ما إن ولجت نور الي مكتب وكيل النيابه حتى تشدقت بصدمه و هي ترى ذلك الوسيم الذي يدعي (باسل زيدان) كيف تنسى اسمه وهي تفكر به كل أمسية. فهو يتمتع بهالة رجوليه ذات تأثير قوي. استدارت سريعا نحو الباب تحاول فتحه و الخروج لكن تسمرت مكانها بمجرد سماع صوت: "اقف عندك.. ايه فاكرة دخول الحمام زي خروجه." تضع يديها على مقبض الباب وهي تغمض عينيها بغضب قوي منه. اخذت نفس عميق قبل أن تستدير له.
كان جالس على مقعده بغطرسه يضع ساق على الاخري بكبرياء يليق به. ما ان رآها ابتسامة شقيه شقت شفتيه هي نفس الفتاة في المشفى قبل عدة ايام. نور بغيظ: "افندم؟ اخفى تلك البسمه بمهارة وهو يترجل من مكتبه يضع يديه بجيب بنطاله يقترب منها بهدوء سام. مع كل خطوه تزداد نبضات قلبها و يزداد غضبها و غيظها منه. باسل باعجاب: "انت بقى الشبح بتاع الاتوبيس؟ اخذ يقترب منها و هي تبعد و وجهها محمر ليس خجل ابدا.. بل غضب غيظ اشمئزاز.
يبدو ذلك واضحا على قسمات وجهها. نور: "شبح لما يلهفك يا جدع انت بتقرب كدا والله العظيم أصوت و ألم." مال على اذنيها بمراوغه ذكوريه: "هو و أنت داخله مشوفتيش اللافته عليها وكيل النيابه.. يعني لو صوتي من هنا لبكرا محدش هيعبرك." وجدت نفسها محاصره بين عينيه و الحائط خلفها. و كم توترت و عينيها تقع على صدره العريض المشدود و ذراعه الصلابه الساند اياها على الحائط خلفها محاصر اياها. وهو يتفقدها بتلك العيون العسليه.
كنمر يتربص فريسته. بلعت ما بحلقها بارتباك تتمنى لو ترتدي قناع الشراسه ذلك مجدد لكن أين اختفى أمام اقترابه الضاري. رائحه عطره تداهم انفها بقوه. رفعت عينيها وهي تنظر لوجهه القريب منها. انه وسيم.. انه اوسم رجل رأته طوال حياتها. بشرته بيضاء متشربه قليلا من اشعه الشمس. فاعطت له بشرة خمريه فاتحه.. ليس لديه لحيه يبدو و كأنه يحلقها يوميا فهي تبدو ناعمه خاليه من الشعر.
خصلات شعر شقراء ادت بريقا مع عينيه العسلي القاتمه و الضاريه اشبه باعين النمور المفترسه. حاجباه حادين لكن جميلان. كعينيه العسليه الحاده في تعبيرها. ملامحه وسيمة لكنها قاسيه قليلا كهيئته المهيبه للجميع ولها أيضا. لكن بالرغم من قسوة ملامحه و هيئته الضخمه. كانت عيناه العسلي نهر من الدفء و واحتين من الامان. لا تعرف لماذ خمنت هذا لكنه مجرد احساس. اطالت تأمل ملامحه و هو لا يمنعها بل ظل يحدق بها بنفس التامل و سكون.
كما كانت هي تحفظ ملامحه بذاكرتها كان يقرأ ملامحها و كأنه أمام شاشه سينمائيه تذيع فيلم لا ينتهي و مع ذلك لا تمل العين من مشاهدته بل ظل هناك فضول لمشاهدته للنهايه. اسلبت عينيها عنه قائله بحرج. وكأنه قراء توترها ليبتسم بخبث و هو يبتعد يضع يديه بجيبه مجددا. هيئته مهلكه حقا. نور: "هو انا هفضل في القرف دا كتير؟ باسل بمكر: "عارف عقوبه التعدي والضرب على حد ياخد اكتر من واحد وعشرين يوم علاج بتكون اد ايه؟ انفعلت
بقوه و هي تقترب منه: "اه يعني هو يبقى عايز يتحرش بيا وانا ياعبني ابقى البنت الكيوت اللطيفه واسيب ايديه القذرة دي تلمسني.. دا لو فيها موتي كنت هعمل كدا برضو." عينيها الشرسه تلك تجذبه بطريقه تجعله يرغب في الاقتراب منها. وجد نفسه أمامها مره اخرى مالي على اذنيها قائلا بمراوغه وخبث:
"لا شرس يا شبح.. بس برضو مش هتفلتي من العقوبه القانون مالوش علاقه باللي بتقوليه دا.. و غير كدا كل اللي في الاتوبيس قالوا ان معملش حاجه.. وانك انتي اللي اتعديتي عليه بالضرب.. فكري بقى في اهلك لما تتسجني كم شهر." انهي جملته وهو يوليها ظهره يبتسم بمكر. ردت بتعثر و هي تفكر باخواتها الاثنان و ابيها: "سجن.. بس.. انا معملتش حاجه علشان استاهل اتسجن و لا اللي بيدافع عن نفسه في زمان دا يشيل الطين."
ردت بعفويه مطلقه و هي تجلس على احد المقاعد تشعر بقدميها لم تعد تسعفاها على الوقوف اكثر من ذلك. استدار لينظر لها لكن رأي لمحه من الدموع تترقرق بعينيها و لكنها تأبى السقوط أمامه كبريائها سينجرح لطالما عاشت حياتها بمظهر القوة. اخرج محرامه و قدمه لها بينما أخذته هي بصمت تمسح وجهها ليجعلها ذلك تسمح لدموعها بالهطول. كم تبدو جميله و شفافه ان رايتها تعتقد بأنك ترى الداخل و الخارج منها. تنحنح باسل بجديه ليقول:
"تحبي تكلمي حد من أهلك؟ نور: "لو ممكن اخويا الصغير.. اكيد بيدوروا عليا بس اكيد موبيلي فصل والساعه دلوقتي واحدة ونص الوقت اتأخر اوي." اتجه نحو مكتبه ياخذ هاتفه يمد يديه لها بالهاتف: "ممكن تكلميه من معايا." رفعت راسها و اهدته بسمة امتنان جميله و هي ترفع يديها لتأخذ الهاتف. تتصل بهاتف منزلها ليرد الطرف الآخر مسرعا. نور بلهفه: "سيف.." سيف بخوف:
"ابلة نورهان انت فين انا و عبد المنعم خوفنا عليك وانا روحت المصنع لقيته اتقفل من بدري." نور بهدوء لتطمئنه: "متخفش يا حبيبي انا كويسه هو بابا فين؟ سيف: "انا اديته الدوا من بدري حضرتك عارفه انه بينام بعديه سأل عليك قبل ما ينام و انا قولتله انك في الشغل." نور بانتحاب: "سيف خالي بالك على عبده و متخافش عليا.. انا.. انا عند ابله زينب و موبيلي كان فاصل رنيت من موبايلها." سيف: "يعني انتي كويسه.. صوتك متغير."
"والله كويسه.. المهم عبدو فين؟ اقفل باب الشقه عليكم يا سيف." "حاضر يا ابله نور بس متتاخريش الصبح و طمنيني عليك انا هدخل انام مع عبد المنعم علشان خايف بيقول عايز حد يحكيله حدوته زي ما بتعملي." نور: "ماشي يا حبيبي خالي بالك على نفسك و على اخوك سلام." اغلقت الخط و هي تضع الهاتف جانبا. باسل بجديه: "ياله بينا." نور: "فين؟ استدار ياخذ جاكيت بذلته يرتديه اخذ هاتفه و مفاتيح سيارته قائلا بحدة: "دلوقتي تعرفي ياله."
سارت خلفه ببطء تشعر بارتخاء اعصابها بشكل سي جدا ليلاحظ ذلك لكنه لم يعلق. استقلت السياره بجواره بحرج.. انطلق باسل بعدها دون كلمه اخري. اسنتدت راسها على زجاج النافذه بتعب وهي تنظر للطريق من خلالها كان داكن كئيب. لم يهون عليها بل زاد الهم بقلبها الهش المعلق باخيها. نظر لها باسل ثم نظر للطريق وهو يقود السيارة بصمت ثم عقب على هذا الإجهاد الظاهر على ملامحها. "شكلك تعبانه." هزت راسها بنفي و عينيها مازالت معلقه على الطريق.
"انا كويسه.. انا بس عايزه اطمن على اخواتي." صمت لينظر للطريق أمامه احيانا يختلس النظر إليها من المرآه. وقف أمام المشفى. بعد حوالي ربع ساعه نظر لها ليجدها تنام بعمق مغمضه العينين. اخذ ينظر لها طويلا. كيف لملامحها أن تجمع بين شقين متباعدين. القوة و الضعف. كيف يبدو الضعف عليها بهذا الوضوح كأنها مرآه شفافه. و أيضا قوة. "نور.. نور.. اصحى." فتحت عينيها ببطء و إرهاق. "انا فين؟ هو ايه اللي حصل؟ باسل: "المستشفى ياله انزل."
نور: "المستشفى؟ ليه؟ اجابها بحده و غضب: "انجزي." دخلا سويا للمشفى و هي تسير ببط ليجد اثنان من طقم التمريض يسيران نحوهما. مشرفة التمريض: " ازايك يا باسل بيه.. نورت المستشفى." باسل بجديه: "بخير الحمد لله." الممرضه: "اتفضلي معايا يا انسه." نور بارتباك واشاحت بنظرها له: "في ايه؟ باسل: "روحي معاها متخافيش."
سارت مع الممرضه في ذلك الممر الطويل ببط وهي تشعر بقدمها تخونها و عينيها اصبحت أثقل ترتجف و هي تفقد قدراتها على التحرك و كان كل قواها قد خرت بتسقط مغشيا عليها يبدو التعب ظاهر على ملامحها و عينيها الحمراء بعد ما مرت به لأول مره سبع ساعات بالحجز و الخوف ينهش بأواصلها و النهايه تكون السجن. كان وجهها شاحب وتحت عينيه ازرق. المشرفه بخوف: "نادي لاي حد من الممرضين يجي يساعدنا."
لكن ما رفعت عينيها تتجه لغرفه الممرضين وجدته يتقدم منها بخطوات مسرعه و عينيه مصوبه عليها انحني مسرعا يحملها بين ذراعيه و يدلف لاحد الغرف لابدا الممرضه بعمل اللازم لها. في ممر المشفي. يقف وهو يضع يديه في جيب بنطاله بينما يتحدث في الهاتف قائلا بجمود: "ها يا رائف عملت ايه؟ رائف: "الراجل اياه في الحبس بس يا باسل دا مضروب و... قاطعه بصرامه و حده:
"الزباله دا كان بيحاول يتحرش بالبنت يستاهل اللي يحصله ميستحقش الرحمة ابقى أعرضه عليا بكرا." رائف: "طب و البنت دي؟ هتحقق معها وانت فين دلوقتي زيدان باشا كلمني و قال ان موبيلك مشغول و مش عارف يتواصل معاك." باسل: "موضوع البنت اتقفل." أغلق الخط وهو يمرر أصابعه في خصلات شعره بحدة وغضب. فقط كان يستفزها بحديثه عن السجن أو ما شابه، لكن في واقع الأمر أنه أراد مشاكستها. (بحلم بيك أنا بحلم بيك و في أشواقي مستنيك
وان مسألتش فيا يبقى كفاية عليا عشت ليالي هنية أحلم بيك أنا بحلم بيك) أخذت زينب تستمتع بتلك الكلمات الساحرة لعبد الحليم حافظ. لا تدري متى أحبتها هكذا، متى أصبحت شغوفة بما يحب سارق قلبها. تشعر وكأنها ولدت على أنغام قلبه. راقٍ في جماله حقاً.
تنهدت زينب وهي تنظر للبحر وهي جالسة بجوار صالح، تستند برأسها على صدره العريض بينما يحاوطها بيديه. في أحد المراكب الصغيرة، ومعهم رجل يقدف بهما على الناحية الأخرى. وجواره المذياع يصدر أجمل أغاني عبد الحليم حافظ.
لا تدري ماذا فعل بقلبها. عبث بها باهتمامه، خوفه، لهفة عينيه تجعلها تغرق وتنغمس في عاصفة المشاعر تلك. منذ عودتهما من المشفى منذ يومان وهو لم يتركها لحظة. واليوم في حوالي الساعة الواحدة صباحاً يطلب منها أن ترتدي ثيابها مسرعة لرؤية شيء ما معه.
ليكون الأمر في النهاية تجلس بجواره في أحد المراكب الصغيرة المزينة بأنوار جميلة. رفعت زينب رأسها لعينيه فكان يضمها، ناظرين الاثنان لعذوبة الماء وحركتها. الهادي بهدير الماء المنعش وهواء الليل الذي يضرب وجوههما برفق. كان الجو الليلي في قلب البحر على أحد مراكب الصيادين متعة لا يعلم الكثيرون. وهي لم تجربها إلا بين أحضانه الآن. معه أحبت عذوبة وهدوء الليل، معه تذوقت طعم الحب، وقعت في الغرام.
خلقت من جديد والفضل يعود لصاحب الملامح الحادة الذي وقعت بحبه. شغل عقلها فجعل قلبها يخفق في رؤيته. عقلها مشتت في بعده، وعيناه تشتاق للنظر له. طالت النظر له وهي رافعة رأسها له. اخفض نظره لها وهو يبتسم بمراوغة. "بتبصيلي كدا ليه؟ زينب بتلقائية محببة لقلبه: "مش عارفة بس بحب أبصلك." صالح: "إيه رأيك في المفاجأة؟ أشاحت بنظرها عنه قائلة بهدوء: "أول مرة أجرب، حلو أوي يا صالح، تعرف إنك غريب." صوب نظره
عليها يتساءل بفضول وخبث: "إزاي مش فاهم؟ ابتسمت بخجل: "مش عارفة بس مش زي شباب الأيام دي." آه. تنهدت بخفة أثر ضغطه على خصرها بقسوة يحترق: "وانت عجبك شباب الأيام دي؟ زينب بخجل: "صالح بتوجعني." زفر بضيق، حاول سحب يديه ليبتعد عنه لكن تمسكت هي بيديه المحيطة بها قائلة بجدية: "متبعدش، حتى لو طلبت منك ده متبعدش." ثم تابعت بتعثر أثر نظراته المصوبة عليها يستكشف ما
تخبئه تلك العيون الرمادية: "أنا أقصد إنك فيك حاجة مختلفة، هدوءك، غيرتك، اهتمامك، نظرتك." مالي عليها قليلاً لتشعر بأنفاسه الساخنة تداعب وجنتيها حارقاً إياها من ذلك القرب بينهما: "طب ما دي حاجة حلوة." ابتسمت خافضة عينيها حتى وسعتها بخجل وهو يطبع قبلة طويلة على وجنتها. ليصدر صوته الأجش أثر مشاعره تلك بجوار أذنها قائلاً باندفاع من تلك المشاعر وقد
تحشرجت أنفاسه ليقول بهمس: "مش ناويه تحني بقى دا العبد لله غلبان متعذبنيش معاكي يا زينب." حاولت التحدث متهاربة من نظراته قائلة: "ممكن نرجع الجو برد، خلينا نرجع." أخذ نفساً عميقاً قائلاً بقلة حيلة: "أرجع بينا." حاولت التحدث لتغيير الأجواء: "انت إيه أكتر لون بتحب؟ "الأسود." "أكتر أكلة؟ " سألته بفضول. "لا معنديش، يعني الأكل بالنسبة ليا مش حاجة مهمة، أي حاجة." "رخيم." قالتها بغيظ وهي تنظر للجهة الأخرى.
ابتسم وهو يضمها مرة أخرى له وساد الصمت بينهما. إلى متى! زينب بود وتغنج: "كل سنة وانت طيب." صالح: "وانت طيبة، أول عيد أضحى في بيتنا."
في صباح يوم جديد وبالتحديد يوم وقفة عيد الأضحى المبارك. أصبحت على يقين تام أن مسار البلاء له عدة طرقات، ولكن أكثرهم تداول مسار تفقد به معظم الأشياء ذاتها قيمة لديك، ومسار آخر تكتسب به أكثر الأشياء التي تفتقدها بداخلك. كم أن الرحلة في بدايتها قاسية تنهك عزيمتك وإصرارك. هل يصعب علينا تغيير رحلة القدر أم أنك مجبر أن تلتزم بخوض تلك الرحلة سواء شئت أم أبيت، مهما كانت المشقة صعبة حتماً ستواجه مخاوفك وتلتزم الصمود قبل الصمت.
أخيراً شعرت بأنفاسها، أخيراً مات الصمت وسمعت صوت الحياة مجدداً. رمشت بعينيها عدة مرات وهي تحاول مقاومة الضوء القوي، تشعر بوجع قوي في كل إنش بجسدها. تشعر ببرد بكامل جسدها إلا كفها كان دافئاً بين يدي قوية تقبض عليها بامتلاك. أنفاسه، تشم أنفاسه وعطره، تشعر بوجوده. هل هو هنا؟ هل ماتت والتقطت بـ "علي" في أحلامها؟ أما أن كل ما مرت به خلال السنتين كابوس مزعج وهي لم تتزوج شاكر؟ كيف لرائحة عطره أن تداهم أنفها بتلك القوة؟
سمعت صوته يهمس بالقرب من أذنها برفق خشن: "حبيبة افتحي عيونك، طمنيني عليك، أنا معاكي فوقي علشان خاطري عندك، ارحمي قلبي وقومي يا بيبة كفاية عذاب سنتين كل لحظة كان قلبي بيتحرق بالبطيء." قبضت حبيبة على يديه وشريط الذكريات السوداء يمر أمام عينيها بمنتهى البشاعة حتى وصلت لآخر ما عانته وهي تلك الحادثة المفجعة. حاولت النهوض بفزع وذعر وهي تلتقط أنفاسها بقوة، دموعها انسابت ما أن فتحت عينيها. "شاكر."
علي: "ششش اهدي انتي كويسة في المستشفى اهدي." حاولت دفعه ببطء وضعف وهي تضع يديها على عينيها تنتحب بشهقات مريرة، عقله لم يصل لمرحلة الاستيعاب بعد، فقط تصرخ وتبكي من الألم الجسدي وليس فقط ألم جسدها وألم الذكريات المريرة.
صرخت بصوت عالٍ نسبياً وهي تشعر بالألم يفتك بروحها. حاول التماسك أمام رؤيتها بذلك المنظر المفجع له، جذبها بالقوة لصدره الصلب، يضمها يهمس بحنان ينصهر ألماً: "اهدي اهدي خالص شاكر مات، مفيش حد هيقربلك تاني اهدي." تماسكت به بقوة وهي تبكي بعنف ويدها الأخرى مكسورة، غير مدركة بحضن من تبكي، فقط انهيار.
مرت بضع دقائق. حيث دلف الطبيب لغرفتها أعطاها مهدئاً لترخي أعصابها المشدودة وتترك عنان دموعها وهي تتمسك بيديه بقوة. سقطت دموعه وهو يجلس مرة أخرى بجانبها يشعر بوخزة قوية في قلبه. ألهذا الحد قد دمر روحها؟ وهو ظن أنه الوحيد الذي يتألم. لا الماضي يُنسى، ولا الندوب تُمحى. وما الحب إلا للحبيب الأول. بعد مرور ساعتين. جالسة في فراشها تنظر للفراغ وبجوارها والدتها وأخوها.
فاطمة بحب وخوف أمومي: "حبيبة مالك يا حبيبتي، ردي عليا يا قلبي انتي سمعاني." ترقرق الدموع بعينيها وهي تنظر لوالدتها بابتسامة مجبرة على رسمها: "هو الجنين نزل؟ اخفضت فاطمة بشحوب لا تعرف على تحزن على موت حفيدها قبل أن يأتي للحياة، أم تفرح لأن ابنتها تخلصت من أي رابط يذكرها بهذا الشخص الذي أذاقها مرارة الحياة. هبطت الدموع
من عيون حبيبة قائلة بأس: "على فكرة ربنا رحمة، أصل لو كان جيه الدنيا دي، أصلها طلعت قاسية قوي، قوي يا ماما أوي. ربنا يرحمنا بقى أو ياخدنا. هو أنا هفضل هنا كتير عايزة أروح." زياد بحزن: "الدكتور بيقول ممكن تروحي بس لازم تاخدي فترة راحة. تحبي نروح بيتنا ولا شقتك؟ آه صحيح صالح الشهاوي اتنازل عن المحضر بعد موت شاكر والشيكات قطعها."
حبيبة: "عايزة أرجع شقتنا القديمة يا زياد، نفسي أرجع حبيبة مش هقدر أرجع السجن ده تاني وأنا مش عايزة حاجة من فلوسه. عمري ما هسامحه ومش عايزة منه حاجة، كفاية أوي اللي أخدته كفاية أوي." زياد بارتباك: "على برا يا حبيبة وعايز يشوفك، هو كان معاكي الصبح بدري بس خرج لما نمتي." ابتسمت ساخرة من القدر، لتقول بجدية وهي تمسح دموعها ووجهها الأحمر المرهق: "دخله." فاطمة: "ربنا يهديك يا بنتي."
خرجت تلك السيدة مع ابنها سامحين لعلي بالدخول. دلف إلى غرفتها بخطوات مبعثرة لا يدري ما عليه فعله لكن لن يتركها! عجباً لذلك الرابط. رفعت عينيها لتنظر له، أصبح وسيم جداً. نظرات الحزن تبدد عيناه البنية. جلس على مقعد بجوارها. "حمد لله على السلامة." "الله يسلمك يا علي." طأطأ رأسه وهو يضغط على يديه بقوة: "أنا آسف." "على إيه؟ انت مالكش ذنب؟ دا نصيبي."
"أنا آسف لأن مكنتش قد كلمة بحبك اللي قلتها من سنتين. آسف لأن مكنتش معاكي لما احتاجتي ليا، آسف لأني مقدرتش أديك إحساس الأمان اللي يخليك تحكيلي عن مرض أمك وإدمان زياد وقت سفري. بس ليه يا بيبة؟ ليه؟ أنا كان ممكن أتكل على التكاليف دي. ليه تعذبي نفسك وتعذبيني؟ قلتلك إني عايزك في الحلال وهكون مسؤول عنك وكفاية شغل ليه خبيتي عليا؟
عارفة أنا كنت عامل إزاي طول السنتين دول. عارفة يعني إيه أعيش وأنا شايف الوحيدة اللي قلبي اتعافى بيها مع واحد تاني. فكرة إنها اتخلت عن حبي ليها علشان الفلوس. عارفة يعني إيه جسد بلا روح أو قلب." شهقت بانتحاب، هو محق، محق جداً. غبية غبية.
"مكنتش عايزة أتعرى قدامك بضعفي. كنت شايفه ضعفي، كنت أضعف من إني أتكلم مع أي حد لقيت قدامي وعرضه كأنه طوق نجاة بينقذني من زوبعة الرعب اللي جوايا. كنت فاكرة إن بكدا هبقى صح لكن لقيت في النهاية إني خسرت. خسرت كل حاجة وأولهم نفسي." علي باندفاع: "عارف إن مش وقته بس أنا لسه بحبك ولسه عايزك يا حبيبة وعايز أتوزك." أغمضت عينيها بألم وصمت ساد المكان.
"علي، أنا لما زياد قالي إنك عايز تشوفني قلتله دخله علشان في حاجة جوايا لازم أقولهالك عشان نقفل الصفحة دي." غضت على
شفتيها السفليتين بحسرة: "حبيبة اللي انت عرفتها زمان ماتت. لا هي بقيت مستعدة لخوض أي تجربة ولا عندها الطاقة لكدا. أنا مبقتش أنفع لأي علاقة مع أي حد. لأن روح بلا شغف للحياة ولا للناس. علشان كدا يا ابن الحلال لازم تسمع الكلمتين دول. انسى بيبة لأنها مبقتش موجودة. اللي موجودة دلوقتي بنت خططت للمستقبل إنها تتعافى من اللي عاشته. بنت قلبها مهشم. لا تصلح تكون زوجة ولا حبيبة. علشان كدا انسى."
كمل حياتك ودور على البنت اللي تستحق بجد تكون معاك، إنما أنا لا. أنا محتاجة وقت طويل أوي... محتاجة أرجع للحياة من تاني... أرجع أكمل دراستي وأشتغل أي شغل... تعب الشغل ده هيكون ملاذي... جربت أرتاح فاخترت غلط وللأسف ما أخدتش غير وجع قلب. هجرب أبني نفسي من تاني... أنت عارفني مبحبش أنكسر قدام حد. التجربة دي علمتني إن شقى الحياة ده أحيانًا بيكون نعمة مع الحرية... وأنت كمان أتمنالك تلقى بنت الحلال اللي قلبك يرتاح لها.
"كدابة يا بيبة... كدابة! بس أنا معاكي سنة اتنين إن شاء الله عشرة... علشان أنتِ اللي قلبي ارتاح لها... أول وآخر واحدة قلبي ارتاح لها." هسيبك ترتاحي وكل الهبل اللي قولته ده مدخلش دماغي بنكلة. أنا بحبك. هسيبك يا بيبة... تقاومي ضعفك والوجع اللي جواكي... بس هنرجع تاني... علشان زي ما كانوا بيقولوا على حبيبة وحبيبة لعلي.
كل سنة وأنتِ طيبة وإن شاء الله السنة دي تنغسل كل همومك ووجعك. هسيبك ترتاحي وقريب هنرجع يا حبيبة بس بإرادتك. بكرة العيد وزي ما ربنا جبر بخاطر سيدنا إبراهيم وفدى إسماعيل في اليوم ده... قادر يزيح الهموم عن قلبك. سلام مؤقت." تركها بالفعل، زاح الهموم عن قلبها. شعورها بأنه يرغب بها بعد كل ذلك يجعلها تتعافى ولو قليلاً. انسابت دموعها على خدها... حاولت النهوض فوجدت والدتها تساندها. فاطمة: راح فين يا ضي عيني؟
حبيبة: عايزة أتوضى، عايزة أطهر قلبي من الحزن ده... تعبت أوي يا ماما... مش عايزة أعيط تاني ولا أحس إني زعلانة على موت شاكر... هو أخد جزاءه وعند اللي أحسن مني ومنك. فاطمة: حاضر يا حبيبتي تعالي، أنا هساعدك. *** وصلت سيارة جلال أمام منزل الشهاوي في ذلك الحي بالإسكندرية بعد عودتهم من المنصورة. توقف يوسف أمام المنزل ليوقف السيارة. يوسف: كل سنة وأنتم طيبين يا غالين. جلال: وأنت طيب يا ابن الغالي... يلا انزلوا.
يوسف: ننزل فين يا عمي؟ هنرجع شقتنا علشان أجهز حاجتي. أنت نسيت ولا إيه؟ أنا مسافر تاني يوم العيد. حياء بمكر: خالص يا حبيبي روح أنت شقتك، وأنتِ يا إيمان يلا يا حبيبتي نطلع، ورانا حاجات كتير علشان نحضر الفطار سوا والحلويات، وبعدين إحنا سيبنا زينب وصالح طول الفترة دي، تعالي يلا نطلع لهم. إيمان: فعلاً عندك حق... يوسف بضيق: كسر حوقك، أنتِ هتسبيني؟ إيمان بدلال: أسيبك وأروح فين بس يا يوسف؟
النهاردة الوقفة يا بابا وطبيعي الفطار هيكون عندنا فوق، وفيه شغل كتير وماما تعبانة وأنا وزينب اللي هنعمل ده كله، إلا بقى لو حبيبي جه يساعدنا. غمغم يوسف بغضب وصوت عالٍ: "استغفر الله العظيم... اللهم إني صائم... اللهم إني صائم... حياء بمرح: علشان كده بقولك سيب إيمان معانا، لأن متأكدة إن ممكن تكسر صيامك لو قعدتوا سوا يا أبو الصحاب.
غض على شفتيه بغيظ: عندك حق يا مرات عمي، خديها أهيه، بس بعد الفطار محدش يسأل عننا ها، أنا بقولك أهوه. لكزته بخجل في كتفه قائلة بارتباك: ممكن تبطل طريقتك دي... يوسف بشغب: لو بطلتي أنتِ وشك يحمر كده وتبقى زي القمر، هبطل أنا كمان. إيمان: استغفر الله العظيم... جلال بحدة: هنفضل واقفين كده؟ انزلوا يلا... ترجل من السيارة، ثم توجها الناحية الأخرى، أمسك بيديها حتى تنزل من السيارة وهي ممسكة بيديه.
حياء بهمس: تفتكر إيه اللي حصل مع زينب وصالح؟ يارب يكون لوح التلج اتفك بقى. جلال بهمس ومرح: هنشوف دلوقتي، يارب بس ابنك يكون اتلحلح. سيبناهم أسبوعين وسافرنا. حياء بشغب وحركات طفولية بيديها: أنا نفسي يخلفوا بنوتة صغيرة أقعد ألعب معاها. جلال بضحك: يسمع من بوقك ربنا. صاحب القهوة: حمد لله على السلامة يا حج جلال، إسكندرية نورت... كل سنة وأنتِ طيبة يا مدام حياء. حياء بطيبة: وأنت طيب وتنعاد عليكم بالخير.
وبهمس: المكان وحشني أوي... جلال بدفء: وأنتِ كمان وحشيه... كل سنة وأنتِ طيبة. حياء بحب: وأنت طيب يا حبيبي... ولجوا جميعاً للمنزل. فتح جلال باب شقته، دخلوا جميعاً ما عدا إيمان التي صعدت لشقة صالح. صدح رنين جرس الباب، لتجهز زينب تفتح الباب، ابتسمت بود ما إن رأت إيمان. تقدمت إيمان احتضنها بود: كل سنة وأنتِ طيبة يا زوز. زينب بطيبة: وأنتِ طيبة يا رب، رجعتوا إمتى؟ إيمان: لسه جاين تحت، أومال فين صالح؟
زينب: أنتِ عارفة أخوكي من الساعة ستة لازم يكون في الشغل... ادخلي... هجيب طرحة وأنزل معاكي أسلم على الجماعة. إيمان: لا اقعدي اقعدي، عايزة أتكلم معاكي، من يوم الفرح واحنا معرفناش نقعد نحكي مع بعض والصراحة عندي فضول... بس عارفة الكلام هيحلى مع ماما، يلا ننزل نقعد معاها وكده كده بابا هيرتاح شوية وينزل الشغل مع عمي جمال، ويوسف أكيد هيخلع يروح أي مكان، يلا. زينب: حاضر، ثواني هغير وأنزل. بعد وقت قصير في شقة جلال.
تقف إيمان وهي تربط وشاحاً قصيراً على رأسها، ممسكة بالمكنسة تكنس الأرضية، ترتدي عباءة بيتية قصيرة بنصف كم. بينما خرجت زينب من الحمام بيديها دلو ماء دافئ مضاف له بعض العطور. خرجت حياء من غرفتها بعدما بدلت ثيابها لأخرى مريحة، لتجد الاثنتين يعملان على قدم وساق لتنظيف البيت، وخصوصاً أنه مغلق منذ ذهابهم للمنصورة. أدمعت عينيها وهي تتذكر تلك الجميلة "شغف الحسيني" والدتها.
إيمان: ماما بقولك أنا بفكر نشيل السجادة دي نغسلها بس حاسة إن مفيش وقت... ماما... زينب: حضرتك بتبكي؟ مسحت دموعها وهي تحتضن الاثنتين بود وحب أمومي. شعرت زينب بالارتباك، ثم أغمضت عينيها تدفن نفسها بحضن حياء، وكم هو دافئ نقي يذكرك دائماً بحضن والدتك حين تقسو عليك الأيام، فتلقي بنفسك بين أحضانها تستقبلك هي بمنتهى الود. إيمان بخوف: مالك يا ماما؟ أنتِ كويسة؟ حاسة بوجع أكلم الدكتور.
حياء بحب: فكرتوني بأمي وأنا زمان واحنا بنضف شقتنا وبنحتفل بالعيد... بس إيه الشاطرة دي؟ ده أنا قلت هخرج يتهد حيلي في الشقة ألاقيكم بتنضفوها. يارب دايماً كده رافعين سقف توقعاتي. زينب بحب وحماس: لا لا دا أنتِ ترتاحي يا ماما... هو ممكن أقولك يا ماما؟ قبلت حياء رأسها لتقول بحنان: أنتِ واخدة ابني أغلى ما عندي، ومن يوم كتب الكتاب بقيتي بنتي فعلاً، يعني عندك كل صلاحيات بنتي. ابتسمت زينب بسعادة وهي تأخذ نفساً عميقاً:
يبقى حضرتك ترتاحي يا ماما، وأنا وإيمان هنعمل كل حاجة... يلا اتفضلي. حياء: ربنا يسعدكم يا بناتي... هدخل أكلم عمتك شهد وأعزمها على الفطار النهارده... وكمان الحاج منصور... يلا. نظرت إيمان لزينب قائلة بمرح: استعنا على الشقاء بالله يا بنتي، تعالي بقى إحنا نشوف هنعمل إيه بمنظرنا اللي شبه عم بوشكاش ده. زينب بمرح: شكلك عامل زي اللمبي أوي.
ضحك الاثنان في جو من المرح لاستقبال العيد، وبالمرح لن تشعر بعناء العمل، وإن كان معك جليس يؤنس روحك. *** جلس باسل على أقرب مقعد في تلك الغرفة الكئيبة البيضاء المتواجدة في أفخم مشفى له، أو بمعنى أدق (مشفى والده الاستثماري) ، لذلك الكل يعمل على قدم وساق لخدمته، فهو يعتبر مالك المشفى (باسل زيدان) غني عن التعريف. حاولت نور فتح عينيها، لكن النور داهم وجهها بقوة مما جعلها تأخذ بعض الوقت حتى تفتح عينيها.
فتحت بنيتها، أشاحت بوجهها بعيداً عن الضوء، انتفض جسدها وهي تنظر له. وجدته يجلس بجوارها... مقترباً جداً حتى وقعت عينه عليه، وهو يضع ساقاً على أخرى، يربع يديه أمام صدره، وهو ينظر لها بحدة لم يفهم سببها. حاولت الجلوس قائلة بارتباك: هو إيه اللي حصل؟ باسل: ولا حاجة، وقعتي من طولك، وطبعاً كنتي بتكابري وتقولي إنك كويسة، بس ده تقوليه لواحد أعمى مش واحد شايف منظر وشك. نور بغباء: ماله وشي؟ ما تنقي ألفاظك يا بني آدم أنت...
آآآه سيب إيدي... نظرت له وجدت عينيه مظلمة يتخللها القسوة، قائلاً بحدة: صوتك، واحترمي نفسك... مش عشان سيبتك تقولي اللي عايزه تهبي منك. نور بوجع: سيب إيدي... تركها بغضب، لا يعرف ما يشعر به... لما يهتم بها؟ لما جلس طوال الليل بجوارها؟ نفور قوي من زوبعة المشاعر تلك. نور: هو أنا هتحبس فعلاً؟ "لا، ويلا عشان أوصلك." انتفضت بقوة لتقف أمام بذهول: بجد؟ مدت يديها بعفوية تمسك يديه بامتنان: أنا متشكرة... بجد مش عارفة أقولك إيه...
سحب يديه من بين نعومة يديها ليشعر بخط من الصعق والرغبة بها! ما قصتك أنت أيها الباسل؟ باسل بحدة: يلا، هوصلك. نور بحرج: لا، مالوش داعي، أنا هعرف أروح لوحدي الحمد لله، الحمد لله... ربنا محبش يكسر بخاطر إخواتي في العيد، الحمد لله. سلام. باسل: سلام يا شبح. نظرت له بضيق، زمّت شفتيها لتبدو كنقّاق الخشب، مضحكة جميلة. خرجت من الغرفة وغادرت، تركته واقفاً وذهبت. ذهبت وظلت عيناه متعلقة بها حتى رحلت.
أخذ نفساً عميقاً وهو يضع يده في جيب بنطاله ليخرج أيضاً من الغرفة ومن المشفى بأكملها، يقود سيارته في اتجاه منزله... عفواً قصره الفخم... لبداية الرحلة ملاذ خاص يا صديقي. *** ترجل باسل من سيارته الفارهة أمام فيلته الفخمة والشاسعة، صرح شاهق ضخم راقٍ. بل إنه الأجمل كجمال صاحبه. تقدم باسل بطوله الفارع وجسده الضخم الرياضي إلى بهو الفيلا. ابتسم وهو ينظر لوالدته، سيدة في بداية العقد السادس، بشوشة الوجه، جميلة...
أنيقة جداً، خصلات شعرها بيضاء مرفوعة بتسريحة أنيقة. "صباح الخير يا مدام نيرة." "اااامم... صباح الخير... هو ده الصبح؟ كنت فين يا باسل وتليفونك كل شوية مقفول؟ باباك حاول يوصلك، سأل في المكتب مش موجود، سأل في الشركة برضو مش موجود. مختفي فين يا حضرة وكيل النيابة؟ جلس بجواره وهو ينظر الحديقة الشاسعة بذلك القصر الفاقد للجو الأسري، كئيب، فاقد للكثير والكثير... "كان في موضوع مهم شاغل بالي... متقلقيش، أنا مش صغير... فين زينة؟
أجابت السيدة بكبرياء: "اختك راحت الساحل، أنت عارف إن والدك مشغول الأيام دي في الكومبوند اللي بيأسسه هنا، وهي طبعاً معه. وبالنسبة لأنك مش صغير، فكويس إنك فتحت الموضوع ده... وضع ساقاً على أخرى وهو ينظر لوالدته بثقة، قد فهم ما تريده. "عايزة إيه يا نيرة هانم؟ "ترد طليقتك... أجابته بحدة لا تخلو من الحب الأمومي. برم شفتيه بضيق ليرد ببرود: "اامم، أرد طليقتي... ليه؟ "ليه؟ ... انت بتسأل ليه؟ علشان دا الطبيعي يا باسل بيه...
علشان مش كل كم يوم نسمع إنك اتجوزت واحدة و طلقتها بعد كم يوم... باسل بجدية تليق بهيمنة شخصيته القوية: "أظن مسألة الجواز والطلاق دي تخصني... قدام الناس مروة كانت مراتي وخلصنا، طلقتها. إنما أي علاقة تانية ميخصش أي حد يتدخل فيها... بعد إذنك يا نيرة هانم." زفر باسل بحنق وهو يصعد على السلالم، دخل غرفته بوجوم. أغلق الباب وخلع قميصه يفكر في تلك الشابة -نور. "نور." نطقها وهو يلقي قميصه على الفراش.
يطوف في عقله أول لقاء بينهم في المشفى وطريقتها الجريئة في الرد. ابتسم عفوياً بخبث وهو يدلف للحمام يغتسل. خرج بعد مدة لا يرتدي سوى بنطال قطني وظل عارياً الصدر. استلقى على الفراش حاول النوم، ليلة أمس قضاها بالمشفى ولم يكن الأمر مريحاً أبداً. "هو فاضل قد إيه على المغرب يا إيمان؟ نظرت إيمان لساعة الحائط وهي تخرج صينية البطاطس من الفرن لترد على زينب. "فاضل ساعة ونص... وأخيراً خلصنا، أنا اتهد حيلي." أخذت زينب تضع صينية
المكرونة بالفرن لتقول: "طب كدا الحمد لله كله حاجة جاهزة، أنا هطلع آخد دش وأصلي العصر، ومعلش شوية أبقى بصي على صينية المكرونة." إيمان: "تمام، وأنا كمان هاخد دش لأن ريحتي بصل وتوم. أنا صليت العصر، يلا أنتِ اطلعي متقلقيش." صعدت لشقتها بسعادة، رغم أن اليوم مرهق إلا أنها شعرت بجو أسري لطيف واندماج بينها وبين إيمان. كانت تخشى التعامل معها، لكن وجدتها في النهاية جميلة طيبة القلب. ولجت لأخذ حمام بارد من حر الجو الحار.
وخرجت بعدها ترتدي ثياباً مريحة تبرز قوامها الرشيق والممشوق. بعد أن انتهت من تجفيف شعرها وتمشيطه، أنهت فرض صلاة العصر. وضعت بعض الكريمات لترطيب جسدها ذات الرائحة الناعمة على الأنف. دلفت للفراش بإرهاق، توسدت بظهرها للفراش، تمايلت للناحية الأخرى بارتياح لتجد وسادته بجوارها. جذبها بفتور وحاولت دفن رأسها بها.
لكنها لم تفعل، فرائحة صالح وعطره الممزوج بها غمرت أنفها بالكامل. تنهدت براحة وهي تعانق الوسادة بشوق. نهضت وجلست على الفراش لتعيد الكرة، لكن باشتاق واستمتاع أكثر. متى نما ذلك الشوق بداخلها؟ الإحساس بكل تلك السرعة بداخلها، فقد اشتاقت إليه وبشدة، فهو لم يتركها بالأيام الماضية، والآن لم تره منذ الصباح. يغمرها دوماً رغبة بالاقتراب، لكن أيضاً بداخلها شعور بالخوف. لا تعرف ماذا تريد.
بعد كل تلك الزوابع والمسافات بينهم من يوم أن تزوجت به... أغمضت عينيها وهي تستنشق رائحته العطرة متذكرة لحظاتهم الجميلة معاً. كم أنت جميل يا من أحب.. راقٍ حتى في جمالك. تمنت أن تظل الرائحة في أنفها حتى الدهر لكي يموت الشوق إليه. دلف صالح الغرفة في هذا الوقت ليجدها تعانق وسادته بطريقة غريبة. ألقت الوسادة من يديها بتوتر وهي تنظر له، تخاف من فضح مشاعرها، قائلة بارتباك: "صالح... رفع حاجبه وأنزل سريعا بشك:
"بتعملي إيه يا زينب؟ "احم.. ولا حاجة. كنت ناوية أغير فرش السرير وبشوف لو نضيفة ولا لأ... "تمام... بسرعة إن كنتي هتغيريهم، عايز أنام شوية قبل المغرب عشان عندي شغل تاني بليل." اتجه نحو الخزانة يأخذ ثياباً أخيرة مريحة ليدلف إلى الحمام. بينما كانت توبخ نفسها من تلك الحركات العفوية التي فعلتها لتغيير شراشف الفراش.
خرج بعد ربع ساعة تقريباً، كان يقف أمام المرآة يرتدي بنطالاً رمادياً يعتليه تي شيرت أحمر نصف كم مكتوب عليه بعض الكلمات الإنجليزية باللون الرمادي. يمشط شعره. نظر عبر المرآة لانعكاس صورتها وعينيه تمر على قوامها الرشيق. لا ينكر أنها تمتلك جسداً ممشوقاً يغيب العقل. نظر للمرآة بغضب قائلاً بضيق: "استغفر الله العظيم. اللهم إني صائم." زينب برقة تذيب الجليد: "في حاجة يا صالح؟ أغمض عينيه بقوة وهو أمام المرآة يتمتم بداخله:
"دي لو متفقة مع الشيطان عليا مش هتعمل كدا... استغفر الله العظيم." اقتربت منه بعد أن رأته مغمض العينين بقوة يتنفس بخشونة كأنه يصارع نفسه. وضعت يديها على ظهره، لا تعلم بتلك اللمسة ماذا تفعل. "صالح مالك؟ انت كويس؟ فتح عينيه واستدار لها قائلاً بحدة: "بلاش تلمسيني كدا، ولا انت ناسيه إننا صايمين؟! زينب ببراءة: "بس أنا مش قصدي حاجة." رفع عينيه بصدمة رداً بغلاظة: "مش قاصدك وإنتي لابسة كدا قدامي...
شهقت بخجل وحرج، لم تدرك حتى أنها تقف أمامه بتلك المنامة الحريرية، قائلة بارتباك: "أنا مكنتش أعرف إنك جاي دلوقتي و... بلع ما بحلقه بضيق وهو يرى توترها والذي زاد حمرة خدها لتبدو فاتنة. "زينب الله يرضى عليك روحي شوفي بتعملي إيه وسبيني أكمل صيامي على خير ياله." "حاضر... اتجه نحو الفراش دافناً نفسه به وهو يستغفر. زفر بضيق وهو يحاول النوم، يراها تغادر الغرفة. "اطفي النور وإنتي خارجة."
امتثلت لأوامره مغادرة الغرفة، تاركاً إياه بينما تنهد بحزن وهي تغمض عينيها. بعد وقت طويل. في شقة جلال. الكل يجتمع بوليمة كبيرة. نزلت زينب ببطء وهي ترتدي جلباباً رمادياً طويلاً فضفاضاً، تضع حجاباً أزرق على شعرها بدقة لتبدو جميلة محتشمة، ومع رماديتي عينيها تسرق أنفاسه. ما إن رأت والدها ابتسمت بسعادة وهي تتقدم منه تصافحه بحرارة، كم تشتاق إليه. منصور بسعادة: "عاملة إيه يا زوز؟ وحشتيني والله، البيت فاضي من غيرك...
زينب بود: "أنا بخير الحمد لله، بس طمني عليك، بتاخد الدوا في ميعاده... والأكل بتاعك." منصور بطيبة: "لا متقلقيش عليا، صالح ربنا بيحميه، بيبعت الواد بتاع القهوة بييجي كل يوم يجهز الأكل وبيعمل كل حاجة، متقلقيش يا روح قلبي." آه من معذبها ذلك... قالت إنه راقٍ في جماله، لكن أيضاً رقيق في تفكيره، رجل بمعنى الكلمة. دلف جلال في ذلك الوقت معه صديقه المقرب جمال بعد دعوته له على الإفطار.
حياء بطيبة: "متقلقش عليها يا حج منصور، زينب دلوقتي بنتي، ولا يمكن حد يزعلها في وجودي." منصور: "ربنا يحفظك يا ست الكل... شهد: "وحشتوني." ما إن رأتها حياء حتى ابتسمت بسعادة وهي تتجه نحوها لتحتضنها باشتياق. "كل سنة وإنتي طيبة يا بنت الهلالي... تنهدت شهد بهدوء وهي تدعو لأبيهم الحج الهلالي بالرحمة. شهد بسعادة: "قوليلي انبسطتوا في المنصورة؟ حياء بخبث: "جداً جداً... شهد: "إنتي بتغيظيني يا بت انتي."
حياء بدلال: "اتحيلت عليكي تيجي معانا وإنتي قلتي لأ عشان حليم والولاد." شهد: "والله مشغولة معاهم جداً يا حياء، هبقى أحكيلك بعدين، بس إيه الجمال دا... عروسة صالح زي القمر." ابتسمت زينب بحب لتجد شهد تضمها بقوة وحنان لصدرها. "ألف مبروك يا حبيبتي... كل سنة وإنتي طيبة." زينب بود: "وإنتي طيبة، يارب تنعاد عليكي بخير يارب." شهد: "يارب... فين إيمان بقى؟ خرجت إيمان من غرفتها وهي تضبط حجابها. "مين بيسأل عليا...
شهد: "إيه الجمال دا... هو الجواز بيحلي كدا." إيمان بحب وهي تحتضنها: "عمتو... جلال: "كل سنة وإنتي طيبة يا شهد." شهد بحب أخوي: "وإنت طيب يا كبير، وحشتني يا جلال." احتضن أخاه بسعادة... (الله أكبر الله أكبر) كان ذلك صوت المذياع والتلفاز يعلن عن أذان المغرب وكسر الصيام، الابتهاج بالعيد على كل الأمة الإسلامية. جلال بود: "ياله بسم الله... ياله يا ولاد." زينب: "هو صالح فين يا ماما؟
حياء بضيق: "مش عارفة، باين بيعمل مكالمة شغل في أوضة القديمة، نفسي يبطل يركز في الشغل بقى... ثم تابعت بخبث أنثوي: "بقولك إيه يا زينب، خدي عليه التمر دي وخليه يفطر، لو فضل يتكلم في الشغل مش هيخلص ولا هيفطر النهارده." ارتبكت قليلاً وخصوصاً بعد ذلك الموقف قبل مدة قصيرة، لكن تشجعت قليلاً وأخذت علبة التمر منها تتجه نحو غرفته في شقة جلال. وقفت أمامه وجدته يوليها ظهره ومازال يتحدث في الهاتف مع شخص يدعى علي في بعض أمور العمل.
وجدته ينهي المكالمة ويقلب في الهاتف. اقتربت منه مسرعة لتضع يديها على ظهره قائلة بهدوء: "صالح... أغمض عينيه من مجرد نطق اسمها من شفتيها المغريتين. رد عليها مغمض عينيه: "نعم يا زينب." عضت على شفتيها بخجل كلما تذكر ذلك المشهد بينهما، قائلة بتوتر: "المغرب أذن وأنت مكسرتش صيامك... ماما قالت إنك بتفطر بالتمر و... فجبتلك منه." "وإنتي فطرتي؟ سألها باهتمام. "هفطر على طول، بس خد أنت طول النهار في الشغل."
أخذ علبة التمر منه لياخذ منها واحدة يقسمها نصفين، وضع قطعة بفمها قبل أن تعترض. "افطري إنتي الأول وبعد كدا اهتمي بالباقيين... ابتسمت بود وهي تفطر وتراه يبتسم يتناول القطعة الأخرى ببساطة وهو يردد دعاء الإفطار. مرت لحظات وجدته يحدق برماديتي عينيه. ليخفض عينيه ينظر لتلك الشفاه المكتنزة. توترت أكثر لتحاول الهرب. "أنا هروح أشوف باين إيمان بتنادي...
قبل أن أتفوه بكلمة أخرى، وسعت عينيها بارتباك، جاذباً إياها يضع يديه على ظهرها يقبلها بنهم، شاعرة بأنفاس على بشرتها، يتخدر جهاز الحث العصبي من هذا الاقتراب، ترخي دفاعاتها، تنسجم معه لأول مرة. تاركاً له عنان قلبها يعبث بها ويعزف على أوتاره كما يشاء... في تلك اللحظة فتحت حياء الباب وهي تنادي على صالح، ما إن رأتهما... ابتسمت ببلاهة وهي تحرك يديها بمعنى (استمروا)
خرجت من الغرفة وهي تبتسم، تشعر بالسعادة لأجل ابنها، يبدو الابن كجنون أبيه. حياء: "ربنا يسعدكم يارب... كان لازم تدخلي مغفلة بصحيح ما إن خرجت حياء حتى ابتعدت زينب بخجل صارخ وارتباك من جرأتها تلك، وكيف ستخرج له بعد ذلك الموقف المحرج البشع. نظرت له بغضب، ضربته بغيظ في صدره ليتاوه بابتسامة لعوبة وهو يغمز لها بشقاوة. "اطلع أكمل فطاري، ما تتأخريش يا زبدة."
خرج من الغرفة بينما هي تسبه وتسب غباءها ذلك، لا يمنع ذلك ابتسامتها البلهاء التي شقت شفتيها بعذوبة خاصة. *** بعد وقت طويل، بعد أذان العشاء. جلست حياء برفقة شهد تتحدثان. شهد بعتاب: "معقول يا حياء تتعبي وما حدش يقول لي للدرجة دي؟
حياء: "شش، اسكتي. صالح أصلًا ما يعرفش، أنا محذرة إيمان ويوسف إن ما حدش يقول له، انتي عارفة صالح متعلق بيّ قد إيه، ولو عرف هيزعل، وأنا والله كويسة، يمكن مشكلة في المعدة. وبعدين بطلي بقى علشان جلال من يومها وهو خايف وباين في عينيه وبيحاول يداري، بس إن شاء الله خير." شهد بخوف: "هي نتيجة التحليل هتطلع إمتى؟ حياء: "المفروض كمان يومين، واقفلي بقى على الموضوع. قولي لي ياسمينة عاملة إيه مع جوزها." شهد...
ليبقيا يثرثران بود، هي ليست أختها فقط، بل هي صديقتها الوحيدة. *** في شقة صالح. دست جسدها في الفراش بارتباك، وما زالت لا تستطيع التفكير في شيء سوا تلك القبلة بينهما، كيف يكون لعوب بتلك الاحترافية يذيب خجلها برفق. "وحشتني يا جزمة، حبيت أقول لك كل سنة وانتي طيبة." زينب بطيبة: "وانتي طيبة يا نور، مختفية فين يا بنتي؟ رنيت عليكِ كذا مرة امبارح، فينك؟
على الجهة الأخرى، تجلس نور في شرفة منزلها ترتشف من كوب المياه، وهي تتحدث مع صديقتها وتقص عليها كل ما حدث بليلة أمس ولقاءها بذلك الشاب، ووتيرة النبضات الخائنة تلك التي شعرت بها. أين ستأخذكما الحياة يا رفاقي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!