هل أخبرك بأحد أسراري؟ أنا أحبك… بين طيات قلبي محفور أسمك… تقف إيمان أمام حاجز النافذة تضم جسدها بيديها… تخاف… هي من تدفعه ليستمر في تحقيق حلمه… لكن هل حقا مستعدة للبعد؟ … يتركها شهور يسعى وراء هدفه وهي أيضا تسعى من أجل حلمها… مر يومان وهي في صراع… بين رغبتها ورهبتها. أفاقت من شرودها على صدح رنين جرس الباب… استدارت تأخذ حجابها من على ذراع الكرسي في غرفة نومها. خرجت بعد ثوانٍ وهي تضبط هيئتها. إيمان: مين؟ أنا يا إيمان…
ابتسمت بلهفة ما إن سمعت صوت والدها. احتضنته بسعادة واشتياق. "بابا… أنا محتاجة أتكلم معاك…" انتاب جلال الشعور بالخوف… ليقول بضراوة وهو يبعدها عن أحضانه: "في إيه؟ انتي كويسة؟ يوسف عملك حاجة؟ ابتسمت بسعادة ولمعت عينيها بحب. "تعالى بس ادخل كدا يا باشا… أول مرة تيجي البيت بعد جوازي بعد أربع أيام… أربع أيام يا بابا… والله لو كان عدى النهارده من غير ما أشوفك كنت هعيط… أهل العروسة بيجوا من يوم الصباحية…" "تشرب إيه؟
… هنتغدى سوا الغداء جاهز ومفيش أعذار." ابتسم بود وهو يستقر على الأريكة… يغمض عينيه… "انتي عارفة مبعرفش آكل من غير حياء وهي أكيد مستنياني… احكيلي بقى في إيه… مالك؟ جلست أرضًا تضع رأسها على قدمه تضم جسدها. "يوسف عنده شغل ضروري في لندن ويمكن يسافر كمان شهر بالكتير أوي… وشغله هناك هياخد وقت طويل يمكن سنتين… وأنا مش عارفة أعمل إيه يا بابا خايفة." مرر أصابعها بشعرها الأسود. "انت شايفه إيه يا إيمان… يفضل ولا يسافر؟ إيمان:
"أنا عارفة إن دا حلمه ومينفعش يتخلى عنه لكن… لكن برضو مش عايزاه يسيبني يا بابا… انت فاهم قصدي؟ أنا خايفة من البعد." "طب ما تسافري معاه." سألها بارتياب وتوجس. إيمان بذهول: "أنا أسافر برا مصر؟ لالا… مش هعرف… أنا عاملة زي السمكة يا بابا أخاف أخرج من الميه… إسكندرية بالنسبة لي حياتي أخاف أخرج منها… أي مكان في مصر أقدر أتأقلم عليه لكن براها…"
"ومع ذلك مش عايزاه يسافر… إحساس متناقض أوي يا بابا إني أبقى عايزاه معايا ومش عايزاه يسيب حلمه… أعمل إيه؟ جلال بجدية: "بصي يا إيمان هقولك المفيد.. أي واحدة عايزة تحافظ على بيتها وجوزها بتفضل معاه في أي مكان… يعني مثالاً انتي هتسيبيه يسافر دلوقتي." "المفروض إنك هتشتغلي في المستشفى هنا كمان أسبوعين بالكتير."
"ودخولك العمليات مش هتكوني الطبيبة الرئيسية لحد ما تثبتي إنك قادرة فعلاً على تحريك إيدك بمهارة وأنا واثق إنك قادرة على ده… هتاخدي مثلاً تلات شهور… أنا من رأيي تفضلي هنا المدة دي وبعدها يكون معاك شهادة رسمية إنك تقدري تشتغلي في أي مكان وتسافري ليوسف هتفضلوا مع بعض لحد ما يخلص مشروعه وترجعوا… ترجعوا يا إيمان…" أخذت نفسًا عميقًا بحيرة ليبتسم أبوها بحب وهو يتلمس وجهها بحنان. جلال بهدوء:
"بصي يا إيمان يوسف هو اللي بعتني ليكي النهارده… أنا كنت جايلك بس لقيته جاي الوكالة قالي إنك عايزة تتكلمي مع حد ومفيش غيري هيفهمك… وموصلك معايا رسالة." "اللي انتي عايزاه هو هيعمله لو قلتي لا مش هيسافر وهيفضل معاكي." "ولو وافقتي هيسافر…" "بابا أنا بحب يوسف… وبحب أشوفه بيحقق أحلامه وبيسعى ليها… وللأسف اتربيت على الشغف وإني أتابع أحلامي وأثق إني هحققها في يوم من الأيام."
"وأنا واثقة أوي في يوسف وأفديه بعمري وأروح معاه مكان ما يكون وأنت عندك حق هفضل معاه بس هستنى هنا شوية لحد ما آخد ما يثبت إني أقدر أمارس مهنة الجراحة وهسافر لها بس وعد هنرجع… هنرجع سوا عشان البلد دي تستحق إننا نديها." حاوط وجهها بيديه وهو يطبع قبلة على قمة رأسها بحب. "ربنا يكملك بعقلك يا بنتي." في تلك اللحظة صدح رنين جرس الباب. جلال بغمزة: "دا يوسف… أنا هدخل أشوفك عاملة غدا إيه؟
نظرت له بارتياب ثم قامت لتفتح الباب تتفاجأ فعلاً به. يوسف بسعادة: "متأكدة من قرارك." ربعت يديها بغضب أمام صدرها. "دا أنتم متفقين بقى؟ دلف لداخل منزلهما وهو يغلق الباب خلفه ممسكًا بيديها متوجهًا ناحية غرفتهما. إيمان: يوسف استنى… بابا هنا. يوسف: ما أنا عارف… تعالي بس. بداخل غرفتهما… يمسك حقيبة سفره يضعها على الفراش أخرج منها علبة قطيفة سوداء تبدو في غاية الأناقة… أوقفها أمام المرآة يقف خلفها لتشعر بشيء بارد على عنقها.
نظرت للمرآة أمامها، فتحت فمها بدهشة وهي تراه يغلف مفتاح عقد أنيق من الألماس!!! إيمان: يوسف؟ إيه دا… حاوط خصرها وهي ينظر للمرآة أمامه لي انعكاسها المندهش. "هديتك…" "بس أنت اشتريت شبكة غالية ليا… ودا شكله شكله غالي أوي." ابتسم بود وهو يطبع قبلة سطحية على خدها الناعم كملمس الورد.
"دي هديتك مني مالهاش علاقة بالشبكة… وبعدين مفيش حاجة تغلى عليكي حتى يوسف نفسه… أنا سمعت كلامك مع عمي أصل نسيت أقولك هو أنا طلبت منه يفتح السبيكر وأنتم بتتكلموا كنت عايز أطمن إنك موافقة بجد…" إيمان بعتاب: "ليه انت مش واثق فيا وفي كلمتي ليك؟ "واثق أكتر إنك مش عايزاني أتخلى عن شغلي عشان كده كنت حابب أسمعها منك بس بعيد عني مع حد تكوني بتعرفي تحكي ليه اللي في قلبك زي باباكِ." إيمان بحب:
"اطمنت خالص خلينا بقى نقفل الموضوع ده عشان أنا وأنت وصالح وزينب وبابا وماما مسافرين بكرة المنصورة هنقضي أسبوع هناك وأهو نغير جو وكمان نكون كلنا سوا قبل ما تسافر." "ماشي يا ستي ياله نخرج نقعد مع الحج." ====================================== في وقت لاحق… في شقة جلال تقف زينب بجوار حياء يثرثران فيما يخص أمور النساء. كل واحدة منهما مشغولة بصنع وجبة معينة للغداء. حياء بود:
"قوليلي بقى انتِ وصالح علاقتكم ماشية إزاي… أنا عارفة ابني صعب شوية بس طيب والله." كانت زينب تعطيها ظهرها تقلب الحساء أخذت علبة الشطة دون وعي لتضع منها مرة أخرى وهي تبتسم وتشعر بشيء كسحر وهي تتذكر معاملته معها طوال الأربع أيام الماضية. كم أنه غريب متقلب حنون لكن مازال هناك جزء غامض من شخصيته لم تعرفه بعد… جزء إن ظهر سيجعلها تود الموت حقًا. "الحمد لله… الصراحة من يوم جوازنا وهو بيعاملني بما يرضي الله." حياء:
"يارب دايماً يا زينب أنتِ تستاهلي كل خير." سمعا صوت الباب يُفتح ويُغلق ليعلما برجوع جلال وصالح من الوكالة. بينما طفت زينب عن الأكل وبدأت في تجهيز السفرة. جلال بصخب كعادته: "يا أهل البيت… حد قايل راسه." حياء: "تعالي يا جلال…" دلف للمطبخ وهو يتمتم ببعض الأذكار. "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
ابتسم وهو يقبل قمة رأسها ليتحدث بخوف بعد رؤية شحوب وجهها في الفترة الأخيرة مع هزلان جسدها. "كويسة دلوقتي؟ "جلال أنا كويسة متقلقش والله العظيم كويسة." جلال بحدة: والله ما مصدقك يا حياء وخلي في علمك إني حجزت عند دكتورة هنروح سوا بعد المغرب. حياء: طب أهدي كدا مفيش حاجة تستاهل كل ده… أنا كويسة أومال فين صالح؟ صدح صوته من خارج المطبخ بمرح. "أنا هنا يا جميل… واقع من الجوع." حياء بحب: ثواني والأكل يكون جاهز ياله يا زينب.
_في وقت لاحق كانت زينب جالسة على طاولة الطعام بجوار صالح الذي كان منشغل بالحديث مع والده فيما يخص العمل في الوكالة. أخذ جلال يسعل بقوة وقد احتقن وجهه من النيران المشتعلة بداخله من أول ملعقة وضعها بفمه. وضع يديه على قلبه وهو يسعل بحدة. انتفضت حياء من مكانها تتناول كوب من الماء تعطيه له. أخذ يرتشف بتعثر من كوب الماء محاولًا إخماد الحريق الذي لحق بحلقه. وقف صالح بجواره وقلبه منقبض من الرعب على والده.
صالح بخوف: في إيه يا حج… أكلم الدكتور؟ أخذ نفسًا بطيئًا وهو ينظر لها وعينيها المترقرقة بالدموع ابتسم بعيدًا عن المرح فقط ليهدأ من روعها. "أنا كويس متقلقوش… بس أنتم ليه حاطين شطة كتير كدا على الأكل… دا نار." حياء بخوف ودموع: "بس أنا مش بحط شطة على الأكل وعاملة زي ما بتحب…" كانت نظرات صالح قاتلة للحظات وهو يمسك ملعقته يتذوق الحساء ليرفع وجهه المحتقن.
ذبلت ملامح زينب ما إن تقابلت عينيها بعين صالح المشتعلة بنيران الغضب فقد كان يحدق بها بوجه متصلب وعلامات الشر مرتسمة عليه. مما جعل وجهها يشحب وقد جفت الدموع بعروقها فورًا إدراكها أنها من فعلت ذلك دون إدراك فقط كانت شاردة الذهن لتضع كمية كبيرة من الشطة بالطعام لتخرب الطعام دون قصد. أطلقت تأوه متألمًا منخفضًا عندما قبض على يديها من أسفل الطاولة يعتصرها بقوة مؤلمة من بين يديه وهو يزمجر بصوت قاسٍ لاذع بجانب أذنها.
"وحياة أمي لأدفعك التمن غالي أوي اصبري عليا." همست بصوت مرتجف تحاول التبرير. "أنا…" أنا ماكنتش أقصد والله. رمقها بقسوة وهو يزيد من ضغطه على يديها، يتحدث بنبرة يتخللها الغضب العارم: "نطلع شقتنا بس... حياء: جلال، تعالي استريح وأنا هجهزلك أي حاجة تانية. ياله لو سمحت. وضع يديه بيديها، تساعده على الخروج من المكان. صالح: خالي عنك. مسك بيد أبيه، ساعده حتى أجلسه في فراشه. صالح بجدية: متأكد إنك كويس ولا أكلم الدكتور؟
جلال بصرامة: أنا كويس يا جماعة. في إيه... والله كويس. ياله اطلعوا كملوا أكلكم وأنا... حياء بمقاطعة وغضب بين دموعها: "صالح، سيبنا لوحدنا دلوقتي... أومأ برأسه بقلة حيلة وهو يخرج من غرفة والده، يغلق الباب خلفه بغضب. بالداخل. حياء بدموع: أنا آسفة. معرفش إزاي دا حصل. والله العظيم أنا آسفة... بص، هكلم دكتور مصطفى يجي عشان نتطمن. مش هيحصل حاجة لو اطمنا... ياريتني أنا. مرر يديه على وجنتيها، يمسح دموعها الحارقة لروحه.
"طب ينفع كدا؟ بتعيطي ليه؟ مرر جلال يديه على وجنتيها، يمسح دموعها الحارقة لروحه. "طب ينفع كدا بتعيطي ليه دلوقتي؟ أنا كويس. بس الظاهر إني فعلاً كبرت وأي أكل فيه شطة بيتعبني... وبعدين إيه؟ ياريت انتي دي... حياء، مبحبش الطريقة دي. ويا ستي أنا آسف لو قلقتك، بس والله العظيم أنا كويس. ممكن بقى تبطلي حركاتك العيال دي وتبطلي عياط؟ حياء بغضب ووجه أحمر: "حركات عيال؟ أنا يا جلال...
ماشي يا سيدي. ممكن بقى ترتاح وأنا هطلع أجهز أي حاجة خفيفة." كانت ستغادر المكان لولا جذبه لها، دافناً وجهه بعنقها قائلاً بصوت مريح هادئ: "ششش، أنا كويس. اهدي... خدي نفس. بطلي جلال كويس طول ما حياء كويسة... متخافيش." حاوطته بذراعيها، تستمد منه الأمان وهي تغلق عينيها، تتنفس ببطء. "وأنا مش عايزاه حاجة من الدنيا غير إن جلال يكون دايماً كويس لأنه وطني." جلال بخبث ومراوغة ذكورية: "طب ما تجيبي بو...
سه كدا ولا أتركنا على الرف؟ حياء بغيظ: "والله العظيم قليل الأدب ومش هتتغير." مال عليها يقبل وجنتها بعبث رجولي. "وعمري ما هتغيري." ابتسمت بهدوء وشغف لرؤية مشاكسته تلك، يود لو يحتضنها، يسكنها بداخل صدره ليصبحا شخصاً واحداً. أو ليس كذلك؟ بلي، إنهما جسدان بروح واحدة. *** بعد مرور نصف ساعة. صعدت زينب لشقتها، والقلق يتسلل لقلبها بعنف. تقف بتوجس خلف باب الشقة، تستمع لصوت قدمه يصعد الشقة.
ما إن فتح الباب حتى أرخت دفاعاتها وهي تنظر لما بين يديه، وهي طنجرة الحساء التي صنعتها. نظر لها بوجه خالٍ من التعبيرات، حاد غريب. ليضع الطنجرة على الطاولة أمامها. أشار برأسه نحوها بصرامة وعيناه تشتعلان بنيران محرقة قائلاً بصرامة: =شايفة الحلة دي... تشربيها كلها. تراجعت للخلف بذهول وعيناها تترقرق بالدموع قائلة بتوتر: =بس دي... دي فيها شطة كتير... أنا كدا هتعب. صاح بغضب وحدة وهو يندفع نحوها قابضاً على
ذراعها يهزها بقوة وقسوة: =ولما انتي خايفة على نفسك أوي كدا مخوفتيش على الناس الكبيرة اللي عندهم ضغط واللي هياكلوا من القرف دا. ... افرضي لا قدر الله أبويا جراله حاجة. ليكمل وهو يدفعها بقوة نحو المقعد لتسقط جالسة عليه بوجه شاحب كشحوب الأموات: :اشربي... ظلت جالسة تتطلع إليه بعينين متسعتين ممتلئتين بالدموع فور إدراكها فضاحة فعلتها، فهي لم تفكر أبداً بإيذاء أي شخص.
ابتلعت بصعوبة لعابها، وما إن فتحت فمها بالاعتراض ولكنها أسرعت وأغلقت فمها وهي ترى تحفز عضلات صدره، والتي كانت تشير بأنه على حافة غضبه. أمسكت الملعقة بيد مرتجفة، تشجع نفسها على تناولها حتى ينتهي هذا الأمر، فهو لن يتركها إلا بعد تنفيذ ما قاله. أمسكت الملعقة ثم بدأت ترتشف الحساء، الذي ما إن وضعته بفمها حتى أطلقت صرخة متألمة، شاعرة بنيران مشتعل بعنقها.
تركت الملعقة من يديها وهي تنظر لذلك الواقف بجوارها بعينين ممتلئتين بالدموع، لعلها ترق قلبه عليها، لكنه قاطعها بصوت صارم: =أشربي... ظلت صامتة تنظر لطنجرة الحساء الممتلئة وعيناها تترقرق بالدموع واليأس دب في قلبها. ظل صالح ينظر لها وهي تأخذ ملعقة أخرى، حتى يوقفها ويعلمها أن تلك الأشياء لا يستهان بها. لكن اتسعت عينيه بصدمة وهو يراها تقوم بحمل الطنجرة بين يديها، تقوم بالشرب منها مباشرة حتى تنتهي منها سريعاً.
شعر صالح بالصدمة تشل حركته فوراً، إن رأى ما فعلته، فهو كان سيجعلها ترتشف ملعقة أخرى ولم يكن ينوي تنفيذ تهديده. اندفع نحوها يجذب الطنجرة بعيداً عن فمها، والتي قد ارتشفت منها أكثر من نصف محتواها. =بتعملي إيه يا مجنونة؟ تركتها من يديها وهي تشعر بالنيران في كامل جسدها، لتنفجر باكية بانتحاب، تشعر بمعدتها تنعقد من شدة الألم. ركضت نحو الحمام بتعثر وهي تضع يديها على بطنها، والتي كانت تؤلمها بشدة.
أسرعت بدخول الحمام مغلقة الباب خلفها بقوة. بينما اندفع صالح وراءها، ينتابه القلق والخوف ينهش قلبه، أخذ يضرب على باب الحمام بقبضته. =زينب... افتحي... انتِ كويسة... لكنها لم تجبه، وكان الصمت سيد المكان، حتى سمع صوتها المتألم وهي تفرغ ما في معدتها، شعر بقبضة قوية تعتصر قلبه، يكاد يحطم روحه عندما وصل لمسامعه صوت بكائها المرير. لم يشعر بنفسه وهو يضرب على الباب بقوة يصرخ بها من شدة الألم الشاعر به.
=زينب افتحي، بدل ما أقسم بالله هكسر الباب. لكن لم يجد منها أي رد فعل سوى البكاء الحاد، مع صوت تقيوها وشهقاتها المريرة. حاول فتح الباب لكن وجده مغلقاً من الداخل. مرت بضع دقائق على هذا الوضع، يتمزق قلبه لما سببه لها من الألم، رغم تيقنه أنها لم تقصد ما فعلته. فقط كان يريد تعليمها درساً، لكن هي فاقت كل التوقعات بفعلتها!
خرجت زينب من الحمام وهي تمسك بطنها من الألم، ووجهها وعيناها محتقناً باللون الأحمر الدامي. ألقت عليه نظرة لوم وعتاب قبل أن تمر بجواره تتجه ناحية غرفتها، تغلق الباب خلفها. ألقت بجسده على الفراش وتبكي بعنف وغصة، لتقسم أن تجعله يذوق من نفس الكأس. بينما وقف صالح يتابعها بندم، معتصر قلبه، ليتركها ويغادر المنزل. *** بعد حوالي نصف ساعة.
دخل صالح المنزل، أغلق الباب ببطء، يمسك بين يديه كيساً عليه اسم الصيدلية، بعد أن اشترى لها بعض الأدوية. حيث أخبر الطبيب عما تعانيه من الألم، أعطاه دواء مناسباً لها سيخفف ألم معدتها، ونصحه بجعلها تشرب كمية كبيرة من اللبن الرائب، لذا توجه إلى أقرب سوبر ماركت ليجلب الكثير من عبوات اللبن الرائب كما نصحه الطبيب. وضع يديه على مقبض الباب، فتح باب غرفتها، لكن ما إن رآها حتى شعر بألم يعصف بروحه.
مستلقية على الفراش، تضم جسدها، متكومة بشكل محزن. تبدو نائمة مع شعورها بالألم، ليبدو ذلك على تشنج ملامحها. وعرقها، شعرها مشعث على وجهها الأحمر. جعله يدرك عظمة خطئه. تحرك نحوها وهو يجلس بجوارها، يحاول إيقاظها. :زينب.. قومي، متناميش كدا.. تكلم بينما يضع يديه أسفل ذراعها، مساعداً إياها في الجلوس على الفراش، واضعاً بيديها إحدى عبوات الحليب قائلاً بحنان: =اشربي دا.. هتكوني كويسة.
أطاعته بهدوء، عكس الغضب بداخلها، تقسم أن تجعله يئن من الألم مثلما فعل بها. حقاً، إن كيدهن عظيم. ظل يراقبها وهي ترتشف الحليب الرائب حتى أنهت العبوة، قام بتدبليها بأخرى، يحثها بلطف على ارتشافها، وما إن انتهت حتى بدلها بأخرى ممتلئة، لتهمس بصوت ضعيف: =كفاية كدا، مش هقدر أكمل. مرر يديه برفق على وجنتيها، مبعداً شعرها المتناثر عن وجهها، يضع وراء أذنيها.
ساعدها في تناول الدواء الذي جلبه لها، ثم جعلها تستلقي على الفراش مرة أخرى، هامساً بلطف: =كويسة دلوقتي؟ بهدوء مصطنع: أحسن، بس عايزة أنام. أنهت جملتها وهي تتمسك بالوسادة، تحاول كبت دموعها، ثوانٍ وغرقت في نوم عميق.
اتجه صالح نحو الحمام يبدل ثيابه، وما إن انتهى حتى استلقى بجانبها، كاسراً أي قواعد وضعها. شعر بالتردد للحظات قبل أن يقترب منها محتضناً إياها، مرر يديه برفق على ظهرها، دافناً وجهه بعنقه، يشعر بالراحة، حيث نام بعمق. *** في الصباح. استيقظت زينب وشعور غريب من الراحة يسيطر عليها، فلم تعد بطنها تؤلمها، ولم تعد تشعر بالنيران. فتحت عينيها بصدمة عندما شعرت بجلد حار يلامس خدها، لتصطدم بوجهها مدفوناً بعنق صالح الذي يحضنها بقوة.
شعرت بكامل جسدها يهتز بعنف عندما وجدت أنه كان يحيطها بجسده الضخم، كما لو كان يخشى أن تهرب من بين يديه. نزعت ذراعه برفق قبل أن تنهض بهدوء من جواره. ظلت تنظر له بشر وغضب، رغم تذكرها لما فعله معها ليلة أمس واعتناءه بها. لكن فور تذكرها للألم الناشب بمعدتها والذي جعلها تتلوى وتبكي لوقت طويل، ينتابها رغبة قوية في الانقضاض عليه، تذيقه من نفس الكأس.
ابتسمت بشيطانية وهي تنحني ببطء، تطبع قبلة هادئة على خده، لتمثل دور البراءة وهي تتجه نحو الحمام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!