في وكالة القماش، صالح كان قاعد في مكتبه وبيشتغل على اللاب توب. وهو مشغول، عدى وقت طويل جداً وهو بيشتغل. ساب اللاب توب وهو بيرجع راسه لورا بتعب، بيحرك رقبته بوجع. خرج من المكتب يبص على العمال اللي في الوكالة. صالح بحدة وجدية: ياله يا ابني انت وهو، مش هنفضل طول النهار ننقل في البضاعة. مليجي بخبث: في إيه يا سي صالح؟ الوقت اتأخر والحج جلال قال ممكن ناجل الشغل لبكره. هتكسر كلام الحج؟
صالح بص له بحدة وبدأ يقرب منه ببرود لحد ما وقف قدامه مباشرة. وبدون تفكير وتلقائي، مسكه من تلابيب قميصه بحدة وعيونه الزيتونية احمرت. صالح بغضب: انت تنفذ اللي بيتقال وانت ساكت. وبعدين يا جدع انت، أنا وأبويا. أوعى، أوعى يا مليجي تتدخل بينا. لا ابن الشهاوي بيكسر كلمة أبوه، ولا ابن الشهاوي مضطر يبرر لواحد خمورجي زيك. وكمل شغلك بالذوق أحسن لك، انت فاهم؟
أحسن قسماً بالله انت جيبت آخرك معايا. وأنا لو سايبك تلعب بديلك، فانا مش نايم على وداني. لا فوق عشان فضلك. غلطة كمان، أقسم برب العزة وقتها هطردك من إسكندرية كلها. كمل شغل وانت ساكت. مليجي بلع ريقه بخوف. هو لا يمكن يستهون أبداً بصالح الشهاوي، لأن نسخه من جلال الشهاوي، والكل عارف إنه ذكي جداً. صالح بص له باستحقار وزقه بعيد عنه. وبص للعمال وبصوت عالي حاد:
كل واحد على شغله، مش فيلم هو بنصوره. وانت يا مليجي، إيه ناوي تكمل شغل ولا توريني عرض أكتافك؟ مليجي بغضب دفين وحقد: هكمل يا سي صالح، وحقك عليا المرة دي. صالح بحدة: اتفضل على شغلك. مليجي مشي وهو بيلعن في صالح وفي اليوم اللي حط رجليه في الوكالة، لأن جلال كان أحياناً بيتهنى معاهم بحكم إنه عارف معظمهم من زمان وشغالين معاه. لكن صالح من وقت ما دخل الوكالة وهو فعلاً مش بيسيب فرصة لمليجي إنه يتنفس.
في مصنع الشهاوي للأقمشة، بنت جميلة قاعدة قدام ماكينة الخياطة وبتشتغل بهدوء. عيونها رمادية غامقة، بشرتها بيضاء، هادية وجنتيها وردية. لابسة حجاب أزرق (زينب) نورهان صاحبتها وهي بتشتغل على ماكينة جنبها: مالك يا زينب؟ بتفكري في إيه؟ زينب بتنهيدة وابتسامة جانبية: في الحج جلال، ربنا يعمر بيته ويحفظ له ولاده يا رب. نورهان: اشمعنى؟ زينب بتوتر:
كنت خايفة يطردوني من المصنع بعد الكلام اللي بيتقال، لكن سبحان الله زود لي مرتبى. بجد أنا عمري ما شفت في أخلاقه. الصراحة أنا لو مكانه كان يمكن أطرد واحدة زيي، مالهاش أصلاً. قالتها وهي بتحاول ما تعيطش. هي مالهاش ذنب إنها تيجي للدنيا وتكون لقيطة. نورهان بحب وطيبة:
زينب يا حبيبتي، متزعليش. وبعدين إنتي، أقسم لك بالله بنت حلال. إزاي أنا معرفش، بس اللي تصون العيلة اللي ربيتها وتشتغل عشان تصرف عليهم وتحافظ على نفسها من الكلاب اللي زي مليجي، تبقى بنت حلال. زينب بابتسامة طيبة: تسلمي يا نور. تعرفي إنتي مش زي باقي البنات. كلهم بعدوا عني وقالوا في حقي كلام وحش أوي، إلا إنتي وقفتي معايا ضدهم. منه لله اللي كان السبب. نورهان بتهور:
منك لله يا مليجي يا ابن الكلب. والله العظيم متأكدة إنه هو اللي خلى البنات يقولوا عليكي كده عشان الكلام يوصل للحج جلال ويطردك. وقتها يستفرد بيكي ويخليكي توافقي تتجوزيه. أبو كرش النطع ده. قال إيه؟ مليجي اللي متجوز تلاتة يتجوز زينب بنت الحج منصور؟ ليه من قلت العرسان؟ ربنا يكرمه هو ابن الحج جلال سي صالح شاب ابن حلال. هو اللي بيقف للزفت اللي اسمه مليجي. مشفتيش وش مليجي من كم يوم؟
يوم ما صالح جه المصنع، والله هزقه وجاب بكرامته الأرض. يستاهل والله. ربنا يحفظه لشبابه، ابن الشهاوي صحيح. زينب ابتسمت وهي بتبص للقماش اللي قدامها: ربنا يحفظه. بس أنا مشفتهوش إلا مرتين تقريباً من وقت ما اشتغلت هنا. اشمعنى؟ نورهان بتنهيدة: اللي أعرفه إنه شغله الأساسي في شادر السمك زي جده الحج الهلالي، وبيقف مع الحج جلال في الوكالة بعد ما يخلص شغله. أصل دول عيلة كبيرة، عيلة شريف الهلالي ده والد ست حياء، وعيلة الشهاوي.
زينب بحماس: تعرفي مفيش مرة انذكر اسم جلال بدون ما يتذكر اسم حياء. هو إيه حكايته؟ نورهان: يااااه، حكايتهم ابتدت من زمان طبعاً. محدش يعرفها في المكان إلا قليل. حياء دي جت زمان من فرنسا. هي بنت الحج شريف الهلالي. الحج شريف كان متجوز الست نواره، والدة جلال، اللي سمعته إنه بيعشقها وهي كمان. عملوا فرح زمان، فضل الناس يحكوا عنه سنين. وما خلفوش إلا بعد ست سنين جواز. وجابوا سي صالح والآنسة إيمان، ربنا يحفظهم. زينب بابتسامة
جميلة وهي بتظبط حجابها: يارب يحفظهم ويبارك فيهم يا رب. *** في مطار القاهرة الدولي، يوسف نازل من الطيارة وهو بيبص للبلد وبيفتكر أيامه في مصر من ست سنين. ابتسم وهو بيفكر في حياء وإزاي كانت بتهتم بيه أكتر من إلهام نفسها، كأنه مش ابنها. افتكر أبوه وإزاي كان قريب منه، وخصوصاً بعد خروج أيوب من السجن. لكن حس بقبضة قوية بتعصر قلبه وهي بيفكر في إيمان.
اتنهد بضيق ونزل من الطيارة في طريقه لوكالة الشهاوي. حابب يقابل عمه جلال أول شخص يشوفه بعد كل السنين اللي غابها عن مصر. يمكن لأن جلال هو أكتر شخص دعمه، وخصوصاً لما دخل كلية هندسة، ولما أيوب دخل السجن هو كان معاه دايمًا.
بعد حوالي تلات ساعات في إسكندرية، التاكسي وقف قدام الوكالة. نزل يوسف، حاسب السواق. مكنش معاه شنط كتير، هما شنطتين لأنه ناوي يرجع لندن تاني. وقف في الشارع وهو بيتفرج على الأماكن. اتغيرت شوية صغيرة، لكن معظم الحاجات دي ما هي. شاب بسرعة وهو بيجري على يوسف: جو... رجعت إمتى؟ يوسف ابتسم وهو بيبص لصاحبه القديم منير. حضنه بقوة وهو بيربت على ضهره: وحشتني يا منير... عامل إيه؟ منير بسعادة:
كويس يا جو. ما إنت لو بتسأل كنت عرفت. أيوة يا جدع، إسكندرية كلها نورت بـ ابن الصاوي. قول لي عامل إيه؟ واشتغلت فين؟ قاعد في مصر قد إيه؟ أوعى تكون راجع تاني؟ يوسف بابتسامة: لينا قعدة طويلة بعدين. المهم دلوقتي تعالي نطلع على الوكالة. عمي وحشني أوي. منير بغمزة: عمك برضه اللي وحشك. على فكرة هي متجوزتش ولا اتخطبت لسه. وبقيت زي القمر. تقول للقمر قوم وأنا أقعد مكانك. يوسف بحدة:
منير احترم نفسك. عشان اللي بتقوله دلوقتي هتتحاسب عليه جامد أوي. دي بنت الشهاوي، واللي يجيب سيرة بنت عمي على لسانه، أقطع له حتى لو إنت. وأوعى تكون فاكر عشان سافرت برا إني نسيت أصلي وأخلاقي. منير باستغراب: في إيه يا يوسف؟ هو أنا أقدر أجيب سيرتها بحاجة وحشة؟ على العموم أنا آسف يا سيدي. يوسف بتنهيدة: منير متزعلش مني، بس أنا فعلاً مش عايز أفتح أي صفحة جديدة في مصر وناوي أسافر كمان أسبوع بالكتير، لأن أصلاً جاي عشان شغل.
منير بحزن: إنت لحقت يا ابني؟ على العموم شوف إنت رايح فين، ولينا قعدة طويلة. يوسف بابتسامة: إن شاء الله. منير مشي، ويوسف وصل للوكالة. دخل وهو بيفتكر أيام ما كان بيشتغل مع جلال. ابتسم بود لما شاف صالح. صالح بترحيب: معقول يوسف الصاوي اتكرم ونزل مصر؟ عامل إيه يا جدع؟ وحشتنا. يوسف وهو بيحضنه بحب أخوي: والله وانتم كمان. أخبارك إيه يا صالح؟ وأخبار عمي وأمي (حياء) أخبارها إيه؟ وحشتني أوي. صالح بابتسامة:
كلنا بخير الحمد لله. هيفرحوا أوي لما يشوفوك. بس ليه مكلمتناش عشان نقابلك في المطار؟ عمتك شهد ونيران أختك لو عرفوا إنك هنا في إسكندرية من غير ما تقولهم هيزعلوا أوي. يوسف بتوتر: أنا كلمت نيران وقولتلها إني وصلت، وكلمت عمتي شهد و... إيمان أخبارها إيه؟ اتخرجت من كلية الطب؟ أكيد جراحة شاطرة. صالح بجدية وغيره على أخته: للأسف لا. إيمان اتخرجت من كلية الطب، لكن قررت تشتغل في الكلية و بعدت عن الجراحة. يوسف بحدة:
إنت بتقول إيه؟ ده مش ممكن. صالح بجدية وغيره على أخته: يوسف، إيمان عارفة مصلحتها. أظن فاهمني. أختي بعيد عن حساباتك. أظن أختي هي أختك، ولا إيه؟ يوسف حس بارتباك. هو فعلاً تخلى عنها. يمكن لو كان فضل في مصر كان في حاجات كتير اختلفت. يوسف بجدية: طبعاً يا صالح، إيمان أختي الصغيرة. أومال فين عمي؟ صالح: يمكن رجع البيت. تعالي نطلع على البيت. زمان أمي هناك، هتفرح أوي لما تشوفك. يوسف: وهي كمان وحشتني أوي. صالح:
يبقى ياله بينا. أنا كدا كدا خلصت شغل. في مصنع الشهاوي للأقمشة، مليجي رجع من الوكالة بعد ما وصلوا الطلبية. بص للبنات اللي بيشتغلوا. ابتسم بخبث وهو شايف زينب بتشتغل بتركيز، وكل البنات بيجهزوا نفسهم عشان يمشوا. راح ناحية زينب وهو بيعدل قميصه. كان لونه برتقاني فاقع. مليجي بسماجة: ما تيجي نوصلك يا زينب. زينب بضيق: يا أخي ما تحل عني بقى. هو إنت فاضي ومورّكش غيري؟ مليجي بصوت واطي:
يا بت عايزك في الحلال، واللي هو اللي زيك مالوش غير في الحرام. زينب بصوت عالي: إنت قليل الأدب وزبالة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!