مرر الكرة بين قدميه باحترافية ثم وجهها لقلب المرمى. ركلها فأصابت الهدف. ابتسم صالح بانتصار وهو يقعد على الأرض في جنينة بيت جدته "شغف الحسيني". أخذ نفسًا عميقًا بتعب وهو يأخذ المنشفة يمسح وجهه. التقط إزازة المياه شرب ورمى على وجهه باقي محتوى الإزازة لتنزل قطرات الماء على وجهه تلمع أثر أشعة الشمس. تنهد وهو بينحني بيسند بيديه على ركبته بتعب. قال بغيظ وإرهاق: محدش يقدر يغلبك حتى في اللعب. نظر له مراد (صديقهم)
وهو حاطط إيديه على خصره. نظر لأشعة الشمس بتعب من الجو الحر. ليردف بسخرية من علي: تغلب مين يا ابني..... دا ابن جلال الشهاوي. قلع التيشيرت ليصبح عاري الصدر. بيقعد على الأرض بيرمي التيشيرت باطمئنان لأن مفيش غيرهم هما التلاتة بيلعبوا كرة. مراد بخبث وابتسامة ذات مغزى: العريس مشغول في إيه؟ هي العروسة لحقتك تشغلك عننا ولا إيه؟ رمقه صالح بضيق وفضل السكوت. علي بصَّ لصالح بضيق هو الآخر ورجع بص لصالح. مراد بابتسامة وسيمة ومرح:
مالك يا عم أنت متضايق إنك هتتجوز ولا إيه.... طب ماشي سيبك من كل ده تعالوا ننزل المياه الجو حر أوي. صالح قام بضيق وإحساس بالغضب من قراره المتسرع. جدًا. مش ندمان عليه. لو رجع بيه الزمن لنفس اليوم المشؤوم من أسبوعين هيعمل نفس الموقف.
لكن بعد ما عرف حكايتها حس إن مش هي اللي ممكن تكون على اسمه رغم أي حاجة دلوقتي. هو ملازم يكون قد كلمته ولا يمكن يتراجع عنها وخصوصًا إن شهد على كلامه ناس كتير. وحتى لو مفيش غير شخص واحد شهد على الموقف كان هيتجوز زينب. خرج من شروده على صوت مراد العالي: صالح... أنت يا عم سرحان في إيه بقولك تعالي ننزل المياه. صالح بجمود:
ماليش نفس انزلوا أنتم هطلع آخد دش وأروح على الوكالة. وأنت يا علي حصلني على هناك علشان بكرة هكون مشغول في الخطوبة. مراد باستغراب: اللي يشوفك كدا يقول إنك مغصوب على الجواز مع إن أنت اللي قلتها بلسانك إنك هتتجوزها.... ولا أكمن طلعت ملهاش أصل. بس أقسم بالله دي القمر ولا عيونها شبه الملايكة.
وسع علي عينيه بصدمة من كلام مراد ورقب خطوات صالح وهو بيقرب منه بهدوء ما قبل العاصفة. غريب هو الهجوم المفاجئ. هو النقطة الفاصلة بين الهدوء التام والرعب المميت يجعلك تشعر إنك تقف على أبواب الجحيم للحظات تنسحب منك روحك. الإحساس ده حسه مراد مجرد ما صالح قرب منه وهجم عليه بكل قوته بيلوي دراعه وهو بيديره وينقض على رقبته يكاد يخنقه. يضغط بعنف على حنجرته ليدرك إنه تخطى حدود. ربما هما أصدقاء لكن بأي حق يتكلم عن شي يخصه. عروقه تكاد تنفجر من شدة الغضب والغيرة فحتى إن لم يكن يحبها فهي بعد أيام هتكون مراته.
صالح بغيرة تكاد تفتك بكل جوارحه شي خارج عن إرادته يحركه: مين ادالك الحق تتكلم عنها....... ممكن دلوقتي حالا عزرائيل يكون واقف على باب البيت دا منتظر يقبض روح اللي جابوك. فبلاش تخليني أنا اللي أعملها..... اسمها ميجيش على لسانك ومالكش دخل في حكايتها بلاش تخلينا نخسر بعض. علي بخوف وهو بيحاول يبعده: صالح أهدي أبوس إيدك هيموت في إيديك. أنت عارف مراد متهور بس ميقصدش حاجة. ثم وجه حديثه إلى مراد اللي وشه أحمر وبيحاول يفلت
من قبضة صالح لكن هيهات: منك لله يا شيخ حبكت تفتح بوقك دلوقتي. يعني بتاع بنات ومستحملينك لكن كمان غبي. يخربيت أبو اللي جابك. صالح سابه وهو وقع على الأرض وهو بياخد نفسه بصعوبة وعيونه بتلمع بدموع. كاد أن يزهق روحه. صالح بحدة وهو بيرجع إيديه الاتنين وراء ضهره وبيشبكهم في بعض: كلمة واحدة عليها تيجي على لسانكم خليكم واثقين إن ابن الشهاوي مش بيسيب حق... حريمه.
أتكى في نهاية جملته على تلك الكلمة كنوع من الإنذار إنها أصبحت ملكية لا يحق لهم التحدث عنها ولا حتى بكلمة واحدة. فكيف أن تغزل بها صديقه. سابهم ودخل البيت على أوضته. فيه لأن جلال وحياء عملوا بعض التعديلات في البيت. لكن لسه واخد نفس طبع البساطة اللي تحس فيها بروح والدتها وإنها موجودة بينهم. بعد ربع ساعة نزل وهو بيشمر كم قميصه الذي يبرز أناقته وجسده الرياضي. يمرر يديه في شعره الأسود. تنحنح مراد بحرج واعتذار: صالح....
أنا آسف والله مقصدش اللي في دماغك. أنا آه بتاع بنات لكن مش هبص لمراتك. أنت أخويا وأنا مقصدش اللي أنت فهمته. أنا أقصد إنك محظوظ. زفر علي بغضب من غباء صديقه: اشكي إليك يا رب يا ابني أنت أهبل. ضحك مراد باستغراب من غباوته: والله ما أقصد أنا أقصد... ولا بلاش أنت عارف إني حنين وطيب. لوى علي شفتيه باستهزاء: حنين أوي دا على إيدي... وبذات مع البنات اللي بتمشي معاهم.... حنية إيه.. وطيبة إيه. مراد بابتسامة ساخرة:
يا ابني البنات دول أحسن حاجة في الدنيا. بذمتك تخيل كدا الدنيا بدون نعومة ورقة البنات. صالح بسخرية: إن شاء الله تيجي اللي توقعك على بوزك وتعلمك إن الله حق.... ياله اتفضلوا من غير مطرود علشان عندي شغل عايز أقفل البيت. مراد بجدية: خالص يا عم أنا آسف وادي راسك أبوسها. ضحك علي بسخرية: مش كفاياك بوس ولا إيه يا عم الواحد بقى يقلق منك. قولي صحيح أنت مصاحب كم واحدة دلوقتي. مراد: والله يا خويا الأيام دي هما أربعة بس. علي:
بري... بري أوي الواد دا. تصدق ظلمتك. صالح بجدية: أنجز مش ناقص وجع دماغ منك له. بعد مدة خرج التلات شباب من البيت وصالح قفل وطلع على الوكالة. *** في بيت الشافعي. زينب أخدت شنطتها وتأكدت إنها حطت الفلوس فيها. زينب بصوت عالي مرح: أنا نازلة يا حج. يمكن أتأخر شوية علشان هعدي على نورهان أشوفها علشان تكون معايا بكرة. منصور بابتسامة وهو خارج من أوضته ساند على عصايته:
بس كل شوية هكلمك أطمن عليكِ. أوعي مترديش. خلي بالك على نفسك. زينب بسعادة: أيوة كدا اخرج من الأوضة دي الحمد لله بقيت تخرج بالعصاية حاكم أنا اتشأمت من الكرسي المتحرك مكنش له لازمة والله. منصور بابتسامة: الحمد لله يا زينب. ياله عشان متتأخريش وخلي بالك على نفسك. زينب بحماس وهي بتلبس الكوتشي: ادعيلي يا حج.
خرجت من البيت وهي مرتاحة. يمكن بعد اللي حصل اتأكدت إن ربنا مبيظلمش حد. هي أحسن ألف مرة من غيرها. على الأقل عندها أب بيحبها وبيت محتويها. هي على يقين تام إن الحياة لا تظلم أحد ولكل شخص نصيب مما اكتسب. أحيانًا تقسو الحياة لكن لكل اختبار حكمة لا أحد يعرفها. فقط تنكشف في الوقت المناسب لتجعلنا ندرك إننا أفضل وأننا كنا مخطئين في تقدير الأمور. لأن الله اسمه العدل.
ركبت مواصلة في طريقها لمحلات الفساتين. كانت عايزة تأجر فستان للخطوبة. قاعدة جنب الشباك سرحانة في خطوبتها اللي اتحددت بكرة. أخذت نفس عميق زفرت ببطء وهي تحاول أن تكون متأهبة لتلك اللحظة. بتدير وشها لكن اتفزعت وهي بتبص لعجوز قاعد جنبها ومبتسم بسماجة. زينب بحدة: في إيه يا حج ما تبص قدامك. ابتسم بسماجة ليقول: انتي متجوزة يا قمر. استغربت من سؤاله وطريقته الغريبة: لأ يا أبا مش متجوزة. إيه عندك عريس ليا.
أخرج المشط من جيب القميص بيسرح شعره بابتسامة واسعة: ما أنا موجود يا قمر. بصتله بذهول وعصبية: يا عم هو ناقصك إيه البلاوي اللي بتتحدف علينا دي. على جنب ياسطا ما هو أنا ناقصه. قال أنا قال. فاكر نفسك مايكل جاكسون. يخربيت المعاتيه. نزلت من العربية دخلت شارع زحمة فيه محلات كتير. بقيت تلف وتدور على حاجة مناسبة ليها ومتكنش بسعر غالي عليها. لحد ما لفت انتباهها فستان سواريه سماوي. ابتسمت ودخلت المحل.
بعد مدة خرجت وراحت لبيت نورهان يتكلموا سوا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!