زينب وصلت البيت بتعب وإرهاق، كانت حاسه بثقل غريب على قلبها وكأنها مش قادرة تتنفس. فتحت الباب ودخلت وهي متوترة. رمت المفتاح على الكنبة، فكت حجابها، فكت شعرها. غمضت عينيها وهي بتسند دماغها على المسند وراها وهي بتضم نفسها. لكن شكل صالح وهو بينزف مش بيفارق خيالها، كانت خايفة. كانت تتمنى لو تطمن عليه، هي متعرفوش، لكن اللي بتسمعه عنه وعن أخلاقه يخلي أي حد يدعيله إنه يكون بخير.
أخدت نفس عميق وهي بتقوم، راحت أوضة والدها الحج منصور. دخلت الأوضة، راحت ناحية الشباك فتحته. منصور كان قاعد على السرير، بصلها وهي بتبص للسماء وساكتة. "كنتي فين يا زينب؟ بتخرجي من ورايا؟ "أنا آسفة، بس حصل شوية لغبطة في الشغل. حقك عليا يا بابا، مش هتتكرر تاني. بس حقيقي أنا تعبانة أوي ومحتاجة آخد دش وأنام شوية." "ماشي يا زينب، بس كلامنا مخلصش." "بعد إذنك." قامت راحت أوضتها، أخدت شاور ونامت وكأنها منمتش من سنين طويلة. ***
صالح كان بيفكر في العيون اللي شافها وإزاي سحرتله. يمكن ملامح البنت مش واضحة، مشوشة، لكن الدخان في عيونها مميز يخليه يفكر فيها. أتنهد بارهاق من التفكير وهو بيمرر إيديه في شعره الأسود: "مش عارف إيه الهبل اللي بفكر فيه ده. دلوقتي... لازم أفكر في ابن الـ*** اللي عمل كدا. و**ب والله العظيم يا شاكر الـ*** لادفعك التمن." بص حواليه يشوف الموبيل بتاعه، لكن مكنش موجود. في الوقت ده الباب اتفتح ودخلت شهد ونيران وياسمينة بنت شهد.
"صالح، إنت كويس؟ أخبارك إيه؟ "أنا بخير الحمد لله. وحشتيني يا عمتي، إزيك يا نيران؟ ياسمينة أخبارك إيه؟ "كلنا بخير، حمدلله على سلامتك يا شبح. قلقتنا كلنا عليك يا صالح. حمد الله على السلامة." "الله يسلمك. بقولك يا عمتي، هو موبايلي فين؟ "مش عارفة. وبعدين جلال وحياء فين؟ مش شايفهم." "أكيد خرجوا يتمشوا على البحر. زي عادتهم." "صالح، إنت بجد كويس؟ صالح ابتسم وهو بيبصلها، هي بالرغم إنها أكبر منه بعشر سنين،
لكن بيعتبرها أخته الصغيرة: "متخافيش يا نور، أنا الحمد لله جر**ح بسيط." "خالص، خلونا نسيبه يرتاح. شكلك عايز تعمل مكالمة مهمة، خد موبايلي." صالح أخد الموبيل وهم خرجوا. كلم علي صاحبه وقاله يجيله دلوقتي حالا. بعد ربع ساعة كان قاعد معاه والاتنين بيتكلموا.
"بس أكيد مش شاكر بس اللي عمل كدا، وأكيد في حد كلفه بالموضوع. والحد ده أكيد شخص تاني بيكر**هك. لكن إنت بتقول إن الشخص اللي شفته أول مرة أشوفه، فـ أكيد اللي شاكر كلفه بالموضوع هو اللي جاب العيال دي عشان ينفذوا." صالح كان حاسس بالألم فظيع، وخصوصاً إنه لسه خارج من عمليات ومش را**حم نفسه: "اللي... اللي يهمني... دلوقتي هو شاكر... شاكر وفريد ورحيم، التلاتة دول أكيد... أكيد هما اللي ورا اللي حصل."
صالح بارهاق: "شاكر بعد ما زود الأسعار على التجار وقلل أجر الصيادين، كان لازم حد يوقفه عند حده، لأن اللي بيعمله ده اسمه افتراء. وهو واللي زودا الأسعار خسروا كتير بعد ما إحنا ثبتنا أسعارنا أرخص منه، والكل بقى في صفنا، حتى الصيادين سبوه. هو الوحيد المستفيد من إني أمو**ت وأختفي من طريقه، وخصوصاً إننا كسبنا كل اللي في الشادر لصفنا. وهو دلوقتي عليه ديون كتير." "طب ناوي على إيه؟
"عايزك تعرف لي الديون اللي عليه تتقدر بكم ولمين؟ ولو في الفترة الأخيرة كان بيقعد مع حد تبعي. ولو في حد سأل على حالتي في الاستقبال تعرفي هو مين. كل التفاصيل تكون عندي يا علي في أقرب وقت." "تمام..... بس ممكن البنت دي بالذات تكون شافت اللي عمل كدا؟ وممكن وهي داخلة المخزن شافت أي حد منهم؟ "بنت مين؟ "البنت اللي جت المخزن وإنت فاقد الوعي، وهي اللي كانت بتحاول توقف النز**يف وطلبت الإسعاف."
صالح انتفض وهو بيحاول يعتدل في قعدته، لكن صر**خ بألم من الوجع ودم على ملابسه. "اهدا يا صالح، في إيه. الجر**ح فك، هطلب الدكتور." بعد ثواني دخل الدكتور وبص لصالح بغضب، لكن ميقدرش يتكلم. "هي مين؟ "في إيه يا صالح. أهي بنت والسلام. واحدة من اللي شغالين في المصنع. لو الحج جلال جه وعرف اللي بيحصل مش هيحصل كويس. ارتاح يا ابني ولما تخف ابقى أعمل اللي انت عايزه."
صالح استغرب نفسه، لأن دي أول مرة يتصرف بالشكل ده. غمض عينيه وهو بيمرر إيديه على وشه. مر أسبوع بكل اللي فيه من قسوة وعتاب وحزن وحب وجع قلوب اتعلقت في الهوى. إيمان كانت متجاهلة يوسف تماماً لدرجة إنها بتعدي من جانبه وكأنها مش شايفة. يوسف بيفكر في كلامها كل يوم، كل دقيقة، لكن مع ذلك بيجهز لسفره تاني بعد أسبوع. صالح هيخرج من المستشفى.
زينب رجعت تشتغل في المصنع وتكمل عادي، لكن المرة دي مفيش بنت تقدر تجيب في سيرتها بكلمة واحدة، وخصوصاً إن دلوقتي جلال الشهاوي بنفسه موصي عليها إن محدش يضايقها بعد ما ساعدت ابنه. حياء وجلال حياتهم مستمرة مع أولادهم، وهو بيتابع علي واللي بيعمله وبيعرف منه اللي صالح بيخطط له، لأنه زي أي أب لا يمكن يسيب ابنه في دوامة الخطر بدون ما يكون في ضهره.
"ليجي مرعوب إن جلال الشهاوي يعرف إنه هو اللي وز على ابنه البلط**جية، بعد عن زينب مؤقتاً لأنه مش حمل إنه يقع في مشاكل هو مش قدها." في مصنع الشهاوي للأقمشة. العمال كانوا بينقلوا القماش من المصنع للعربيات برا عشان يوصلوها للوكالة. زينب ونورهان كانوا خلصوا شغل وخلصوا ماشيين. "زينب، الحج جمال عايزك في مكتبه." "أنا؟ "أيوه، انجزي." زينب مشيت وراها وراحت مكتب جمال. "ادخلي يا زينب." "هو في حاجة؟
"لا، أبداً. بس جلال طلب مني أسلمك الظرف ده أوصلهولك." "ظرف إيه؟ قالتها وهي بتاخد الظرف وبتفتحه، لكن فتحت بوقها بصدمة وهي بتبص للشيك: "ميتين ألف جنيه؟ ليه؟ "دي أقل مكافأة ليك بعد اللي حصل. إنت متعرفش صالح غالي عندنا إزاي." زينب
وهي بتحط الشيك على المكتب: "أنا آسفة يا حج جمال، مش هقدر آخد المبلغ ده. اللي عملته كان بحسن نية وأنا مكنتش منتظرة مقابل. بشمهندس صالح مهم عندنا كلنا، والحج جلال خيره سابق، كفاية إنه زود مرتبى ومطردنيش من هنا. لكن أنا مش هقدر آخد الشيك ده. أنا متشكره جداً، أنا مش محتاجة." "بس... "معلش يا حج جمال، أنا مش هقدر أقبل المبلغ ده. أنا معملتش حاجة عشان أستاهل المبلغ ده." ثم تابعت بتوتر: "هو بشمهندس صالح أخباره إيه؟
"بخير يا زينب، بخير. هيخرج النهارده من المستشفى." زينب ابتسمت بسعادة: "مش مهم ليه، المهم إنها اطمنت. إن شاء الله خير، بعد إذنك." مشيت ورجعت البيت وهي مرتاحة، كان نفسها تطمن واطمنت. *** في بيت الشهاوي. دخل صالح وهو ماسك في إيد جلال بيسنده. إيمان دخلت أوضته، عدل السرير له. قعد وبص لأمه باستغراب، حاسس إن في حاجة مخبينها عليه. "في إيه؟ شكلكم بيقول إنكم عايزين تقولوا حاجة." "أصل شروق بنت الحج عثمان اتصلت تطمن عليك."
"آه، وإيه تاني؟ "نخطبهالك. البنت جميلة، مثقفة، ذكية. ومن صوتها في الموبيل بيقول إنها قلقانة عليك. من عيلة كويسة، وكفاية إن أبوها وأبوك اشتغلوا سوا وعارفين بعض. والصراحة الجماعة جايين النهارده يطمنوا عليك." "ماما، من امتى وإنتوا بتتصرفوا بالنيابة عني في حاجة؟ لا وكمان جواز. صلاة النبي أحسن."
"عليه أفضل الصلاة والسلام يا عم، براحة. إحنا بس عايزين نفرح بيك وشايفين إن البنت دي مناسبة ليك. وبعدين زيارة النهارده مالهاش علاقة بيك، ناس جايين يطمنوا عليك، نقولهم لأ؟ دي حتى متبقاش أصول." "ماشي، أما نشوف آخرتها." إيمان انسحبت من بينهم ونزلت. يوسف كان طالع، عدت من جانبه وكأنها مش شايفة. فضل واقف وهي بتبعد وبتختفي.
قعد على السلم وحط إيديه موضع قلبه وهو حاسس بوجع، يمكن لأن البنت دي صح في كلمة وكل تصرف عملته وبتعمله. هو اللي حبس نفسه جوه صندوق ضلمة اسمه الهروب والبعد، وهي بمجرد ما قربت شعاع نور من حياته دفعها بقوة بعيد عنه، أجبرها تخرج من حياته. *** بعد ساعة، حوالي الساعة تمانية. كانوا قاعدين على السفرة كلهم والضيوف. "وإنتي بتدرسي إيه يا شروق؟ "في كلية علوم." جلال بص لصالح اللي بياكل بلامبالاة وكأنه مش شايفها.
"بس يا حج عثمان، ليه سبت المناقصة الأخيرة؟ أنا سمعت إنك كنت هتاخدها بسعر مناسب جداً وغير كدا مش هتكون خسران." شروق غر**زت السك**ينة في قطعة الاستيك بغضب وهي شايفه بيتكلموا في الشغل، ومامتها قاعدة جانبها بتبص لعثمان بغضب لأنه اندمج مع صالح وجلال ونسي الموضوع الأهم وهو جواز شروق وصالح.
حياء كانت بتفتح مواضيع، بس حسيت إن شروق وأمها مش شبههم. يمكن متصنعين، بيحاولوا يكونوا مثاليين بكل التفاصيل، لكن لما حد يحاول يظهر مثالي اعرف إنه مش كدا أبداً. يمكن بيخفي حقيقة وراء طريقته دي. حتى جلال وحياء بالرغم حبهم الكبير، إلا إن في مشاكل عادية زي أي بيتبعدوا فترة في الصالون. "بجد تسلم إيدك يا مدام حياء، أنا ما أكلتش كدا من زمان." "ده من ذوقك."
"تعرفي شروق بنتي بسم الله ماشاء الله عليها بتعرف تعمل كل الوصفات، واتعلمت وصفات المأكولات البحرية اللي كنتي بتعمليها في المطعم بتاعك. والله ده من حظه اللي هيتجوزها. مش زي بنات اليومين دول اللي مبيعرفوش يسلقوا بيضة." "ما شاء الله، ربنا يبارك فيها. بس مش كل البنات بتكون بتعرف تطبخ قبل الجواز. أنا نفسي كنت من البنات اللي مبيعرفوش يسلقوا بيضة. المهم يكون عندها نية إنها تحافظ على بيتها وجوزها، ولو فعلاً عندها هتقدر."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!