة وهو يردف :-
لا... آن الآوان بقا انك تظهري وتعرفي جواد انك لسه عايشه وتحاولي تقنعيه انك ماخونتيهوش لانه تقريبا عرف حقيقتك،، وتبتدي تطالبي ببنتك
كسارعت تمسك يداه وهي تهمس بوله :-
بس انا مش عايزة جواد وبنتي انا عايزاك انت !
نفض يداها عنه وكأنها وباء،، ثم بدأ يزمجر فيها بجنون :-
بس انا بقا عايز انتقم.. هتنفذي اللي قولت عليه ولا اروح انا اعرفه انك لسه عايشه واعرفه بالمرة ان البت مش بنته ؟؟؟؟!!!!!!
كانت "أسيا" في غرفتها تجلس شاردة في اللاشيء عندما رن هاتفها معلنًا عن وصول رسالة جديدة...!
فتحت هاتفها لتجد رسالة من رقم غريب مكتوب بها
" انا مدحت ابن خالك.. انزلي قدام بوابة القصر في حارس هيساعدك تخرجي لازم اشوفك "
انتفضت بسرعة تتصل به لتجده يجيب مرددًا بصوت أجش :-
ايوة يا حبيبتي،، يلا تعالي مستنيه ايه؟!!
صرخت فيه أسيا بغيظ :-
انت جبت الرقم ده منين وعايز ايه مني؟!!!
- مش عايز حاجة انا هتكلم معاكِ وهسيبك ترجعي على طول
- لا مش جايه
- يبقى انا اللي هجيلك واوعدك مش همشي الا اما اضمن ان ادم صفوان يدفنك هنا !!!
حينها ابتلعت ريقها بتوتر ثم اومأت وكأنه يراها وردت :-
انا جايه حالاثم اغلقت الخط لترتدي اي شيء يُقابلها بسرعة وركضت نحو الاسفل....
وجدت الحارس الذي أشار لها وبالفعل وجدت نفسها في الخارج امام "مدحت" الذي كان كذئب يركض وراء فريسته !!....
اقتربت منه حتى اصبحت امامه لتهمس بحنق واضح :-
انت عايز مني ايه تاني سبني في حالي بقا !!!
مد يداه ليحيط كتفاها ولكن قبل ان ينطق أخترق مسامعها صوت أدم الذي يصرخ بأسمها بجنون متقدمًا منهم وبيده سلاحه....
حينها أدركت ان الحرب اشتعلت لا محالة !!!!!!!
رواية اسير غرامك الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سيليا البحيري
الفصل الثالث عشـر
دقائق معدودة كانت مُهلة أسيـا لتستوعب الأعصار الذي أقتحم فصل السكينـة المظلمة ليحل محله عاصفة بيضاء ظاهرة ولكنها مؤذية !!....
أستدارت تعطي ظهرها لمدحت الذي تجمد مكانه يحاول استيعاب كيفية ظهور أدم الان وكأنه -عفريت العلبة- !!!!
أصبح "أدم" امامهم مباشرة يصيح في مدحت بصوت جعل أسيا تكاد ترتجف من الخوف :
-انت بتعمل ايه هنا يا مدحت؟؟ جاي للموت برجليك؟!!!!
حاول مدحت عزل التوتر عن مرمى تعبيراته وهو يقول :
-جاي اشوف بنت عمتي يا ادم !!
رفـع أدم سلاحه في وجهه لتركض أسيا ناحيته تمسك يداه وهي ترجوه بصوت مبحوح :
-ادم ارجوووك اوعى تعملها،، مهما استفزك اوعى تقتله !!
ولكن الاخر كان متشبثًا في تلك الفرصة التي أتته كنجـدة من وسط الامواج العاتية لتشويه صورة أدم،،، فأكمل وهو يتلاعب بحاجبيه ليستفزه :
-هو اصلاً مايقدرش يعملها يا أسيا متخافيش عليا !
عندها لم يستطع أدم السيطرة على ذلك الشعور الذي أحتل كيانه كوباء يجري في الدم....!
فأطلق الرصاصة لتُصيب قدم مدحت الذي سقط ارضًا يصرخ من الالم...
حينها شهقت أسيا بعنف وهي تحدق بأدم الذي لم تهتز ملامحه ولو ثانيـة...
كانت باردة وثقيلة كما اعتادته ذئب ينل شرف التخلص من فريسته ثم يقف ليراقب صعود روحها !!!..
أشـار أدم لرجاله أن يحملوه وهو يردد بصوت متهكم قاسٍ :
-دي مجرد قرصة ودن بس،، عشان مراتي حبيبتي طلبت مني ما أقتلكش.. لكن قسمًا بالله لو رجلك خطت القصر ده تاني لايكون اخر يوم فـ عمرك،،، يلا ارمووووه برا !!
دقيقة أخرى مرت قبل ان يسحبها أدم من ذراعها... فركضت معه بسرعة لاهثة تفكـر....
تشعر بشيء كالزلزال يهز كيانها كله بعنف !!..
وصلا غرفة أسيـا فدفعها أدم بقوة يزمجـر فيها صارخًا بجنون ؛
-كنتي بتعملي ايه معاه؟!!! روحتي تقابليه لية يا أسيـا ؟؟؟
رفعـت كتفاها بقلة حيلة تحاول الدفاع عن نفسها امام اعصاره :
-طلب يشوفني وهددني وانا كنت خايفه !
بمجرد أن أنهت كلماتها وجدت سبابه يخرج كالأعيرة الناريـة التي تُلقح جوفها وهو يردد :
-خايفه خايفه خايفه انتِ مابتبطليش خوف.. على طزل الخوف مسيطر عليكِ،، في كل مرة بقولك ماينفعش تخافي ماتخافيش لكن برضه مش قادرة تثقي فيا بعد كل ده !!!!
صرخت هي الاخرى بالمقابل بصوت مرتجف رغم علوه :
-اعملك ايه مش ذنبي بقا انك مش عارف تخليني اثق فيك يا ادم باشا !
صمت برهه.... برهه كانت كنقطة إنتقال فاصلة...!!
نقطة انتقال ولكنها شاذة..!!!
فهي قد عادت بهم لأقل من منتصف الطريق.. طريق استنزفهم روحيًا ليسلكوه!!....
وفجأة وجدته يقبض على ذراعها بعنف وهو يتشدق بنبرة فاحت منها رائحة الغيرة ؛
-وعدم ثقتك فيا هي اللي خلتك خايفه عليه برضه ؟!!
هـزت رأسها نافية،، ثم قالت بصراحة :
-لأ مش خوف عليه.. بس مكنتش هقدر اكمل حياتي مع واحد قاتل
ضيق عينـاه وكلماتها تجعل عشقه المُهيمن ينكمش شيءً فشيء... ليعود كما كان...
وتعود للظلمة سلـطة واضحة !!!...
ليسألها بصوت اشبه للهمس :
-يعني ايه ؟؟!
رفعت رأسها بنبرة تحدي استفزت جبروته كـ "أدم صفوان" :
-يعني يا أنا يا شغلك والعالم الاسود ده يا أدم ؟!!
تأوهت بصوت عالي عندما لف ذراعها بعنف خلف ظهرها لتستند بظهرها على صدره العريض.. وهمساته تُقيم الحد على جوارحها فتقشعر بدنها من أنفاسه على رقبتها التي ظهرت... ثم قال بصوت خشن رجولي :
-مش أدم صفوان اللي واحدة تلوي دراعه !!
نطقت بحروف حاولت تشكيل ملتقى بينهم :
-مش لوي دراع.. بحاول أخلصك من جبروتك اللي بقى مسيطر عليك ومش مخليك شايف حاجة.. حتى مابقتش شايف ربنا ومابقاش فـ حسبانك !!!!!
شعرت بيداه ترتخي رويدًا رويدًا.. لتستدير تمد يدها لتتحسس ذقنه النامية وهي تتابـع بهمس ناعم :
-انا حبيتك يا أدم،،، عشان كدة بخيرك !
أبعدها عنه فجأة يصيح :
-انتِ مش بتخيريني انتِ بتحاولي تجبريني،، وطالما حطيتي نفسك فـ مقارنه واختيار
ثم خفت صوته وهو يكمـل بجمود :
-يبقى هختار شغلي وحياتي وعالمي الاسود زي ما قولتي يا أسيا !!!
ثم استدار ليغادر تلك الغرفة صافعًا الباب خلفه بعنف جعلها تنتفض !!........
******
دلف "جواد" مع "سيليا" وطفلته إلى منزله....
كانت السعادة تغمره كليًا فلم يعد تدخل القدر يُعكر صفو تلك السعادة....!!
كانت سيليا تحمل الطفلة بين أحضانها لتهمس له وهي تتجه نحو الغرفة :
-هروح أنيم سلسبيل
اومأ جواد موافقًا ثم تحرك خلفها ببطء حتى يلا يُوقظ الصغيرة... وضعتها سيليا على الفراش برفق ليقترب جواد بهدوء ثم اقترب ليطبـع قبلة رقيقـة على جبين طفلته... ثم أتبعها بقبلة على على جبين سيليا التي شعرت وكأن كهرباء سارت على عمودها...!!
تجمدت سيليا مكانها لتجده يقترب اكثر ليطبـع قبلة اخرى على وجنتها...
أنفاسه تلفح صفحة وجهها لتجعل كيانها كله ينبض بعشقه..!!!
ليطبع قبلة اخرى على جانب ثغرها حينها حاولت سيليا إبعاده بسرعة.. ليرفع حاجباه هامسًا بمكر :
-تؤ تؤ،، يرضيكِ البت تحس بالنقص وتقول بابي مش بيدي مامي بوسة قبل النوم زي كل الابهات ؟!
جـزت على أسنانها بعنف تهمس بحنق أخفى ابتسامتها بصعوبة :
-لا مايرضنيش،،، يلا نخرج بقا
وبالفعل تركته وركضت نحو المطبخ.. بدأت تبحث عن اي شيء يصلح للأكل بملل...
وبالطبـع جواد كان كـظلها الذي يأست من وضع حاجز بينها وبينه!!
وجدت شيكولاته فأمسكت بها تسأله :
-حلوة دي تتاكل ولا جايبها مركونه بقالك قرن ؟!
لا تدري لمَ ظهرت ابتسامـة خبيثة مغموسة بالعبث وهو يقول :
-اه دي حلوة جدًا كمان..
وضعتها سيليا في فاهها تنوي أكلها ولكنها انتفضت عند صراخ جواد فيها فجأة :
-استني استني انتِ بتعملي ايه!!؟
إتسعت حدقتاها وهي تنظـر له كالصنم الذي تحجر من تزايد الصمـود والسكـون القاسي !!!...
كانت الشيكولاته طرفها في فاهها ليقترب جواد ويقضم ببطء الطرف الاخر منها..
وعن عمد لامست شفتاه طرف شفتاها التي إرتعشت وأفرزت جوارحها الملكومة استجابة رغمًا عنها !!
لتعود للخلف بسرعة متمتمة بتحذير :
-جواد !!!!؟
نظر له بنصف عين مغمغمًا ببراءة مصطنعة :
-ايه؟ يرضيكِ البت تقول بابي مش بيخلي مامي تدوق الشيكولاته بنفسه؟!!
عندها لم تتمالك نفسها فضحكت برقـة جعلت من قلبه حُبيبـات صغيرة مُتفتتة تصرخ بأسمها وطلبًا لها !!....
ثم تابعت بابتسامة ماكرة :
-لا مايرضنيش يا جواد
عندها لم ينتظر وفي لحظة كان يُحيط خصرها بيداه يضمها له بقوة وشفتاه تنال شفتاها في قبلة طويلة متلهفة ونهمة يلتهم فيها شفتاهـا....
لم تشعر بنفسها وهي ترفع يدها لتحيط ظهره ببطء.. فازدادت قبلته تطلبًا وشغفًا.....!
وفجأة سمعوا صوت طفلته تصرخ ببكاء :
-باااابااااا
إنتفض مبتعدًا عن سيليا يغمض عيناه وهو يسبها بعنف :
-الله يخربيت ابوكِ.. قطعت الخلف !
ثم تدارك نفسه بسرعة ليركض نحوها يتمتم متحسرًا بحنق واضح بينما تتعالى ضحكات سيليا على مظهره المُضحك :
-قصدي ايوووه يا حبيبتي.. جاي يا فضحاني ومجرساني فـ كل منطقه !!!!......
*******
بعد أيـام..........
كانت "أسيا" تجلس في غرفتهـا تنظر من الشرفة في إنتظـار أدم الذي اصبح يتعمد تجاهلها...!!
منذ أخر لقاء لهم وهو يأتي من عمله متأخرًا فتستقبله تلك الشمطاء "چمانة" مستغلة ابتعاده عن "أسيـا" وفي الصباح يتجه لعمله ايضًا دون ان يراها !!....
ولكن الى هنا وكفى.....
اليوم ستُبيد قشور تلك الفجوة التي تنمو بينهم يومًا بعد يوم...!
وعندما رأته يدلف الى القصر ركضت بسرعة نحو المرأة تلقي نظرة سريعة على مظهرها ثم فتحت الباب لتجده ينوي التوجه لغرفته كالعادة..
عندها تنحنحت بسرعة وهي تنادي :
-أدم... أدم استنى لو سمحت!!
استـدار ينظـر لها بطـرف عينـاه... رغم البرودة المعتادة التي صفعتها بمجرد أن سقطت عليها الا انها قالت بصوت مبحوح :
-ادم لو سمحت تعالى
تنهد عدة مرات قبل أن ينصاع لأمر قلبه بالتقدم نحوها.. وبالفعل دلف معها ليجدها تحتضنه بسرعة بمجرد أن اقترب منها
لا يدري ما ذلك الشعور تحديدًا... ولكنه يشعر بشيء كاللهب يشتعل ليكوي احشاؤه !!...
يشعـر بفراشات تدغدغ مكنون مشاعـره التي تجمدت مختبئة اسفل ظلال ظلمته..
وتلقائيًا كان يضمها له بقوة ليسمعها تتأوه بصوت مكتوم مغمغمة :
-وحشتني اوووي.. اوعى تبعد عني تاني !!
دفن وجهه عند رقبتها يلثم رقبتها بعمق.. اشتاقها حد الجنون !!!!!.....
يشعر بكل خلية من خلايا جسده تطلبها وبشدة..!
ولكنه ضغط على نفسه ليبتعد ببطء وهو يسألها بهدوء :
-ايه الريحه الحلوة دي؟!!
عضت على شفتاها وهي تهمس له بمكر :
-ده ملمع الشفايف اللي انا حطاه
غامت عيناه بسحابة عابثة خبيثة وهو يتابع متساءلاً :
-وياترى طعمه حلو زي ريحته كدة!؟
رفعت كتفاها ترد بخبث انثوي :
-دوق بنفسك !!
اتسعت ابتسامته ليمد إصبعه ببرود يتحسس شفتاها ثم لعقها بتلذذ ليقول بعدها ببرود كاد يُصيبها بشلل :
-مممم طعمه مش بطال حلووووو
كانت متسعة الحدقتين تنظر له دون تعبير واضح.. وكأنها لم تعد تستطع لملمة بعثرة مشاعرها !!....
ولكنها فجأة امسكته من ياقة قميصه لتقف على قدمه حتى تصبح في مستواه... ثم ومن دون تردد كانت تُقبله هي...
تحاول بعثه في رحلة من الشغف والجنون كما يفعل هو !!...
ولكنها لم تعرف المعنى الحقيقي للجنون الا عندما تولى هو قيادة تلك القبلة لتصبح عدة قبلات متفرقة مجنونة مشتاقة !!!!....
رفعها بخفة يضعها على الفراش ويعتليها لتبدأ هي تفتح ازرار قميصه ببطء وهي تهمس له :
-قولي انك لسة بتحبني !
كان يُقبل رقبتها ببطء وعمق جعلها ترتعش في احضانه وهو يردد بصوت خشن من فرط رغبته بها :
-انا عديت مرحلة الحب من بدري،،، انا مهووووس بيكِ يا طفلتي !!........
ليسحبها معه في رحلة جديدة في عالم ليس بجديد.. عالم دونت فيه اسماءهم كأسطورة فخر للعشق المولع بأرواحهم..!!!!
********
في المستشفى......
كانت شروق تجلس على كرسي امام فراش أدهم الذي يتمدد عليه وينام تحت تأثير المخدر....
حتى الان يمـر بعقلها ما جرى كشريـط طويل قاسي على ذلك العقل فجعله يكاد ينفجـر من الافـكار التي تستوطنه بجبروت !!.....
بعدمـا جاءت الشرطة لتأخذ الجد و"مراد" الذي أخذ يدعي انها دون عمد...
جاءت الاسعاف بأدهم للمستشفى ليخبرها الطبيب انه مجرد جرح في ذراعه....!
نظرت لأدهم المستكينة ملامحه ليُحفر داخله بضع حروف جعلت كيانها يهلل ملتفًا حولها....!!
أنها تحب أدهم.....
تحبه كما لم تظن يومًا !!؟
بل ولا تستطـع العيش بدونه ايضًا... ضمت يداه تقربها لفاهها وهي تُقبل باطنها بحنان هامسة :
-بحبك اوووي يا ادهم...
في تلك اللحظة تحديدًا صدح صوت هاتفه يعلن وصول إتصـال لتمسكه بهدوء فتجد أسم منار الذي جعلها تقطب بضيق وقد بدأ الامتعاض يستوطن ملامحها فيقضي على تلك الجوارح النابضة بالعشق...!!!
اجابت على الهاتف ولكن قبل ان تنطق سمعت منار تقول بصوت شبه باكِ :
-ادهم انا حامل.... انا حااامل يا ادهم سامعني انت لازم تتصرف ونتجوز بأسرع وقت !!!!......
وكأن كان للقدر رأي اخر على اعتراف لم يستطع الصمود في النور لبضع دقائق !!..........
*******
في اليوم التالي......
بدأت أسيـا تفتح عيناها ببطء... ولكن هناك شيء غريب !!!
تشعر بيداها مُقيدة وقدماها كذلك.. تشعر بشيء يجثو على أنفاسها فلا يُعطيها الحرية حتى..!
فتحت عيناها ليتضح أنها ليست بغرفتها ابدًا بل في احد الغرف المغلقة تجلس على كرسي حديدي مربوطة وفاهها مكتوم !!.....
بدأت تحاول التحرك تحاول الصراخ...
وفجأة وجدت الباب يُفتح ورجل ما يبدو أنه ليس بمصري او عربي حتى...
امتلأت عيناها بنظرات مرتجفة وهي تحدق به.. ليبتسم هو بسماجة مرددًا بالأنجليزية :
-اهلاً بكِ يا سيدتي...
حاولت أسيا الصراخ فأزال ذلك اللاصق عن فاهها بهدوء لتزمجر كالمجنونة بالأنجليزية ايضًا :
-اين أنا ومن أنتم ؟؟!!!
وضع يداه في جيب بنطاله ثم أجاب ببرود كاد يُذيب عظام أسيا من الرعب :
-أنتِ في اسرائيل سيدتي.... ومن نحن فلا استطيع اجابتك الان !!
صرخت أسيا بفزع وكأنها تود الاستيقاظ من ذلك الكابوس :
-ااااااااادم !
ولكن وجدته يضحك بسخرية مغمغمًا بخبث :
-لا تقلقي يا آآ... اه ما اسمك؟ أسيا.... لا تقلقي فـ زوجك الحبيب فـ الغرفة المجاورة.. نتشرف باستضافتكم هنا
ثم اقترب من وجهها كثيرًا وأكمل :
-واستضافتكِ انتِ تحديدًا.......!!
*******
رواية اسير غرامك الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سيليا البحيري
جلست كما هي، والفراغ الموحش يحتل حدقتي عينيها وهي تنظر للاشيء.
لا تريد سوى رؤيته، سوى الهروب لملاذها، الاختباء بين حنايا روحه فلا تُعتمها ظلمة ليله.
مرت دقائق منذ أن خرج ذلك الأبله من عندها، والذعر يفرغ ثبات روحها.
وفجأة وجدت الباب يُفتح و"آدم" يدلف بشموخه المعتاد.
رؤيته أطفأت آخر شمعة للأمل داخلها.
أمل أن هذا حلم، لا بل كابوس، كابوس تمنته ولأول مرة.
كان ذاك الرجل قد فك وثاقها، فنهضت صارخة تحتضن آدم وهي تردد بصوت مذهول:
"آدم... هو إحنا فعلاً في إسرائيل يا آدم؟ آدم رد عليا أنا خايفة!"
ضمهـا له برفق يحيطها بين ذراعيه، يحاول إخماد لوع قلبه المحترق، فيعاود إحياء رماده من بين غصون الماضي.
أبعدها برفق يصفف خصلاتها برقة متمتمًا بصوت حاسم:
"آسيا أنا عايزك تهدي، شيلي الرهبة من إسرائيل من دماغك، إحنا في بلد أجنبية وبس وكلها فترة وهنرجع بلدنا تاني."
أبعدت يديه بسرعة تصرخ بجنون:
"ماتقوليش أهدي.. إحنا مخطوفين انت متخيل؟!"
ثم أكملت ببحة باكية تسأله:
"آدم أنا خايفة أوي، هما عايزين منا إيه؟ انت تعرف الناس دي منين يا آدم؟"
تحسس وجنتها بحنان يحاول زرع الطمأنينة بين أرض جوارحها البور.
ثم همس بتحذير:
"اسمعيني يا آسيا.. الموضوع أكبر مانتي متخيلة! الموضوع دلوقتي له علاقة بالداخلية عندنا في مصر، عشان كده الناس دي جابونا هنا عشان ماحدش يعرف يتصرف من مصر.. بيعجزوهـم بس!"
سألت آسيا لاهثة:
"وانت مالك بالداخلية؟ انت قولت إنك بتتاجر في السلاح."
تنهـد آدم تنهيدة طويلة تحمل في طياتها الكثير:
"ده كان زمان.. قبل ما أشتغل مع البوليس، شغلي معاهم خلاني تعمقت علاقاتي وسط المافيا وتجار السلاح.. وحاليًا الناس دي وصلهم خبر، فعايزني أنفذ لهم أكبر صفقة في تاريخهم بما إني على علاقة بالبوليس يعني عايزني أنا اللي أتصرف!"
بدأت تبكي بصوت عالي وشهقاتها تملأ المكان.
تشعر باللكمات تزداد مسددة لروحها بعنف.
حاولت تهدئة نفسها وهي تسأله بخوف:
"وهتعمل إيه يا آدم؟"
هز رأسه نافيًا:
"مش هينفع نتكلم هنا يا حبيبي، بس صدقيني مش هنطول هنا كتير."
سألته مرة أخرى وهي تفكر:
"طب إزاي قدروا يوصلوا لنا رغم كل الحرس اللي كانوا موجودين؟"
تنهـد آدم بصوت مسموع ثم هتف بشراسة:
"قالوا استأجروا واحد من الحرس بكل بساطة عشان يدلهم على الباب السري للقصر!"
وفجأة وجدته يخلع قميصه بسرعة.
فتسارعت نبضات قلبها بقلق وهي تسأله مستنكرة:
"انت بتعمل إيه؟!"
وجدته يشق القميص بعناية ليضعه على خصلاتها بدقة حتى أصبح كـ (الشملة) التي يرتديها البدو لتغطي شعرها كاملاً.
حينها نظر في عينيها مباشرة لتفوح الغيرة وهو يخبرها بنبرة تملكية:
"قولتلك مليون مرة مش مسموح لراجل غيري يشوف شعرك ولا أي حاجة منك."
وبحركة مباغتة جذبها من خصرها له لتصطدم بصدره العريض الذي ظهر من الفنلة الخفيفة التي يرتديها.
لتلفح أنفاسه الساخنة عنقها الأبيض فتجعل عرقه يثور بارتجافة عنيفة.
خاصةً وهي تسمعه يهمس أمام شفتيها:
"إنتِ بتاعتي أنا بس!"
غمست وجهها عند رقبته، تتنفس بصوت عالي وأنفاسها تشعل رغبته بها رغم كل شيء.
لتردف بهمس حاني:
"آدم أنا بعشقك.. وبعشق غيرتك عليا."
شعرت بصوت يبتسم وهو يتشدق بعبث محاولاً التخفيف عنها:
"وأنا بعشق أمك.. وصدقيني مشتاق أوي إني أثبتلك ده بس لما نرجع يا رووووح الروح!"
لتضحك هي وهي تشدد من احتضانه.
بينما هو تظهر ملامحه المحفورة بمشاعره الحقيقية.
ليظهر الغيظ والجنون مختلطًا بغضب الشياطين.
***
كان تنفس شروق بصوت عالي علامة على قيام حرب دامية يحركها نيران العشق.
فكرة أنه اقترب من تلك المخلوقة تحرقها، تدميها داخليًا ببطء شديد.
بل وأنها ستنجب طفل منه أيضاً؟
عندها لم تشعر بنفسها وهي تهز أدهم النائم بعنف وتصيح:
"أدهم.. أدهم قومه!"
أفاق أدهم مفزوعًا يردد بهلع:
"إيه إيه القيامة قامت ولا إيه؟!"
ضغطت على أسنانها بحنق حتى أصدرت صوت صكيك عالي.
ثم أخبرته بجنون:
"قامت قيامتك يا شيخ.. قوم يا أبو الواد قوم!"
ابتسم أدهم يشاكسها كالصبيان:
"إيه هو أنا طولت في الغيبوبة لدرجة إننا خلفنا ولا إيه؟"
عندها اقتربت منه أكثر تصرخ بصوت عالي غير مبالية بأي شيء:
"انت بتهزر كمان؟ يا خاين يا واطي.. قوم أم أربعة وأربعين حاااامل!"
عقد ما بين حاجبيه يسألها ببلاهة:
"أم أربعة وأربعين مين يا حبيبتي؟"
كادت تبكي وهي تصرخ به:
"حبك بُرص وعشرة خرص.. منار هانم مكلمـاك وبتقولك أدهم أنا حامل يا أدهم انت لازم تتصرف."
قالت آخر كلماتها وهي تقلد صوت "منار" برقة ساخرة.
مرت دقيقتان وهو متسع الحدقتين.
عيناه ثابتة بجمود بارد أطاح صواب شروق التي أكملت صارخة:
"انت ساكت ليه؟ انت قربت منها؟ رد عليا قول."
تنهد أدهم بهدوء قبل أن يضيق عينيه وهو يسألها مستنكرًا:
"انتي من رأيك أعملها ولا؟"
لم تنظر له وهي تتابع باختناق:
"والله أنا مابقتش عارفة حاجة."
حلقت على ثغره ابتسامة باردة، جامدة تحوي بين ثغراتها غليان قاسي.
ليرد بعدها:
"تمام.. خليكي مش عارفة حاجة."
ابتلعت شروق ريقها بتوتر مغمغمة:
"يعني إيه؟"
رفع رأسه واستطرد بثبات جامد:
"يعني أنا هكمل جوازي من منار يا شروق."
رمشت شروق عدة مرات وكأنها تحاول فك تعاويذ جروه التي جلدتها بقسوة.
لتهمس بصوت متحشرج على وشك البكاء:
"طب وأنا؟ واللي حصل بينا؟"
وقبل أن يرد صرخت به:
"كانت مجرد شهوة بس صح؟"
لم يرد عليها.
بل لا يستطع أن يرد عليها.
كلامها يصيبه في مقتل، يجعله يشعر أن ثقتها به مدفونة لا يستطع بعثها حتى.
ليبتسم بسخرية متمتمًا دون النظر لها:
"ما اجتمع رجل وامرأة إلا وثالثهما الشيطان بقا."
أمسكت ذراعه المصاب دون أن تنتبه لتشده وهي تزمجر كالمجنونة:
"طلقني.. طلقني حالا."
أومأ موافقًا وقال:
"حاضر.. أول ما تاخدي ورثك وينتهي الحوار ده هطلقك يا شروق."
***
كانت "سيليا" في غرفتها.
انتهت من وضع ملابسها وهندمت نفسها ثم اتجهت للخارج.
ولكن تصمنت مكانها للحظة وهي ترى جواد يقف أمام فتاة ما صارخة الجمال.
تقترب منه كثيرًا، تنظر في عينيه وهي تنطق بصوت تماوج بينه الدلال:
"وحشتني أوي يا جواد."
عاد للخلف يضع بينهما مسافة واضحة، وإنغمست حروفه بالبرود وهو يسألها:
"ياااه؟ عادي كده تختفي وتفهمينا إنك ميتة وتيجي فجأة تقولي هاي يا جواد وحشتني؟"
حينها اقتربت منه سيليا بسرعة، تضع يدها على كتفه الذي كاد يهتز من لمستها التي تثير مشاعره التي يخمدها نحو "سيليا".
خاصة وهي تقترب منه هامسة:
"مين دي يا حبيبي؟"
تجرعت ملامح "مروة" بالجمود وهي تقول دون أن تعير "سيليا" اهتمام:
"ممكن نتكلم لوحدنا.. في حاجات لازم نتكلم فيها، وكمان..."
صمتت برهة تراقب تعبيرات كلاهما لتكمل:
"عايزة أشوف بنتي!"
لم يُحرك جواد عينيها عن مروة ليقول آمرًا سيليا:
"سيليا ادخلي جوه."
سألته سيليا بإصرار:
"مين دي يا جواد؟"
صرخ حينها بعصبية فاجأت كلاهما:
"قولت ادخلي جوه كلمة واحدة متنسيش نفسك!"
كتمت أنفاسها وهي تحدق بكلاهما.
ليشحب وجهها ببطء ثم بدأت تعود للخلف شيئًا فشيء.
وصلت أمام الغرفة ولكن قبل أن تدلف رمت عينيها نحوهم لتتلف نظراتها المشتعلة عندما وجدت تلك الفتاة تقبله فجأة وهي تحيط به.
وهو لا يعطي رد فعل عنيف كما توقعت.
***
بعد فترة عند آسيا وآدم.
دلف نفس الرجل مع بعض الرجال.
ليحيط آدم كتفي آسيا بحنان وحماية تلقائية.
ابتسم الرجل بسماجة وهو يردد بالإنجليزية:
"أ رأيتم كرماء أكثر مننا؟ ولكن مزحنا كثيرا حان موعد العمل."
صرخ آدم فيه مستنكرًا بروده:
"فلتـقـل ما لديك وتغرب عن وجهي الآن."
نظر الرجل نحو آسيا التي كان كيانها كالذي أصابه زلزال بفعل كلماته.
ليتابع بخبث:
"ولكن الآن العمل ليس معك.. زوجتك العزيزة هي من ستتخذ القرار."
اقترب منهم قليلًا لتتحول ملامحه للجدية متشدقًا بـ:
"اسمعيني جيدًا... أنتِ من ستختارين عقاب زوجك، إما أن نقتله أمام عينيكِ.. أو نقضي أنا وأنتِ بضع ساعات لطيفة."
قال آخر كلمة يتبعها بغمزة خبيثة من عينيه جعلت الدماء تفور بأوردة آدم الذي نهض يود قتله وهو يصرخ بصوت يشبه زئير الأسد:
"يا **** يا **** قسمًا برب العباد سأقتلك.. سأقتلك ولو خسرت حياتي مقابل ذلك!"
ابتعد الرجل مسرعًا ولكنه نظر لآسيا يسألها بجمود:
"فلتـقـرري سريعًا سيدتي."
صمتت آسيا لحظة كانت نقطة لتحديد مصير.
ثم هتفت بصوت أجش جعل الدهشة ترتسم على وجوه جميع من في الغرفة:
"أقتله.........!!!"
رواية اسير غرامك الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سيليا البحيري
ابتسامة باردة ارتسمت على وجه الرجل، وأشار بإصبعه للرجلين آمرًا:
- أجلبوه خلفي.
استدار ليغادر الغرفة، وكاد أحد الرجال يسحب أدم ولكنه نال نظرة استوطنتها الشراسة والغل، فتراجع مرتعدًا بتوجس.
ليُسرع أدم محتضنًا أسيا التي شددت من احتضانه وهي تردد بهلع واضح:
- أدم هما هيقتلوك فعلاً! أدم اوعى تسبني.
هز رأسه نافيًا ليهدأها:
- ما يقدروا يقتلوني، على الأقل حاليًا.
اتسعت حدقتاها وقالت بصوت ازداد فيه الخوف:
- قصدك إنهم هيقتلوك بعد ما تنفذ اللي هما عايزينه؟
ربت على شعرها بحنان، وطبع قبلة عميقة على قمة رأسها مغمغمًا بصوت خشن:
- حتى لو قتلوني الموت عندي أهون من إن راجل تاني يلمسك! أنا أقسمت إنه لمجرد تفكيره ده بس هقتله، فما بالك لو جرب ينفذ؟
دفنت نفسها بأحضانِه، لا تدري لمَ يعاندها القدر هكذا فيُظهر لها ربيعًا وسط العواصف، أم هي من كانت عمياء بغشاوة قلقها. وفجأة أُزيلت تلك الغمامة عندما تفتت قسوته لشظايا.
سمعته يهمس عند أذنها مباشرةً:
- خليكِ قوية وواثقة، إنتِ مرات أدم صفوان.
أومأت عدة مرات مؤكدة، ثم نظرت لعينيه مكملة بنبرة لم ينسحب منها الخوف:
- ارجعلي بسرعة، أنا مش هقدر أكمل من غيرك.
التقط قبلة سريعة خفيفة لشفتاها، ليحدق في عينيها الزرقاء، يغرق بين بحور عشقهما التي أذابت جليد قلبه، ليهمس بنبرة حانية:
- خليكِ فاكرة دايمًا إني بعشقك، وإني هعمل أي حاجة عشان تخرجي من هنا سليمة.
ثم أمسك يدها ليُقبل باطنها بعمق جعل قشعريرة باردة تسير على طول عمودها. نزفت دمعة ملتهبة رغمًا عنها وهي تهمس له لتقلده كما يخبرها دائمًا:
- خليك فاكر إني مهووسة بيك ومش هقدر من غيرك.
ليبتسم لها بهدوء حنون ثم يغادر مع ذلك الرجل، لتنهار هي أرضًا باكية تنادي باسمه. وجملة واحدة تضرب أجراسها بعقلها "لا ندري بقيمة الشيء إلا بعد فوات الأوان".
بعد ساعات أخرى.
انقضى أمر وصية والد شروق وأخيرًا تحت إشراف من الشرطة بناءً على طلب "أدهم". وأخيرًا جذب شروق ليغادروا تلك البلدة سريعًا. طوال الطريق وأدهم لم يتحدث مع شروق إطلاقًا إلا عند الضرورة، وهي كذلك. كانت ملتزمة الصمت تصدر له "الوش الخشب" كما يقولون.
وصلا بعد ساعات إلى منزلهم. دلفوا إلى العمارة ليتقابل أدهم مع منار على السلم، بينما شروق سبقته للمنزل. ابتلع ريقه بتوتر، فهو لم يهيئ نفسه لتلك المواجهة بعد، لم ينظم أفكاره المشعثة يمينًا ويسارًا.
وقفت أمامه مباشرةً تهمس له بنبرة تشبه جلد الأفعى:
- بكلمك مش بترد عليا ليه؟ انت مش مدرك المصيبة؟
جز على أسنانه بغيظ، فهي سبب واضح لإنقلاب صفحة حياتهم للسواد. ثم أردف بحدة:
- على فكرة انتِ لو مش ملاحظة بس أنا مش مجبر إني أساعدك لما تتعرضي لاغتصاب، ده كرم من أخلاقي مش أكتر.
ثم تركها مكانها متسمرة تحدق في أثره. مرت دقائق معدودة عليها قبل أن تُخرج هاتفها لتتصل بشخص ما. وبعدما أجابها قالت بصوت منخفض:
- اسمعني يا واد يا حمو، عاوزاك في مصلحة.
- اسمعني، لا لا مش قتل ولا حاجة، ده... آآ اغتصاب وبت موزّة هتعجبك جدا.
في جوف الليل.
استيقظت أسيا على صوت الباب يُفتح وشخص ملثم يدلف على أطراف أصابعه. تملك منها الذعر وهي تجده يقترب منها جدًا. أخذت تتراجع للخلف بسرعة هامسة بصوت مذعور:
- انت مين وجاي ليه؟
لم يرد عليها ولكن قبل أن تستطع الصراخ كان يكتم فمها بيده واليد الأخرى تحاول تمزيق ملابس أسيا التي أخذت تنتفض بين يديه، وكأنها في حرب تحاول إيقاف العدو عن سلبها أعز ما تملك.
رواية اسير غرامك الفصل السادس عشر 16 - بقلم سيليا البحيري
حاولت أسيا الفكاك من بين براثن المجهول. وفجأة وجدته يسحبها معه للخارج، بعدما ربط شيئًا على فمها.
خرجوا بسرعة ركضًا من ممر فارغ تمامًا. وفجأة وجدت أسيا نفسها تقف أمام "أدم" الذي كان يقف في آخر الطريق.
لم يعطها فرصة للسؤال فسحبها من يدها بسرعة وهو يصرخ بها:
"اجري يا أسيا، مفيش وقت!"
بدأت تشعر أنها في دوامة، دوامة متلاطمة ما بين كذب وحقيقة، فلم تعد قادرة على رصد الواقع المرير.
خرجوا بالفعل من تلك العمارة ليجدوا سيارة في انتظارهم. استقلوها بأسرع ما يمكن لتنطلق السيارة من ذلك المكان.
وإنطلق الصراخ وجرس الإنذار بعدها لتشتعل نيران مرحلة جديدة مُفعمة بالإرهاب.
بعد حوالي ثلاث ساعات.
هبط كلاً من "أدم" وأسيا من السيارة بعدما ارتدوا شال ثقيل يخفي وجوههم العربية.
اتجها مع الرجل إلى منزل ما صغير ليدلفوا بسرعة. حينها رفع أدم الشال عن وجهه. تنفس بصوت عالٍ قبل أن يقول ممتنًا لشخص ولأول مرة:
"شكرًا جدًا يا حضرة الظابط.. بجد شكرًا."
ابتسم الآخر ثم تمتم بجدية:
"الشكر ليك يا أدم.. انت اتبهدلت عشان تساعدنا كتير، دلوقتي جه وقت تدخلنا إحنا."
ثم أشار للغرفة وتابع بهدوء:
"دي أوضة هتقعدوا فيها مؤقتًا انت والمدام، ومتقلقش ده بيت واحد من الفلسطينيين تبعنا. هتفضلوا هنا مش هتخرجوا أبدًا لحد ما ندبر موضوع سفركم لمصر."
وأومأ أدم مؤكدًا ثم صافحه ببسمة شاحبة ليغادر الضابط. حينها نطق "الفلسطيني" مرحبًا بصوت هادئ:
"اتفضلوا اتفضلوا.. بتقدروا تعتبروا البيت بيتكم!"
سحب "أدم" أسيا المتصنمة من ذراعها بخفة. دلف بها إلى الغرفة، ليمسك يداها الباردة كالثلج.
شحوب وجهها وبرودته جعلاها كزهرة اقتُطفت في شتاء قاسٍ.
ضمهـا أدم له من دون مقدمات، وبالطبع رفعت يداها تحيطه بسرعة. تستكين في جوف ملاذها، أمانها، وسارق رهبتها المتجبرة.
التقـت النظرات في نظرة دافئة، ناعمة جعلت قلب كلاهما يدق بتناغم يُطرب الروح.
لتهمس أسيا بصوت مبحوح:
"خلاص الكابوس خلص؟"
حاول ادم الابتسام بمرح ليُخفي شحنة التوتر التي توزعت في الجو:
"خلاص، فاضل آخر إفيه في المسلسل وهنمشي طول."
صدرت ضحكة خافتة قصيرة عن أسيا التي أردفت:
"أول مرة أعرف إني بحب مصر أوي كده."
سمعت ضحكة أدم الرجولية فرفعت رأسها بسرعة تسأله:
"أدم، إحنا إزاي خرجنا ومين الحيوان اللي خدني من الأوضة؟"
ضيق أدم عيناه يسألها مستنكرًا:
"حيوان؟ اللي خرجك حيوان؟"
ردت باندفاع:
"أيوه، أنت ماتعرفش عمل إيه ده.. حاول آآ..."
وضع أدم إصبعه على شفتيها بسرعة يقاطعها بنبرة حازمة:
"بطلي التسرع في الحكم على الناس ده، وعلى فكرة بقا دي كانت واحدة مش واحد."
رفعت أسيا حاجبيها متجمدة ونظراتها متعلقة بنظرته الضاحكة.
بدأ النور يختـرق جفونها فأردفت بسرعة:
"بنت؟ إزاي دخلوها كلية الشرطة دي؟ شاذة يا أدم!"
عندها انفجر أدم ضاحكًا. لم يستطع كبت ضحكته على لفظها التلقائي. ليعود لجديته بسرعة وهو يخبرها:
"مكنش ينفع ييجي البوليس المصري بكل بساطة يهجم على مكان متأمن وعليه حراسة قد كده ويقولهم سوري، أصلنا عاوزين أسيا وأدم! كان لازم خطة مُحكمة. اسمعي ياستي.. اللي هربتك دي انضمت لهم من بدري وهي طبعًا ظابط بس محدش يعرف. يعرفوا إنها عربية انتقلت لإسرائيل قريب وبتشتغل معاهم. المهم لما وصلت لها الأخبار راحت بليل لما اتأكدت إنه كله نام ولبست قناع على أساس أنها راجل منهم بس سكران شويتين ودماغه هبت منه فـ حاول يقرب منك وانتِ هربتي منه. أحسن ما يعرفوا إن حد هربك منهم بالتالي هيبتدي يشكوا."
ظهرت ابتسامة بلهاء على ثغر أسيا التي تابعت بانهيار:
"يا خرااااشي! إيه الدماغ الألماظااات دي!"
أمسك وجهها بين يديه الخشنة، يُداعب أنفها بأنفه هامسًا بنبرة هائمة:
"عليا النعمة ما في ألماظات غيرك يا قشطة أنت."
ابتسمت أسيا في حنو وهي تمسك يده لتطبع قبلة ناعمة على باطنها جعلت شيء يهتز داخل أدم بعنف.
أشار لها نحو الفراش بعينيه غامزًا بخبث:
"بقولك إيه.. ما تيجي ونجيب مليج."
ضربته أسيا على صدره برقة لتدفن وجهها بأحضان والاحراج يكسو وجهها.
حينها سمعت تنهيدته الطويلة وهو يهمس وكأنه لا يمل تلك الكلمة:
"آه يا روح الروح.. اقسم بالله بعشقك يا طفلتي!"
وطفلته أصبحت أسيرة... عاشقة... وسجينة عشقه ذاك دون أن تشعر!
وصل "جواد" مع سيليا إلى قصر "أدم صفوان" بمجرد أن وصله الخبر.
يلوم نفسه في كل لحظة كان أدم فيها يحتاجه ولكنه كان منشغلًا بحياته الخاصة.
بمجرد أن وصل وجد أحد الضباط ليسأله جواد بسرعة مهتاجًا:
"إيه اللي بيحصل، فين ابن عمي يا حضرت الظابط؟"
أشار له الضابط برفق مغمغمًا:
"جواد بيه ياريت تهدى.. جاتلنا أخبار إنهم خلاص لقوا أدم بيه والمدام وقريب هتلاقيهم هنا."
ضيق "جواد" عينيه التي كانت نسخة مطبوعة عن عيني نمر تخشبت أسنانه الحادة. ليؤكد الضابط كلامه:
"الموضوع ده مفيهوش هزار، أكيد مش هقولك حاجة أنا مش متأكد منها."
حينها أومأ جواد بارتياح:
"تمام.. متشكر لتعبك يا حضرت الظابط بس ممكن أفهم مين اللي خطف أدم وليه؟"
هز رأسه نافيًا بأسف:
"للأسف معنديش معلومات ممكن أفيدك بيها، أفضل لما أدم يرجع بالسلامة تبقى أسألها."
أومأ جواد موافقًا وإلتزم الصمت. ليغادر ذلك الضابط بهدوء فيبقى كلاً من سيليا التي كانت تحمل الطفلة بين أحضانها بصمت.
ذلك المشهد اللعين يتكرر بذاكرتها كل 30 ثانية وكأنه يود إحراق الأخضر واليابس من باقي ذكرياتها.
***
ظلت سيليا مكانها تراقبهم بعينين متسعتين. ولكن بعد لحظة حدث يهتف به قلبها آمرًا، فوجدت جواد يدفع بتلك البلهاء بعيدًا عنه ويصفعها بعنف جعلها تترنح لتصطدم بالباب من خلفها.
نال الجو لحظة من السكون قبل أن ينفجر تيار الماضي مغموسًا بأعاصير الحاضر في خلفية جواد الذي أصبح يصرخ كالمجنون:
"إنتِ حقيرة و*** لا حتى الزبالة بيبقوا عندهم شوية خجل، لكن إنتِ لأ. إنتِ عاهرة بنت عاهرة، حاجة ممكن أي حد يشتريها بفلوسه. إنتِ حتى ماينفعش تكوني أم.. إنتِ مجرد عاهرة بقرف من لمستها."
وبحركة مباغتة أمسكها من ملابسها يجذبها بعنف مزمجرًا:
"إنتِ ***** وهتفضلي طول عمرك ***** إنتِ حتى النظرة خسارة فيكِ يا ****، ينعل أبو معرفتك ال*****."
ثم ضربها في الحائط بعنف جعلها تتأوه متألمة فأكمل دون أن يُعيرها انتباه:
"عارفة دخلتها جوه ليه؟ عشان ما جرحش حياءها بالألفاظ ال*** اللي يستاهلها أمثالك بس.. عشان هي حبيبتي ومراتي وأم بنتي.. بنتي اللي رمـتيها وما فكرتيش تسألي فيها."
ثم رماها نحو الخارج بقوة متابعًا وكأنه يُلقي شيئًا في سلة المهملات:
"روحي للي جيتي من عنده، وملكيش عيال عندي يا ****!"
لم تستطع "نشوى" كبح دموعها أكثر من ذلك فاصبحت تهبط كالشلالات.
بعمرها لم ترى جواد بهذه الحالة. ولكن يبدو أنها هي من جعلته سجين انتقامه ويجب تحريره أمامها.
ركضت مسرعة من المنزل وهي تمسح دموعها. وعندما استدار جواد ووجد سيليا تتابعهم بابتسامة راضية. لم يظهر أي رد فعل كان يلهث بصوت مسموع فقط ليتركها ويتجه لغرفته. ومن حينها ولم يتحدث أيًا منهما حتى عندما أتاه خبر اختطاف أدم من الخادمة التي اتصل بها بالقصر عندما وجد هاتف أدم مغلق.
سحب سيليا وطفلته وغادروا دون كلمة، فلا يمكنه انتظار قدوم أيًا من هؤلاء الحثالة مرة أخرى!
***
استفاقـت على صوت الطفلة يُداعب أذنيها برقتها المعهودة:
"سولي... أنا عايزة أرسم."
قطبت سيليا تسألها ببسمة هادئة:
"ترسمي إيه يا حبيبتي؟"
هزت الطفلة رأسها وهي تمط شفتيها ببراءة:
"مش عارفة.. تيا عايزة ترسم."
داعبت وجنتها بحنان تُشاكسها مرددة بحنو:
"وأنا عيوووني لتيا!"
وبالفعل نهضت تاركة إياها لتسير متجهة لجواد الذي كان يقف في إحدى الأركان يتصل بأدهم ليخبره ما حدث.
كادت أن تربت على كتفه بهدوء ولكن وجدته يستدير بحركة مفاجأة فارتدت للخلف بعنف جعلها يُسرع بالتقاطها بين أحضانه قبل أن تقع.
لم تستطع النطق أمام سحر تلك اللحظة. كانت تنظر للمعة عينيه التي وُلدت اليوم ولأول مرة. وهو كان غارقًا بين غابات عينيها الزيتونية، ليُقرب وجهه من وجهها جدًا ثم همس بتخدر:
"عيونك بتتوهني يا زيتونة!"
تلعثمت الحروف على شفتي سيليا التي حاولت الفكاك ولكنه كان يضمها له بإحكام. لتعض على شفتيها بتوتر مغمغمة:
"تيــا... آآ..."
ابتسم بسمته الرجولية المعهودة وهو يسألها:
"مالها تيا؟"
تنفست أكثر من مرة وكأنها تُحارب ذلك الوضع الذي يكاد يُذيب عظامها. لتنطق بسرعة:
"تيا عايزة ترسم وأنا كنت جايه أسألك لو في مرسم هنا ترسم فيه بما إننا مطولين هنا."
جذب خصرها له أكثر حتى باتت ملتصقة به ليقول بعبث:
"طب ما تيجي أنا عاوزك في رسمة أحلى!"
عقدت ما بين حاجبيها تسأله بعدم فهم:
"رسمة إيه؟"
اقترب من أذنيهـا ليهمس ببطء وأنفاسه تلفح ضد عنقها:
"العريس والعروس!"
تلون وجهها على الفور بأحراج. لتهمس بصوت مبحوح:
"جواد بطل قلة أدب وركز شوية."
ابتسم بخبث متابعًا ببراءة:
"منا مركز أهو، لو ركزت أكتر من كده هيبقى فعل فاضح في الطريق العام وأمام الموظفين!"
كادت تبتسم رغمًا عنه. فاقترب هو منها أكثر وعيناه مُسلطة على شفتيها، يشعر باشتياق غريب نحوهـا. اشتياق ليس لمجرد امرأة ولكن اشتياق لها هي شخصيًا! لماسته الفريدة!
بمجرد أن لامست شفتاه شفتيها وجد من يصرخ كالعادة لتصرعه بصوتها:
"باااابيييي!"
حينها انتفض يبعد عن سيليا بسرعة مزمجرًا بحنق:
"لا بقا.. كده كتير دي تاني مرة أقسم بالله! حد باصصلي في أم البوسة دي!"
مصمصت "تيا" شفتيها وهي تردد بغيرة طفولية:
"بوسني أنا يا بابي.. أنت مش بتحب تيا؟"
احتضنهـا بسرعة يغرقها بين أحضانه هامسًا من بين ضحكاته التي اختلطت بضحكات سيليا:
"تعالي يا حبيبة بابي.. تعالي يا هادمة اللذات ما طول مانتي ورايا مش هخلف تاني أبدا!"
***
نهضت أسيا تجلس على الفراش. حركت رأسها تلقائيًا تنظر ناحية أدم ولكن وجدت الفراش فارغ بل وممتلئ بالدماء.
أطلقت صرخة عالية وهي تتحسس تلك الدماء التي جعلت الذعر ملكًا متوجًا على عرش جوارحها:
"آآآآآدم!"
ازداد بكاؤها وهي تردد بجزع:
"لا يا أدم ماتسبنييييييش!"
ولكن لا حياة لمن تنادي. أصبحت تنادي وتنادي ولكنها على ما يبدو في غرفة عازلة للصوت.
ومع استمرار صراخها كاد صوتها يختفي فبدأ يخفت شيء فشيء.
هبت جالسة على الفراش شاهقة بعنف تتنفس بصوت عالٍ. أغمضت عيناها تحاول نسيان ذلك الكابوس الذي أرق نومتها الهادئة منذ فترة.
نظرت بسرعة نحو أدم لتجده يفتح عينيه ببطء يسألها بقلق:
"مالك يا حبيبي؟"
هزت رأسها نافية بابتسامة ضعيفة:
"مافيش.. معلش صحيتك كابوس مزعج."
كاد يضمها لأحضانه ولكنها همست بصوت مختنق، يرجو الارتياح:
"أدم أنا مش عايزة أنام."
طبع قبلة حانية على جبينها ولكن قبل أن ينطق قاطعته:
"أنا خايفة وعايزة أصلي.. هتيجي تصلي معايا؟"
سؤالها جعل جسده يتخشب بصمت مُخزي، فأدركت هي الحقيقة المكتوبة على جدران مشاعره، فقالت بلهفة مكملة:
"لو مابتعرفش تصلي ممكن أعلمك عادي.. ولا إيه؟"
ابتسم لها بخفوت وبالفعل نهضا معًا متوجهين نحو المرحاض. لتبدأ أسيا تشرح كل شيء بداية من الوضوء وهو كان منتبهًا لها وكأنها تزرع بداخلة نورًا لأول مرة يخترق حواجزه.
***
عند أدهم وشروق.
في ظل توتر أدهم المُهيمن على الأجواء، سحب أدهم شروق من يدها دون أن ينطق بحرف، فصرخت به بغيظ:
"اوعى كده هو أنت ساحب بقرة وراك؟ ما تهدى وتقول أنا هديت."
هز رأسه نافيًا. ثم جز على أسنانه بعصبية وهو يخبرها:
"لا أنا ماهديتش.. امشي قدامي حالاً يلا هنروح على قصر أدم."
عقدت ذراعيها وهي تسأله:
"وهنروح نعمل إيه عند نمس بوند ده؟"
احتـدت نظرته تخبرها أنها أخطأت التصويب فاستطردت بسرعة:
"ماتاخد السلعوه بتاعتك."
كاد يبتسم ولكنه تمالك نفسه وهو يقترب بوجهه منها هامسًا بمكر وهو يلاعبها بحاجبيه:
"ماعنديش غير سلعوه واحدة اللي متجوزها! ومش ناوي أتجوز تاني، كفاية عليا سلعوايه هيبقوا اتنين هياكلوني!"
ثم استدار يسير متجهًا نحو الباب لتقف هي لحظة متجمدة مكانها تحاول استيعاب إهانته التي ابتلعتها هكذا دون تعبير واضح.
لتصرخ بأسمه وهي تركض نحوه:
"ادهممممم.. خد هنا استنى ياض أنا هوريك السلعوه بسبـ"
بينما أدهم يضحك وهو يهبط السلالم وهي خلفه.
بينما في الأعلى تقف تلك "السلعوه" تستمتع لأصواتهم الضاحكة التي كانت بمثابة عويل تود إخماده بأي طريقة كانت.
لتركض بسرعة تمسك هاتفها لتتصل بنفس الشخص:
"الووو أيوه يا حمو-"
"-بقولك إيه بص بسرعة هما نزلوا دلوقتي من البيت، عايزك تفضل وراهم وتنفذ النهارده-"
"-لا مش هينفع استنى أكتر،،، النهاردة عايزة خبر اغتصاب البت دي يكون عندي!"
"-ماشي يلا سلام!"
ثم أغلقا الهاتف وهي تبتسم بخبث دفين. تُمني نفسها بتلك اللحظة التي ستكون بداية حياة وانتهاء حياة أخرى.
***
كان كلاً من "شروق" و"سيليا" يجلسان معًا منذ وصول أدهم وشروق. وعلى الطرف الآخر أدهم وجواد يتناقشان بكافة الأمور.
نهض جواد بعد دقيقة تقريبًا ليقول بصوت أجش:
"طب يا جماعة ضروري أنا وأدهم نروح الشركة ومش هنتأخر."
أومأت الاثنتان بابتسامة هادئة. لتُسرع شروق مرددة بمرح:
"أحسن أحسن، خلينا نتكلم ونفرشح بالكلام براحتنا عشان ما فهمتش منك في التليفون كويس، هااا بقا اتعرفتي على جواد إزاي؟"
ثم ابتسمت ساخرة لتتشدق بـ:
"من ساعة ما قولتيلي التليفون وأنا وأدهم مش مصدقين إنك البنت اللي كان جواد بيحكي عنها."
وهكذا استمر الحوار بينهم يتحدثا في كافة الأمور.
إلى أن سمعوا طرقات عنيفة على الباب، فارتجف جسد سيليا تلقائيًا بخوف. مما جعل شروق تنهض هاتفة بتوتر:
"أنا هروح أفتح الباب خليكِ هنا بالبنت."
ويا ليتهـا لم تفتح. فكان الجحيم بانتظارها.
***
في فلسطين.
كان أدم يرتدي التيشرت استعدادًا للخروج متجاهلاً نداء أسيا التي أخذت تردد بحنق دفين:
"أدم أنت رايح فين؟ الظابط قال خليك هنا، اوعى تسبني هنا لوحدي."
لم ينظر لها وهو يخبرها بصوت أجش:
"أنا مش هبعد عن هنا يا أسيا بس لازم أشوف الراجل راح فين، ده اتأخر أوي."
عندها انفلتت زمام أعصابها التي كانت تتحكم بانفجارها فصرخت بصوت عالٍ:
"قلتلك ماتسبنيش لوحدي أنت مابتفهمش؟ مفيش راجل يسيب مراته كده يا بيه!"
وبالتأكيد... الطبع يغلب التطبع!
فجأة تجمدت مكانها باهتزازة عنيفة حينما سقطت صفعة أدم على وجهها لتردها أرضًا. مهما حاول أن يكون لطيفًا حنونًا معها تُخرجه عن طور هدوءه.
وهو ليس بـ إنسان آلي ليتحكم في طبعه بهذه السرعة فيصبح الحلم الوديع.
أغمض عينيه يلعن بصوت خافت وقد بدأ الندم يزحف لنظراته. ولكن قبل أن ينطق سمع صوت ضجيج بالخارج قريب منهم جدًا.
وأحدهم يصرخ بالإنجليزية:
"Bring them to me! I will kill you if we don't find them tonight, I am sure they are here."
وكانت تلك الجملة التي فهمها أدم جمدته مكانه وهو يُدرك "أن اللعبة لم تنتهي بعد".
رواية اسير غرامك الفصل السابع عشر 17 - بقلم سيليا البحيري
تجمـدت أسيا مكانهـا تشعـر بإنسحاب الد"ماء من وجههـا.
للحظة تخيلت أنهم يعودوا لنقطة الصفر مرة اخرى ويصبحون سجن"اء ثم قت"لى.
ارتجف كيانها كله لتلك الافكـار التي بدأت بهز ثباتها بعنف فكادت ترتعش وهي تنظر لأدم هامسة بخوف:
- هياخدونا تاني بس المرة دي مش هيرحمونا.
اشار لها أدم بٱصبعه محذرًا:
- هشششش.
ثم سمـع صوت الرجل الفلسطيني الذي يبدو أنه وصل الان. يزمجر فيهم بغضب مصطنع:
- شو بدكن من بيتي.. روحوا من هون.. روحوا قبل ما حاكي الشرطة هلاّ.
تنهـد "أدم" بعمق وهو يأمر عقله بالتدخـل. بإنقـاذ أرواحهم التي كالمغناطيس تجذب قبضة القدر القاسية لها.
لينتبه للفراش والمساحة أسفله فأشار لأسيا بسرعة آمرًا:
- يلا خشي تحته بسرعة.. بسرعة عشان لو فتشوا البيت.
أومأت بسرعة وبالفعل تركضت تنزل اسفل الفراش يتبعها أدم الذي حاول تحريك فرشة الفراش لتغطي الظاهر منهم.
كان صوت تنفس أسيا المضطرب عالي. عزاءًا لروحها التي تأن رعبًا.
فوضع أدم إصبعه على شفتاها وكأنه يكتم الصوت بتلك الطريقة. ثم همس لها بهمس حاني:
- هششش اهدي متخافيش،، مش هيلاقونا ومش هخليهم يعملولك حاجة اوعدك.
نظـرت أسيا للجهة المقابـلة ولم تُعيره إنتبـاه.
فيبدو أن لصفعته صدى واضحًا على روحهـا قبل جسدها.
مرت دقائق اخرى قبل أن يجدوا الرجل الفلسطيني يدلف وهو يردد بارتياح:
- أدم.. خلص فيك تطلع يلا راحوا.
إنتظـر أدم دقيقة وكأنه يتأكد ثم خرج بالفعل. ليجد الرجل يعتذر بصدق:
- اسف لانه عرضتكم لهيك موقف ماتوقعت إنهن يفتشوا البيوت كمان.
ابتسم أدم بسخرية متمتمًا:
- امال هيسبونا بسهولة كده.
ابتسم الرجل بهدوء ثم خرج مرة اخرى.
حينها نظر أدم لأسيا ليردف بصوت أجش:
- أسيا آآ.
ولكنها قاطعته حينما توجهت نحو الباب لتغلقه ثم عادت للفراش لتتمدد عليه وتغمض عيناها ببرود غير عابئة بذلك البركان الذي على وشك الإنفجـار.
بلحظة كان امامها يقبض على ذراعها بعنف مزمجرًا:
- هو انا مش بكلمك ولا ايه.
نظرت لقبضته بحدة ثم عادت تنظر له بصمت. وكأنها قررت طعنه بسكينها الأنثوي المسموم.
وهو التجاهـل.
التجاهل الذي يحظره ادم نهائيًا من قاموس حياته.
لم يحتمل أدم فهزها بعنف وهو يصرخ:
- ردي على أمي.. الظاهر إني لما دلعتك فكرتي انه ضعف.
ردت هي الاخرى وكأنها تبصق الكلمات في وجهه:
- انت اللي لما سكتلك على مد ايدك مرة واتنين فكرت انه ضعف.. بس لا يا ادم لا كفايه.
سمع صوت صكيك أسنانه التي هزتها بقوة من الداخل ولكنها تماسكت امامه وهو يخبرها بحدة:
- اوعي تتوقعي انك تهينيني واسكت ابدًا،، قولتلك الا الاهانة لو على موتي مابسكتش عليها.
لم ترد عليه وأدارت وجهها للناحية الاخرى فرمى ذراعها بعنف حتى تمددت على الفراش لينهض مكملاً زمجرته القاسية:
- اتخمدي انا سايبلك الجمل بما حمل.. زهقت منك اصلاً ومن شخصيتك السليطه الدبش.
ثم صفع الباب خلفه بعنف لتعض هي على شفتاها بقوة تحاول إحتجاز تلك الدموع التي تحارب لتخرج للنور.
ثم همست بصوت يكاد يسمع:
- ايوه انا دبش برضو ماتضربنيش.
ثم تمددت كالجنين تضم ركبتاها لصدرها وتكتم شهقاتها الطفولية بصعوبة.
حينها ادركت الحاجز الشاهق بينها وبين أدم.
بمجرد أن "رأت" سيليا رجال مظهرهم يغني عن كل شيء. ركضت بسرعة قبل أن يروها نحو الغرفة. وصراخ شروق الفزع كان ترنيمـة تضفي على الجو خلفية مُرعبة.
فأمسكت بهاتفها بسرعة تتصل بجواد الذي قال بصوت هادئ:
- ايووه يا سولي.. عاوزه حاجة احنا قربنا عليكم.
همست بصوت منخفض خشية أن تُكشف:
- جواد تعالوا بسرعه في ناس غريبه جم بره وشروق عمالة تصوت والنبي تعالوا بسرعه.
- خلاص خلاص استخبي انتِ واحنا خمس دقايق وهنبقى هناك.
أغلقت الهاتف وهي تبحث عن مخبئ جيد بالغرفة. ففتحت الدولاب لتدلف به بسرعة وهي تحمد الله أن تيا تغط بنوم عميق.
في الحين الذي كان أدهم فيه يركض بجنون نحو القصر غير عابئًا بصراخ جواد المُحذر.
وصلا بالفعل للقصر ليجدوا الحارس ساقط ارضًا وفاقد الوعي.
ركض أدهم يتبعه جواد للداخل ليجدوا شخصان. احدهم يحاول الأعتداء على شروق والاخر يقف كحارس له.
كانت نسبة غليـان الدمـاء في عروق أدهم اقوى من أي قوة سيستخدمها ضدهم فاهتاج وهو يُخلص شروق من بين قبضتا ذلك الرجل.
يضربه بعنف وجواد يفعل نفس الشيء مع الرجل الاخر.
استمرت المعركة الدامية حوالي عشر دقائق سيطر فيها جواد وأدهم على الوضـع.
ركض أدهم نحو شروق التي كانت متكورة أرضًا على نفسها ليحملها بين ذراعيه يضعها على الأريكة ليركض جواد يبحث عن سيليا وأبنته.
بدأ ادهم يربت على خصلات شروق برفق يهمس لها بصوت حنون حاول به ترميم ما هدمته رجفة الذعر.
- اهدي يا بندقتي خلاص انا هنا... هششش اهدي.
كانت شهقاتهـا تتعالى وهي تدفن وجهها بصدره. ليهبط جواد مع سيليا التي ركضت تحاول تهدأة شروق بينما جواد يتجه لهؤلاء المعتوهين ليحملهم بمساعدة ادهم ويربطهم في احدى الكراسي بإحكام.
ثم جلب سطل من الماء البارد ليلقيه في وجوههم مما جعل الاول يهب صارخًا بفزع:
- ايه ايه كفايه.
لم ينتظر أدهم فكان يُسدد له لكمة عنيفة وصوت يخرج كالزلزال يكاد يهز المكان:
- مين اللي بعتك يا **** عشان تعمل اللي عملته.
كانت نظراته المتوترة تنتقل ما بينه وبين جواد الذي كان متأهبًا لأي هجوم.
ليضربه أدهم مرة اخرى ويعيد سؤاله الهيستيري:
- انطق يا *** مين انطق ميييين.
حاول جواد إمساكه وهو يقول بشراسة:
- اهدى يا ادهم ماتتعبش نفسك انا هتصل بالبوليس وهو يتصرف.
وبالفعل أخرج هاتفه يدعي الاتصال ليردف هو "حمو" بسرعة:
- خلاص خلاص بوليس لا انا هقولكم مين قالي اعمل كده بس تسيبوني.
رفع جواد حاجيه بانتصار ليتابـع حمو بصوت مرتجف:
- دي البت منار اللي ساكنه معاك فـ العمارة يا ادهم.
عند تلك النقطـة. واللحظة التي صرخ فيها السكون بالحقيقة.
شعر أدهم أن تلك الصفعة التي تلقاها كانت بيداه هو.
نعم بفضل جنون تلك الشمطاء به والعشم الذي تقبله هو. كادت نهاية أن تُصك بنقطة لبداية جديدة سوداء.
لم ينتظر أكثر فأمسك بيد شروق يسحبها برفق وهو يردد بصوت أجش:
- انا هاخد شروق وهروح،، اتصل بالبوليس يا جواد.
أومأ جواد موافقًا بتأكيد ليصرخ الاثنان بتذمـر مرتعد.
وصل كلاً من أدهم وشروق للمنزل.
أدخل شروق برفق حتى جعلها تتسطح على الفراش لينهض متمتمًا بجدية شاردة:
- ريحي انتِ عقبال ما اروح وهرجعلك تاني.
أمسكت يده بسرعة بقلب ينبض هلعًا لتردد بقلق:
- رايح فين يا ادهم. اوعى تعمل حاجة متهورة بالله عليك.
ربت على يدها بخفة يتشدق بـ:
- متخافيش.
ثم غادر بالفعل لتتمدد شروق وهي تتنفس بصوت عالي.
شيء ما تغير بتلك الحياة التي تعيشها.
شيء إنسـدل من بين خيوط كادت تخنقها.
مرت دقائق على مغادرة أدهم لتسمع شروق صوت طرقات على الباب.
تنهدت وهي ترد بصوت هادئ:
- ايوه جايه اهو ثواني.
ثم نهضت تتجه نحو الباب. ما إن فتحته حتى وجدت شخصًا ما تراه لأول مرة يقول بابتسامة:
- انتِ انسة شروق صح.
عقدت ما بين حاجبيها وهي تسأله متوجسة:
- ايوة انا انت مين وعايز ايه.
مد يده لها بـ "كيس" صغير يحتوي على شيء وملفوف بأحكـام. ليستطـرد بصوت هادئ وناعم كجلد الثعبان:
- انا جمال صاحب ادهم.. هو مش هنا ولا ايه.
هزت رأسها نافية:
- لا لسة نازل.
زاد احكام خيوطه التي صُبغت بدماء الشيطان وهو يخبرها:
- طب ممكن تديله الحاجة دي لما يجي.. هو كان طالبها مني.
نظرت شروق له بتردد وكأنها تحيك مسألة حسابية بعقلها. لتأخذها منه موافقة على مضض.
ليغادر ذلك الشاب بهدوء وما ان غادر المنزل حتى امسك بهاتفه يتصل بـ ابن عمها كريم:
- الووو ايوه يا كريم بيه.
- هاااا اديتها الحشيش ياض.
- ايوه طبعا والحمدلله ماشكتش فيا.
- تمام جدا يلا اتصل بالبوليس بسرعة واستنى اما تشوف البوليس بعينك عشان الكلب جوزها ممكن يجي في اي لحظه.
- تمام يا ريس متقلقش.
أغلق الاخر الخط لتتسـع ابتسامته الخبيثة وهو يُمني نفسه بنتائج خطته المزدهرة.
بعد فترة.
كانت "سيليا" في احدى الغرف التي سيقيمون فيها هي وجواد وطفلتهم مؤقتا لحين عودة "أدم وأسيـا".
كانت تقف امام المرآة تمشط خصلاتها بشرود وهي تحدق باللاشيء.
وفجأة شعرت بجواد يحتضنها من الخلف ببطء. فاهتزت بعنف وهي تهمس له:
- جواد انت بتعمل ايه ابعد.
نظر لأنعكـاس صورتها الساحرة بالمرآة. بدايةً من الشورت القصير حتى ركبتاها والتيشرت الذي يُظهر ذراعاها البيضاوين.
كان مظهرها سارق لقلبه. قلبه الذي كان من حصائد قدرتها الانثوية.
قبل عنقها الابيض الظاهر ببطء كاد يُذيب أعصابها لتعترض وهي تبعده مرددة بجدية:
- جواد قولتلك ابعد مش عاوزاك تقربلي ابعد.
لم يبتعد جواد بل استمـر ولكنها دفعته فجأة بعنف بعيدًا عنها حتى كاد يسقط ثم صرخت:
- متنساش اتفاقنا ابعد بقااااا عني مش طيقاك.
حينها لم يتمالك نفسه بل دفعها بعنف لترتد للخلف بقسوة ثم زمجر فيها:
- في ستين داهية قال يعني انا اللي هموت عليكِ.. انا مش بحب بواقي غيري اصلاً.
ثم تركها وغادر تاركًا اياها تعاني صدمة كلماته القاسية.
واخيرا وبعد مرور ساعات.
كان كلاً من أدم وأسيـا في المطـار. لم يُصدقا أن ذلك الكابوس انتهى واخيرًا.
ركبـا الطيارة معًا تحت اشراف الشرطة التي كانت متخفية.
طيلة ساعات سفرهم كانت أسيا تتجاهل أدم تمامًا وهو كان يظهر البرود فقط الذي سيطر على تعابيره الجامدة.
فرحة داخلية رهيبة أخترقت قلب أسيا بمجرد أن وصلا أرض مصر بعد ساعات عديدة.
شعرت أن شيء كاد يختنق اصبح يرفرف داخلها الان.
نظرت لأدم وكادت تنطق بابتسامة ولكن قُتلت تلك الابتسامة عندما وجدت فتاة ما تقترب من ادم فجأة صارخة بسعادة:
- ادم... مكنتش متوقعه اني اشوفك بعد كل السنين دي.
ثم احتضنته هكذا دون ان تعير كل الواقفين انتبـاه. وعندما لمح ادم تلك النيران التي استعرت بعيـنا أسيا لم يُمانع احتضانها ليزيد الطين بلاً.
وهو يهمس بخبث:
- ولا انا كنت متوقع يا ليلي.
حدقت فيهم أسيا بجنون قبل أن تتقدم منهم بحقيبتها دون ان تنتظرهم.
اصبحت في الطريق العام للسيارات ولكن فجأة شعرت بدوار يداهما بالاضافة لجزع النفس الذي اصبح يراودها مؤخرا.
سقطت الحقيبة من يدها ولم تشعر بنفسها وهي تسقط امام سيارة ما فاقدة الوعي.
سيارة اصدرت ابواقها العالية وهي تقترب منها بسرعة مُخيفة جعلت ادم يصرخ بهلع وهو يقترب نحوها.
رواية اسير غرامك الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سيليا البحيري
السيارة كانت على بُعد خطوة من آسيا التي أصبحت في عالم آخر!
بلحظة كان آدم أمامها يصرخ باسمها بهلع وهو يضرب خدها برفق محاولًا إفاقتها.
حملها بعناية وهو يضعها في إحدى سيارات الأجرة ويصرخ بالسائق:
اطلع على أقرب مستشفى بسرعة.
وبالفعل انطلق السائق، ولكن قبل أن يسير، ركبت المدعوة بـ "ليلى" معه جوار السائق.
وصلا بعد فترة صغيرة إلى المستشفى وآدم كالمجنون يحاول إفاقتها مناديًا باسمها كطفل يكاد يفقد أمه!
دَلفت آسيا إلى غرفة الطوارئ وآدم ينتظر. يشعر أن الانتظار ذاك بمثابة لهب يُعبّئ جوفه فيكويـه بقسوة!
اقتربت ليلى منه تهمس بصوت ناعم:
اهدأ يا آدم.. هتبقى كويسة،،، بس مين دي؟
كان يهز قدماه بتوتر ثم أجابها بخشونة:
مراتي يا ليلى.. ممكن تسبيني في حالي بقى دلوقتي؟
أومأت بسرعة وهي تبتعد عنه دون كلمة أخرى.
فكل أحلامها في قربه عندما رأته،،، أحرقتها كلماته الجامدة!
بعد دقائق معدودة خرج الطبيب فركض آدم نحوه يسأله بلهفة:
مراتي مالها يا دكتور؟
رد الطبيب بجدية:
متقلقش يا أستاذ مفيش حاجة تخوف،،، المدام حامل في أسبوعين فـ طبيعي تظهر عليها أعراض الحمل!
للحظة تجمد آدم مكانه لا يتصور أن ما اخترق أذنه حقيقة ثابتة!
حقيقة شاذة عن واقعه الأسود المرير!
نظر للطبيب مرة أخرى يسأله مستنكرًا:
أنت متأكد إنها حامل يا دكتور؟
أومأ الطبيب مؤكدًا بهدوء:
أيوه والله متأكد.. مبروك!
ابتسم ابتسامة صفراء ثم غادر بهدوء تاركًا آدم يتخبط بين أفكاره هنا وهناك.
سيصبح أب؟
وبالطبع طفله سيصبح مثله كما أصبح هو مثل والده؟
عند تلك النقطة تحديدًا مسح آدم على شعره بعنف وهو يتنفس بصوت عالٍ.
لتغمغم ليلى وهي تسأله بمكر:
آدم... أوعى تقول إن الحمل ده حصل غلطة؟
رماها آدم بنظرة حادة كالسكين ثم غادر متجهًا لآسيا التي كانت شاردة تتحسس بطنها بابتسامة بلهاء.
اقترب منها دون أن ينطق لتقول وهي تفتح ذراعيها مهللة بفرحة حقيقية:
أنا حاااامل يا آدم حامل... ابنك جوايا؟
وأيضًا لم تنل ردًا واضحًا بل احتضنها بصمت وهو يدفن وجهه عند رقبتها.
يلثم رقبتها بعمق وهي تشعر بكل خلاياها تستجيب لقبلته الساخنة التي ألهبت حواسها!
أبعدته بعد لحظة تحدق في ملامحه المبهمة وتسأله متوجسة:
آدم مالك؟ أنت مش مبسوط!
اهتزت ملامحه للحظة. وكأنه يحاول إجبار تلك الحروف على الخروج من فمه.
ثم نطق أخيرًا بصوت أجش:
أنا مش عايز الطفل ده يا آسيا،،، على الأقل دلوقتي!
طارت كل فرحتها في مهب الريح!
لم تشعر سوى أن وكأن الحظ يُسدي لها صفعة عنيفة كادت تُدميها!
تنهدت بصوت مسموع وهي تسأله بشبه ضحكة:
يعني إيه؟ يعني إيه مش عايز الطفل ده!
لم تتغير ملامحه الجامدة وهو يخبرها بجمود:
يعني هنقول للدكتور دلوقتي إنك هتنزليه يا آسيا!
عندها لم تتمالك آسيا نفسها فصرخت فيه بجنون:
لا يا آدم.. ده ابني أنا،،، أنا مش واحدة من عاهراتك اللي بتقضي معاها وقت وحملت منك غلطة! أنا مش هموت ابني يا آدم!
أمسك ذراعها بعنف يضغط عليه بقسوة وهو يأمرها بلهجة قاسية:
الجنين ده هينزل النهارده يا آسيا،،، ده مش بمزاجك!
ثم نهض تاركًا الغرفة دون كلمة أخرى بعد أن ألقى قنبلته في الأجواء!
في نفس الوقت عند "شروق".
كانت الشرطة أسفل العمارة يصعدون رويدًا رويدًا.
سمعت شروق صوتهم فعقدت حاجبيها بتعجب.
وفجأة سمعتهم يطرقون بابها بعنف!
نهضت بخوف تفتح الباب ليجد الضابط يقول بتجهم:
اوعي يا آنسة البيت هيتفتش!
صرخت شروق بفزع:
يتفتش ليه يا باشا؟
لم ينظر لها وهو يرد ببرود:
هتعرفي دلوقتي.
وفي اللحظة التالية كان شرطي يخرج من إحدى الغرف متمتمًا بخشونة:
اتفضل يا باشا لاقينا ده!
أمسك به الضابط يتفحصه وهو يهمس ضاحكًا ببرود:
ده بتاعك ده صح؟
أومأت ببطء تردف:
أيوه بس آآ...
ولكنه قاطعها عندما استدار يعطيها ظهره وهو يأمر الشرطي بحدة:
هاتها يلا!
وبالفعل سحبها الشرطي وهي تصرخ نافية.
بدأت الدموع تنهمر من عينيها وهي تلاحظ نظرات جميع من بالحارة.
بعد ساعتان تقريبًا.
كانت شروق في السجن تضم ركبتيها لصدرها باكية.
تتذكر بمجرد أن وصلت مع الضابط للقسم أمر الضابط بوضعها في السجن لحين التحقيق معها.
نظرت لأعلى وكأنها تحادثه وهي تهمس بصوت مبحوح:
أنت فين يا أدهم بقااااا.
اقتربت منها سيدة ما. ترتدي ملابس غريبة -كالدجالين- وترسم على وجهها وشم مخيف.
ربتت على كتفها وهي تقول بنبرة هادئة ولكنها بثت الرعب بين ثنايا شروق التي أخذت تتراجع بخوف:
متقلقيش.. ابن عمك مش عايز منك إلا إن جده يطلع،،،، يعني حاجة مقابل حاجة!
عقدت شروق حاجبيها تهمس مستنكرة:
إنتِ تعرفيني؟
وتعرفي الحاجات دي منين؟
ابتسمت السيدة ببرود تردد:
أنا معرفكيش.. بس أعرف عنك كل حاجة.
ثم اقتربت من أذن شروق تهمس بما يشبه هسيس الأفعى:
عندي اللي بيعرفني أي حاجة عايزة أعرفها عن أي حد!
تصدقت شروق بتلقائية:
سحر يعني؟
أومأت تلك السيدة.
ولمع وميض خبيث بين حدقتاها وهي تهتف بنبرة حاجز المكر بين حروفها:
لو عايزة أنا ممكن أساعدك عشان تحققي أي حاجة انتِ عاوزاها!
صمتت شروق حوالي دقيقتين والكلام يترامى هنا وهناك بعقلها.
ولم تدري أين ذهب عقلها وهي تقول بصوت شارد:
أيوه.. أنا عايزة أعمل سحر!
كان جواد في مكتبه يُلهي نفسه بأمور الشركة في ظل غياب آدم المؤقت.
كان يتأفف كل لحظة وهو يتذكر رفض تلك المعتوهة والذي كان بمثابة صفعة لكرامته الرجولية!
في تلك اللحظة دَلفت سيليا تقدم قدم وتؤخر الأخرى حتى أصبحت أمامه.
لم ينظر لها وهو يسألها بصوت بارد:
مممم؟ خير عايزة إيه يا مربية بنتي؟
اقتربت منه كثيرًا حتى أصبحت أمامه مباشرة فقالت بنبرة متوترة:
آسفة يا جواد.. أنا افتكرت كل اللي حصل معايا من بداية معرفتي بيك واضايقت أوووي وما حستش بنفسي وأنا بقول كده بس كنت مخنوقة.
أومأ جواد موافقًا ببرود ثم قال مشيرًا لها نحو الباب:
تمام،،،، ممكن تتفضلي بقى عشان ورايا شغل مهم دلوقتي؟
وبتلقائية تحركت لتجلس على قدميه.
زادت الوضع توترًا خاصة وهو ينظر لقدماها البيضاء التي ظهرت عندما رُفع فستانها تلقائيًا.
ابتلع ريقه بتوتر وهو يدرك سلاحها الجديد في تلك الحرب.
لفت يداها حول عنقه ثم اقتربت حتى كادت شفتاها أن تلامس شفتاه وهمست:
خلاص بقى يا حبيبي متزعلش مني آسفة!
أغمض عينيه يحاول السيطرة على مشاعره الفياضة التي ثارت من لمستها فجعلته يود الانقضاض عليها ليلتهمها كما يلتهم الحلوى اللذيذة!
وزادت هي الطين بلة عندما لامست شفتاه وهي تقبله قبلة رقيقة.
جعلت جسدها كله يبرد وارتعاشة تسير فيه استجابة له!
في لحظة انقلب الوضع ليلتهم هو شفتاها بنهم.
يحيط خصرها بشراسة وشفتاها تلتهم عنقها وبداية صدرها وهي تئن استجابة.
وفجأة صرخت بألم عندما شعرت به يعضها هامسًا بصوت لاهث:
دي عشان رفضك.
ثم لثم عنقها بعمق ليتابع بعد عضها مرة أخرى:
ودي عشان أنا مش قادر أبعد عنك.
وبلحظة جعلها تتمدد على الأريكة وهو فوقها.
لترفع هي نفسها تقبل شفتاه بعمق مغمضة العينين ثم ابتعدت وهي تهمس بخبث أنثوي:
ودي عشان أنا بعشقك يا جماااااد.. أنت مستحيل تكون كل ده مش حاسس انت جماد مش جواد!
ضحك جواد بخشونة وهو يفتح أزرار فستانها ببطء متابعًا بهمس مثير:
وأنا بمووووت فيكِ يا نن عيون جواد.
ولم يمهلها الفرصة لنطق المزيد فكانت شفتاه تعزف أنغامًا حارقة بين كلاهما.
أنغام عشقهم الزاهي.
بعد فترة.
دَلفت آسيا مع آدم إلى القصر بصمت.
منذ ما قاله ولم تحادثه بتاتًا إلا عندما أخبرها ببرود أنه سيتركها فترة قليلة تعتاد على فكرة عدم تقبله لذلك الطفل.
ولكن لم يدري أنه يزيد عنادها وإصرارها على ذلك الطفل!
وبعد السلامات بين الجميع ومن ضمنهم جواد وسيليا اللذان رحبان بهما ترحيبًا حارًا.
نظرت آسيا لآدم تسأله بجمود:
فين جمانة؟
صمت آدم برهة قبل أن يقول:
محبوسة في نفس الأوضة اللي كان حبساكِ فيها بس الفرق إني مش عايز أموتها فـ سبتها في درجة حرارة باردة بس تقدر تستحملها ماتموتش!
اتسعت حدقتا عين آسيا.
رأت الصمت بين الجميع.
قسوة الشيطان أصبحت على مرمى ومسمع من الجميع.
فلم تسع كل قلوبهم تخيل الجحيم في تلك الدنيا!
في اللحظة التالية ركضت آسيا نحو الغرفة لتجد الحارس فأمرته بسرعة صارخة:
افتح الباب!
وبالفعل انصاع لأوامرها ففتح الباب بسرعة.
دَلفت لتُصدم من مظهر جمانة الشاحب الذي كان يوازي شحوب الأموات.
بالطبع شاحبة فهي لا تتناول سوى وجبة واحدة يوميًا؟
رق قلب آسيا لتلك المسكينة رغم كل شيء.
فنظرت لها تهمس بشفقة:
جمانة أنتِ آآ...
ولكن قاطعتها جمانة كالمجنونة وهي تمسك بصينية الطعام الحديد لتضرب بها رأس آسيا بعشوائية مزمجرة كالمجنونة:
أيوه جمانة يا سبب المصايب في حياتييييييييي!
رواية اسير غرامك الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سيليا البحيري
صرخت أسيا وهي تسقط على الأرض تكاد تفقد وعيها.
وبلحظة وجدت أدم خلفها يمنع تلك المعتوهة عن ضرب أسيا مرة أخرى.
كانت ضربة جمانة ليست مجرد ألم، ليست مهاجمة وحسب، بل كانت صفعة توحي بصعوبة محو شظايا الماضي القاسية.
لتثبت أن تلك الشظايا هي جذور الحاضر والمستقبل.
أمسك أدم بذراع أسيا يجعلها تنهض وهو يتفحص جرحها هامسًا:
"أسيا انتِ كويسه؟ حاسه بأيه يا طفلتي؟"
عضت على شفتاها تكتم آهة ألم كادت تخترق حاجز شفتاها، لترد دون أن تنظر له:
"انا كويسه عاوزه اروح اوضتي."
سار معها متجهًا للخارج، ولكن قبل أن يغادر أشار للحارس مغمغمًا بصوت آمر قاسي:
"اقفل الباب عليها لحد ما اجي احاسبها انا بنفسي."
وبالطبع الآخر انصاع لأوامره، وهل يستطع غير ذلك؟
وصلا أدم وأسيا إلى غرفتهما، جعل أسيا تجلس على الفراش ببطء وهو يهمس لها بصوت حاني:
"اقعدي هنا لحد ما اروح اجيب الاسعافات الاولية واجي بسرعه."
أومأت موافقة دون رد، ليركض هو بالفعل.
عاد جالسًا جوارها يفتح الأدوات ليبدأ بتعقيم جرحها بخفة.
كلما تألمت أو تأوهت شعر وكأن شوكة قاسية تغرز بذلك القلب فتُدميه.
انتهى ثم وضع لاصق على الجرح.
رفع نفسه بخفة ليطبع قبلة رقيقة حانية على موضع جرحها.
شعرت وكأن كهرباء لاذعة مستها فعادت للخلف بسرعة مزمجرة بحدة خفيفة:
"آدم ابعد لو سمحت،،، شكرا على مساعدتك."
لم تتحرك عيناه عن محور عيناها التي كانت بحر مستكين يبتلع في جوفه ثوران عنيف.
ليتنهد متابعًا بصوت أجش:
"أنتِ بتعاقبيني عشان مش عايز الجنين ده يا أسيا؟"
سمع ضحكة خافتة ساخرة منها قبل أن تردف دون أن تنظر له:
"اللي انا مش فهماه بجد.. أنت مش عايز الجنين ده لاسبابك المتخلفه دي،،،، ولا مش عايزه عشان هو مني انا؟"
كادت شهقة عميقة تصدر عن جوارحها المنفجرة عندما اقترب منها فجأة يضع يداه على الفراش حولها حتى لا تستطيع الفرار من بين براثنه.
ثم اقترب بوجهه منها.
وكلما اقترب كلما ازداد ذلك النداء داخله لإلتهامها، للشعور به بين يداه كقطعة صغيرة رقيقة.
أصبح صوت تنفسهم عالٍ، وذلك القرب يفرض على قلوبهم النابضة بالعشق أشد العذاب.
أصبحت شفتاه تتلمس وجنتها وهو يردد بصوت رجولي خشن:
"مش عايزه عشان منك ازاي؟!!! ده انا لو عايز اخلف فـ عايز اخلف منك إنتِ بس ومش عايز اي اطفال من واحدة غيرك."
إن كان الوضع مختلف، إن كان عقلها بمحله وليس مسلوبًا، لكانت صرخت به بغضب.
ولكنها تحت تأثير قربه.
فأغمضت عيناها تتنهد وهي تهمس بصوت مبحوح:
"طب آآ.. ممكن تبعد يا آدم."
ولكنه على العكس ظل يقترب أكثر، حتى شعرت بنفسها يثقل كلما ضغط بصدره الصلب العريض عليها.
أصبحت شفتاه تطبع صك ملكيته على رقبتها البيضاء وهو يسألها مستنكرًا:
"ولو مابعدتش هتعملي ايه يعني؟?"
كاد يداه تعبث بأطراف ملابسها، ولكنها امسكت يده بسرعة تتشدق بتلقائية:
"ابني."
ضيق ما بين عيناه بعدم فهم، لتستطرد هي بنفس النبرة الواهنة:
"ممكن يكون غلط عليه لو قربتلي دلوقتي."
انتشلته من سحر اللحظة بكلماتها التي صفعته في الصميم فأردته قتيل الواقع.
لينهض عنها صارخًا بغضب أعمى:
"من دلوقتي عملاله حساب وخايفه عليه،،، انا قولتلك اتعودي انه مش هيبقى موجود مش العكس."
وجدت نفسها تصرخ هي الأخرى بالمقابل:
"وانا قولتلك ده ابني واستحالة اقتله،، افهم بقاااا."
انكمشت ملامحه وهو يجيب بصوت بدا شاحبًا متوترًا:
"افهميني انتِ.. انا مش عايز ابني يعيش حياة سودة بسببي يا أسيا !! عشان كده قولت مش عايز اطفال على الاقل دلوقتي بس."
هزت رأسها نافية بعناد أغاظه فعليًا:
"مليش فيه،،، ابني ومستحييييل اقتله."
كادت تصرخ بفزع وهي تراه يدفعها بعنف لتسقط للخلف على الفراش وزمجرته المرعبة ترن بأذنها كالرعد:
"انتِ حره بس اعملي حسابك اني هنفذ اللي في دماغي واللي في بطنك هينزل يا أسيا !!!!"
ثم غادر وتركها هكذا دون كلمة أخرى.
***
كان أدهم قد انتهى أخيرًا من كارثة "منار".
فبعدما ذهب لها وتشاجرا ووصل به الأمر أن صفعها بعدما جعله يفقد أعصابه.
أخرج التسجيل الذي سجله لها على الهاتف أثناء شجارهم، ليذهب به للشرطة بالإضافة لاعتراف "حمو" عليها.
فتصبح منار أسيرة السجن لفترة مجهولة.
استفاق من شروده على صوت رنين هاتفه، ليجيب بهدوء:
"الووو مين معايا؟"
"معاك كريم ابن عم شروق."
"انت عايز ايه تاني مننا يابن ال****."
سمع ضحكة كريم الباردة قبل أن يقول:
"ما انت اول تسمع اللي عاوز اقوله اوعدك هقفل على طول."
"عايز ايه اخلص؟"
"حبيبة القلب في السجن زي جدي بالظبط، جدي اللي محبوس بسببك يا ادهم باشا فاكره؟!"
"انت بتقول ايه يا آآ....."
ولكن كريم قاطعه بحزم مستفز:
"اهدى وسبني اكمل كلامي،،، انا مش هستفاد حاجة لما شروق تتحبس!! تروح تتنازل عن المحضر وجدي يخرج.. اروح انا كمان ابعت واحد يشيل الليلة عن شروق،،، هااا قولت ايه؟"
وهل تبقى لأدهم قول الآن؟
أصبح وكأنه لا يدري سوى كلمة واحدة في قاموسه، وهي:
"موافق."
***
بعد فترة......
انتهى أدهم من التنازل عن المحضر وهو يخبر الضابط باختصار:
"معلش يا حضرة الظابط هنحلها ودي."
وهكذا ألغى ذلك المحضر وداخله يحترق.
يحترق وهو يتخيل أن مسعاه لمعاقبة ذاك الرجل أصبحت مجرد رماد لا معنى له.
كان يقف في انتظار خروج شروق التي بمجرد أن رأته ارتمت بأحضانها هامسة باسمه.
ليضمها هو له بقوة أكبر مستشعرًا ملمس جسدها بين ضلوعه.
أمسك كفها بإحكام وهو ينظر للضابط هامسًا بشرود:
"شكرا يا حضرة الظابط... بس ممكن نعمل محضر عدم تعرض؟"
عقد الضابط حاجبيه يسأله:
"لمين؟"
"اولاد عمها وجدها."
رد أدهم مباشرة غير مباليًا بيد شروق التي كانت ترتجف بعنف بين أحضان كفه.
ليومئ الضابط موافقًا بجدية:
"تمام اللي تحبه."
وبعد حوالي نصف ساعة كانت شروق تنظر لأدهم وهم يتجهان للخارج مرددة بصوت شاحب:
"انت كنت فين يا ادهم كل ده؟"
تنهد بصوت مسموع ثم أخبرها بهدوء:
"كنت بخلص الحوار مع منار،،، واتحبست خلاص."
شعر بيداها التي كانت تفلت قبضته رويدًا رويدًا.
رمقها بنظرة غامضة، وخرج سؤاله مغموسًا بالشك فانقبضت نظراتها عند الإجابة:
"انتِ رايحه فين يا شروق؟"
"رايحة لواحدة مشوار وهرجع علطول.. روح انت يا ادهم."
قالتها وهي تنظر للجهة المقابلة تبحث عن سيارة أجرة.
ليجذب هو يدها بعنف مزمجرًا:
"واحدة مين يا شروق.. من امتى واحنا بينا أسرار؟!"
هزت رأسها نافية ببرود:
"لا مفيش بينا أسرار.. اول ما ارجع هحكيلك."
ثم أوقفت السيارة منادية:
"تاكسي."
ولم تنتظر أدهم الذي كان متجمدًا يحاول فك طلاسم تغييرها الذي أقلقه.
لتستقل السيارة وهي تأمر السائق بالاتجاه لمنزل تلك الدجالة.
أما المستقبل... مجهول عن مرمى العقل.
***
قصر أدم صفوان.
كانت أسيا تجلس في غرفتها بملل متعمدة عدم الجلوس مع أدم نهائيًا حتى يتراجع عن قراره.
سمعت طرقات هادئة على الباب، فأذنت للطارق بخفوت:
"ادخل."
دلف الخادمة تحني رأسها باحترام وهي تقول:
"أسيا هانم.. أدم بيه بيقولك ألبسي وانزلي هو مستنيكِ تحت."
عقدت أسيا ما بين حاجبيها وهي تسألها بحيرة:
"مستنيني لية يعني؟"
هزت الخادمة كتفيها بقلة حيلة:
"ماعرفش والله يا هانم."
أومأت أسيا موافقة وهي تشير لها بهدوء:
"تمام،، روحي قوليله اني هلبس ونازله."
وبالطبع أطاعتها الخادمة لتغادر ونهضت أسيا أيضًا لترتدي ملابسها وسؤال واحد يشغل مكنونات عقلها الآن: "ماذا يريد منها؟!"
***
واجابته كانت عند أدم الذي كان ينتظرها في الأسفل وملامحه جامدة تعطيك خلفية مخيفة عن صاحبها.
هبطت بعد دقائق معدودة ليسحبها أدم من يدها دون أن ينطق بحرف.
فسألته أسيا مستنكرة بسرعة:
"أدم انت واخدني على فين؟"
لم يرد عليها حتى جعلها تستقل السيارة وأغلق الباب لتصرخ هي بعصبية واضحة:
"أدم رد عليا انت واخدني على فيييين؟?"
لم ينظر لها وهو يجيب بجمود:
"هنروح للدكتورة عشان ننزل الجنين."
عندها ثارت كل خلية بخلايا أسيا التي اخذت تضرب السيارة صارخة بجنون:
"يعني ايه !! قولتلك لا يا ادم لا.. انت كنت عايز طفل اول ما عرفتك،، ولما الطفل هيجي عايز تموته!!! انت مجنون؟?"
عندها نظر لعيناها التي كانت تحرقها الدموع فتُصيبها باحمرار دامي.
ليقول بحدة ملحوظة:
"لا مش مجنون،،، انا كنت مفكر الموضوع عادي جدا،، بس لما يكون واقعي بتفرق.. زي بالظبط لما تشوفي النار من بعيد مابتحسيش بحاجة وبيكون عادي.. بس لو لمستيها بالغلط هتحرقك !!!!! ده بالظبط اللي حصل،، انا مش هقدر اجيب طفل يعيش نفس الحياة السودة بسببي زي منا عيشت حياة سودة زي ابويا."
كلامه كان مقنعًا نوعًا ما.
ولكن بالنسبة لقلب أم هو مجرد صفر على اليسار.
ازدادت دموع أسيا انهمارًا دون أن تنظر له لينطلق هو بسيارته.
***
وصلا أمام العيادة.
فكانت أسيا تنظر أمامها لا شيء وهي تردد بصوت جامد لا حياة فيه:
"اعتبر دي اخر حاجة هنعملها مع بعض يا ادم، واوعدك مش هتشوف وشي تاني."
ثم استدارت وكادت تفتح الباب لتنزل ولكنه امسك ذراعها فجأة.
يسألها بقلب ينبض بالخوف من الفقدان:
"يعني ايه؟؟؟ انتِ بتساوميني يا أسيا!؟؟ يا إما اسيبلك الجنين يا إما تحرميني منك؟!"
أومأت مؤكدة ببرود:
"ايوه.. زي ما أنت بتحرمني منه."
وقبل أن ينطق كانت تلتفت له ممسكة بذراعه لتشعر بواقع تأثير لمستها الملتهبة عليه.
فاستطردت متوسلة:
"وقبل ما تقول اني بلوي دراعك لا والله، بس حس بيا يا ادم.. ده ابننا.. جزء مني ومنك،، صدقني لو راح هتروح معاه حاجات كتيى اووي والحاجز بيننا هيزيد، انا عايزه الحمل ده يكمل يا ادم.. بالله عليك متحرمنيش منه!"
كان جامدًا.
عيناه مركزة على اللاشيء حتى اعتقدت أن كلامها مجرد هامش لا يُعد ولا يحسب.
ولكن قبل أن تبتعد عن بيأس كان يلتقط قبلة عابثة ناعمة لشفتاها وهو يهمس بصوت هادئ حاني بعض الشيء:
"وانا ماقدرش أحرمك من حاجة نفسك فيها يا طفلتي."
وبالرغم من التذبذب والتردد الذي كان واضحًا بعيناه، إلا أنها ابتسمت بسعادة حقيقية وهي تحتضن ذراعها مهللة.
بينما هو ينطلق عائدًا للمنزل.
وكأنه عاد للخلف خطوة معاكسة للجحيم.
***
كانت سيليا في المنزل أثناء غياب "جواد" في عمله.
تجلس بملل بعد أن خلدت الطفلة في نوم عميق.
لتنتبه لصوت هاتفها يصدح معلنًا وصول اتصال جديد.
كان رقم مجهول فأجابت بهدوء:
"الووو مين معايا؟"
"أنا مصطفى يا سيليا."
ثم أكمل مسرعًا:
"قبل ما تقفلي الخط انا هقول حاجة تهمك جدًا."
"خير؟"
"اسمعيني كويس،،، تيا مش بنت جواد.. تيا بنتي انا !! انا ممكن افضح جواد واعمل تحليل الDNA واثبت انها بنتي واخدها.. ومش مهم بقا هو اتعلق بيها ولا لا!"
صرخت سيليا فيه بذهول:
"انت كداب،، تيا بنته."
"انا مش مجبر أقنعك.. انا هستناكِ في كافيه (....) اللي في المعادي وهيكون معايا عينة دم تقدري تعملي بيها التحليل وتتأكدي.. ولو ما قابلتنيش انا هقول لجواد بس مش جواد بس ده انا هقول للدنيا كلهااا انه ...... "
ثم ضحك بسخرية متابعًا:
"خرونج ومراته كانت مقضياها وضحكت عليه،،، وابقي قابليني لو عرف يبص في وش حد بعد كده."
زمجرت فيه سيليا بحنق:
"اقابلك لية انت عايز مني ايه؟"
"هي نص ساعة وامشي علطول.. هتعرفي عايزك لية لما تيجي يا سيليا.... سلام يا قمر !!!"
ثم أغلق الخط.
بدأ حديث صامت يحمل واقعًا ملموسًا بين ثناياه يدور محلقًا في أفق عقلها.
وألف سؤال أولهم.. هل فعلاً تيا ليست ابنة جواد؟
ماذا يريد؟
هل سيفضح جواد إن لم تذهب؟
عند تلك النقطة التي كانت محور التحكم داخلها، نهضت بسرعة ترتدي ملابسها وهي تنوي مقابلة ذاك المعتوه والعودة قبل رجوع جواد.
***
انتهت وبالفعل بعد فترة كانت تنتظره في ذلك الكافيه.
وبمجرد أن رأته يقترب ليجلس جوارها حدقت فيه بنظرات لو كانت واقعية لكانت قتلته.
ثم سألته بشراسة:
"انت عايز مني ايه؟ اخرج من حياتنا بقا كفاية كده؟"
كان يرمقها بنظرات متسلية وهو يسألها:
"تشربي ايه؟"
"مش عايزه اطفح."
لفظت الكلمة كأنها تبصق في وجهه.
ليقترب هو منها بوجهه مغمغمًا بخشونة:
"طب مش عايزه العينه؟"
نظرت له بحدة ليُخرج علبة صغيرة يضعها على المنضدة وهو ممسك بها.
ثم أردف مشاكسًا بسماجة:
"براحه بس عشان بخاف."
"خديها."
أومأت يدها لتأخذها ولكن وجدته يقبض على يدها بنعومة وترتسم ابتسامة شياطنية على وجهه.
وقبل أن تسحب يدها وفي نفس اللحظة كان شخصًا ما من خلف شجرة يلتقط لهم بعض الصور.
لتصبح تلك الصور فخًا وقعت سيليا بين براثنه بسذاجة.
***
في اليوم التالي صباحًا.
دلف أسيا راكضة إلى غرفة أدم الذي كان يغط في نوم عميق.
لتصرخ وكأن كارثة حلت على رأسهم:
"أدم أدم قوم بسرعة."
أصبحت على الفراش تهزه بعنف وهي تردد بصوت مبحوح:
"ادم قوم... قوم والنبي يلا."
انتفض أدم جالسًا يحدق بعيناها التي كانت كالتائهة ليسألها متوجسًا:
"ايه يا أسيا في ايه مالك؟"
ردت بصوت شبه باكي بسرعة:
"الحقني يا ادم انا عملت مصيبة الحقني."
ثم ارتمت بين أحضانه باكية وهو ألف فكرة وفكرة سوداء تتوزع بين أركان عقله المظلم.
رواية اسير غرامك الفصل العشرون 20 - بقلم سيليا البحيري
تنبهت جميع حواسه للضربة القاسية التي سيتلقاها حتمًا من حظه الأسود وقضاء حياته.
رفع وجه أسيا بين يديه يهمس بصوت متوتر بعض الشيء:
- عملتي إيه؟ قوللي ومتخافيش.
عضت شفتاها السفلية ولم تنظر له قط. لتخرج حروفها متلكئة خبيثة تعزف على وتر حساس بداخله وهي تقول ببطء:
- أنا عملت طلب انضمام لجروب على الفيسبوك عادي، والجروب كله بنات. فالأدمن طلبت مني ريكورد عشان تتأكد إني بنت.
أومأ آدم يحثها على الإكمال بلطف:
- أيوه وبعدين كملي يا طفلتي.
أكملت باختناق مصطنع:
- وطلبت مني صورة. وأنا بعتلها صورة ليا بشعري، وفجأة لقيتها بتكلمني وبتقولي إنها راجل مش بنت وإني لو ما قابلتوش هيفضحني بصورتي اللي هو ركبها على صور مش كويسة.
اتسعت عيناه آدم وهو يجز على أسنانه بعنف حتى أصدرت صوتًا أقلق أسيا فعليًا. كلما نظرت لعروقه التي برزت شعرت وكأن قلبها سيتوقف عن النبض معلنًا فزعه من ذلك المظهر.
وقبل أن تنطق أسيا بأي شيء كان آدم يأمرها بحدة:
- هاتي إيميل بتاعه والجروب وإيميلك.
كادت تهتف بتوتر:
- بس بص يا آدم.
ولكنه قاطعها عندما قبض على ذراعها بعنف حتى ألمها عن عمد. ويزمجر بوجهها بصورة شبه هستيرية:
- إنتِ متخلفة ولا بتستعبطي؟ في حد يبعت صوره لأي حد كده! إنتِ من إمتى بالسذاجة دي، ده أنا كنت فاكرك ناصحة!
نهضت من جواره بسرعة وهي تتشدق مغمضة العينين خشية انفجاره الموحش حتمًا:
- مهو بصراحة.
ولكنه صرخ فيها بعصبية:
- وريني الصور.
استدارت تمسك بهاتفها وهي تظهر تلك الصور. ثم أخذت تقترب منه رويدًا رويدًا حتى مدت يدها له بالهاتف. ليمسك الهاتف ويجد أن تلك الصور لم تكن سوى مجرد صور لراقصة لعبة.
أغمض عينيه وهو يلعن بصوت خفيض. لتهمهم أسيا ضاحكة وهي تود الركض من أمامه:
- أصل بصراحة ده كان مقلب يا حبيبي.
كاد تركض ولكن وجدته يمسك بذراعها قبل أن تستطع الفرار من أمامه. جذبها حتى سقطت على الفراش وهو فوقها. فأخذت ضحكاتها تتعالى بينما هو يحدق بها بجنون وكأنه على وشك قتلها.
ظلت تردد من بين ضحكاتها التي دغدغت حواسه المتلهفة لطربها:
- أصل بصراحة شكلك مسخرة وإنت متنرفز كده وبحبك أوي لما تتعصب بتبقى عسل يا دوومي.
رفع حاجبه الأيسر وهو يقترب منها أكثر مغمغمًا بخبث:
- والله؟ مقلب يعني؟
اتسعت ابتسامتها وهي تهتف كالأطفال:
- أيوه، من حقي كمواطنة أعمل مقلب في جوزي.
أصبح وجهه ملامسًا لوجهها. ذقنه النامية تحتك بنعومة وجنتاها ببطء وهو يهمس بعبث فاح من نبرته:
- طب ما أنا من حقي أعمل حاجات كتير وإنتِ اللي مانعاني.
شعرت بكيانها كله يرتجف بعنف مشاعرها في تلك اللحظة خاصة عندما شعرت بشفتاه تلثم جانب فكها ببطء رقيق وهو يتابع بلهفة:
- من حقي برضو آكلك دلوقتي.
بعد محاولات عدة كانت تنطق بتشتت:
- أنا عايزة أقوم، عايزة أقوم ورايا حاجات.
وكادت تستقيم بالفعل ولكنه أعادها مكانها. ليُقبل رقبتها قبلات متفرقة جعلتها تشعر أنها تحلق في أعمق أفق وهو يستطرد بخشونة خبيثة:
- لأ، أنا ورايا حاجات أهم، ده مستقبل عيلة، إنتِ بتهزري؟
عندها لم تستطع مقاومته. صعد بشفتاه يلتقط شفتاها المزمومة في قبلة عميقة. قبلة شغوفة متمهلة ونهمة أستهلكت أنفاس كلاهما. ويداه تعرف طريقهـا الذي يجعل جسدها يخضع له بكل بساطة. لتلف هي يداها حول عنقه وهي تبادله قبلته التي تحولت لعدة قبلات مجنونة. لتنتهي الليلة ككل ليلة بين أحضـانه لا يوجد سوى اسمه يتردد على لسانها وهو يغرف من بحور عشقها.
***
دلفت سيليا إلى المنزل بخطوات متوترة. حتى الآن لم تعرف غاية مصطفى والتي سببت لها اضطراب عام في بحثها عنها. كادت أن تفتح الأنوار ولكن فجأة وجدت جواد يفتحها وهو جالس على الأريكة يحدقها بنظرات لم تفهم معناها. ولكنها كانت حادة، حارقة ومخيفة.
اقتربت منه بتردد لتجده هو الآخر ينهض. حتى أصبح أمامها فسألها بحدة لم تخف عنها:
- كنتي فين؟
تلعثمت كثيرًا وهي تنطق:
- كنت.
ولكنه قاطعها حينما رفع صورها هي ومصطفى بوجهها هامسًا بهدوء مخيف:
- كنتي معاه؟
تجمدت مكانها للحظة. وأخيرًا أدركت تلك الغاية الدنيئة التي ستجعل حياتها سوداء.
انتبهت لصراخ جواد المجنون:
- ردي كنتي معاه؟
أومأت سيليا عدة مرات بسرعة لتجده بحركة مباغتة يلوي ذراعها خلف ظهرها حتى أصبحت ملتصقة به وهو يضغط على ذراعها بعنف صارخًا:
- روحتي تشوفيه لييييه؟ ومن غير إذني! إنتِ مابتزهقيش من الحوارات دي.
كادت سيليا تبكي من الألم الذي تشعر به. ليخرج صوتها مبحوحًا وهي ترجوه:
- جواد اهدى لو سمحت أنا هـ.
ولكنه دفعها بعنف مزمجرًا بوجهها كالمجنون:
- متقوليليش اهدى. صدق اللي قال ديل الكلب عمره ما يتعدل.
سقطت سيليا على الأرض باكية تشهق بعنف. ليتخطاها هو متجهًا للخارج ليخرج ويصفع الباب خلفه. ليزداد بكاءها الحاد حتى أيقظت الصغيرة.
***
استيقظت أسيا بابتسامة حالمة على وجهها. لتتحسس الفراش جوارها بتلقائية لتجده فارغ. هبت منتصبة ترتدي ملابسها وهي تنادي بقلق:
- أدم. أدم إنت فـ الحمام؟
ولكن لا من مجيب. هبطت بخطى هادئة للأسفل لتسمع صوت يأتي من مكتب آدم. فتحت الباب دون أن تطرقه بعشوائية وهي تهمس ببلاهة:
- أدم.
ولكن تجمدت باقي الحروف على حافة لسانها وهي ترى تلك المدعوة بـ "ليلي" تجلس جوار آدم والابتسامة المتسعة تحتل ثغرها. نظرت لأسيا وهي تقول بابتسامة متكلفة باردة:
- هاي. إزيك يا أسيا، أنا بدأت أشتغل مع آدم فـ هتلاقيني قاعدة على قلبكم كتير.
حاولت أسيا الابتسام ولكن فشلت محاولتها. فتابع آدم بصوت أجش:
- أسيا روحي وأنا هخلص معاها وهاطلعلك.
كادت أسيا تستدير في نفس اللحظة التي أتى فيها جواد بملامح جامدة. فهتفت أسيا بخفوت:
- إزيك يا جواد.
هز رأسه بهدوء وهو يتخطاها داخلًا للمكتب:
- الحمدلله.
غادرت أسيا المكتب وهي تجز على أسنانها بعنف. بدأت تشعر بالغيرة تشعل بركان ملتهب بداخلها. وآدم يزيد ذلك البركان بأفعاله.
دلت إلى غرفتها وهي تدور حول نفسها يمينًا ويسارًا تحدث نفسها بعصبية:
- أنا هوريك يا آدم. أقسم بالله لا أوريك الغيرة وحشة إزاي.
مرت حوالي نصف ساعة وهي على نفس الحالة. لم تتحمل فركضت تعود للمكتب مرة أخرى. وكما هي معتادة لم تطرق الباب بل فتحته مباشرةً لتُصدم بمظهر آدم الذي كان خالع قميصه وتلك الشيطانة يبدو أنها تتحسس عضلات صدره. وجواد ليس موجودًا قد غادر.