تحميل رواية اسير غرامك بقلم سيليا البحيري pdf
بقلم سيليا البحيري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يجلس بهدوء تام على أريكة مكتبه. أول أزرار قميصه مفتوحة لتظهر عضلات صدره الضخمة والصلبة. يدب على المكتب بأصابعه بخفة وعقله مخطوف لكون آخر وملكوت آخر. عقله خطفته تلك الجنية الصغيرة منذ أول وهلة وقعت عيناه عليها، فأصبح عقله وروحه الجافة بين قبضتها. تسحقه بتجاهلها له، بخوفها المبرر منه. لم يتمنى يومًا سواها، سوى امتلاكها، إلتهامها. وهو لم يتمنى شيئًا ولم يحصل عليه. فهو الديكتاتور "آدم صفوان" ملك المافيا. قانونه قاسٍ، مخيف، وحاد كالحديد الملتهب. ولكن ذاك الحديد حتمًا ينصهر أمام صغيرته الباردة، فتشكل...
رواية اسير غرامك الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سيليا البحيري
أحيانًا نشعر بصفعة عنيفة من رؤانا... تعجز الكلمات عن الوصف.. ويصبح الفم مجرد جندي أخرس في تلك الحرب....!
ليبقى جسدك حلقة وصل.. حلقة ما بين الكتمان والإنفجار..!!
لم تستطع أسيا النطق أمام ذلك المظهر، ليهب أدم ناهضًا بسرعة وهو يردد بلهفة:
- أسيا... تعالي دي ليلي آآ....
ولكن تلك الشيطانة قاطعته لتهتف بسماجة:
- أكيد أسيا مش شكاكة لدرجة إنها تفهمنا غلط يا أدم يعني..!
عندها شعرت أسيا بخبث الأنثى داخلها يدفعها للتأقلم وسط ذلك الإعصار.. فتقدمت منهم ببطء مقلق حتى أصبحت أمامها فرفعت رأسها بكبرياء وهي تقول:
- فعلًا،،، أنا عمري ما أشك فـ أدم، بس الشيطان شاطر بقا يا لولا يا حبيبتي !!
ثم ضحكت مثلها بسماجة وأكملت وهي تضرب كتفها بمرح مصطنع:
- والله حرام علينا إحنا بنظلم الشيطان كل حاجة نلزقها فيه!!
- قصدك إيه يعني؟؟
سألتها ليلي بعصبية... لتجيب أسيا ببرود ثلجي يتلف الأعصاب:
- ما قصدتش، اللي على راسه بطحة يحسس عليها.
أحمر وجه ليلى وهي تتلقى الإهانة كالعواصف الرعدية فلا تستطيع سوى سماعها والصمت...!!
حينها تدخل أدم وهو يخبر أسيا بجدية:
- ليلي وقعت القهوة على قميصي بالغلط يا أسيا فخلعته لما اتحرقت بتلقائية ومافكرتش في الموقف،، ولما دخلتي كانت بتشوف الحرق وإنتِ دخلتي في نفس اللحظة قبل أي رد فعل.
رفعت ليلي حاجبيها بحنق وهي تتشدق بـ:
- يعني أنا غلطانة يا أدم؟؟؟
هز رأسه نافيًا ببرود:
- لا خالص،، بس مراتي ومن حقها عليا إني أفسرلها اللي حصل.
تدخلت أسيا مرة أخرى وهي تتفحص حرق أدم بعينيها فتابعت بنبرة باردة:
- طيب أنا هشوف جرح جوزي.. ممكن تتفضلي إنتِ دلوقتي وقتك خلص !!
جزت ليلي على أسنانها بصمت وهي تسحب حقيبتها لتغادر بسرعة دون أن تنطق بشيء آخر....
فابتعدت أسيا عن أدم وهي تضغط على الحرق بعنف عن عمد... ليتأوه أدم بصوت مكتوم مشاكسًا إياها:
- براحة يا حبيبتي وجعتيني.
زمجرت فيه بشراسة:
- جاك وجع في قلبك،، هي ليلي بقت ممرضة عشان تشوفلك جرحك ولا إيه؟!!
كاد يضحك ولكنه تماسك وهو يخبرها ببسمة محلقة.. مهللة بتلك الغيرة التي تُعد تاجًا لعشقهم الدفين...
- لا طبعًا،،، بس هي اتدخلت كده وأنا كنت لسه هزعقلها وأبعد بس إنتِ دخلتي.
سخرت منه بحدة:
- قطعت الخلوة الحلوة صح؟؟؟
حينها اقترب أدم بوجهه منها حتى يداعب أنفها بأنفه وهو يردد ممازحًا إياها:
- يا خراشي يا ناس ع الغيور دا !
أغمضت عيناها وكأنها تصرف ذاك الجن عنها... ثم صرخت بعدها بصوت أفزعه:
- أدم ابعد من قدامي.. أوعى كده دا إنت هتخلي الواد ينزل من قهرتي الله يحرقك !!!
ثم تركته تتجه للخارج بخطى سريعة.. لتنتفخ أوداجها بغضب أكبر وهي تسمع ضحكاته الرنانة على غضبها الطفولي...
حينها أستدارت تنظر له مستطردة بخبث جعله يتصنم مكانه للحظة وعقابها الصارخ يسقط على أذنيه:
- وعلى فكرة أنا هقفل الباب عليا وإنت مش هتدخل الأوضة دي لحد 3 أيام يكون حرقك خف يا حبيبي لأني مابحبش المحروقين خالص!!
ولم تنتظر رده بل ركضت لغرفتها تغلقها عليها بالفعل بينما أدم يركض محاولاً اللحاق بها وهو يصرخ خلفها كالأطفال:
- خدي هنا يابت،، استني يابنت المجنونة....!
ولكنها أغلقت الباب بالفعل.. ليستند بظهره على الباب هامسًا بغلب:
- إن كيدهن عظيم فعلاً !!!!...........
ليحترق هو بضحكاتها هذه المرة فيضيق عيناه وهو يتوعدها بخبث...
---
بمجرد أن هبطت شروق من سيارة الأجرة وجدت من يمسك ذراعها بعنف ويزمجر بها بعصبية مفرطة:
- إنتِ جايه هنا ليه؟؟ هتشوفي مين في الحتة المقطوعة دي يا شروق !!
ومن تهورها ثم غضبها العشوائي ردت صارخة:
- دجالة.. جاية لدجالة يا أدهم ارتحت كده؟!!!!
للحظة لم تسعفه حروفه للرد....
أحيانًا تصل لمرحلة يصبح الكلام فيها مجرد هامش في صفحة امتلأت سطورها !!.....
لم يستطع سوى سحبها من يدها -كالبقرة- نحو السيارة ليُدخلها عنوة مرددًا بحدة حازمة:
- اسكتي وادخلي باحترامك أحسن يلاااا
ثم استقل هو خلفها وهو يخبر السائق بعنوان منزلهم.....
نظرت له شروق بحدة وهي تتمتم بصوت حاد:
- أدهم ملكش دعوة لو سمحت،، يمكن السحر هو الحل بقا.
اخترقت ضحكته الساخرة أذنيها مرتبطة بجملته التي تحمل الكثير والكثير:
- يا ريت كان السحر الحل،، مكنش حد هيتعب في حياته،، كنا هنعمل لكل حاجة سحر... كان الفاشل عمل سحر والفقير عمل سحر والمجنون عمل سحر واللي بتحب واحد عملت سحر.. كنا عملنا سحر عشان نخلي بلدنا أحلى.. وسحر عشان فلسطين تتحرر.. وسحر عشان البلاد العربية ترجع زي الأول !!
ثم أعاد النظر لعيناها البنية ومن ثم أكمل بجدية:
- بس السحر عمره ما كان حل.. وبعدين ده آآ....
وعندما لم يجد منها رد الفعل المنشود،،، تنهد وهو يقول بخشونة:
- أنا يمكن مش قريب من ربنا وبعمل حاجات حرام كتير، بس عمري ما أفكر في السحر.. إنتِ أكيد عارفة إنه يُعتبر شرك بالله يا شروق !!
ثم ارتسمت ابتسامة ساخرة على ثغره وهو يردف بمرح لا روح فيه:
- إيه إنتِ هتكفري ولا إيه !!!!
هزت شروق رأسها نافية.. كادت الدموع تنجرف من بين تلك المقلتين وهي تهمس بصوت شاحب:
- أنا ما فكرتش في كل ده.. أنا فكرت في المشاكل وبس، فكرت فـ كل الهموم اللي بتيجي ورا بعض دي وبس !!
تنهد أدهم تنهيدة عميقة تحمل في طياتها الكثير والكثير قبل أن يسحبها لأحضانه بحنان رابتًا على خصلاتها وهو يهمس:
- قدر الله وماشاء فعل،، كويس إني لحقتك... خير !
ثم رفع وجهها له وهو يقول بابتسامة هادئة:
- هوصلك على البيت وهطلع على قصر أدم،، هروح أظبط معاه ومع جواد الشغل عشان هبتدي شغل معاهم خلاص الفلوس اللي كانت معايا خلصت.
ابتسمت شروق ابتسامة متكلفة وهي تومئ له موافقة عدة مرات.....
---
بعد فترة .......
تقابل كلاً من "أدهم" وجواد عند باب قصر أدم.. كان جواد شاحب يتحدث ويصافح بلا معنى !!
وكأن تلك الدنيا كانت متوقفة على نقطة إن تخطتها أرواحنا تدمر كل شيء....!
دلفا إلى المكتب في انتظار أدم الذي أتى بعد دقائق معدودة يهتف بابتسامة رجولية جذابة:
- ياااه.. بقالنا كتير ماتجمعناش كده.
ابتسم أدهم ولكن ظلت تعابير جواد ثابتة حادة.. ليتأفف أدم مرددًا بخبث:
- يابني قولتلك صالح مراتك وخلصنا من أم البوز اللي مصدره دا، قولتلك مصطفى ابن **** بيضحك عليك وبيلعب بيكوا عشان ياخد حقه.
وضع جواد يده على رأسه يتنهد عدة مرات... ثم سمع أدهم الذي تدخل يؤيده:
- أنا مش فاهم إيه الحوار بس فعلًا أكيد أي حاجة مصطفى له دخل فيها هتبقى لعبة منه !!
ظل يهز رأسه بقلة حيلة هامسًا:
- أنا تعبت مابقتش عارف هو بس اللي عايز ياخد حقه ولا إيه.......
نظر له أدم يلكزه بذراعه مزمجرًا بخشونة مصطنعة:
- قوم.. قوم يا جواد الله يهديك ماتسمعش لشيطانك قوم صالح مراتك.
تنهد جواد أكثر من مرة وهو ينهض بالفعل مغمغمًا:
- تمام.. أشوفكم يوم تاني أكون فايق فيه بقا،، سلام يا رجالة.
أشاروا له بأيديهم بهدوء مبتسمين...
حينها عادت ملامح أدهم لموطنها الخشن كالصقر وهو يهتف:
- اسمعني بقا يا أدم،،، أنا عايز أأدب أولاد عم شروق وجدها.
عقد أدم حاجبيه وهو يسأله باستفسار:
- عايز تأدبهم إزاي؟؟؟
- على اللي عملوه،، عايز أعمل أي حاجة تأذيهم ومحدش هيساعدني غيرك.
قالها أدهم بطريقة شرسة جعلت أدم يُيقن من إصراره على سبيل الانتقام....
صمت أدم مدة دقيقتين تقريبًا وكأنه يدور تلك الفكرة برأسه... ثم حدق بعيني أدهم التي استوطنها الخبث ليرد بــ:
- بص أنا مابقتش أذي حد إلا لو أذاني بس تمام بص.. إنت اديني بس اسم شركتهم اللي قولتلي عليها وأنا هجيب معلومات بطريقتي عنهم، واوعدك هعمل كل اللي أقدر عليه عشان يفلسوا خالص وما أظنش في أحلى من كده تأديبه !!
اتسعت ابتسامة أدهم الخبيثة وهو ينهض ليصافح أدم بانكشاح صارخًا:
- أيوه كده يا راجل أمال الصديق وقت الضيق قالوها من فراغ ولا إيه ....!
ضحك أدم على فرحته البلهاء ليعود ويفكر كيفية بدء خطة الانتقام تلك........!!
---
في منزل جواد.......
كانت سيليا تحاول تهدئة الصغيرة "تيا" من البكاء لتعود للنوم بعد فترة بصعوبة فتبدأ وصلة بكاءها هي كالعادة منذ مغادرة جواد حتى تورمت عيناها الزيتونية لتصبح مصبوغة بلون الدم...!!
غفت رغمًا عنها وهي تهمس أكثر من مرة:
- جواد يلا بقا تعالى والنبي....
لم تشعر بنفسها عندما سحبها النوم ليُريحها من تلك الدوامة المُهلكة..!!!
بعد فترة....
استيقظت شاهقة عندما شعرت بيد تحيط خصرها بقوة.. وقبل أن تتحرك وجدتـه يكتم فمها بيداه ويحكم قبضته حولها ليحملها بين ذراعيه رغم كل محاولاتها الفرار من بين قبضتيه............!
---
أستغلت أسيا إنشغال أدم مع أدهم في مكتبه لتدلف إلى الغرفة التي أصبحت غرفة العلاج تحمل كل إمكانيات المشفى ليتم علاج والدها الذي كان في غيبوبة منذ ما جرى تحت إشراف ممرضات.....!
كادت شهقة عنيفة تنفلت من بين شفتيها وهي ترى والدها ممدد لا حول له ولا قوة تحيطه الأسلاك من كل جانب ... !!
مظهر يجعل قلبك يتلوى طلبًا للرحمة وخاصةً إذا كان ذلك الشخص هو القلب نفسه....!
جلست جواره تمسك يده وهي تهمس من بين دموعها التي اخذت تنجرف:
- بابا... وحشتني أووووي يا بابا مش ناوي تقوم بقا ؟
اخفضت رأسها تُقبل يداه وهي تكمل بصوت مبحوح:
- أنا ولا حاجة من غيرك يا بابا.. أنا نقطة على الشمال من غير وجودك.
تعالت شهقاتها مرددة بألم:
- أنا محتاجالك أوووي.. محتاجة أحس بدفى حضنك من تاني.. قوم يلا يا بابااااااا.
أنخرطت في وصلة بكاء عنيفة لم يفلتها منها سوى صوت الضجة العالية التي سمعتها تأتي من الخارج.. عقدت حاجباها بقلق هامسة:
- استر ياااررب.
ولكن بدت المصيبة قادمة لا محالة عندما سمعت صوت الضجيج يعلو شيئًا فشيئًا وأصوات الطلق الناري أيضًا........ !!؟
رواية اسير غرامك الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سيليا البحيري
بدأ الجو وكأنه نقلة زمنية تعود بك لأحدى الحروب الدامية.
ولكن تلك الحرب ليست متعلقة بأسباب دينية أو دافعية، وإنما متعلقة بنفوس استوطنتها الشياطين.
وضعت أسيا يداها على أذنيها تحاول قتل تلك الصرخة قبل أن تخرج من فمها.
ركضت تجلس جوار والدها وهي تضم نفسها له وكأنها تحتمي به.
ظلت حوالي ثلث ساعة وهي على نفس الوضع، حتى وجدت من يفتح الباب ويدلف.
وصوت طلبته روحها قبل أذنها يصدح مناديًا بخوف:
"أسيا!!!"
ركضت أسيا ترتمي بين أحضان آدم الذي أغمض عينيه بعد أن غمرها ارتياح عميق.
يضمها له بكل جوارحه، بكيانه الذي اهتز رعبًا على تلك المعشوقة.
رفع وجهها له يحاول تهدئتها بحنانه المعهود مؤخرًا:
"هش... خلاص اهدي يا حبيبي أنا معاكِ."
كادت تبكي وهي تتوسله النفي، قائلة:
"هو إحنا هنفضل طول عمرنا عايشين كدا يا آدم؟ ممكن في أي لحظة حد يهجم علينا عشان يقتلنا؟"
هز رأسه نافيًا، يتبعها هزة رأسها حازمة منه وهو يخبرها صراحةً:
"لأ. دا كان خالد جاي عشان ياخد حقه طبعًا، بس خلاص... أنا قتلته!"
تردد في نطق الكلمة الأخيرة، وتحديدًا التي جعلت أسيا تتراجع عدة خطوات للخلف وكأن أمان أحضانه تبخر تزامنًا مع نطقه بشناعة ما فعل.
كانت تحدق بعينيه السوداء والتي كانت مظلمة، مظلمة بدرجة مخيفة وكأنها تبتلع شياطين داخل أعماقها.
لتهمس بصوت مبحوح:
"قـ... إيه؟ قتلته! ببساطة كدا قتلته يا آدم؟"
تبعًا لمقولة "الطبع يغلب التطبع"، لم يبالي وهو يرد بجبروت بارد:
"أيوه قتلته، أنا أقسمت المرة اللي فاتت إنه لو جه تاني هقتله، وهو مش باقي على روحه وجه! مش هفضل طول حياتي عايش مستني هجومه."
أخرجها عن طور الصدمة فبدأت تصرخ فيه وهي تضربه على صدره:
"انت إيه؟ كان ممكن تسلمه للبوليس، إنما تقتله بكل دم بارد! انت خلاص معندكش قلب للدرجة وقادر تاخد روح مش ملكك؟!"
أمسك يداها الاثنان بعنف يزمجر بصوت أشبه لزئير الأسد:
"اهدي وبطلي جنان، أنا ماروحتش بيته مخصوص أقتله، دا هو اللي جه يتهجم عليا وكان طبيعي أدافع عن نفسي وعنك. يعني دا دفاع عن النفس، اللي البوليس نفسه ما يقدرش يحاسبني عليه. انتِ هتحاسبيني عليه بأمارة إيه؟"
"بأمارة إني مراتك ومش هقدر أعيش مع قاتل!"
ردت بتلقائية كادت تندم عليها لاحقًا، ولكنها تماسكت وهي تستطرد دون أن تنظر له:
"صعب، صعب أوي شعور إنك تشوف روح حد بتطلع قدامك. إزاي انت بنفسك اللي كنت سبب طلوعها؟ ما صعبش عليك ولو لحظة؟"
"لأ."
أجاب بصدق، وبرود، وهدوء أرعبها.
لم تجد ما تقوله فنظرت نحو الباب وهي تهتف بتوتر:
"أنا عايزة أشوفه، ولو للمرة الأخيرة!"
صمت برهة قبل أن يومئ موافقًا لها.
ولكن قبل أن تخطي خطوة واحدة، أمسك ذراعها يحذرها بجدية:
"بس لو مش هتقدري تتحملي المنظر خليكِ، أنا مش مستعد أسمع محاضرة من محاضرات النبالة منك تاني!"
صدرت ضحكة خافتة قصيرة مغموسة بالسخرية منها وهي تهمس له:
"متقلقش، مش هسمعك محاضرة من محاضراتي تاني."
ثم اتجهت نحو الخارج بخطى سريعة وهي متيقنة من أن ما ستراه لن يعجبها إطلاقًا.
وبالفعل، وجدت جثمان "مدحت" على الأرض مُغطى بغطاء أبيض.
تقدمت بخطى مرتعشة حتى أصبحت أمامه.
هبطت لمستواه لترفع ذاك الغطاء.
شهقت بعنف وهي ترى منظر رأسه التي فجرها الرصاص.
مظهر جعل جسدها يرتعش تأثرًا، فلم تفعل سوى أن همست بحروف متقطعة قبل أن تنهض لتركض:
"الله يرحمك ويغفر لك ذنوبك!"
ركض آدم خلفها نحو غرفتها، ولكن قبل أن يدلف، وجدها تُغلق باب الغرفة.
كانت تقف في منتصف الغرفة تحدق باللاشيء.
إن كان مدحت به كل مساوئ الدنيا، ولكن - الدم بيحن - كما يقولون.
لا تستطع تقبل مظهره هذا والتشفي فيه كما يجب.
بدأت تشعر بالدنيا تدور من حولها.
وصوت آدم يخترق عقلها وكأنه صوت بعيد جدًا:
"أسيا... أسيا افتحي الباب."
ولكنها لم تستطع التحرك، بل سقطت أرضًا فاقدة الوعي دون سابق إنذار.
***
في "سوهاج".... تحديدًا منزل عائلة شروق.
كان الجد يترأس الجلسة في إحدى الغرف هو وأحفاده الثلاثة.
بعدما أغلقوا الباب عليهم ليبدأ اجتماع الشياطين.
قطع ذلك الصمت المهيمن على الأجواء صوت كريم الأجش الذي قال بابتسامة هادئة:
"حمدلله على السلامة يا جدي."
رد الجد بملامح متجهمة:
"الله يسلمك يا ولدي."
يهتف مراد المندفع دائمًا بغضبه الدفين تجاه شروق وأدهم:
"هنعمل إيه يا جدي؟ عيلة الدهاشنة ما هايسكتوش على طار ولدهم!"
أومأ الجد مؤكدًا يردد:
"عارف يا ولدي، وأنا مش هقدر أضحي بحد فيكوا عشان كدا كنت عايز أجوز بت المركوب دي لحد فيهم ونخلص من الموال دا!"
هنا تدخل ثالثهم يتابع بحنق:
"وأديك شوفت اللي حصل، هنعمل إيه يا جدي؟"
تنهد الجد أكثر من مرة قبل أن يقول بصوت خشن امتلأ بالحقد الواضح للأعمى حتى:
"ماعرفش يا ولدي، بس حاجة واحدة اللي أعرفها... لو كنت ممكن بنسبة 1 في المية أحن وأسيبها، بعد اللي عملوه هي وجوزها مستحيل أسيبها إلا أما أخلص من الموضوع دا."
"طب والورث يا جدي اللي أخدته دا؟ هنسبلها تعبنا وشقانا؟"
تدخل كريم قائلًا بتلك الجملة.
فبدت الدائرة وكأنها تحوي الكثير والكثير، وكلهم يبحث عن ما يهمه.
وكله على حساب تلك المسكينة "شروق".
ليرد الجد نافيًا بحدة:
"الفلوس بتروح وتيجي يا ولدي، إنما انتوا لو رحتوا مش هقدر أعوض حد فيكوا خصوصًا بعد موت أبوكوا وعمكوا! العيلة هتبقى من غير شجرة!"
جز كريم على أسنانه بغيظ وهو يتوعد أخذ حقه الذي سلبته شروق من وجهة نظره وليس العكس.
ليطاوع جده مكملاً بتساؤل:
"طب هنعمل إيه برضه يا جدي؟"
تنهد الجد تنهيدة عميقة تحمل في طياتها الكثير والكثير، ثم أردف وهو يحدق بالفراغ مفكرًا:
"أنا عرفت أنا هعمل إيه، أنا هصدرها في وش المدفع!"
رد الثلاث في صوت واحد بعدم فهم:
"إزاي يعني يا جدي؟؟"
لينظر لهم بأعين احتلتها الخبث كعدو مُحبب لها، ثم قال بصوت خفيض نوعًا ما:
"يعني أنا هجيب كبير عيلة الدهاشنة وهقوله إنه زي ما هو عارف مفيش بنات في العيلة، وشروق لقيناها بس لقيناها مع واحد كدا منعرفش أصله من فصله طمع في فلوسها لما جت أخدت ورثها مننا، وبعد ما خدت الفلوس رفضت تتنازل شوية عشان عيلتها وتتجوز وهربت مننا وإحنا مانعرفشي هي فين دلوقتي. وحد منكم يقول لحد من ولاده بطريقة غير مباشرة على عنوان شروق والواد اللي اتجوزته دا، وبكدا نكون أقنعنا الدهاشنة ولو ما اقتنعوش هما هيتصرفوا بقاااا معاهم!!!!"
اتسعت ابتسامة الثلاثة وهم يحدقون به بانبهار من تلك العقلية الشيطانية.
ليهتف كريم بفخر مبتسم:
"تسلم دماغك يا جدي."
***
وأخيرًا استطاعت سيليا رؤية وجه ذلك المجهول الذي لم يكن سوى "جواد"، ولكن لم يرد إيقاظ الصغيرة "تيا".
أنزلها أرضًا وهو يتنفس بصوت عالي مرددًا يشاكسها:
"يخربيتك دا أنا لو حرامي مش هتعملي كدا!"
أغمضت هي عيناها تحاول تنظيم أنفاسها التي أصبحت في حالة هرج ومرج.
لتهمس بارتياح:
"أوف خضتني طب انطق."
ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يقول:
"خوفت تصحى تتصرفي بتلقائية وتتكلمي بصوت عالي وتيا تصحى، وبصراحة دماغي مصدعة مش مستحمل عياطها دلوقتي خالص!"
أومأت بهدوء هامسة:
"طيب.. هروح أحضرلك العشا، انت أكيد جعان."
ولم تعطه فرصة الرد بل سارت بهدوء نحو المطبخ.
ليتنهد هو بصوت مسموع يعلم أن طريق الليلة سيكون طويل.
وربما جدًا.
بدأت سيليا تحضر بعض الأطعمة بحركة خفيفة وهي شاردة، متعجبة.
لم يتحدث حتى حول ما جرى.
ما سبب تغيره هذا من حالة الغليان المرتفع لحالة السكون المقلقة هذه؟
ارتفع هاتفها بصوت رنين لتمسك به فوجدت المتصل "شروق".
فردت بسرعة وهي تهمس:
"شروق.. جيتي في وقتك والله."
"إيه مالك يا بنتي؟ انتِ معيطة ولا إيه؟"
"لأ لسه صاحية من النوم، بس محتاجاكِ جدًا."
ضحكت شروق بشرود قبل أن تتشدق بـ:
"جتلك يا عبد المعين تعيني!"
ابتسمت سيليا دون صوت لتهمس بعد دقيقة صمت من الطرفان:
"حياتي اتلخبطت أوي يا شروق، وبقا في سر كمان مش عارفة أقول لجواد عليه ولا هدمره لو عرف!"
سألتها شروق بعدم فهم:
"سر إيه؟"
هزت رأسها نافية وكأنها تراها:
"مش هينفع على التليفون،، تعاليلي بكرة أو أنا هحاول أجلك."
"تمام ماشي، خلاص هسيبك دلوقتي وأشوفك بكرة بقا."
"تمام.. سلام يا حبيبتي."
"مع السلامة."
وقبل أن تغلق الهاتف، وجدت من يُحيط خصرها ليحتضنها من الخلف.
هامسًا وأنفاسه تداعب رقبتها بطريقة جعلت القشعريرة تسري في جسدها:
"هو إيه دا اللي مش هينفع على التليفون؟"
شهقت بصوت مكتوم وهي تحمد الله أنه لم يسمع ما سبق ذلك.
لتتلعثم حروفها وهي تجيبه:
"لا دي آآ.. شروق كانت عايزة تفضفض فـ قولتلها مش هينفع على التليفون!"
همهم بصوت منخفض جدًا وهو يتعمد أن تسير شفتاه على رقبتها بحركة بطيئة:
"اممممم..."
حاولت الابتعاد من بين حصاره وهي تهمس بتوتر:
"جواد... الــ آآ الأكل!"
لم يبتعد عنها بل ظل كما هو ليقول بصوت أجش متنهدًا:
"أنا آسف."
وقبل أن تنطق، أكمل مقاطعًا إياها:
"آسف إني اتسرعت واتنرفزت عليكِ قبل ما أسمعك، بس اتجننت لما شوفتُه ماسك إيدك في الصور، بس لما هديت عرفت إنه أكيد قاصد يمسك إيدك عشان أشوف الصورة دي، واللي انتِ هتحكيهولي إنتِ بقا روحتي تقابليه لييييه؟!"
فتحت فاهها تود النطق، ولكنه وضع إصبعه على شفتيها بحركة مباغتة يمنعها:
"لأ، مش دلوقتي... بعدين، دلوقتي في حاجة أهم."
قال آخر حرف له وهو يغمض عينيه لاثمًا رقبتها بعمق.
ضغطت بيدها على يده التي تلتف حول خصرها.
لتشعر بشفتيه التي تُفتح وتُغلق على جلدها الناعم فتشعر بعمق إحساسها كفراشات رقيقة تُداعب معدتها.
جذبها له أكثر حتى أصبحت ملتصقة به.
ثم عض شحمة أذنها برقة متناهية وهو يهمس لها:
"وحشتيني...!"
همست وصوت لهاثها عالي:
"وأنت أكتر."
أمسك كتفيها يلفها له ببطء.
لينظر لجفنيها اللذين كانا كـ عازل يمنع ضي عينيها اللامع عنه.
ليُقبل جفنيها ببطء متابعًا:
"افتحي عينك يا زيتونتي!"
فتحت عينيها ببطء لتطل عيناها الزيتونية الساحرة.
فتسحبه ككل مرة ليغرق بين غاباتها تلك وكأنها المرة الأولى.
اقترب منها ببطء وشفتاه تبحث بتلهف عن شفتيها المنفرجة.
وحينما لامسها لتبدأ معركة دامية من نوع آخر.
معركة أسلحتها الشغف واللهفة والشوق العميق.
كان يلتهم شفتيها بنهم بينما هي تمسك طرف قميصه وكأنها ستقع من فرط تأثيره عليها إن تركها.
ليبتعد هو بعد دقيقة ليلتقطا أنفاسهما اللاهثة.
حينها مد يده يعبث بأطراف ملابسها ببطء.
وهي مغمضة العينان مستمتعة بذلك الشعور.
ليحملها بين ذراعيه كريشة خفيفة.
لتسطر ليلة أخرى في صفحات عشقهم.
***
فتحت أسيا عينيها ببطء شديد لتتضح الرؤية لديها شيئًا فشيئًا.
فبالطبع كان أول من رأته "آدم" الذي صاح بلهفة بمجرد أن فتحت عينيها:
"أسيا حبيبتي خضتيني عليكِ يا طفلتي."
أدارت وجهها للجهة الأخرى دون أن تنطق.
ليمـسك هو وجهها بيده يحركه برفق ناحيته ليطبع قبلة حانية على جبينها هامسًا:
"انتِ لازم تفهميني وتفهمي شخصيتي عشان نعرف نعيش مع بعض يا طفلتي."
ردت هي بتهكم مرير:
"وطفلتك مش قادرة على دا."
عقد بين حاجبيه:
"يعني إيه؟"
هزت كتفاها بقلة حيلة وهي تخبره بصوت ذو بحة واضحة:
"يعني أنا تعبت وأنا بحاول أفهمك وأبررلك يا آدم، طريقتك غير طريقتي، مبدأك غير مبدأي، طبعك كمان غير طبعي،،، كل حاجة بينا مختلفة! مفيش حاجة بنتفق فيها إلا حاجة واحدة."
اقترب منها بوجهه حتى لطمت أنفاسه الساخنة وجهها وهو يهمس مغمض العينين وكأنه يحاول زج تلك الحقيقة بعقلها:
"إننا بنعشق بعض.. ودا كفاية!"
أبعدت يداه عن وجهها وهي تهز رأسها نافية.
لتقول بمرارة:
"لأ عمره ما كان كفاية يا آدم،، العشق ما بيأكلش عيش.. يعني هو مش هيخلينا متفاهمين ومش كافي عشان يحل مشاكلنا.. مش كافي عشان نبقى أسرة متفاهمة فيما بعد!"
جـز على أسنانه بعنف.
يحاول تهدئة ذلك الوحش الكاسر داخله.
ليسألها بهدوء ما قبل العاصفة:
"يعني إيه؟ عايزه توصلي لأيه يا أسيا من غير لف ودوران!"
تنهدت بصوت مسموع وهي تخبره بجمود أطاح بصوابه:
"يعني مش هنكمل مع بعض يا آدم،، أنا عايزة أطلق ولو ما طلقتنيش هرفع قضية خلع!"
عندها ومن دون سابق إنذار.
حررت الشيطان الذي يحبسه بداخله فانطلق متأهبًا لذاك الانفجار.
رواية اسير غرامك الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سيليا البحيري
لم يشعر بنفسه سوى وهو يجذبها من ذراعاها النحيفان يهزها بعنف حتى اصبحت تصطدم بالفراش خلفها بقوة وهو يصيح كالمجنون الذي أطلق عقدة جنونه:
- قولتلك مليون مرة ماتنطقيش كلمة الطلاق دي على لسانك، إنتِ ايه مابتزهقيش كل شوية عايزه اطلق عايزه اطلق.
أصبحت تصرخ بصوت عالي هي الاخرى والالم يتقافز بين حروفها:
- اوعى بقا سبني.
لم يُعير اعتراضها اهتمام فازداد من هزته العنيفة وهو يكمل بصوت أرعبها:
- إنتِ ايه يا شيخه؟؟ كل دا عشان انا بحبك ومتمسك بيكي.. قولتلك لا فوقي انا ممكن اقولك في ستين داهية.
ثم أمسك ذراعها يضغط عليه بقوته حتى أنت بألم واضح.. ليهمس بهسيس خطير:
- بس برضه مش هسيبك يا أسيا مهما حاولتي !!
حاولت نفضه عنها وهي تزمجر بحنق:
- اوعى يا ادم سبني انت اتجننت ولا ايه؟؟
جن؟
هي سلبت عقله منذ وقعت عيناه عليها اصلاً... لم يعد يسمع سوى صوت نبضات ذاك القلب اللعين !!
نظر في عيناها وهو يقول بأصرار مدمن على رفض علاج العقل:
- ايوه اتجننت.. انا مجنون اصلاً وانتِ اللي جننتيني من ساعة ما شوفتك !
دموعها تحاربها بقوة لتهبط من بين مقلتيها... وكلماته تصفـع كرامتها الانثوية بقسوة فتزيد مطالبة تلك الدموع الحارقة....!!
وفجأة صرخت عندما جذبها من خصلاتها بعنف ليتابـع صارخًا فيها:
- كل شوية طلقني طلقني هي لبانه فـ بُقك، قولتلك مفيش طلاق ولو مش عاجبك اخبطي دماغك في اتخن حيطه!!
عضت على شفتاها والألم لم يعد يُحتمل فصدرت عنها آآه مكبوتة ملكومة بقسوة كلماته... تليها دموعها التي اصبحت تتسابق على وجنتاها !
ليتركها مبتسمًا بتهكم وهو يتشدق بـ:
- كل دا عشان ابن خالك ال****.. عايزه تطلقي عشانه وانا اللي بتمنالك الرضا ترضي ؟!!!
هزت رأسها نافية بسرعة.. ليوقفها هو مغمغمًا بخشونة:
- بس خلاص يا أسيا انسي، انا هعرفك إن الله حق.. طلاق ومش هطلق ومعاملة حلوة مفيش ورجلك دي هكسرهالك قبل ما تفكري ترفعي قضية خلع، سامعة ولا مش سامعة ؟
عندها إرتمت بأحضانه بسرعة تدفن وجهها عند رقبتها وشهقاتها تغطي ذلك السكون العميق الذي يحوي بين ثنايـاه الكثير...
بدت وكأنها تحتمي منه فيه ؟!!!
فظلت تهمس من وسط بكاءها:
- انا اسفه.. اسفه يا ادم.
أغمض عيناه وهو يضغط على شيطانه لينسحب مرة اخرى...
لف ذراعه حول خصرها ببطء وهو يهمس بتعب:
- انا تعبت منك يا أسيا.
فسارعت هي تردف:
- لأ، اوعى تزهق مفيش أب بيزهق من طفلته!
رغم كل شيء.... ورغم غضبه الذي استوطن ارض جوارحه الا انه ابتسم وهو يتنهد اكثر من مرة ليضمها له بحنان وهو يتحسس خصلاتها ويدلك لها الاجزاء التي ألمتها بسبب قبضته !!
كان جواد في طريقه للعودة الى المنزل عندمـا وجد من يقطع طريقه فجأة ليقف امامه مرددًا بابتسامة سمجة تعبر عن شخصيته:
- ازيك يا جواد ؟؟ ايه ماوحشتكش ولا ايه!
لم يُصدق جواد عيناه عندما رأى ذلك الحقير "مصطفى" أمامه....
وصلت به الجرأة ليأتي له بقدماه وكأنه يصك قربان موته باستعجال !؟....
كاد يهجم عليه ليضربه وهو يسبه بجنون:
- يا بجاحتك يا *** وكمان جايلي برجلك!!!
عاد مصطفى خطوتان للخلف بسرعة وهو يهز رأسه نافيًا ببرود:
- تؤ تؤ كدا هتلم الناس علينا ودا مش في مصلحتك بخصوص اللي هقوله.
نظر له جواد بعدم فهم ينتظر التكملة.. ليتنهد مصطفى بعمق قبل ان يسأله:
- اخبار تيا ايه؟؟؟
رد جواد باندفاع:
- وانت مال اهلك بـ تيا ؟!!!
رفـع حاجبـاه بدهشة مصطنعة.. وهنا تحديدًا شعر أن تلك اللحظة هي مفتاح لكل لك الأبواب المغلقة...
فضيق عيناه بخبث وهو يهتف:
- ايه دا معقول سيليا حبيبتك ماقالتلكش ؟!!
سأله جواد متوجسًا:
- قالتلي ايه؟؟؟
صمت مصطفى برهه يثبت عينـاه على رد الفعل الذي سيحتل جوارح جواد الان بمجرد ان يفجر قنبلته ودون سابق انذار،،،، ثم قال:
- اصل تيا تبقى بنتي انا مش انت.. وانا لما جيت اعرفك سيليا رفضت وقالتلي هشوفك عشان نتفاهم !! مع ان قولتلها انا مش عايز الا بنتي وبس.
أسوأ تخيلات جواد حتى لم تصل لتلك المرحلة من صدمات الواقـع المرير.....!
لم يعد يرى امامه سوى سواد.. ظلمة حالكة ابتلعته ترفض اخراجه لحين اشعار اخر !!
عاد من صدمته ليمسك مصطفى من تلابيبه صارخًا بهيسترية:
- كداب.. انت كداب وابن **** وبرضه مش هانولك اللي في بالك !
تعالت ضحكات مصطفى التي اذابت صبر جواد خاصة وهو يخبره بخشونة:
- كداب؟!! كنت متوقع.. على العموم في معمل قريب هنا تقدر تعمل تحليل بسيط وتعرف اذا كانت بنتك ولا انت كداب زي ما بتقول !!
ظل جواد يتنفس بصوت مسموع بينما ذلك الشيطان يغادر بهدوء تام.....
امسك جواد هاتفه ليتصل بسيليا التي اجابت بعد ثواني:
- ايوه يا جواد.
- هاتي تيا وانزلي انا تحت.
- حاضر بس في حاجة؟
- لا يلا متتأخريش.
- طب سلام.
اغلق الخط وهو يحدق بالاشيء.. سيجعل تلك الدنيا تحمل شعار الجحيم بالنسبة لــ سيليا ومصطفى وتلك الخائنة إن كان كلامه صدق !!....
وبالفعل بعد حوالي ساعة كان يستلم نتائج التحليل وسيليا تجلس بقلب ينبض بعنف مرتعدًا....
سحب سيليا وطفلته بهدوء تام دون ان ينطق بحرف حتى وصلوا المنزل وبمجرد ان دلفوا ودون مقدمات كان يجذب سيليا من شعرها بعنف صارخًا بصوت زلزل اركان المنزل:
- ماقولتليش لية؟؟؟ خبيتي عني لية وكمان طلبتي منه مايعرفنيش!!
بدأت سيليا تتراجع للخلف بذعر ووجهها متشنج بألم.. ليزداد ذعرها وهي ترى تلك النظرة التي تعلمها جيدًا بعينـاه..............
كانت أسيا تسير في القصر عندما سمعت صوت جرس الباب فاتجهت له لفتحه ...ولكن تجهمت ملامحها المبهجة بمجرد ان رأت كابوس حياتها "ليلي" وهي تهتف بسماجة:
- هاي ازيك يا اسيا ؟!
ردت اسيا ببرود:
- كويسه،،، خير ايه سبب الزيارة الكريمة؟!!!
اتسعت ابتسامة ليلي عند ذكر تلك السيـرة التي كانت بمثابة جرعة تزيد نشوتها لذلك الادمـان...لتتابـع بنعومة:
- أدم هو اللي طلب مني اجي...
عقدت أسيا ما بين حاجبيها وهي تسأله مباشرة بحنق واضح:
- وأدم هيطلبك هنا لية؟؟ ما الشغل في الشركة !!
عضت ليلي على شفتاها وبدأ الخبث يوزع شظاياه بين تلك الحروف المغموسة بالمكر وهي تخبرها:
- تؤ تؤ هو قال مش عايزني في شغل عايزني في حاجة تاني.
ثم اقتربت من أسيا لتهمس عند اذنها بصوت اشبه لفحيح الافعى تضمن نتيجته المنيرة لطريق شيطانها:
- صدقيني انا حاسه بأعجابه بيا زي منا معجبه بيه بالظبط.
ولم تعطي اسيا فرصة الرد بل اتجهت للاعلى نحو غرفة ادم...
تاركة الــ أسيا عيناها تشتعل بحمرة الغيرة مطلية بالجنون والغضب..وشيطانها يزرع داخلها جملة واحدة" هو مل منكِ كما اخبرك.... مل ذلك العشق البائس " !!!!!!!!
بلحظات كان العشق فيها هو قائد القوى والروح.. ركضت أسيا نحو مكتب أدم.. فتحت الباب فجأة بعنف وهي تصرخ بتلقائية:
- أدم !!!
ونظرة من أدم نالتهـا جعلتهـا تبتلع باقي الهراءات داخلها.. لتدس الصمت غصبًا وسط حسبانها !!
تجاهلها وهو ينظر لــ ليلي مغمغمًا بصوت هادئ:
- اقعدي يا ليلي عشان نتكلم.
إتسعت ابتسامة ليلي، نقلت عيناها لأسيا التي كانت تُسوى على نار هادئة كما يقولون...
لتردد ببرود واضح:
- خلاص يا أسيا ممكن تروحي تقعدي لحد ما نخلص كلامنـا عشان مانزعجكيش بكلام ملكيش فيها.
ومأ أدم مؤيدًا... وقتلت أسيا حروفه عندما قاطعته جازة على أسنانها بعنف:
- أنت موافق على كلامها دا ؟
أغمض أدم عينـاه يستغفـر .. تلك الصغيرة ستفقده تعقله وهدوءه عاجلًا ام اجلًا !!؟
فتح عيناه التي شكلتها لؤلؤة سوداء لامعة بالحدة وهو يقول موجهًا حديثه لــ ليلي:
- فعلاً انا رأي كدا برضه.
ثم أشار لأسيا التي اقتربت ليسحبها من خصرها ببطء حتى اصبحت بين أحضانـه.. وضع شفتاه على وجنتها يُقبلها بعمق ثم يتابـع بصوت أجش:
- خلاص يا ليلي ممكن تروحي بيتك لحد ما أروح الشركة وأفض عقد الشراكة وتشوفي اي حته تشتغلي فيها برا القاهرة !!
الصدمة صفعت الاثتنـان اللاتي حدقن فيه بذهـول.. ولكن شعور عن شعور يختلف....
شعور يُولد ليتشابك بالبهجة التي خُلقت بين حدقتي أسيا... يختلف عن شعور مات ليحل محله الجنون في كافة خلايا ليلي التي زمجرت بعصبية:
- نعم هو لعب عيال ولا إيه يا ادم ؟
أبعد أدم أسيا عن احضانه.. ومن دون تردد كان يصفع تلك الــ ليلي وهو يصرخ بصوت زرع رعبًا داميًا بين ثنايا روحها:
- صوتك ميعلاش عليا متنسيش نفسك،، دا لعب ***** أنا مليش فيه، وانتِ واحدة زبالة ميشرفنيش اني اتعامل معاها.. ولو فكرتي تعارضي كلامي قسمًا بالله اخليكِ متعرفيش تشتغلي في اي شركة في مصر حتى، وانتِ عارفه اني قادر اعملها.
ضمت شفتاها بخزي وهي تحاول لملمة شتات نفسها المبعثرة.. لتستطرد بسرعة وهي تلملم اشياءها:
- طيب.. ماشي يا ادم زي ما تحب انا مش فارق معايا كتير هشتغل مع مين المهم اشتغل وشكرا جدًا على الاهانة.
كادت تخرج من الغرفة ولكن اوقفها ادم عندما قال بصوت ساخر:
- ياريت تبقي تركزي في الشغل مش مع صاحب الشغل يا آآ.... يا لولا !
أغمضت الاخرى عيناها وكأنها تدفن ذلك الشيطان الذي يدفعها نحو حافة لا مفر من جحيمها !!...
لتغادر على الفور دون كلمة اخرى.. فهي تعرف جيدًا من هو "أدم صفوان".
تفاجئ أدم عندما وجد طفلته تقفز بين أحضانه والسعادة تضيء حروفها وهي تردد:
- بجد بجد مبسوووطة أوووي يا أدم، كان فين التصرف دا من بدري.
ويضغط على خصرها بيداه برفق يقول مؤنبًا:
- كان جاي في السكة بس إنتِ اللي ماعندكيش صبر !
لا تعرف من أين أتتها تلك الجرأة التي جعلتها تردد بعبث:
- مش لوحدي يا بيبي،، أنت كمان ماعندكش صبر فـ حاجات تانية، يعني كل واحد مابيصبرش على اللي يخصه.
تعالت ضحكات أدم الرجوليـة لتُدغدغ مسام الأنثى داخلهـا فترمم ذلك الشعور بالنشوة والاكتفـاء...!
ضمهـا له بقوة.. يشعر بملمس جلدها الساخن الذي يفعل به الافاعيل...تكويـه نارهـا فينبض عشقهـا... فيصبح هو متيمًا بها !
كانت شفتاه تتناقل على وجنتاها كالفراشات التي تُداعبها وهو يهمس بصوت رجولي:
- فعلاً، في حاجات بفقد الصبر فيها تمامًا.. زي دلوقتي مثلاً....
ثم حملها فجأة لتصبح قدماها في الهواء.. حينها صدحت ضحكاتها الخافتة وهي تردد بحرج:
- لا لا نزلني عشان خاطريه.
يهز رأسه نافيًا بابتسامة عابثة... بينما هي جنينها يجعلها مشمئزة من رائحته التي كانت تعشقها..!!
حاولت أن تبتعد عنه وهي تغمض عينـاها... فرفع هو احد حاجبيه مغمغمًا:
- انتِ قرفانة مني يا أسيا ولا إيه ؟!
- اه اردت بتلقائية لتهز رأسها بسرعة تستكمل علها تغطي خطأها الفادح:
- قصدي لا بس يعني آآ... أنا حامل وأنت عارف الحامل و.....
قاطعها عندما وضعها على الفراش واصبح هو فوقها يطل عليهـا... نظراته العابثة تخلق قطة مشاكسة بين نظراتها الساكنـة... !!!
ليقترب منها ببطء وهو يقول بخبث:
- عارف الحامل ممكن تتوحم على قرب جوزها، مش تقرف منه!! ولا الواد دا هيقطع عليا من قبل ما يجي؟!!!!
ولم تستطـع النطق مرة اخرى إذ استحوذ على شفتاها في قبلة شغوفة مفعمة بالاحاسيس التي اوشكت ان تٌرهق كلاهمـا....
رفع رأسه بعد لحظة يهمس لها بصوت أجش من فرط رغبته بها:
- بعشقك يا طفلة.
ردت هي كالبلهاء المغيبة وكأنها ليست هي من كانت تشمئز منه منذ دقائق معدودة:
- وانا بعشقك يا قلب طفلتك..........!
دلف أدهم للغرفة بعد عودته من عمله ليجد شروق في فراشهـا ترتجف بردًا.... ركض نحوها يتفحصها بقلق ليجد حرارتها مرتفعة جدًا..
كان يحدق بها للحظات وهو يفكر ومن دون تردد كان يحملها بين ذراعيه ويتجه بها نحو المرحاض...
وجدها تهمس بصوت واهن:
- لية كدا.. لأ.. ياااربي !
عقد ما بين حاجييه دون فهم، وضعها أسفل الميـاه وفتح المياه الباردة عليهما سويًا...
شهقت شروق وهي تمسك بطرف التيشرت الخاص به.. لتسمعه يهمس لها بصوت حاني:
- هشششش معلش يا حبيبي استحملي وهتبقي كويسه !
هزت رأسها نافية كالطفلة وهي ترد دون ان تنظر له:
- لا، مش هبقى كويسه خالص.
دفنت نفسها بأحضـانه.. وكأنها تستمد الدفء من ذلك الحضن الذي هو اسمى تعاويذ للعشق....!
اغمض ادهم عيناه باستكانة وهو يضمها له اكثر.. يربت على ظهرها برفق بينما هي تكمل بصوت مبحوح:
- كان... آآ انا نفسي نجيب طفلة.
تنهد ادهم تنهيدة تحمل في طياتها الكثير والكثير،، ثم رد بعد فترة قصيرة من الصمت:
- انا نفسي اوي في بنوته شبهك.. ياااه مش هبقى عاوظ حاجة تاني من الدنيا.
حينها بدأت شروق ترفع رأسها ببطء حتى تعلقت عيناها بعينـاه.. ثم رمته بتلك الرصاصة عندما قالت:
- لأتجمدت عيناه واستطرد:
- لأ ايه يا شروق ؟
رفـعت كتفاها ببساطة ثم اردفت بنبرة اختلط البكاء بآخرها:
- يعني انا مش هخلف.. لا بنات ولا صبيان !!!!!!
قالت اخر كلمة وهي تنهار في بكاء حاد... بكاد قطع نياط قلب ذلك المصدوم الذي كان يراقبها دون صدور رد فعل يُحتسب !!.........
بعد مرور ساعات.......
وعندما كانت أسيا تجلس في احدى الحدائق الخاصة في انتظار "شروق" كما اتفقتـا اخر مرة على الهاتف....
وجدت من يربت على كتفهـا فانتفضت وهي تحدق به لتجده شخص غريب لأول مرة تراه !!
عادت للخلف عدة خطوات وهي تهمس بخوف:
- انت مين ؟!!!
وضع إصبعه على فاهه بابتسامة لعوب يخبرها:
- هششش خليكِ هادية احسن لينا احنا الاتنين، أنا جاي اقولك كلمتين وماشي.
ابتلعت ريقها بتوتر وكانت انظارها مُعلقة بحراس ذاك الرجل المحاوطين بهم.. لتهمس:
- عايز ايه ؟؟
اقترب منها ببطء وهو يقول بصوت منخفض:
- انا عارف اللي انتوا مخبيـنوا عن كل الناس !!
ارتجف قلبهـا رغمًا عنهـا فرد بتلقائية هامسة:
- بابا !!!!
ثم حاولت استعادة توازنها وهي تسأله:
- عارف ايه ؟!!!
حاول هو إخفـاء دهشته.. حاول كتم تلك السعادة التي اخترقته لمعرفته أن والدها مازال على قيد الحياة !!
استعاد نفسه سريعًا ثم همس لها بصوت ناعم اشبه لفحيح الافعى:
- عارف ان ابوكِ لسه عايش.
اهتز فك أسيا بعنف بينما هو اكمل:
- وممكن بكل بساطه اقول للي فكروه ميت انه عايش.. قدامك حل من اتنين يا هتجبيلي كل اخبار أدم صفوان من اكبرها لأصغرها وهتأكد منها بنفسي، يا هنشر الخبر بكل بساطه !!!
كانت أسيا جامدة امامه وكأنها صنم.. لا تشعر لا تتحدث لا تنظر !!
فقط جامدة هكذا وكأن تلك الصدمة انتشلتها لبقعة اخرى من الزمـن...!
انتبهت له عندما زمجر فيها بنبرة شيطانية:
- هااا مفيش وقت،، قرري حالاً... ابوكِ ولا جوزك ؟!
ظلت تتنفس بصوت عالي.. تود الصراخ لتنادي مُنقذهـا... تود الرفض.. تود الكثير والكثير ولكنها امامه عاجزة ؛!!!!!
نطقت اخيرًا دون تعبير واضح:
- بابا.. موافق.
اتسعت ابتسامتـه وهو يتابـع محذرًا بخبث:
- وخذي بالك لو ادم شم خبر عن اللي حصل اوعدك مش بس هقولهم لا دا انا هقتل ابوكِ بنفسي كمان !! واظن انتِ عارفه انتِ بتتعاملي مع مين .......
ثم تركها ليذهب هكذا وكأن شيء لم يكن !!
رواية اسير غرامك الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سيليا البحيري
دلفت أسيا بخطى سريعة نحو غرفتها دون أن تنطق بحرف لآدم الذي كان يسير في القصر وعيناه عليها.
لم يصعد خلفها بل نادى على الحارس الذي كان مرافقًا لها.
أتاه الآخر بعد لحظة يقول باحترام:
"أمرني يا آدم باشا."
سأله آدم بنبرة هادئة:
"إيه اللي حصل هناك؟ الهانم مالها؟"
هز رأسه نافيًا قبل أن يخبره:
"والله ما أعرف يا باشا، ما حصلش أي حاجة."
ضيق آدم عينيه وكرر سؤاله بنبرة محذرة:
"انت متأكد إن مفيش حاجة حصلت؟ كنت معاها طول الوقت؟"
أومأ الرجل مؤكدًا بسرعة:
"أيوه والله يا باشا، ما سبتهاش إلا عشر دقايق كنا بنشتري ميه ليا ولحامد، والهانم كانت قاعدة في الجنينة!"
حاول آدم تمالك أعصابه حتى لا يقتل ذلك اللعين على تركه لها في تلك العشر دقائق.
أشار له أن يغادر.
صعد متوجهًا نحو غرفتهم ولكن لم يجد أسيا، فتوقع تواجدها في الغرفة التي يقطن بها والدها حتمًا.
عند أسيا، كانت تجلس أمام والدها دموعها تنهمر دون صوت.
تشعر بروحها تتلوى وتنبح، ولكن العقل يمنع ذلك الصوت من الخروج.
فيزداد أنين تلك الروح.
أمسكت يداه وهي تهمس بصوت مبحوح:
"أعمل إيه يا ربي ساعدني. لو قولت لأدم ممكن يقتلوك فعلاً. اللي كان مانعهم عنك إنهم ما يعرفوش إنك هنا أصلاً، لكن طالما عرفوا يبقى سهل يقتلوك!"
ثم أخذت تهز رأسها نافية بسرعة وهي تحتضنه:
"وأنا مش هقدر... مش هقدر أخسرك، وانت كنت بتعمل كل حاجة عشاني وعشان ما تخسرنيش!"
تنهدت بصوت مسموع وكأنها تقنع نفسها بتلك الحروف المذبذبة:
"الزوج... الحبيب... الأخ... كل حاجة ممكن تتعوض، إلا الأب هو اللي ما بيتعوضش أبداً."
فجأة وجدت جسد والدها يتشنج ويهتز بعنف والجهاز يعلن إشارات غريبة.
نهضت أسيا بسرعة تنادي الممرضة والطبيبة المشرفة على حالته:
"يا دكتورة... تعالوا بسرعة بالله عليكم."
وبالفعل جاءت الطبيبة وهي تدلف مشيرة لأسيا:
"ممكن تطلعي بسرعة يا مدام."
خرجت أسيا ببطء تستند على الحائط خلفها.
بينما عيناها تنزف دمعًا.
شعرت بهاتفها يهتز معلنًا عن وصول اتصال، فأمسكت به لتجيب بصوت لا حياة فيه:
"أيوه مين؟"
وجدت من يجيبها بصوت أجش:
"إحنا أديناه دلوقتي مجرد دواء يجيب له تشنجات، المرة الجاية هتكون سم!"
ثم أغلق الخط لتئن هي بصوت مكتوم.
أصبحت تشعر أنها بين نيران.
نيران يزداد لهبها فتحترق هي متلوية بينها.
في تلك اللحظة وجدت آدم أمامها يحتضنها بحنان هامسًا:
"متقلقيش، إن شاء الله هيبقى كويس. ادعيلها."
أومأت عدة مرات دون رد.
لترفع رأسها متمتمة بصوت مبحوح:
"آدم لو سمحت تعالى الأوضة، احنا لازم نتكلم."
ذهبا معًا للغرفة بهدوء.
وما إن دلفا حتى سألها آدم بقلق:
"في إيه يا حبيبي مالك؟"
تنهدت بصوت مكتوم تحاول استجماع شجاعتها الهاربة:
"آدم أنا عايزة أنفصل... أنا مخنوقة أوي وحاسة إني هفضل مش مرتاحة كدا."
عقد آدم ما بين حاجبيه، كإشارة لعدم اقتناعه بتلك الهراءات.
فأكملت هي دون أن تنظر لعينيه:
"النهاردة شوفت مرات واحد أنت قتلته، كانت عمالة تقول كلام كتير وتدعي عليك وعلى ولادك. وأنا مش هقدر... مش هقدر أخلي ابني يتحمل أخطاءك ومش هقدر أشوف حد من ضحاياك كل شوية!"
كان آدم مغطى بطلاسم الصمت، وكأنه حُشر بين جدار تلك الكذبة السوداء فلم يعد يستطع الفرار.
لم يفعل سوى أن رد بجمود وهو يضع يداه بجيبه:
"ماشي يا أسيا... هطلقك. خشي البسي وهاخدك ونروح للمأذون دلوقتي."
وبالفعل استدارت تدلف لغرفتها وهي تضع يداها على قلبها.
تشعر به يكاد يتوقف عن سيره.
بدأت عيناها تدمع وهي تهمس بصوت يكاد يسمع:
"آسفة يا آدم، مش هقدر أخونك وأعمل اللي هما عايزينه... أحسن حل إني أتطلق وأفهمه إنك انت اللي طلقتني!"
كان أدهم يحتضن شروق بصمت ويتسطحان على الفراش بهدوء تام.
هدوء يحمل بين ثناياه جيشًا من الحروف سُلبت حقوقه في الخروج.
حتى الآن لم يستوعب حديثها ولكنه كالعادة فضل الصمت.
وأمام باب المنزل كان ثلاث رجال من الصعيد.
أمرهم كبير عائلة "الدهاشنة" بإحضار شروق في التو.
فتسير خطة جدها الشيطان كما أراد تمامًا.
كانوا يقفان أمام الباب، فنظر أحدهم للآخر وقال:
"أول ما يفتح انتوا هتتصرفوا مع الواد وأنا هخش أجيب البت."
أومأ الآخران مؤكدين ليحذره الآخر:
"بس خد بالك البت تصرخ أو كدا، الكبير قال ما عايزينش مشاكل وفضايح!"
أومأ الرجل بتأكيد شابه الثقة:
"ماتقلقش أنا عارف هعمل إيه بالظبط."
وبالفعل طرق الباب وبيده الأخرى السلاح منتظرًا خروج "أدهم" ليعاجله بضربه كما خطط.
بينما على الطرف الآخر في سوهاج.
كان كبير عائلة الدهاشنة يجلس مع باقي أفراد العائلة في غرفة الاجتماعات.
ليسأله أحدهم بجدية:
"وهنعمل إيه مع البت اللي هتيجي دي يا كبير؟"
رد الجد الأكبر بثقة صلبة:
"طالما جدها ما عرفش يعمل حاجة ولجأ لي ما قدرتش أصده، فهخير البت بين اتنين مالهمش تالت."
صمت برهة ليعود ويكمل بنفس الإصرار:
"يا تتجوز وتسد ديون أهلها عليها وحقهم، يا تسبلهم شقى عمرهم وتروح مكان ما تحب!"
في تلك اللحظة وجدوا الباب يُطرق أكثر من مرة وفتاة ما تعمل كخادمة في قصر جد شروق تدلف.
نهض هو مزمجرًا بعصبية:
"كيف تدخلي بين قعدة الرجال؟"
ردت هي بسرعة متوترة:
"أنا جايه أقول لحضرتك حاجة مهمة."
سألها بخشونة:
"حاجة إيه؟ قولها."
جابت هي بدون تردد على عجالة:
"كانوا بيكدبوا لما قالوا إن بتهم متجوزة من واحد صايع. اتجوزته لما قالولها هتتجوزي، لا هي كانت متجوزاه من بدري من قبل ما توصل لأهلها أصلاً والواد ما عايز ورثها دا كان بيساعدها بس. وهما اللي فارق معاهم إنهم يخلصوا من المشكلة دي مش الورث خالص!"
انتفض واقفًا يسألها بحدة:
"وانتِ عرفتي الكلام دا منين يابت؟"
تنفست بعمق قبل أن تهمس بقلق:
"سمعتهم صدفة وأنا بدخل لهم القهوة!"
جلس مرة أخرى ينظر حوله بشرود.
سينتقم منهم.
سينتقم مؤكدًا ممن جعلوه لعبة في إيديهم.
وقف مرة أخرى يأمر أحدهم بسرعة:
"إلحق اتصل بالواد قبل ما يخطف البت بسرعة خليهم يعودوا للبلد طوالي!"
ثم صمت يفكر محدثًا نفسه بغيظ:
"وهحاسبكم على اللي عملتوه وهاخد تار ولدي مش هحلها دي ولا نيلة!"
في منزل "مصطفى".
كانت نشوى تسير خلف مصطفى الذي كان يدخن بشراهة دون أن يعير حديثها اهتمام.
نفذ صبرها من تلك اللامبالاة التي تتلف أعصابها في كل دقيقة تزداد على الأخرى.
لتنتشل منه السيجار صارخة بحنق واضح:
"مصطفى أنا بكلمك رد عليا لو سمحت بلاش البرود دا؟!"
تأفف مصطفى قبل أن يقول ببرود:
"منا ياما رديت عليكي يا نشوى وانتِ مصممة ماتفهميش."
ضحكت ضحكة صغيرة ساخرة وهي تسأله:
"رديت عليا بإيه؟"
استطرد بصوت أجش دون أن ينظر لها وهو يسير ببطء في المنزل:
"رديت وقولتلك إني مش بتاع جواز، قولتلك من بدري وانتِ كنتي حابة العيشة معايا على كدا... معرفش إيه اللي جد بقى؟!"
كانت ملامحها جامدة، شاحبة توازي شحوب الموتى وهي تتابع بصوت عالي:
"بس أنت خلتني أسيب جواد وقولتلي إنك هتجوزني! ولما سكت قولت فترة وهيرجع لعقله وهيتجوزني."
ابتسم مصطفى بسماجة، ثم قال:
"لأ يا حبيبتي أنا كدا في كامل قوايا العقلية ومستحيل أتجوز."
"طب ما انت كنت هتتجوز سيليا هانم لولا اللي عمله جواد!"
صرخت فيه بتلك الجملة والغيرة والحقد يحرقا أحشاءها كفتيل يصعب القضاء عليه.
ليمسك هو ذراعها يضغط عليه بعنف قبل أن يردف بحدة مخيفة يحذرها:
"ملكش دعوة بـ سيليا خالص، سيليا غيرك... سيليا ما خانتش جوزها وسابته عشان واحد تاني."
اتسعت عيناها بذهول وهي تراقب ما يكمن بين خلاياه يفوح من بين شفتيه دون قصد منه.
لتضحك بصوت عالي وهي تردد بهيستيرية:
"يعني انت شايفها أحسن مني؟ بعد ما عملت كل دا عشانك؟ يعني انت بتعمل كدا عشان بتحبها مش عشان تنتقم زي ما فهمتني؟!"
كان يعطيها ظهره دون أن يرد مغمضًا عينيه.
بينما نقلت هي عيناها بينه وبين سكين الفاكهة الموضوعة بجواره بجنون.
وبكل الجنون والتسرع.
الحقد والشراسة التي تحملها سالبة إياها من العالم كله.
أمسكت بتلك السكين لتغرزها في ظهره بهيستيرية وهي تهمس كالمجنونة:
"مش هاسيبك تدمرني وتحقق اللي انت عايزه! هقتلك... انت مينفعش تعيش انت لازم تموت! أنا أصلاً حياتي اتدمرت ومعنديش حاجة أخسرها."
ليقع هو أمامها يتأوه بصوت عالي والدماء تنزف منه بغزارة بينما هي تشاهده بشماتة.
وعندما كانت أسيا في السيارة مع آدم متجهان للمأذون كما اتفقا.
وجدت أسيا هاتفها يرن بنفس الرقم فتلعثمت يداها وهي تمسك به لتجيب بتوتر:
"أيوه يا هند؟"
سألها مباشرة:
"انتوا رايحين فين؟"
صمتت هي وكأنها تراجع جوابها الذي ربما يلقيهم للتهلكة.
ثم ردت بصوت مبحوح:
"أنا وآدم رايحين للمأذون عشان نطلق."
شعرت به يبتسم على عكس ما توقعت ثم أردف:
"حلو أوي... جه الوقت اللي آدم صفوان هيدفع فيه تمن خيانته لينا!"
ثم أغلق بوجهها الخط.
نظرت أسيا بسرعة من نافذة السيارة فكان المكان شبه خالي من السكان وتوجد سيارة خلفهم.
ومن دون سابق إنذار وبعد 10 دقائق فقط كان الطلق الناري ينطلق حولهم وكأنه يهطل من السماء ليريهم شكلاً آخر من الجحيم!
رواية اسير غرامك الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سيليا البحيري
اختبـأت أسيا بأحضان أدم وكأنها تختفي من بطش تلك الرصاصات التي لم تخترق أجسادًا فقط، بل شعرت أنها تخترق حياتها بعنف لتصبح رماد قسوتها.
ضمها أدم له بقوة ثم اقترب من أذنها هامسًا بصوت حاني يطمئنها:
- أسيا، زي ما اتفقنا أوعي تخرجي من العربية مهما حصل، واكيد البوليس قرب يوصل، اهدي.
ساومت أسيا عدة مرات مؤكدة له.
هبط هو من السيارة بسرعة، فأغمضت هي عيناها تهمس برجاء:
- ياااارب.. يااااارب استرها يارب، مايحصلهوش حاجة يارب، الاتنين دول مش هقدر أعيش من غيرهم ياااااااااارب.
ثم أخذت الذكريات تتوالى على عقلها كشريط قارب على الانتهاء، مدمرًا ثنايا عقلها.
***
خلال لحظات، لم تشعر أسيا بنفسها سوى وهي تخرج من الغرفة مرة أخرى تنادي على أدم الذي كان يسير مغادرًا:
- أدم استنى لو سمحت.
استدار لينظر لها مستفهمًا:
- إيه؟؟
سحبته من ذراعه ببطء وهي تعود نحو الغرفة مرة أخرى.
أغلقت الباب بإحكام وهي تستدير له ببطء. كان يراقبها هو مضيقًا عينيه يحاول استيعاب ما تفعله.
ولكنه فشل، خاصةً وهي تهمس بتوتر:
- أنا مش عارفة صح ولا غلط إني أقولك، بس أنا هقولك واللي يحصل يحصل.
كانت نظرات أدم الحادة تحثها على الإكمال، يزداد سوادها المقلق كالبؤرة التي تبتلع الشظايا داخلها فتزداد ظلمتها.
بدأت تتحدث بصوت مرتجف وهي تتذكر ما حدث:
- أنا وفي الجنينة في واحد كدا معرفوش جه وقالي إنه عارف اللي إحنا مخبينه. وأنا بتلقائية معرفش إزاي مخدتش بالي وهمست "بابا" ورجعت قولتله تعرف إيه؟ قالي إن والدك عايش وهقول للي فكروه ميت إنه لسه عايش لو ماعملتيش اللي بقولك عليه.
سألها أدم بخشونة:
- كان عايزك تعملي إيه؟؟
- كان عاوزني أنقله كل أخبارك اللي بتحصل جوا القصر، لأن أخبارك برا القصر سهل يعرفها، لكن اللي جوا لأ.
أجابت بسرعة دون أن تنظر لعينيه، لأنها تثق تمام الثقة أنها إن نظرت سترى لهبًا مسعورًا تخشاه دائمًا.
صمتت برهة ثم عادت تكمل:
- أنا كنت مرعوبة، كنت خايفة يقتلوا بابا بجد وساعتها أنا هتدمر فعلاً. المهم هو هددني تاني لما لقاني مترددة إنه هيقتل بابا بنفسه كمان، فـ أنا محستش إلا أنا وبقوله موافقة. رجعت البيت قعدت مع بابا شوية لقيته فجأة جاله تشنجات لما ناديت الدكتورة. وتليفوني رن، قمت رديت لقيته هو وبيقولي المرة دي اديناه دواء يجيبله تشنجات، المرة الجاية هتكون سم! فمكنش قدامي إلا إني أطلق وأقوله إنك إنت اللي طلقتني لما اتخانقنا، أهون عندي من إني أخونك.
كان صمت أدم مقلقًا، إلا أن رده كان معاكس التيار حينما قال:
- طب اسمعيني كويس يا أسيا.
نظرت له أسيا باهتمام هامسة:
- إيه؟ هتعمل إيه؟
اقترب منها يردف محذرًا:
- إنتِ هتكملي وكأن محصلش أي حاجة، كأني معرفتش. أنا متأكد إن الراجل ده هو اللي هيوصلنا لأكبر واحد فيهم لو اتمسك. هنعمل كأننا رايحين المأذون وهاخدك ونروح على طريق فاضي بعد ما أتصل بالبوليس والبوليس هيبقى قريب مننا، وأول ما هما يستغلوا الفرصة ويحاولوا يقتلوني هيلاقوا البوليس جه وهيقبض عليه متلبس. وعشان ما ياخدش إعدام ويشيل كل جرايمهم لوحده أكيد هيعترف! ولو اتصل بيكي وإنتِ معايا ردي كأنك بتخبي عليا، عشان الله أعلم هو مراقبنا 24 ساعة إزاي!
حينها بدأت ابتسامة أسيا تتسرب رويدًا رويدًا إلى أن انفجرت صارخة بسعادة وهي تمسك رأسه لتقبلها:
- حاضر يا جوزي يا حبيبي يا أبو دماغ ألماظ إنت يا عسل!
نالت نظرة حادة من أدم فتراجعت على الفور تستطرد بنبرة طفولية:
- خلاص خلاص ماتزقش!
أشار لها أدم قائلاً بخشونة:
- روحي البسي.
لاثم غمزها بمكر جعل الحمرة القانية تزحف لصفحتي وجنتيها:
- ولا تحبي أجي أنا أساعدك تلبسي؟
ركضت حينها مسرعة وهي تضحك بحرج، بينما تنهد هو وهو يفكر بالقادم.
***
استفاقت من شرودها على انتهاء طلق ناري فابتلعت ريقها بتوتر وخرجت تنظر كالأطفال من النافذة بقلق.
لتجد أدم يقترب منها. ما إن رأته حتى هبطت من السيارة بسرعة متجاهلة ذلك الحائط البشري الذي يحاول منعها.
احتضنت أدم الذي كان يلهث بعنف لتسأله بخوف:
- إيه اللي حصل يا أدم، إنت كويس؟
أومأ مؤكدًا بهدوء:
- أيوه كويس، متقلقيش. خلاص اتقبض عليه هو ورجالته، فاضل الكبير بتاعهم، وأكيد هيتقبض عليه أول ما يعترف.
ألقت أسيا نظرة سريعة لتجد ذاك الرجل بالفعل بين قبضتي الشرطة.
حينها تنهدت بارتياح عميق وهي تشد من احتضان أدم الذي استوطن الارتياح ملامحه هو الآخر.
سارا معًا باتجاه الضابط، ليتنحنح أدم قائلاً بخشونة:
- استأذنك يا حضرة الظابط، عايز أروح، وأكيد هنيجي المديرية عشان لو في أي حاجة تانية.
أومأ الضابط مؤكدًا بجدية:
- أكيد يا أدم، اتفضلوا، كتر خيركم لحد كده.
وبالفعل غادرا معًا بهدوء مع من تبقى من حراسه.
وصلا القصر، فهبط أدم دون أن يعيرها اهتمام.
ركضت أسيا خلفه تناديه برقة:
- أدم استنى.
ولكنه لم ينتظر بل تجاهلها تمامًا.
حينها أدركت أن عقابها سيبدأ الآن وقد اختار أسوأ الأسواط ليجلدها بها "التجاهل".
***
ولحسن الحظ حينما فتح أدهم الباب لم يجد أي شخص، فعاد لشروق مرة أخرى بهدوء.
جلس جوارها دون أن ينطق، فبدأت تتحدث هي بصوت خافت:
- أدهم إحنا لازم نتكلم، مش هينفع السكوت ده.
أومأ أدهم موافقًا بهدوء:
- تمام، هنتكلم. قوليلي بقا إيه اللي حصل خلاكي بالمنظر ده وعرفتي منين الكلام ده؟
عضت شروق على شفتيها وشعرت وكأن تلك الشجاعة والاتزان ذهبا في مهب الريح.
شعرت أن ذكريات ما حدث تجذبها لنقطة الصفر.
وهي لا روح لها للمجازفة للتقدم مرة أخرى.
ولكن رغم ذلك قالت دون أن تنظر له:
- أنا كان عندي شوية أعراض كنت مفكرة إنها حمل. روحت للدكتورة عشان أكشف بس ملاقتنيش حامل. دي قالتلي كمان إني صعب جدًا أخلف.
سألها أدهم بحدة:
- وهي جابت الكلام ده منين وإيه الأسباب؟
هزت شروق كتفيها بقلة حيلة ثم أجابت:
- عملتلي تحاليل وحاجات. وأنا من ساعة ما سمعت كدا مكنتش مهتمية بالباقي والاسباب، بس هي قالت السبب مش بإيدك ولا بإيدها، ده بإيد ربنا. ممكن أحمل بس الاحتمال الأكبر لأ، لأن في كام حاجة هي شرحتهالي.
ضمها أدهم له بحنان مرددًا:
- طب يعني قالت ممكن يحصل حمل يعني، ليه نفقد الأمل كدا؟ وبعدين فالنفترض محصلش، أنا مكتفي بيكي يا حبيبي، إنتِ مراتي وبنتي وأختي وحبيبتي.
لفت يداها حول عنقه وراحت تقول كالأطفال:
- بس أنا كنت نفسي أوي في طفل منك يا أدهم.
بدأ أدهم يربت على شعرها برفق بينما بداخله بركان يثور من صدمة الوضع.
ثم همس وهو يتمدد جوارها:
- صدقيني أنا نفسي فيه أكتر منك، بس عادي يا حبيبي، إحنا مش أول ولا آخر اتنين يحصل معاهم مشاكل في الحمل.
أومأت شروق عدة مرات ليمرر هو إصبعه على شفتيها على شكل ابتسامة، ويقول ليشاكسها:
- ممكن بقا تضحكي كدا، بلاش الكآبة دي. قال عيال قال، ولما يجوا تقعدي تصوتي وتقولي تعالى شوف عياااالك يابو عدوي!
رفعت شروق حاجبها ببلاهة وهي تتابع مستنكرة:
- عدوي؟ عدوي مين؟
اتسعت ابتسامته وهو يخبرها:
- ابننا يا حبيبتي، منا نويت أسميه عدوي على اسم أبويا.
حينها تمددت على الفور وهي تتشدق مسرعة بمرح:
- لا شكراً مش عايزة عيال طالما فيها عدوي!
لتتعالى ضحكات أدهم وهو يتسطح جوارها ليضمها له بحنان متجاهلاً ذلك الأنين الذي تصدره الروح كحداد على حلم قُتل في مهده.
***
دلف جواد للمنزل ببرود كعادته في آخر يومان.
فهو منذ شجاره مع سيليا تركها ليغادر عازمًا على تجاهلها تجاهل تام.
ورغم أن ذلك التجاهل كان يحرق روحه، يجعله يشعر أن نفي لمأوى بعيدًا عن مسكن هواه وروحه.
إلا أنه كان الحل الأمثل، لحين إشعار آخر.
جلس على الأريكة يتنهد بحرارة متذكرًا ما حدث حينها.
***
تدفقت الشهقات الباكية من سيليا كشلال من الدموع بلا توقف.
تشعر أن تلك الشهقات بمثابة وخزات عميقة تسبب تشوهًا في روحها الضعيفة.
أمسكت يده التي تقبض على خصلاتها وهي تصرخ:
- والله أبداً، هو قالي آآ...
ولكنه كان كالمجنون يهزها بعنف من ذراعيها وصراخه كان كالرعد يصدح بأذنها يكاد يفقدها إياها:
- قالك إيه؟ كل عقلك بإيه، مهو شاطر أوي في الضحك على الستات، لا ومش أي ستات دي أي واحدة بيتجوزها بيقدر يضحك عليها بسهولة.
تعالى صراخ سيليا وهي تحاول أن تشرح له بكل الطرق:
- لا أنا مش زي أي حد يا جواد، أنا ماخونتكش زيها، هو هددني إنه هيفضحك.
حينها بدأ يتركها ويعود للخلف رويدًا رويدًا.
لتتابع هي بحروف متمزقة كرونقها تمامًا:
- قالي إن البنت مش بنته، وإنه هيفضحك ويقول إن مراتك بتخونك وبكده مش هتقدر تواجه حد. قالي إنه ممكن ياخدها منك وأنا عارفة إنت متعلق بيها قد إيه.
كان يلهث بصوت عالي وهو يجلدها بنظرات حادة تحمل لونًا واضحًا من خيبة الأمل.
ليسألها مستنكرًا حديثها:
- تيا بنتي أنا! الأب اللي بيربي مش اللي بيخلف ويرمي. وبعدين إنتِ إزاي ماتعرفينيش؟ كنتي ناوية تخبي لحد إمتى؟
رفعت كتفيها تهمس بقلة حيلة:
- معرفش، بس أنا كنت متلخبطة، خايفة ومش عارفة هجبهالك إزاي.
ظل جواد يهز رأسه نافيًا، إلى أن زمجر بعصبية خفيفة:
- امشي.. امشي من قدامي يا سيليا عشان ماتغاباش عليكِ وياريت ماتخلينيش أشوفك كتير! مش مسامحك ولا هسامحك على كذبك عليا.
وبالفعل غادرت سيليا بانكسار.
هي تعلم أنه لديه الحق 1000% ليغضب منها، ولكنها أيضًا كانت بين نارين كما يقولون.
***
انتبه لسيليا التي تقدمت منه بهدوء تقول بصوت خافت:
- أحضّرك العشا ولا اتعشيت برا؟
أومأ جواد موافقًا ثم استطرد بخشونة:
- لا حضري.
سارت سيليا بوهن نحو المطبخ.
ولكن فجأة شعرت بالدوار الحاد يهاجمها وقدماها وكأنها ملت من حملها فلم تعد تستطع حتى كادت تسقط أرضًا لولا يد جواد الذي تقدم منها صارخًا بخوف:
- سيليا!! مالك يا حبيبتي؟؟
أصبح يهز رأسها ببطء بعدما فقدت وعيها واللهفة تكاد تفقده عقله وهو يردد:
- سيليا ردي عليا! فيكِ إيه يا زيتونتي؟
تركها بحرص وركض يجلب عطر.
ثم عاد ليبدأ رشه لها بعناية.
دقائق وبدأت سيليا تستعيد وعيها رويدًا رويدًا.
حينها احتضنها جواد بقلب يتلوى خوفًا من فقدانها ليسألها بسرعة:
- مالك، إيه اللي حصل يا زيتونتي؟
لم ترد سوى بكلمة واحدة جمدته مكانه كالصنم:
- أنا حامل!
تجمدت يداه التي كانت تربت على كتفها وعيناه التي كانت تنبض بالخوف أصبحت متوهجة وكأن شعلة الأمل وبريق الحياة عاد ليشتعل.
نظر لها بلهفة يسألها وكأنه لم يسمع:
- إيه؟ قولتي إيه يا سيليا؟
تنهدت وهي تردف بنفس الضعف:
- قولت أنا حامل يا جواد، حامل حامل، أنا حامل!
احتضنها بسرعة وهو يصرخ بفرحة حقيقية لم تخترق مسامه منذ حين:
- يا أحلى خبر في عمري، بجد؟ بجد يا سيليا يعني إنتِ متأكدة؟
أومأت مؤكدة بشبح ابتسامة:
- أيوه أنا جبت اختبار حمل واتأكدت.
ثم صمتت برهة لتعود وتكمل بصوت مبحوح:
- بس لحد دلوقتي فرحتي ناقصة يا جواد.
أحاط وجهها بيداه يتحسس وجنتيها برقة متمتمًا:
- أنا آسف، آسف على كل وقت زعلتك فيه، سيليا إنتِ اديتيني أجمل حاجة ممكن الواحدة تقول لجوزها عليها، أنا بعشقك!
رمشت بتوتر وهي تغمغم وكأنها طفلة تشكو والدها:
- بس مابتثقش فيا!
هنا عاد لخشونته وهو يردف:
- ما إنتِ كمان مابتثقيش فيا، وإلا كنتي جيتي قولتيلي على طول وما سبتيش الحيوان ده يعمل زعلة بينا!
امسكت يداه وهي تقول بخفوت:
- آسفة، أوعدك هثق فيك!
ليبتسم هو في حنو متابعًا:
- وأنا أوعدك هصدق أي حاجة تقوليها.
ثم ضمها لاحضانه يتنهد بقوة.
وداخلة يقين واحد هو مؤمن به "أن مصطفى مهما قال هو مجرد... كاذب".
***
بعض الرجال خرجوا من قصر الدهاشنة بأمر من كبيرهم بقتل "كريم" قصاصًا لابنه الذي قُتل غدرًا.
خاصةً بعدما أمر رجاله أن يسألوا الناس في تلك المنطقة عن زواج أدهم وشروق والذين أكدوا لهم أن شروق متزوجة به منذ فترة كبيرة.
اقترب منه أحدهم وهو يتشدق بقلق:
- أنا خايف البوليس يعمل حاجة يا كبير!
رد الكبير بلامبالاة:
- ما هيعملش حاجة، والراجل اللي أنا بعته هيشيل الليلة. المهم إني آخد تار ولدي وأحرج قلوبهم زي ما حرجوا قلبي!
أومأ مؤكدًا ليجلس الجميع في انتظار الخبر المفرح.
بينما على الطرف الآخر وعندما كان كريم "ابن عم شروق" على وشك الخروج من المنزل.
وجد الرصاصة تخترق صدره ليسقط أرضًا صريعًا وسط دمائه.
تعالت الصرخات في جميع أنحاء المنزل ليجدوا الجد يخرج راكضًا.
فاتسعت حدقتاه وهو يرى أكبر أحفاده والعون واليد اليمنى والرأس المدبر غريق وسط دمائه.
وما زاد الطين بلة كما يقولون هو اقتراب أحد الأشخاص الذي تفقد نبض كريم ليعلن بصوت آسف:
- مات!
حينها صرخ الجد وهو يمسك قلبه متألمًا ليسقط أرضًا.
***
بعد يومان.
كان أدم في غرفة الرياضة خاصته، يتمرن بها كما اعتاد.
كان يلعب ضغط عندما دلفت أسيا إلى الغرفة.
فلم يعطها أدم اهتمام كعادته منذ يومان.
اقتربت منه أسيا بلهفة تناديه بهدوء تام كقطة وديعة:
- أدم حبيبي.
ولكنه استمر في الضغط ولم يرد.
لتقترب هي بهدوء ثم تمددت أسفله لتصبح رأسها عند رأسه عندما يهبط.
رفع هو حاجبه الأيسر مغمغمًا بخبث:
- والله؟
عضت على شفتها السفلية وهي تهمس بصوت أنثوي بحت:
- ماقدرش على زعلك يا دومي، كفاية بقا عشان خاطري صدقني مش هخبي عليك حاجة تاني والله.
هبط أدم وصعد.
وكان كلما يهبط تلامس شفتاه شفتاها عن عمد فيشعر هو برعشتها الخفيفة التي تشعل بداخله نار متأججة تود إلتهامها.
وفي المرة الأخيرة قبض بشفتيه على شفتيها في إعصار لا يمت للقبلة بصلة.
إعصار من الشوق واللهفة والعشق.
العشق الذي يجعلها في عينيه كالحلوى مهما فعلت يود إلتهامها بنهم.
ابتعد بعد دقائق لحاجتهم للهواء.
فكانت هي مغمضة العينان تحيط وجهه بيداه.
وفجأة وجدوا من يطرق الباب بعنف صارخًا:
- الحقنا يا أدم باشا، الحق يا باشا!
رواية اسير غرامك الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سيليا البحيري
انتفض أدم واقفًا يحدق بذلك الرجل دقيقة قبل أن يصرخ فيه متسائلاً بحدة:
- في إيه يا بني، إيه اللي حصل؟
تلعثم الرجل في رده نوعًا ما:
- چمانة هانم... آآ...
لينفذ صبر أدم الذي زمجر فيه بجنون وكأنه على وشك الانفجار، بل هو بالفعل انفجر فيه صارخًا بعصبية مفرطة:
- ما تنطق يا زفت، مالها چمانة؟
أجاب بسرعة:
- معرفش ياباشا، مابتنطقش ومغمى عليها لما جينا ندخلها الأكل.
ركض أدم نحو الغرفة التي كانت تقطن بها چمانة، تتبعه أسيا التي كانت ترتعد من فكرة موتها الآن وبسببهم تحديدًا.
دلف أدم ليجدها فاقدة الوعي، فنظر للخادمة آمرًا بسرعة:
- اطلبوا الدكتور بسرعة وهاتوا برفان أفوقها بيه.
هركضت الخادمة بالفعل تنفذ ما أُمر به. عادت بعد دقيقة تمد يدها بالعطر لأدم الذي تناوله على عجالة ليبدأ محاولة استعادة چمانة لوعيها.
وبالفعل خلال دقائق بدأت چمانة تستعيد وعيها. فسألها أدم بقلق:
- چمانة، انتِ كويسة؟ حاسة بإيه؟
ولكنها لم تجب. كانت تحدق بهم بعيون دامعة فقط. عيون بدت وكأنها سحابة تخفي أسفلها أمطارًا غزيرة حارقة.
فهزها أدم ببطء يحثها على الحديث:
- انطق، فيكِ إيه؟
أشارت له چمانة على فاهها وهي تهز رأسها نافية، لتتصنم أسيا مكانها وهي تدرك معنى إشارة چمانة.
أيعقل أنها فقدت النطق؟
حاول أدم جعلها تنهض معه ولكنها كانت تهز رأسها نافية ببكاء وهي تشير لقدامها.
حينها كادت أسيا تفقد وعيها.
يا الله، أي عقاب ذلك الذي حل بتلك المسكينة؟ ولكن يقبع السؤال هنا بين ثنايا تفكيرها... هل چمانة فعليًا مسكينة؟ أم هي شيطان سُلبت مخالبه فقط؟
كان كلاً من أدم وأسيا مع الطبيب حينما بدأ الطبيب يفحصها بعناية. وما إن انتهى حتى نظر لهم بأسف مرددًا:
- للأسف واضح أن المدام جالها شلل وفقدت النطق.
حينها انتبهوا لچمانة التي بدأت تدب على قدماها بهيسترية وهي تبكي. كان أدم يراقبها بأسف حقيقي. مهما بلغ حقده ومقته على تصرفاتها، ولكن عشرة السنوات جعلت قلبه يرق مصدرًا خلفية آسفة لصفحة يبدو أنها أُغلقت للابد.
خرج من الغرفة بهدوء. فركضت أسيا خلفه تسأله بصوت مبحوح:
- هتعمل إيه دلوقتي يا أدم؟
هز أدم رأسه نافيًا. ثم قال بوضوح:
- هبعتها مع ورقها لعمها في فرنسا. أنا كنت حكيتله على اللي حصل وحجزت لها تذكرة بس معرفش إن كل ده هيحصل.
احتضنته أسيا دون رد. ليشدد هو من احتضانها هامسًا في حنو:
- هروح أخليهم يجهزوا حاجتها وهاخدها ونروح المطار. خليكِ هنا ممكن ماتروحيش حتة لحد ما أرجع؟
أومأت موافقة بطاعة غريبة عليها:
- حاضر يا حبيبي.
طبع قبلة حانية على جبهتها برقة مغموسة بحنانه المعهود معها قبل أن يتركها ويتجه نحو الغرفة مرة أخرى بهدوء.
بعد ثلاث أيام.
وبعد معرفة شروق لما حدث عن طريق الصدفة من إحدى خادمات القصر التي أصبحت كصديقتها. لم يسلم أدهم من زنها وإصرارها على زيارة جدها في المستشفى.
كانت تقف مع أدهم أمام المستشفى تتنفس بعمق وكأنها تعيد تنظيم تلك الضوضاء التي يرتفع صوتها أكثر بداخلها.
توجهوا معًا نحو الاستقبال لتسأل شروق الموظفة بهدوء تام:
- لو سمحتي، فين أوضة مصطفى العزاوي؟
أجابتها الموظفة بجدية:
- الدور التاني، أول أوضة ع اليمين.
أومأت شروق بابتسامة خافتة وسارت مع أدهم نحو الغرفة. كلما تقدمت خطوة نحو تلك الغرفة شعرت بقلبها يكاد يخرج من مكانه. وكأنها تتقدم من فاجعة ستبتلع كلاهما حتمًا.
وصلا أمام الغرفة. فتقدمت شروق ببطء خشية رد فعلهم. وجدت أولاد اعمامها الاثنان. فابتلعت ريقها بتوتر وهي تخبرهم:
- أنا كنت جايه ع... آآ... عشان أشوفه.
لم يرد كلاهما بل أشاروا لها أن تدخل بصمت. وما إن رآها الجد حتى بدأت عيناه تدمع ببطء.
حينها سارعت شروق تقول:
- أنا والله ما جايه أشمت فيك، أنا جيت أطمئن عليك بس وأقولك البقاء لله.
ثم استدارت لتغادر ولكنها أوقفها صوته المتقطع بسبب إصابته بالشلل وهو يستطرد:
- مسمح... مسمحاني؟
حينها ابتسمت شروق ابتسامة تحوي ضعفها وطيبتها الزائدة. ثم تابعت متنهدة:
- مسمحاك، وربنا يسامحك.
ثم غادرت دون كلمة أخرى. احتضنها أدهم برفق قبل أن يهمس لها بصوت حاني:
- ممكن تهدي بقا خلاص. عملتلك اللي كنتي عاوزاه. تعالي بقا هغديكِ أحلى غدا في أحلى مطعم قبل ما أروح للأستاذ أدم، بقالي كام يوم ماشفتوش.
أومأت شروق موافقة بابتسامة هادئة وهي تمسك بيده التي تحتضنها. وكأنها تشكره على ذلك الاحتواء بدون مقابل.
دلف جواد إلى منزله بصمت. فاستقبلته سيليا التي ركضت تحتضنه بخوف وكأنها كانت تحترق بأفكارها وهو أطفأ لهبها للتو.
ضمته لها بكل قوتها وهي تهمس بحنق واضح:
- كنت فين كل ده يا جواد؟ قلقتني أووووي عليك ومابتردش على تليفونك كمان؟
رد جواد بشرود:
- كنت عند بيت مصطفى مع البوليس.
شهقت سيليا بقلق وقد بدأت الأفكار السوداء تستوطن عقلها مرة أخرى:
- ليه؟ إيه اللي حصل؟ أوعى تكون اتخانقت معاه تاني يا جواد؟
هز رأسه نافيًا قبل أن يخبرها:
- مصطفى اتقتل ونشوى هي اللي قتلته. هربت الـ 4 أيام ومحدش عرف إنه اتقتل إلا أما هي راحت اعترفت في اليوم الخامس وبيقولوا إن عقلها شت (اتهبل) شوية.
كانت سيليا تراقب تلك الأخبار التي كانت بمثابة صفعات تُسدد لها على التوالي. وعندما انتهى تنهدت وهي تهز رأسها نافية بأسف:
- مش عارفة أفرح إننا خلصنا منه ولا أزعل على الطريقة اللي مات بيها.
حاول جواد أن يخلق جوًا من المرح حينما جذبها من خصرها له مغمغمًا بعبث:
- تفرحي لأن من هنا ورايح مفيش غير فرح وبس. وعلى فكرة في حفلة عامل هيحضرها أدم وأدهم ومراتاتهم وأنتِ أكيد هتحضريها.
أومأت سيليا موافقة بين أحضانه:
- أكيد أيوه.
كانت عيناهُ مُسلطة على شفتاها التي كانت كالشهد بالنسبة له لا يكل ولا يمل منه. ثم تابع بمكر:
- طب بقولك إيه، ماتيجي أقولك حاجة سر؟
ضحكت سيليا ولكن قبل أن ترد وجدت تيا تركض باتجاههم صارخة بنبرة طفولية:
- باااااابي، قولي أنا يا بااابي!
أغمض جواد عيناه يستغفر بصوت مكتوم ثم تمتم بغيظ من تلك الصغيرة:
- أهي جت هادمة اللذات.
ثم رفعها عن الأرض وهو يدغدغها لتشاركه سيليا وتتعالى ضحكاتهم التي تسطر صفحات أخرى من الحياة.
في اليوم التالي وبعد ساعات عديدة عاد أدم من المطار أخيرًا.
كان يدلف للمنزل وهو شارد بلقائه الأخير مع "چمانة". طليقته التي كانت كالشيطانة في حياته، ولكن الآن تحديدًا الآن كانت صامتة، أو الأصح لم تريد أن تنطق بأي شيء. وكأن الصمت هو أقوى تعبير يمكن. لا يدري أدم إن كان ظلمها أم لا، ولكن ما يعلمه جيدًا أن الارتياح لم يعرف طريق حياته إلا حينما خرجت هي منها وبلا عودة.
انتبه للأصوات التي تصدر من الداخل فانتبه وبدأ يدخل بترقب وهدوء تام كالصقر. ولكن بمجرد أن دلف تجمد مكانه من ذلك المشهد الذي أثلج صدره.
رواية اسير غرامك الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سيليا البحيري
الخــاتـمــة
أخترق حواجز بصـره مظهر أسيا وهي تتمايـل يمينًا ويسارًا على ألحان غنائية وتنظف المنـزل... زال تعجبه عندما أخبره الخدم أن الهانم أمرت بمنع دخول الرجال القصر حاليًا....
اخذ يقترب منها رويدًا رويدًا وهي ملهية بالتنظيف.. لتصرخ فجأة بعنف عندما وجدت من يقبض على خصرها ليحتضنها من الخلف...!!!
استدارت لتجد أدم الذي زين ثغره ابتسامة عابثة مُلكة لقلب أسير سحرها منذ حين..
فتنفست بعمق وهي تقول مؤنبة :
-الله يسامحك قطعت الخلف يا أدم
صدرت ضحكة رجولية عميقة عنه قبل ان يرد مشاكسًا :
-تؤ تؤ هتقطعي الخلف من اول المسيره كدا؟؟ دا احنا لسه ورانا كفاااااااح طويل !
أردفت أسيا ضاحكة :
-كفاح ايه انت ليه محسسني اني متجوزه سعد زغلول وبيكلمني عن ثورة يوليو !!
عقد يداه حول خصرهـا وهو يدفن وجهه عند رقبتهـا.. يملأ رئتيه برائحتها التي كانت كالمخدر له دومًا.....!!
ليهمس بصوت خشن اثار القشعريرة في جسدها :
-تؤ تؤ.. مينفعش تفكري ولا مجرد تفكير انك متجوزه حد تاني
حينها حاولت أسيا ٱبعاده وهي تقلب عيناها بعدم تصديق :
-يا نهااار احوس.. حتى في خيالي متملك؟؟؟
رفع ادم حاجبيه مغمغمًا بدهشة مصطنعة :
-احوس؟؟ احوس يا بيئه؟! ليه متجوز عم مصلحي بتاع القهوه؟!!
تجاهلته أسيا وهي تشاكسه من وسط ضحكاتها التي عبأت اركان القصر :
-ابن مين انت في مصر عشان مراتك ماتتمناش الزمن يرجع بيها لورا وتتجوز واحد تاني ؟!
وفجأة وجدته يحملها من خصرهـا ليرفعها فتصبح امامه مباشرة.. انفاسها تختلط بأنفاسه فتشكل اعصار من نوع آخـر...
اعصار كان حكرًا على ضبابية العشق فقط..!!!
شهقت هي متفاجأة ثم اصبحت ترجوه بضعف مصطنع :
-سوري يا بيبي انا فعلاً عم مصلحي بتاع القهوه.. يرضيك تمرمطني كدا ؟؟!!
ولكنه كان يضحك فقط ولم يتركها بل بدأ يسير بها نحو الغرفة.. لتعقد حاجبـاه مستطردة بمرح :
-يابني حرام عليك اللي بتعمله فيا دا انا زي ابوك !!
عندها وجدته يُقرب وجهه من وجهها كثيرًا حتى صفعتها أنفاسه الساخنة... ثم قال بمكر رجولي جعلها كثمرة الطماطم امامه :
-ابويا؟؟ هو ابويا لو كان حلو كدا وطِعم كدا كانت امي سابته!!؟ يالهوي دي كانت أكلته
قال اخر كلمة وهو يُقبل جانب فكها فبدأت هي تضربه على صدره بحرج صارخة :
-يا قليل الادب يا سافل تفكيرك كله منحط زيك.. نزلنيييييي نزلنيييي ورحمة امك
تعالت ضحكـات أدم دون ان يعيرها اهتمام حتى وصل بها الغرفة فدلف بها واغلق الباب بقدمه.. وضعها على الفراش وطل هو عليها بهيئته الرجولية !
فبدأت هي تتحدث بصوت منخفض مرح تقلد احدى الافلام المصرية :
-اوعى تتهور...
وعندما وجدته يزيد من اقترابه منها ارتفع صوتها فجأة وهي تكمل :
-لا لا لا... ابو رحاااااب اتهوووور يا رجاله !!!
حينها إنفجـر أدم في الضحك وهو يحدق بعيناها التي اُغلقت عندما بدأت تشاركه الضحك بهيسترية هي الاخرى...
ليقترب فجأة حتى طبع قبلة حانية على عيناها المُغلقة بتوتر وهو يهمس :
-بعشق امك
تشبثت هي بالتيشرت الخاص به كالأطفال بينما تحولت قبلته الرقيقة لعدة قبلات متطلبة يوزعها على كامل وجهها حتى وصل لثغرها فانقض يلتهمه كثمرة فراولة شهية لا يستطع تمالك نفسه امامها....
وكالعادة هي خاضعة له...
خاضعة لعشقه وان كانت اقوى نساء الارض......!!!
*******
بعد حوالي شهــــران.......
كان جواد يحمـل الچاكيت الخاص به على يداه وهو يطرق باب المنـزل بهدوء.. يغمض عيناه بأرهـاق منتظرًا فتح الباب بفارغ الصبر !!!
وفُتح الباب بالفعل ليجد أمامه سيليا ولكن بهيئة مختلفة.. هيئة من فجاعة اختلافها قاربت ان تصبح هيئة مرعبة !!
وبلا تردد كان يصرخ بخوف مصطنع :
-عااااا ايه دا ؟؟؟؟ ايه اللي عمل فيكِ كدا يا حبيبتي ؟؟ ماسورة روچ طفحت في وشك ولا ايه ؟!
امتعضت ملامح سيليا التي كادت تبكي وهي تضربه على صدره بغضب كالأطفال :
-بقا انا مجهزالك نفسي ومتشيكه وعملالك على جو الشموع وانت تقولي ماسورة روچ طفحت في وشي ؟!!!
تعالت ضحكات جواد وهو يضمها متمتمًا :
-منا اتخضيت يا حبيبتي.. اديني اي انذار يعني !
حاولت الإفلات من بين قبضته وهي تزمجر بعصبية مصطنعة ولكنها حانقة :
-اوعى سبني.. سبني يا عديم الرومانسيه والاحساس.. انت مش بتاع عشا رومانسي اصلاً انت اخرك اقابلك بقميص نوم مقطوع واقولك اصلك مش بتديني مصروف اجيب غيره زي باقي الستات واقرط شعري واكل جزر يقوي النظر
استمـر ضحك جواد الذي استفزهـا لاقصى درجة.. خاصةً وهو يسألها بخبث :
-الا قوليلي يا حبيبتي ايه اللي خلى الروچ يطفح على شفايفك والشوارع اللي جمبها كدا ؟!
ضربته سيليا بعنف هذه المره حتى تأوه بألم مصطنع وهي تهتف بــ :
-شوارع؟؟؟ ليه شايفني خريطه قدامك!!؟
ثم زمت شفتاها كالأطفال تمامًا وهي تخبره ببراءة :
-اصلي كنت بحط روچ عادي وطعمه عجبني فـ اكلته بقااا
ارتسمت ابتسامة حانية على ثغر جواد زينهـا عشقًا دفينًا يزداد عمقًا مع كل دقيقة تحلق حوله....!
ثم حملها فجأة بين ذراعيه كريشة خفيفة متناسيًا كل ارهاقه وهي بين ذراعيه...
لتشهق هي مؤنبة اياه :
-حرام عليك يا جواد والاكل اللي انا جالي أتــب منه دا ؟!!!
غمزهـا بعينـاه والخبث يتراقص بين حروفه وهو يتابــع :
-اكل ايه وبتاع ايه.. سيبك من الاكل دلوقتي ركزي على الروچ اللي مفروض نشيله دا
ولم يعطها الفرصة للاعتراض بل وضعها على الفراش ليخلع قميصه بخفة ثم لحق بها....
ليبدأ في مهمة ازالة احمر الشفاه بشفتاه المتلهفة والتي تبتلع كل حروف اعتراضها في جوفه..
بل تزداد تطلبًا ونهمًا في تلك الازالة !!!!........
*******
كانت شروق تجلس في البلكـون صامتة كعادتها في الفتره الاخيـره...
كلما ذهبت لطبيب واخبرها بعدم الاستعجال ازداد اليأس داخلها اكثر انها لن تنجب ابدًا بعمرها...!!!
شهقت بعنف عندما وجدت من يحتضنهـا من الخلف فجأة لتهمس متنهدة بعمق :
-خضتني يا ادهم
طبع قبلة عميقة على رقبتها الظاهره وهو يرد بصوت اجش :
-سلامتك من الخضه يا روح ادهم
ثم سألها وهو يغمض عين ويفتح الاخرى :
-بتفكري فـ ايه اعترفي !؟!
رفعت كتفاها بقلة حيلة ثم أردفت :
-هكون بفكر في ايه يعني..
غمزهـا بطرف عينـاه وهو يقول بخبث جعل عيناها تتسع وهي تدرك مقصده :
-بتفكري في اللي انا بفكر فيه يا لئيييييمه صح
ولم يعطها الفرصة بل جذبها من يدها خلفه وامسك بــ (طرحة) كانت موضوعة ليلفها على خصرها فجأة.. ثم انتهى ليقول بنبرة حجز المكر بين حروفها :
-يلا هز يا وز.. عايز إغراااااء يا حبيبتي اغرااااء
كانت ترفع حاجباها وهي تصرخ مستنكره :
-يلا ايه يا سافل ؟؟؟
رد ببساطة بريئة ادهشتها :
-ارقصي يا بندقتي يلا مستغربه ليه؟!!
ضمت قبضتاها معًا وكأنها تنوي ضربه ثم غمغم بصوت منخفض :
-انشالله يرقصوا على قبرك يا بعيد....
شدها هو من تلك (الطرحة) لتجلس على قدمـاه.. اقترب منها ببطء مُتلف للاعصاب وهو يستطرد بخشونة مُثيرة :
-يلا يا بندقتي مش انتِ عايزه تخلفي؟؟ مهو الجديد بقا ان العيال بتيجي كدا يا حبيبتي ولا عاوزه تخلفي بالبلتوث ؟!!!!
ظلت تهز رأسها نافية بسرعة :
-لا لا انا غيرت رأيي مش عايزه
هز رأسه نافيًا هو الاخر بأصرار غريب :
-لا لا مش من قلبك،، احنا لازم نحاول برضو مانيأسش بسهوله
ولم يعطها الفرصة للاعتراض بل كان يكتم اعتراضها بشفتاه التي إلتهمت شفتاها في قبلة شغوفة مفعمة بالاحاسيس الدفينة في قلب كلاهما تجاه الاخر.......!
******
بعد مرور خمس شهـور وأيـــام.........
كان صراخ أسيـا يهز أركان المستشفى التي أتت لتلد فيها ولادة طبيعية ومفاجأة ايضًا...
كان ادم يدفعها مع الممرضة على -الترولي- وصراخها يصم الاذن.. مما جعل ادم تتسع عيناه بذهول خاصةً عندما بدأت تزمجر فيه بجنون :
-منك لله انت السبب انا بكرهك امشييييي
ولكن تراجعت فجأة وهي تهز رأسها نافية ببكاء هيستيري مُضحك :
-لا لا ماتمشيش.. اااااااه مش قادره هات ايدك
اعطاها ادم ايده بتوتر وبلاهه دون ان ينتبه لنيتها.. ليجدها تعض على يداه فجأة بقهر وتصرخ بأعلى صوتها...
اغمض عيناه التي احمرت وهو يحاول تمالك نفسه كي لا يصرخ مثلهـا...
لتأتي الممرضه وتفصلهم عندما وصلوا امام غرفة العمليات.. حينها تنهد أدم بأعلى ما عنده وهو يردد بامتنان حقيقي اختلط به المرح :
-روحي الهي يسترك دنيا واخره ايدي كانت هتروح !
لتضحك الممرضه ليشاركها هو الاخر وهو يسمع سباب أسيا العالي من الداخل له......
مر بعض الوقت وهو يسمع صراخها المستمر... نظر ليجد جواد و سيليا يتبعهم ادهم وشروق يأتون بسرعة تجاهه...
وأولهم ادهم الذي صاح بانفعال سعيد :
-باركوووولي انا هبقى اب شروق حامل الدكتور لسه مأكد لنا
تلقى التهنئة من جواد وسيليا بابتسامات تحمل الود الحقيقي اسمى شعارًا لها... عدا ادم الذي رفع حاجبه الايسر وهو يزمجر فيه بغيظ :
-تصدق انك معندكش دم؟! انتوا جاين تطمنوا على مراتي ولا تحتفلوا هنا !!؟
ضحك الجميـع ليسأله ادهم بعدها بجدية :
-صحيح ايه اخبارها ؟؟؟
ضرب ادم كف على كف وهو يردف متهكمًا بسخرية اضحكتهم :
-ياعم اسكت دي لو بتولد بقره صغيره كانت هتبقى اسهل من كده
وعلى ذكرها سمعوا صوت بكاء الطفل يصدح في الارجـاء.....
لتتسـع ابتسامة ادم التي تُعد هطلت على ثغره احدى المرات الطفيفة من قلبه فعليًا...
يليها قوله المتحمس الذي حمل نوعًا من الفخر والسعادة :
-استاذ سليم ادم صفوان جاااااالك يا مصررررر !
لتتعالى ضحكات الجميـع وتهنئتهم...
فتصبح خير نهاية اسطـر بها اخر حروفي لصفحـاتٍ ربما لا تنتهي سطور عشقهـا...........!
*******
تمت بحمد الله ❤
.