أنا العاشق لعينيك.. عاشق لتلك الابتسامة وما العشق إلا ذنب يطالب بالغفران!!! بعد أذان العشاء (في الاسكندريه) جالسه هي تضم ساقيها إلى جسدها تتحدث في هاتفها مع صديقتها. وقد بدأت الأخرى بسرد ما حدث ولقاءها بوكيل النيابة ذاك.. تتحدث بشغف وحماس، ووتيرة نبضاتها تخونها، تتضارب بقوة كلما تذكرت ذلك الاقتراب الضاري بينهما. تشعر بغمرة قوية. غمرة من المشاعر تجتاح كل أواصالها.
هيمنة شخصيته المتغطرسه، وسامته الطاغية.. يمتلك شخصية فريدة. الوحيد الذي أخرج بداخلها الأنثى، تناست تلك الشراسة.. سمحت لدموعها بالهطول أمامه. لم تكن من عاداتها أن تبكي أمام أي شخص، لكن استفزها بقوة. عند حديثه عن السجن والعقوبات وما شابه. تشعر بتناقض غريب بداخلها، رغبة في تحطيم رأس ذلك المغرور.. وابتسامة تهاجم شفتيها كلما تذكرته. برمت زينب شفتيها بعدم اقتناع وضيق.
"ااامم.. يعني مش فاهمه.. انتي مقتنعه باللي بتقوليه دا.. أنا قلقت الصراحة يا نور، وبعدين مش عارفه ليه حاسه إنه لعبي." زمت نور شفتيها باستياء ولامبالاة. "يا أختي هو أنا مالي بيه.. أنا بس حكيتلك اللي حصل، وبعدين أنا مش بفكر في الموضوع بالشكل دا.. أنا فيا اللي مكفيني يا زينب، والله العظيم قلبي كان هيتخلع من مكانه عشان إخواتي وأبويا." "زينب: الحمد لله.." ثم تابعت بخبث أنثوي. "بس والله عنده حق يا أحلى شبح." نور بغيظ.
"وربنا هقفل يا زينب.. شبح لما ياخده يارب." زينب بمكر. "عليا يا بنت بدريه، المهم الكلام مينفعش في الموبيل، بكرا كل سنة وأنتي طيبة تجيلي، وأهو بكرا العيد، ومافيش وراكي شغل ولا حاجة." ضغطت على شفتيها السفلية بحرج لترد معتذرة. "والله كان نفسي يا زينب.. بس أنا نازلة شغل بكرة في مصنع الحلويات اللي في (..) . انتي عارفه الضغط بيبقى عليه إزاي في العيد، وخصوصاً إنه في مكان راقي، والمصنع دا مورد لمجموعة كبيرة من محلات الحلويات.
وأنا يعني كلمت البت نريمان اللي شغالة هنا، وهي قالتلي إني ممكن أروح يومين العيد دول، وهما مرتباتهم كويسة بعدد الساعات. بدل ما أقعدهم، وأهو أنا كدا كدا واخدة إجازة من مصنع الحج جلال." زينب بحزن. "حتى يومين العيد يا نور.. طب مش هتفضلي مع إخواتك حتى.. ارتاحي شوية وريحي نفسك شوية." ابتسمت نور بلامبالاة وخوف.. ينهش بقلبها.
"زينب، انتي عارفه إن حمل البيت كله عليا.. حتى إيجار البيت وصاحب الشقة لو اتأخرت يوم واحد بيعمل فضيحة، وبيبقى هاين عليه يطردنا.. عارف لو البيت دا ملك مش إيجار ياااه.. بس الحمد لله على كل حال. وبعدين أنا اتعودت على الشغل. والكم يوم اللي أنا سيبت المصنع فيهم دول هياثروا معايا في المرتب.. وكدا كدا بابا هيروح يزور ناس قرايبنا في القاهرة، وإخواتي طبعاً شبطين، فهو قالي تعالي معانا بدل ما تفضلي لوحدك، بس طبعاً مينفعش..
علشان كدا هنزل اليومين دول، وأوعدك أفضى وقت قريب أوي ونقابل و نرغي.. " زينب بتفهم. "إن شاء الله يا نور إن شاء الله.. ربنا يرزقك بابن الحلال اللي يشيل عنك." نور بسخرية. "ابن الحلال دا تقريباً مش موجود.. تعرفي أنا بحمد ربنا إني فسخت خطوبتي من أحمد. عرفت إنه خطب وخطوبته النهارده، بس والله ما زعلانه، حاسة كدا إنه كلب جربان بيدور على واحدة تصرف عليه هو وأمه.. ياله أخد الشر وراح.. " ثم تابعت بمكر وابتسامة خبيثه.
"ها يا زوزو الجو عامل إيه؟ زينب بحده. "حر، الجو حر يا بنت بدريه." نور بسعادة. "هو حر بس.. دا شوب.. ما تقوليلي إيه الأخبار يا زبده، حاسة كدا والله أعلم إن في حد قلبه بيرفرف من الحب. إيه أخبارك الجو بتاعك؟ "مش ناوية تطمنيني بقى وتقوليلي هبقى خالتو قريب؟ اخفضت زينب بصرها بخجل وابتسامة خافتة تزين محياها، وهي تمرر أصابعها بنعومة على شفتيها بخجل صارخ، تتذكر لحظة الجنون تلك، تشعر لأول مرة بأنوثتها بين يديه.
حتى هجومه الضاري.. غريب!! يعصف بكيانها جاعلاً منها أخرى مستسلمة مبتسمة بخفوت.. تشعر بانتعاش قلبها وروحها. بعدما كانت امرأة وحيدة مكسورة. يهزمها الضعف.. عجزها كاد أن يفتك بها. جاء هو ليحيي بداخلها تلك البسمة المفقودة. وجودهما بجوار بعض أشبه بأمير وسيم ظل يبحث لسنوات عن الأميرة المفقودة بين النساء.. يعلم أنها تستحق عناء البحث. لأن تلك الأميرة بمنتهى البساطة هي من تناسبه.. بل إنها أنسب امرأة له..
قاطع ذلك الصمت صوت نور بهمس وخبث، وهي تدلف للشقة تغلق خلفها باب النافذة قائلة بهيام. "سكوتك دا حاجة حلوة صح؟ انتي حبيته ولا إيه يا زوزو.." "مش عارفه يا نور.. أنا بحس بالأمان وأنا معاه.. بحس بقلبي بيرقص من الفرحة. وإن كل هموم الدنيا اللي شيلتها طول حياتي كانت مجرد وهم في عالم خيالي. ودخوله لحياتي نفض كل غبار الوهم. عارفه أنا كنت متخوفة أوي من فكرة جوازنا بالسرعة دي.. بس بعد جوازنا
شفت منه حاجات ماكنتش أتخيل إنها لسه موجودة في الدنيا دي. شفت اهتمام.. ثقة.. ود.. يمكن حب." ابتسمت الأخرى وهي تجيبها متسائلة بحماس. "يبقى وقعتي ولا حد سم عليكي.. بس بجد مفيش حاجة كدا ولا كدا يا بت، عايزة أبقى خالتو." زينب بحده. "نور تصبحي على خير ياله روحي نامي، كل سنة وأنتي طيبة." *** مر حوالي نصف ساعة. كانت تشاهد التلفاز مندمجة بمشاهدة أحد أفلام عبد الحليم حافظ.
تشعر مع تلك الأفلام قديمة الطراز بأنها تجد نفسها.. تنغمس مع كلمات العندليب، عذوبة صوته.. فاقت من شرودها على رنين جرس الباب. أخذت ريموت التحكم وأغلقت التلفاز قبل أن تدلف لباب الشقة تفتحه. ابتسمت وهي ترى أخت زوجها. زينب: "إيمان، ادخلي.." إيمان: "صالح في الشغل صح؟ زينب: "صح، تعالي.." دلفت معها لغرفة الصالون. زينب: "تشربي إيه؟ أومات لها برأسها بحيرة لتجيبها بابتسامة. "ممكن ناجل الشرب دا لبعدين.. اقعدي خلينا نتكلم شوية."
"حاضر." إيمان: "ها بقى ياستي قوليلي أخبارك إيه انتي وصالح؟ وإيه اللي حصل في اليومين اللي سافرنا فيهم.." زينب: "يعني عادي مفيش حاجة.." زمت إيمان شفتيها باستنكار قائلة بمرح. "يعني مفيش أي حاجة أي حاجة يا واد فك كدا." ضحكت زينب بارتياب من تلك الطريقة لتقول بخبث. "هو ماما حياء هي اللي بعتاكي عشان تعرفي علاقتي أنا وصالح واصلة لفين؟ إيمان: "مبعرفش أمثل صح؟ أيوه هي طبعاً. بس والله عايزين نطمن عليكم."
ربتت على كتفها بحب "متقلقيش علينا والله إحنا كويسين جداً الحمد لله." إيمان بجراءة تعلمتها من زوجها ذاك. "يعني مفيش قلة أدب؟ نظرت له زينب بصدمة وخجل، احمرت وجنتيها بنيران متوهجة لترى الصدمة الأكبر على وجه إيمان. وهي تضع يديها على فمها بخجل مماثل لما تفوهت به. تكاد تبكي من شدة الخجل قائلة. "وحياة ربنا ماما هي اللي قالتلي أسألك بس بشياكة، وأنا معرفش الحاجات دي تيجي بشياكة إزاي يعني.." ضحكت زينب: "دا أنتي زيرو تمثيل."
إيمان: "باين عليا للدرجة دي.." زينب: "الصراحة آه." في ذلك التوقيت، استمعا الاثنان إلى أغنية. "بنت السلطان" من المسجل في القهوة تحت المنزل. أيمان بخبث: "بتعرفي ترقصي؟ زينب بدلال: "طبعاً." أيمان: "طب ياله نرقص." تركت حقيبتها جانباً وهي تنزع حجابها لينسدل شعرها الأسود بنعومة، يعرف مجراه في الانسدال على ظهرها طويل، لكن ليس كطول شعر زينب، يبدو أقصر بقليل. زينب بتعنج: "إيه الانحراف دا.."
أيمان: "أصل الصراحة يوسف كل شوية يقول ارقصي وكدا، وأنا طبعاً بتكسف أرقص قدامه، بس إحنا بنات عادي، ومافيش حد، ياله قومي." تعالت صوت الموسيقى، ابتسمت زينب بحماس وهي تقف بجوارها، لتجد إيمان تخرج وشاح ذهبي من حقيبتها. (يبدو كحجاب بديل) تربطه على خصر زينب. الأخذ الاثنان يتمايلان بنعومة ومرح واحترافية. توقفا فجأة مع رنين جرس الباب. نظرا الاثنان لبعضهما بارتباك. قبل أن يخرج صوت إيمان أخيراً لتقول بحذر. "مين؟
"أنا يا إيمان افتحوا." تنهدت براحة وهي تسمع صوت والدتها، على عكس زينب التي مازالت تشعر بالارتباك. فتح إيمان الباب.. لتدلف حياء لداخل الشقة. ابتسمت وهي تنظر لابنتها ولزوجة ابنها. حياء: "أنتم كنتم بترقصوا؟ " ثم تابعت بصدمة. "من غيري؟! شعرت زينب بالصدمة لثواني وهي ترى حياء تأخذ وشاح آخر من إيمان تضعه على خصرها، وتبدأ بالرقص ليبدو العرض مضحكاً. وهي تمسك بيد زينب تشجعها.
مرت ثواني لتندمج زينب بينهم بشكل ملحوظ، ترقص باحترافية. بينما على الجهه الأخرى. صعد جلال وصالح ويوسف إلى شقة صالح بعد أن دعاهم صالح وأصر على ذلك. أخرج مفتاح شقته من جيب بنطاله يضعه في مكانه المخصص له ويفتح الباب. شعرت زينب بانسحاب الدم من جسدها وهي تراهم الثلاثة أمامها.. زوجها.. وقف صالح ينظر لثلاثة بذهول، بينما أخذ يوسف يصفق بحماس. في حين ركضت زينب لغرفتها. يوسف بسعادة عارمة: إيه الجمال ده يا حماتي يا قمر انتي...
جلال بغضب وغيره: اتلم يا روح أمك وخليك مع مراتك. يوسف بخبث: عندك حق. اتجه نحو "إيمان" والتي مازالت تقف وكأن أحدهم سكب عليها دلواً من ماء بارد، وما زال الوشاح على خصرها تبدو في غاية الجمال، وخصوصاً مع حمرة خدها وخجلها الواضح، ليهمس لها بنبرة ذكورية مهلكة: إيه الجمال ده... لا وكل ما أقولك تقوليلي لأ ما بعرفش، طب أما نرجع بيتنا بس وربنا مزة. نظرت لأمها قبل أن تبكي من شدة الخجل، ليضحك الآخر وكأنه يرى مشهداً كوميدياً.
إيمان بصوت باكي وهي تفك الوشاح لتحتضن والدتها: ماااما... احتضنتها حياء لتقول بصوت حاد: ولا اتلم وبعدين مالك انت... أصل أنا أمها و... و... جلال بغضب وهمس: ورحمة أمي لما ننزل شقتنا يا حياء الكلب... حياء بغضب: جلال... جلال بخبث همس بطريقة أنثوية مقلداً لها فيما قبل: معلش يا جلال أصل ماليش نفس أرقص... لأ عيب، إحنا كبرنا على الحاجات دي... يا جلال اتلم... ثم تابع بحدة: ماشي يا بنت الهلال لما ننزل شقتنا.
ليتابع بغمزة وقحة كابن أخيه. أخذ يوسف يصفق ليقول بحماس: الله عليك يا عمي يا جامد انت. حياء بضيق: أما عيلة مسخرة بصحيح... أم صالح فما زال يقف وهو ينظر لباب غرفتهما المغلق، شعر بالصدمة وهو يراها ترقص بتلك الاحترافية رغم أنها ثواني. يوسف: احم، طب يلا بينا بقى ننزل ولا إيه يا عمي. حياء بحرج وخجل من ذلك الموقف: لأ أنا هبات مع مرات ابني، ياله خد مراتك وانزل. إيمان بخجل: انتي هتسبيني معاه؟ حياء بهمس:
اسكتي يا بنت الموكوسة... جلال بتصميم: يلا يا حياء قدامي، مفيش بيات برا البيت... قدامي. حياء: يلا يا حبيبي يلا. يوسف: اتفضلي يا هانم، البسي طرحتك لأن أقسم بالله هعمل حاجة هموت وأعملها وتبقى فضيحة قدام العيلة. تشدقت بصدمة وهي تنظر له، لتجده يحدق به بخبث ذكوري، احتراما لما تبقى من كرامتها أخذت حجابها ترتديه وخرجت معه بهدوء. بينما نزل وراءه جلال وهو يبتسم بخبث ممسكاً بيد حياء. حياء بتلعثم: جلال أنت فاهم غلط... دا إحنا...
إحنا بس... كنا... يعني... جلال بهمس: ششش... ادخلي يا شعلتي. حياء بقلق: لما تقول ليا كده ربنا يستر منك... صحيح أنت عندك ستين سنة فاحترم سنك. جلال بمراوغة: ده الاحترام بينا قلة أدب أقسم بالله... تلك الجملة كانت تحمل الكثير لتجعلها تصرخ وهي تدلف لشقتهم ومنها للغرفة، تغلق الباب خلفها بسرعة. حياء: شوفي قسما بالله قلة أدب مش عايزة، ويا حبيبي نام بقى في أوضة ابنك، بكرة العيد، كل سنة وانت طيب. جلال بضيق: افتحي يا بت... حياء:
على جثتي... تصبح على خير يا حبيبي... جلال بخبث: هتروحي مني فين يا بطل! *** تجلس زينب على حافة الفراش تكاد تبكي، اليوم حقاً لم يحالفها الحظ أبداً. في البداية رأتها حياء وصالح يقبلها. وبعد ذلك رآها وهي ترقص بتلك الطريقة والتي أقل ما يقال عنها بعيدة كل البعد عن الحياء. تتمنى الآن أن تنشق الأرض وتبتلعها. ابتسم بخبث وهو يضع يديه على مقبض الباب، ثوانٍ ودلف إلى الغرفة.
ليجدها جالسة على الفراش، تنظر لهاتفها بتركيز، لكن في الحقيقة هي تحاول ألا تنظر إليه هو. تشعر نبضات قلبها تخون ثقتها في كل مرة يقترب منها، تفضح مشاعرها بضراوة. أخذ يقترب منها بتسلية وتركيزه مصوب على حركة جفنيها، ترمش عدة مرات. كل إنش بوجهها يبدو عليه الارتباك. وقف أمامها مباشرة، ينحني ببطء بينما يرتكز بيديه الصلبة بجوارها من الجانبين، لترفع عينيها. تشدقت بخجل وهي تتراجع للخلف قليلاً، يحاصرها بين عينيه الزيتونيتين تلك.
هامساً بصوت أجش أثر مشاعره ومراوغة ذكورية بأقرب من أذنها، وأنفاسه الساخنة تلفح بشرتها البيضاء، تتضارب وتيرة النبضات بقوة: مكنتش أعرف إنك بتعرفي ترقصي حلو أوي كده، بس بصراحة ملحقتش يا زبدة... عضت على شفتيها بارتباك أمام عينيه المصوبة على شفتيها المكتنزتين. أغمض عينيه بتوبيخ لتفكيره المراهق دوماً أمام تلك الفاتنة. تحشرج صوتها قائلة بضعف: على فكرة... أنا... أنا مبعرفش أرقص... أنا بس كنت... أنت مالك... أه كنت برقص.
ابتسم بمشاكسة لينحني أكثر حيث لا يصبح بينهم مسافة تقريباً، يضع أصابعه أسفل ذقنها ليرفع رأسها: ااممم طب ما تيجي أقيم رقصك؟ بلعت ما بحلقها بارتباك قبل أن تدفعه بقوة لتخرج من الغرفة مسرعة، ليقهقه الآخر بصخب قبل أن يدلف للحمام. *** بعد مرور عشر دقائق. خرج من الحمام وهو يضع منشفة على رقبته يجفف شعره، بينما يقف كعادته عاري الصدر. لتهمس الأخرى بغيظ: قليل الأدب، وقح، صايع...
ابتسم وهو يقف أمام المرآة يمشط شعره للخلف، بينما تختلس النظر إليه بخجل. صالح بوقاحة: على فكرة ملوش لازمة الكسوف ده... أنا يعني في مقام جوزك... زينب بضيق: مالكش دعوة بيا... ااامم شكلك متضايقة وأنا ميرضنيش أسيبك زعلانة، لازم تفرفشي ومن الناحية دي جيتي للخبير. أخذ يقترب وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة تلمع عيناه بشراسة. زينب بتحذير وارتباك من قربه المبعث لمشاعر الأنثى بداخلها: قسما بالله العظيم... أنت بتقرب كده ليه...
صالح عيب كده، بص... استلقى بجوارها بينما كانت تجلس القرفصاء وتوسد رأسه فخذها قائلاً بخشونة: كفاية هبل يا زينب ويا ريت كفاية كسوف، لأن قريب هتتم جوازنا... وانجزي بقى ودلكيلي راسي لحسن حاسس بصداع. نظرت لفعله بحرج ممزوج بخجل، ثم بدأت تضع أصابعها على رأسه لتدلكها ببطء، بينما ابتسم من نعومة يديها، ليمر الوقت يشعر بتلاشي الألم. نظرت له لتجد يغمض عينيه، يبدو قد انغمس في نوم عميق.
ابتسمت بحنو وهي تمرر يديها على ملامح وجهه، مدت يديها تجلب الوسادة تضع رأسه عليها، بينما عدلت وضعيتها لتبقى في مواجهته. انحنت بتردد ببط تمرر شفتيها على خده. جذبها بقوة بين ذراعيه يحتضنها بقوة، يكتم شهقتها بينما يقبلها بنهم، بينما وسعت عينيها... تنساب معه بحب. ابتسم بخبث وهو ينظر لها مستسلمة، احتضانها لتشعر بالذعر من أفكارها والارتباك. لحظات وكانت ستخبره بما تشعر به نحوه، لكن فاقت بعد ابتعاد ذلك.
رغم رغبته القوية في الاقتراب، تلك الرغبة تكاد تفتك به، يتمنى أن ينهال من شهد شفتيها أكثر. لكن يخاف أن تشعر بأنها مجبرة في تلك العلاقة. أخذ يمرر يديه على سلسلة العمود الفقري يهدأ من روعها، يضمها بقوة تنام على ذراعه بين أحضانه. ***
اليوم هو أول يوم عيد الأضحى المبارك، بدأت التكبيرات، أيام الأعياد هي المميزة لجميع المسلمين، وبذات هذه الأضحية التي تكون سعادة الفقراء والمحتاجين أكثر من فرحة المقتدر بهذا الثواب وسنة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، أيضاً تكون فرحة لجميع الفئات مهما كانت مقدرتهم. تعالت التكبيرات مداوية كل أنحاء البلدان الإسلامية. نزل صالح من شقته وهو يرتدي جلباب أبيض جميل، التقى بوالده على السلم، ابتسم بود وهو ينحني يقبل يديه:
كل سنة وانت طيب يا حج... جلال بود وأيضاً يرتدي جلباب أسود مميز: وانت طيب يا حبيبي يارب، بقى تفرحنا قريباً، يلا ننزل نصلي العيد سوا. صالح: يلا... انتهت صلاة العيد، يقف الأطفال أمام المساجد الضخمة، ثوانٍ وانهالت عليهم البلالين المنتفخة عديدة الألوان مبهجة. يوسف: كل سنة وانت طيب يا عمي... جلال: وانت طيب... هنضحي عندنا في مدخل البيت زي كل سنة، يلا يا يوسف، أنت اللي هتضحي بالأضحية الصغيرة. فغر يوسف شفتيه قائلاً بذهول:
أنا اللي هدبح معاك... رد صالح بتهكم وغيظ: "وهتشفيها معايا كمان وتقطعها يا جوز اختي يا غالي... يوسف: "بس أنا بقالي سنين من وقت ما سافرت وأنا مدبحتش... صالح: "مفيش رجالة غريبة بتدخل البيت وأنا وأنت اللي هندبح وبعدين ياسيدي ما أنت كنت بتعمل كدا زمان وأنا معاك." ابتسم بود وهو يدلف معه لمنزل الشهاوي. وجد إيمان وزينب الاثنان يقفا في ساحة المنزل. بينما إيمان ممسكا بدلو ماء تسقي الأضحية وزينب تفعل المثل للأخرى.
ابتسم جلال وهو ينظر لابنتيه. جلال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." زينب بابتسامة: هتضحوا دلوقتي؟ جلال: أيوه خلينا ندبح بدري علشان يلحقوا يفرقوا الحاجة على الغلابة. هو على مش هييجي ولا إيه يا صالح؟ صالح: مش عارف بس هو قال إنه جاي زي كل سنة. علي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." علي بحرج: اتأخرت عليكم...
جلال بود: كل سنة وأنت طيب يا علي. أخبارك إيه؟ علي بسعادة حقيقية: بخير الحمد لله ادعيلي يا حج... جلال بجدية: ربنا يسعدك... صحيح أنا كلمت الحج نعمان... تقدر تروح تخلص معه البيعة بتاعة المصنع. شعر بصدمة ليرد بشك: "بس هو كان رافض السعر وقال إنه... جلال بمقاطعة: بس خالص هو موافق على السعر. وعلى فكرة أنا مدفعتلوش حاجة علشان أنا عارفك بتتحمق في موضوع الفلوس دا. أنا بس كلمته وهو وافق. ومبارك البيعة كمان. ابتسم وهو يحتضنه
ليستقبله جلال بسعادة: ربنا يباركلك يا ابني وإن شاء الله المكن يوصل وتشغل المصنع. علي: ربنا يبارك فيك ويخليك لينا يا حج. جلال: ماشي يا فالح بس على الله تفرحنا. وكدا مفضلش إلا العروسة وأنت وشطارتك بقى. تنهد الآخر بقلة حيلة قائلاً: "ادعيلي يا حج وادعي لبنت الحلال." جلال: ربنا يسعدكم. يالا بقى جهزت الحاجة يا صالح. "أيوه يا حج." بدأ الثلاث شباب في ذبح الأضحية مقيمين شعائر عيد الأضحى المبارك. ***
بينما الكل مبتهجون بالعيد، توجد تلك البائسة التي تدعي نورهان. تعمل على ماكينة التعبئة على قدم وساق بحركات مدروسة وكأنها الآلة من حديد. تعمل بأحد المصانع على أحد ماكينات التعبئة بنظام وسرعة. بينما يقف وراءهم شخصًا ما يولي عليهم الأوامر. تنهدت وهي تشعر بالتعب بينما تقوم بتعبئة الشوكولاتة في العلب المخصص لها. وكان السير المتحرك يحمل قطع الشوكولاتة ينقلها لها ولباقي الماكينات.
شعرت بأن قدمها لم تعد تسعفها على الوقوف أكثر من ذلك، لكن هناك شخصًا ما يراقب عملهم. زادت المهمات مع دخول صاحبه، يبدو رجل ذو هيبة. رفعت نور عينيها لترى رجل يبدو في العقد السادس من عمره. خصلات شعره سوداء مصبوغة بأحد الصبغات، لكن مع ذلك تبدو تجاعيد وجهه واضحة. جسد طويل ممتلئ قليلاً يبدو وكأنه يمارس التمارين ليحافظ على لياقته البدنية رغم سنه.
وقفته وشموخه أمام الجميع يحكي عن سلطة يتمتع بها، يرتدي حلة سوداء أنيقة. لكن شعرت بالنفور ما أن رأته. نفور غريب. همست الفتاة بجوارها بهدوء: "عارفة مين دا يا نور؟ لم تبالي وهي تلتقط قطعة الشوكولاتة تضعها في العلبة بنظام: "يعني هيكون مين؟ وزير الداخلية." ردت ساخرة... نريمان صديقتها: "لا يا أختي، أهم من وزير الداخلية دا." "زيدان العلايلي." صاحب المصنع. إنما إيه راجل واصل أوي... أوي يا نور. ردت نور بارتياب ونفور:
"طب والباشا لو واصل أوي كدا ليه جاي بنفسه يبص على العمال؟ ههه، ولا مكتبه من كتر النظافة مش قادر يقعد فيه، قال ينزل يشوف البني آدمين بيعيشوا إزاي." لوت نريمان شفتيها بسخرية: "لا يا أختي، جاي يختار عروسة جديدة." شهقت نور بذهول: "معقول لحد دلوقتي متجوز؟ دا من دور أبويا تقريبًا." ضحكت نريمان بصخب جذب الأنظار لها هامسة لتلك الساذجة: "لا يا أختي، دا يمكن في حياته اتجوز بعدد شعر راسه، بس في السر... في السر بس...
واللي أعرفه إن مراته العلنية اسمها نيرة العلايلي تبقى بنت عمه." نور: "أما راجل ناقص صحيح... متجوز على مراته... وهو بيختار دايما من هنا." نريمان: "مش دايما بس بيجي كل مدة كدا... تبقى أصدمك... عارفة البت اللي اسمها صفية أخت الواد أحمد خطيبك السابق؟ نور: "مالها يا أختي دي سيرة تعر." نريمان:
"أهي بقى البت دي كانت متجوزة من شهر تقريبًا وبعد كدا قطعت الورقة العرفي، بس اللي عرفته إن الناقص اللي اسمه أحمد وأمه كانوا عارفين والباشا دا عرفها من هنا." "و طبعًا اتجوزها فترة وفي نهاية الخدمة كتبلها الشقة باسمها ودلعها آخر دلع. ربنا يوعدنا." نظرت لها نور باشمئزاز واستياء: "يوعدك أنتِ يا أختي... أنا عايزة واحد من سني ومش عايزاه غني...
عايزاه جدع كدا أرمي كل حمول الدنيا وأنا في حضنه. إن شاء الله ناكلها دقة بس يراعي ربنا فيا." مصمصت نريمان شفتيها قائلة: "بذمتك عجبك العيشة اللي أنتِ عايشاها دي يا نورهان... يا بت دا أنتِ ناقص تشحتي و عمالة تشتغلي. دا حتى اليومين الإجازة بتوع العيد جاية علشان تشتغلي فيهم. جاتك وكسة." ابتسمت نور ساخرة: "طب ما أنتِ كمان جاية؟ نريمان بخبث: "أنا عارفة إن الباشا دا أكيد جاي النهاردة فقلت لازم أجي... جايز يتفك النحس."
نظرت لها نور بصدمة ورمقتها بحدة. منذ البداية كانت تشعر بشيء غير مريح ما أن رأت مكياجها المبالغ فيه وثيابها الضيقة. هزت رأسها باستياء وهي تنظر لعملها لا تبالي بأي شيء آخر. رفعت عينيها العسلي تلك لتنظر أمامها، لكن وجدت ذلك العجوز يحدج بها. أحست بشعور بالنفور والرغبة في التقيؤ، لكن لم تبدي أي ردة فعل سوا الاهتمام بعملها. بينما الطرف الآخر يتفحصها بضراوة!!! ***
وصل باسل العلايلي لشركة العلايلي للاستيراد والتصدير، أكبر صرح في الشركات. صرح فخم راقٍ منمق ينم عن الغنى العميم لأصحاب المكان. سار باسل على الأدراج اللامعة كالزجاج المرآة لكي يصل إلى مكتبه. (مكتب رئيس مجلس الإدارة) مالك هذا الصرح الفخم مع والده وأخته. هو من أهم أعضاء الشركة رغم أن معظم وقته يقضيه في عمله الأساسي (وكيل نيابة) لكن بمنتهى الذكاء والمهارة يستطيع أن يعطي شركاته الوقت الكافي ليديرها.
دخل باسل إلى مكتبه وجلس على مقعده خلف المكتب وعيناه على باب المكتب. يمسك بيديه قلم يطرق به على سطح المكتب بوتيرة حادة. دخل (نيروز الألفي) صديقه ومساعده الشخصي، أغلق الباب الكبير خلفه وتقدم منه ليجلس أمامه. أردف باسل بهدوء حاد: "ها يا نيروز... آخر الأخبار؟ صمت قليلاً ليسمع حارسه الشخصي يدوي له بأهم المعلومات التي حدثت مؤخرًا. لم تتأثر ملامح باسل بل عقب بجملة واحدة وعيناه الحادة كنمر يتربص فريسته: "مصنع الشوكولاتة."
ليتابع بغضب وهو يضغط على القلم بغضب أعمى حتى انكسر: "تعرفي مين البنت اللي اختارها المرة دي؟ زيدان باشا أكيد مش هيخرج من هناك إلا لما يختار واحدة رخيصة يتسلى معاها... نيروز: باسل باشا في حاجة حصلت بس الحمد لله لحقناها، بس أعتقد إنك لازم تاخد خبر بيها. رد بجدية وعيناه متربصة له يحاول استكشاف ما يخفيه: "حاجة إيه؟
"في واحد من الصحافة وصل لعقد جواز عرفي كان كتبه زيدان باشا مع بنت اسمها صفية خليل، بعد ما مسكنا الصحفي دا قال إن البنت هي اللي سلمتله الورقة العرفي بعد ما والد حضرتك طلقها وكانت ناوية تفضحه." جز على أسنانه بقوة وهو يضغط على يديه بعنف قائلاً بحدة: "واضح إن زيدان باشا مش هيستريح إلا لما يهد المجموعة بأفعال المراهقين بتاعته دي... بس وحياة أمي لقف له في الجوازة دي إن حتى اتجوز البنت دي زي التلات المرات اللي فاتوا."
نيروز: أنا خايف إن الصحافة تاخد خبر بجوازاتك التلاتة وخصوصًا بعد ما طلقتك مدام مروة بنت الوزير... الإشاعات هتكتر والكلام هيبقى كتير أوي على المجموعة. وضع ساقًا على الأخرى بغطرسة قائلاً: "أنا اتجوزت تلات مرات ومحدش قدر يعرف عنهم حاجة وأقدر أعملها المرة دي كمان لأن محدش يقدر يكشفني... إنما زيدان باشا بسم الله ما شاء الله كل جوازه والتانية بيحصل مصيبة...
وبسبب انشغالي الفترة اللي فاتت في النيابة اتجوز الزبالة اللي كانت هتسلمه الصحافة... على العموم روح أنت دلوقتي يا نيروز وتعرفلي كل الأخبار عن جوازته الجديدة... على الله بقى يبطل شغل مراهقين لأن الواحد قرف من ذوقه الزبالة." نيروز: تمام يا باشا تؤمرني بحاجة تانية؟ حك دقنه قائلاً بحدة: "عايز كل المعلومات عن المشروع اللي الشركة هتقوم بيه في مرسى علم وابعتلي مدير الحسابات." "تمام يا باسل باشا بعد إذنك."
انصرف نيروز بينما بقى باسل يفكر في خطواته القادمة. وكيفية إنقاذ سمعة شركاته دومًا من أفعال أبيه. رغم أنه ذكي جدًا في إدارة العمل إلا أنه ينشغل دومًا بالجنس الأخرى. حيث يمكنه أن يتزوج كل ثلاث أشهر بامرأة جديدة. لكن بعد محاولات باسل توقف عن الأمر. حيث أنه في كل مرة يوقف الزيجة ويقف أمام والده. وإن لم يستطع إبعاد الفتاة بالتهديد تزوجها بدلاً عن أبيه لمدة قصيرة جدًا.
لا يعني ذلك أنه المضحي أبدًا، هو أيضًا يستمتع قليلاً معهن. ليصبح الآن متزوجًا من ثلاث نساء "عرفي" ومرة واحدة رسمي وهي ابنة وزير الداخلية "مروة" ولم يدم زواجهم طويلاً. ترى إلى متى سيبقى في تلك الدوامة؟ متى سيجد الحب؟ أو يؤمن به على الأقل! لن نكتب فلسفة بل سنكتب واقع. سلاحك في الحياة عبارة عن نقود تشتري بها الضمائر. بعدها معك تربح لا تخسر. ولا تأمل بتغيير. *** بعد أذان الظهر في منزل الشهاوي.
دلف صالح إلى شقته بدل ثيابه بعد أن انتهى من توزيع الأضحية وهو وصديقه وابن عمه. زينب: أنا جهزت الغدا. ابتسم وهو يمسك يديها، يتجه نحو الخزانة، يفتحها ثم أخرج علبة سوداء من القطيفة تبدو في غاية الأناقة. وضعها على الطاولة ليخرج منها عقد لامع من الذهب يتدلى بشكل انسيابي رقيق. زينب: أي دا؟ رد عليها مشاغباً وهو ينحني يقبلها: كل سنة وأنتِ طيبة يا زبدة... يالا جهزي حاجتك هنسافر. ابتسم بمراوغة وهو يضعه على عنقها
لتبدو في غاية الجمال: هنروح فين؟ صالح بخبث: الساحل كم يوم، يالا جهزي نفسك. زينب: اشمعنى؟ مالي على أذنها يهمس ببعض الكلمات لتشعر بوجنتيها يكاد يحترقا من شدة الخجل، قائلة بارتباك: لا أنا مش عايزة أسافر، شكرًا... حاوط خصرها بذراعه قائلاً بمكر: بصي يا قمر، انتي متحاوليش معايا لإن كدا كدا هنسافر، وإلا بقى اللي ناوي أعمله في الساحل هعمله هنا عادي، أنا مبتفرقش معايا الأماكن...
وياسلام بقى لو دلوقتي، أنا فعلاً معنديش مشكلة ناجل السفر. امتعض وجهها بضيق وحنق قائلة: هجهز حاجتي. ما قولنا كدا من الأول يا مزة... بعد وقت قصير، خرجت معه من المنزل بعد أن ودع والدته وأبيه، وألقى التحية الأخيرة على ابن عمه قبل أن يسافر غداً إلى لندن. بعد مدة طويلة، وصلت سيارة صالح إلى حي سكني راقٍ، حيث كان مجمع سكني غاية في الرقي والجمال، معظم المنازل الفخمة على البحر مباشرة فتعطي سحراً خاصاً للمكان.
بإستثناء أشكال المنازل الأنيقة من الخارج وتأسيسها على أعلى مستوى. ترجلت زينب من السيارة وهي تنظر حولها بانبهار يضج لعينيها الدخانية الداكنة. اقترب صالح منها وحاوط خصرها بذراعه وهما يسيران معاً حتى يصلا للمنزل الخاص بهما. سألها وهو يراقب انبهارها: إيه رأيك في المكان؟ عجبك؟ اه حلو أوي، وأحلى حاجة البحر... بس أنا بخاف من الزحمة وشكل فيه ناس كتير.
متقلقيش، أنا هكون دايماً معاكي ومفيش حاجة تخوف، ومتخافيش مفيش حد في المكان وقليل جداً اللي بييجوا هنا. ابتسمت وهي تدلف معه إلى داخل المنزل الشامخ الأنيق. بداخل أبصرت قطعة من الجنة، كل شيء أنيق منمق. الفرش فخم والألوان مذهلة مريحة للعين تليق بمنزل قابع أمام البحر بعيداً عن التجمع والزحام... كل قطعة عصرية وكل قطعة كانت تخشي عليه من أن تفسدها بعينها التي تكاد تخرج من حجرها من شدة الانبهار والذهول.
رغم ذلك لم تعلق على شيء، ثابتة مكانها بأناقة بعد أن بدلت ثيابها لأخرى تبرز أنوثتها الطاغية وجمالها الخلاب. إلا أن مشاعرها تفصح عما بداخلها... بينما هو يتأملها بصمت يود الانقضاض عليها. ابتسم ليسألها بخبث: إيه رأيك في الفيلا اللي هنقضي فيها شهر العسل؟ ابتسمت بخفوت بعيون متلألئة بالفرح: جميلة... جميلة أوي يا صالح... أنا عمري ما حلمت أجي مكان زي دا... معقول هقعد فيه؟
تقدم منها بهدوء، وقد أثرت به نبرتها العفوية والحزينة تلك، كما جعله يمسك يديها ويقربها منه وهو يسير بها لغرفة النوم: وليه مش مصدقة؟ هما اللي بييجوا هنا أحسن منك؟ لم تعلق، بل شفت ابتسامة حزينة شفتيها. دلف إلى غرفتهما ثم خرج مجدداً ليجلب الحقائب من الأسفل. بعد أن جلبها السائق بداخل الفيلا. وضع الحقائب على الفراش وبدأ يخلع قميصه وهو يخبرها بتعجل بحماس غريب.
أو هي من شعرت بذلك، مازالت تكتشف كل شيء به وتقترب منه أكثر مع كل يوم يمر. يالا علشان هننزل الماية. نظر لوجهها الذي احمر سريعاً، سمعها تعترض بخجل: دلوقتي... العشاء هيأذن... أنا... أنا الصراحة مبحبش الماية ومبعرفش أعوم، أخاف أغرق والجو ليل... عقب صالح بخبث ومراوغة: أنا كدا بتشتمني... أومال أنا بعمل إيه... أنا هعلمك العوم، يالا البسي غيري، على فكرة في هنا في الدولاب كل حاجة تحتاجيها ودي ذوقي الخاص.
أنهى تلك الجملة بغمزة وقحة، بينما خلع قميصه وظهر جسده الرياضي. ملك: فاقت من شرودها على صوته الحاد. في عندك مايوه، يالا علشان ننزل. انتبهت لما قاله لتشعر بنيران تتوهج بوجهها الأبيض المحمر أثر خجلها الواضح: مايوه؟ مايوه إيه؟ أنا مش هلبس حاجة... وبعدين انت... انت بتغير هنا ليه من قلة الأوض؟ وبعدين عندك الحمام هناك أهو... ابتسم بمراوغة وخبث وقح:
لا يا حبيبتي، عادي يعني انتي مراتي، وبعدين ما انتي كمان هتغيري هنا، إيه يعني، وعشان متكسفيش هغمض عيني. تغمض... لا متغمضش. قالتها بحدة وغضب ممزوج بخجل، بينما ابتسم الآخر بسعادة وهو يقترب منها قائلاً: أنا برضه بقول كدا... إحنا برضه مفيش بينا حاجة زي دي. صاحت زينب بتشنج وغضب: لالا شكراً، أنا هغير في الحمام. مسك يديها بقوة وأدارها، فتحت عينيها على صدره العريض الذي يضخ عضلات ممشوقة بصلابة مهلكة، تأثرت عليه بجنون
ليهمي بالقرب من أذنها: في حد برضه يتكسف من نصه التاني؟ دا حتى تبقى عيبة في حقي يا زوبا... عادي يعني، دا أنا حتى جوزك. فغرت شفتيها وهي تنظر لعينيه الجذابتين، فأدركت ضعف مشاعرها لتحاول الهرب: أنا... أنا هغير في الحمام لو سمحت، بدل كفاية كدا، أنا مبحبش حد يتفرج عليا وأنا بغير، وبطل قلة أدب. طبع قبلة سطحية على شفتيها وهو يترك ذراعها:
ماشي يا زبدة، ادخلي غيري، بس متاخديش على كدا، ولو احتجتيني أنا موجود، يالا، ولا أقولك لازم أدخل أساعدك، حاسة إنك متوترة. ركضت بقوة نحو الحمام وأغلقت الباب بقوة خلفها، سمعته يقهقه بصخب، تشعر بتزعزع كأنها بالكامل. وكأنها على وشك الانهيار من ضراوة قربه. تقف أمام المرآة ترتدي مايوه مكون من قطعتين. يبرز أنوثتها وجمالها، يلهب القلب، تشعر بوجنتيها تكاد تنفجر من الخجل من ثوب السباحة الأزرق الذي ترتديه.
زينب بخجل: لالالالا أنا لا يمكن أطلع كدا أبداً، معقول أخليه يشوفني كدا، لا لا. أخذت المئزر بسرعة ارتدته وهي تربط عقدته بقوة وتضغط على شفتيها بحرج. زينب بارتباك: لالالا أنا لازم أغير البتاع دا... ما هو قليل الأدب يعني، من السهل أوي يخليني أقلع الروب، لا أنا هطلع أجيب حاجة تانية وأغير. استرقت السمع على الباب المغلق وهي تبلع ريقها بتوجس... ثم فتحت الباب فتحة صغيرة لتجد الغرفة فارغة.
تنهدت براحة وهي تضع يديها بقوة على المئزر، تخاف أن ينفك عقدته. حينما فتحت الباب على مصراعيه وجدتـه يستلقي على الفراش عاري الصدر كما تركته، ممدد الساقين. حاولت تفادي النظر له وهي تتجه نحو الخزانة تجلب أي شيء آخر. ما إن استدارت حتى وجدته يقف وراءها، انتفضت بذعر وخجل وعلى تمسك بعقدة المئزر بقوة: صالح... أنا... أنا مش عايزة أنزل المياه...
هدخل أغير البتاع دا وبعدين بعدين بقى نبقى نشوف موضوع المياة دا، أنا أصلاً بخاف منها... و... كبح صراخها ذلك وهو يقبلها بشغف، حاولت دفعه كالعادة ولكن لم تنجو من عاصفة مشاعرها تلك لتشعر بيديه تتسلل لعقدة المئزر يحلها، أغمضت عينيها تاركة له زمام الأمور، منسجمة معه ومع عشقه الضاري. أسند جبهته على خاصتها ولفحت أنفاسه بشرتها، فهمست بخجل وارتياع: صالح... أنا... خايفة. شش... متخافيش يا زينب، أنا عمري ما هاذيكي.
عاد يقبلها من جديد بمنتهى الراحة، لا يصدق أنه على أعتاب امتلاكها، لعل تنطفي تلك الرغبة بداخله في الاقتراب منها. والحقيقة أنه حينما اقترب شعر أنه شرب السحر وقد بدأ المفعول الحقيقي؟ في صباح يوم جديد في الإسكندرية. يقف جلال أمام المرآة، يبدو عليه الارتباك، اليوم هو موعد معرفة نتيجة التحليل الخاص بها، يشعر بارتباك يكاد يقتله ويفتك به. ابتسمت وهي تنظر له، ومن ثم اقتربت منه تضع كفها الصغير على ظهره.
أغمض عينيه بحرقة ولوعة اشتياق... لكن هل وصل به العشق إلى أن يشتاق لها وهي أمامه وبجواره وبين أحضانه؟ أي جنون عشق ذاك... حياء بهمس: جلال... أنا بحبك أوي. استدار له، وعلى وجهه ابتسامة جميلة، نظر لها بقوة كأنه يحتفظ بملامحها في الذاكرة، ابتسمت هي أيضاً وهي تقف على أصابعها تطبع قبلة سطحية على شفتيه. اخفضت نظرها قائلة بخجل: ممكن تبطل تبصلي كدا بعد كل مرة أبو... سك فيها عشان بتحسسني بالندم إني عملت كدا.
لم يجيبها، بل ظل ينظر لها بشغف وهو ينحني يقبلها بنهم، يدعو الله بداخله أن يخيب ظنونه. وصلت نور إلى مصنع الشوكولاتة ذاك وهي تتصل بزينب، لكن حاولت عدة مرات دون أي رد، لتزم شفتيها بغضب وهي تدلف من بوابة العمال. لكن وقفت وهي تنظر للحارس الضخم الذي وقف أمامها مباشرة: الحارس: زيدان بيه العلايلي صاحب المصنع عايزك في مكتبه. نور بغضب: عايزني في إيه؟ وبعدين أنا مبروحش لحد، اللي عايزني يجيلي، وابعد عن طريقي كدا يا لوح...
وفي حاجة اسمها احترام، متجيش فجأة كدا تقف في وشي، مش هخاف أنا منك بطولك وعرضك اللي ملوش أي تلاتين لازمة دول، جاتكم ستين نيلة... تركته ودلفت إلى مكان عملها، بينما شعر الحارس بالذهول وهو يصعد لرب عمله (زيدان العلايلي) والذي شعر بالرغبة الجامحة في تلك الشرسة بعيونها التي تشبه عيناه العسلي. كما يسميها شخصاً ما (الشبح) زيدان: شكلي هجرب صنف جديد، لأ بس مزة وتستاهل، روح أنت يا ابني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!