تحميل رواية «اذا أراد النصيب» PDF
بقلم بتول عبد الرحمن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجو كان حرّ، بس الهوا في بعض الأماكن كان لطيف. قلعة محمد علي والشمس نازلة على القباب بلون دهبي يخطف العين. كان واقف قدام مجموعة أجانب، بيشرح لهم عن الجامع. صوته هادي وواثق. وسط الكلام لمح بنت واقفة بكاميرا بتصوّرهم، لدرجة أن الفلاش ضرب في عينه. رفعت الكاميرا بسرعة والتقطت لقطة بسرعة من غير ما حد يشوفها، أو زي ما هي افتكرت كده. سكت ثانيتين، استأذن من المجموعة بابتسامة وراح ناحيتها. نادى لها، بس هي كانت بتحاول تهرب، لحد ما وقف قدامها وقال بالإنجليزي بصوت محترم وواضح: "معلش، حضرتك بتعملي إيه؟" بصّ...
رواية اذا أراد النصيب الفصل الأول 1 - بقلم بتول عبد الرحمن
الجو كان حرّ، بس الهوا في بعض الأماكن كان لطيف. قلعة محمد علي والشمس نازلة على القباب بلون دهبي يخطف العين.
كان واقف قدام مجموعة أجانب، بيشرح لهم عن الجامع. صوته هادي وواثق. وسط الكلام لمح بنت واقفة بكاميرا بتصوّرهم، لدرجة أن الفلاش ضرب في عينه. رفعت الكاميرا بسرعة والتقطت لقطة بسرعة من غير ما حد يشوفها، أو زي ما هي افتكرت كده.
سكت ثانيتين، استأذن من المجموعة بابتسامة وراح ناحيتها. نادى لها، بس هي كانت بتحاول تهرب، لحد ما وقف قدامها وقال بالإنجليزي بصوت محترم وواضح:
"معلش، حضرتك بتعملي إيه؟"
بصّت له وهي بتعدل الكاميرا على كتفها، وقالت ببساطة:
"بصوّر."
قال وهو رافع حاجبه:
"ما أنا واخد بالي... بس حضرتك بتصورينا إحنا؟ سايبة الجامع كله وبتصورينا إحنا؟"
ردّت وهي بتضحك بخفة:
"لفتّوا انتباهي، فيها مشكلة؟"
قال بثبات:
"أكيد مشكلة. محدش قالّك مينفعش تصوّري أشخاص من غير إذنهم؟"
هزّت كتفها وقالت:
"أنا بصوّر عادي، لفتّ انتباهي إن في تركيز أوي وأنهم مركزين في كلامك فصورت، لحظة عابرة عادي."
قال بنبرة فيها حزم وهو محافظ على نبرة صوته الواطية:
"طب بعد إذنك امسحي الصورة، مش مسموح تمامًا تصوّري أشخاص من غير إذنهم."
بصّت ناحية السياح اللي لسه واقفين، بيتكلموا وبيشاوروا على سقف الجامع، وقالت وهي بتميل راسها شوية:
"بس أنا شايفة إن محدش اعترض... غيرك."
ردّ بهدوء وجدية:
"لأن محدش أخد باله أصلاً، بس لو عرفوا هتتحطّي في مشكلة."
سكتت لحظة، بصّت له بنظرة فيها تحدي بسيط وقالت:
"همسحها... بس بشرط."
ضيق عينيه وقال بنفاذ صبر:
"شرط؟ إزاي يعني؟"
قالت وهي بتبتسم بخفة:
"أنا محتاجة أسمع كلامك عن الجامع... ممكن؟"
سكت لحظة وبعدين قال بهدوء:
"اتفضّلي."
رجع ناحيتهم، وهي مشيت وراه. وقفت على بُعد بسيط. كانت عينيها متعلقة بيه وهو بيتكلم، صوته ثابت، مليان ثقة. كان بيشرح للسياح عن تاريخ المكان، عن اللي بناه، وعن معنى كلمة الله أكبر اللي مكتوبة على الحيطان.
كلامه بسيط ومفهوم، وبيختار كلمات بسيطة علشان الأجانب اللي مش أمريكان. خلص شرحه بابتسامة وودع المجموعه وانسحب.
بس قبل ما يبعد نادت عليه:
"إكـسكيـوز مي!"
لفّ ناحيتها، فابتسمت بخفة وقالت وهي بتقرب منه:
"إنت مصري؟"
قال بابتسامة هادية:
"هو شكلي يقول غير كده؟"
ضحكت وقالت:
"ممكن، بس نطقت الإنجليزي غريب شوية... مختلف عن باقي المصريين اللي سمعتهم."
رد ببساطة:
"ممكن عشان شغلي فمتعوّد أتكلم كتير مع أجانب."
سكتت لحظة، بصّت له باهتمام صادق وسألته وهي بتميل راسها بخفة:
"هو احنا ليه لما دخلنا الجامع قلعنا الشوز؟"
بصّلها وهو بيبتسم نص ابتسامة وقال:
"عشان المكان ده بيت ربنا، المفروض ندخله بنضافة واحترام."
قالت وهي بتفكر:
"بس أنا يعني مش شايفة إنها حاجة ضرورية."
قال بهدوء وهو بيبص قدامه:
"يمكن بالنسبالك، بس ده مكان طاهر مقدس، مينفعش تدخلي فيه بالشوز بتاعك وهو لامم زبالة الشارع."
سكتت لحظة، فضلت تبصّله لحظات. عاجبها أوي طريقته في الكلام.
سألها بابتسامة مهذبة:
"انتي اسمك إيه؟"
قالت بابتسامه:
"لارا."
رد:
"تشرفنا يا لارا."
ردّت وهي بتبتسم بخفة:
"وأنا كمان يا...؟"
"فارس."
"يعني إيه؟!"
شرحها لها بالإنجليزي وهيا ابتسمت وقالت:
"اسم جميل بجد."
"شكراً على ذوقك."
سألها:
"انتي جاية سياحة؟ لوحدِك؟"
ردت بإيجاب:
"آه، جايه في سياحة وشغل مع بعض."
قال بسخريه:
"وشغلك هو إنك تصوّري أي حد كده عادي بدون إذنه؟"
ضحكت وقالت:
"هو أنا بحب التصوير، وبصوّر اللي يعجبني مش شرط حاجة معينة، بحب اصوّر حاجات عشوائية."
قال بابتسامة خفيفة:
"تمام، أنا بهزر معاكي، ربنا يوفقك."
اتحرك خطوتين فوقفته بسؤالها:
"ممكن طلب؟!"
بصّلها ورفع حاجبه:
"اتفضلي."
قالت بنبرة فيها تردد بسيط:
"أنا طريقة كلامك عجبتني جدًا... عايزة أسمع أكتر عن الجامع ده ممكن؟ وهديك اللي إنت عايزه."
بصّلها لحظة طويلة وبعدين بص في ساعته وقال:
"بعتذر جدًا، كان نفسي والله بس للأسف عندي معاد بعد نص ساعة."
قالت وهيا بتميل راسها بخفة:
"لسه بعد نص ساعة، مش كفاية؟"
ضحك وقال وهو بيهز راسه:
"مش قصدي كده... بس النص ساعة دي هي مسافة الطريق اللي لازم أكون فيه قبل المعاد."
قالت بنبرة فيها شوية إصرار لطيف:
"طب ينفع بُكره؟ أنا هكون موجودة بُكره في مصر برضو."
فكر لحظة، وبعدين قال بهدوء:
"مقدرش أوعدك، لسه هشوف عندي إيه بُكره."
قالت:
"تمام... ممكن رقم فونك؟"
بصّلها ثانيتين كأنه بيوازن الأمور في دماغه، وبعدين قال بابتسامة بسيطة:
"أكيد."
مدت إيديها بالفون وهو أخده منها، كتب الرقم ورجعهولها تاني. بصّت في الشاشة وقالت:
"تمام، هكلمك بالليل."
ابتسم وقال وهو بيمشي:
"اتفقنا... رحلة سعيدة يا لارا."
فضلت تبصله لحد ما اختفى من قدامها ورجعت تاني تكمل تصوير.
فارس خرج بخطوات سريعة، خرج بره تماماً. مشي شويه لحد ما شاف صاحبه "زيزو" مستنيه عند العربية. أول ما شافه قال بصوت عالي:
"إيه يا عم كل ده تأخير؟!"
فارس نفخ بخفة وقال وهو بيقرب منه:
"هو أنا بلعب؟ مهو شغل يا سيدي."
زيزو زم شفايفه بغيظ وقال:
"ومكلّمني أجيلك بدري ليه يا سمج؟"
فارس رفع حاجبه وقال:
"عايز عربيتي، هتفضل محتلّها كتير يعني؟"
زيزو قال وهو بيتمطى:
"لسه عربيتي بتتصلّح."
رد فارس وهو بيهز راسه:
"يبني دي بقت خردة خلاص، ده انت لو جمعت كل الفلوس اللي صلحتها من ساعة ما جبتها، كان زمانك جايب واحدة جديدة دلوقتي."
زيزو رفع حاجبه وقال بسخرية:
"خردة؟! مش أما تقولها صح الأول."
فارس رمقه بنظرة جانبية وقال:
"اتريق، اتريق."
ضحك زيزو وقال:
"اتريق؟! اركب يا عم خلينا نخلص."
ركب فارس وسأل:
"هتجيب عربيتك إمتى؟"
زيزو قلد لدغته في الكلام وهو بيضحك:
"هجيب عربيتي بُكره."
فارس ضربه بكوعه بخفة وقال:
"يبني اتلم خلينا ساكتين."
زيزو قال وهو بيضحك:
"لاء اتكلم، وريني آخرك."
فارس رمقه بنظرة جانبية من غير ما يرد فزيزو كمل:
"ياااااه، بكره الخميس، أكل."
فارس بصله وقال:
"دايمًا همّك على بطنك، ارحم يا دولي."
زيزو ضحك وقال بحماس:
"قول لحنون تعمل ورق عنب وجلاش ومكرونة بشاميل... والحلو جلاش وبسبوسة!"
فارس قال وهو بيضحك:
"انت دخلت قصر محمد علي انت كمان؟! إيه ده كله؟!"
رد زيزو بسخرية:
"كفاية انت بتدخله."
فارس قال بسخريه:
"يبني انت ناقص تاكلني بالمرة."
"لما تتحول لدكر بط حاضر."
فارس اتنهد وهو بيبص قدامه. وبعد لحظة زيزو سأل:
"هو إنت نازل شغل بكره؟"
فارس قال وهو بيبص قدامه:
"أيوه، جولة واحدة."
زيزو بصله باندهاش وقال:
"هتنزل على جولة!"
فارس قال ببساطة:
"في واحدة أحرجتني وطلبت مني آخدها جولة، أخدت رقمي، حطتني قدام الأمر الواقع ومرضتش أكسفها."
زيزو ضرب كف على كف وقال بصوت مصدوم تمثيلي:
"يا نهار أبيض! علشان متكسفهاش تنزل مخصوص عشانها؟!"
ضحك فارس وقال:
"انت عارف مش بقدر أكسف حد، عادي حصل خير."
زيزو سأل وهو بيبصله من فوق لتحت:
"حلوة؟!"
فارس رمقه بنظرة جانبية وقال:
"معرفش، مبركزش."
زيزو رفع حاجبه وقال بخبث:
"حد ميركزش في النعمة، بترفس النعمة يا جاحد."
فارس بصله وسأل:
"ها؟ خلصت؟"
زيزو ضحك وقال:
"لسه، لسه هبدأ التنغيم دلوقتي."
فارس مد إيده وفتح الراديو، شغّل أغنية بصوت متوسط وهو بيقول بهدوء:
"طنشتك رسمي."
زيزو ضحك وقال وهو بيهز راسه على المزيكا:
"كل ما تتزنق تشغّل أغاني يعني... طب البس صوت طرب من الزوز مجاني."
فارس زوّد الصوت شوية وقال بابتسامة خفيفة:
"جرب."
زيزو حاول يغني مع الأغنية بصوت عالي ومزعج. فارس بصله وقال بضحك:
"يبني اسكت، انت بتغني ولا بتستغيث؟"
زيزو ضحك وقال:
"ده صوت الإحساس يا جاهل يا عديم الإحساس."
فارس قال بسخرية وهو بيرجع ضهره لورا:
"إحساس إيه اللي بينبح الحنجرة كده؟!"
زيزو قال:
"مش عاجبك صوتي؟ والله زمان."
فارس لف وشه الناحية التانية وقال:
"هتسكت ولا أنزلك تمشي بقية الطريق؟"
زيزو ضحك وقال وهو بيرفع إيده:
"تمام تمام، سكتت."
ضحك فارس بخفة، وزود صوت الأغنية أكتر.
تاني يوم.
فارس لمحها من بعيد بعد ما كلمها وعرف مكانها بالظبط. كانت واقفة بهدوء، لابسة لبس صيفي قصير، بتبص حواليها بانبهار وهيا بتصور كل اللي يعجب عينيها. قرب منها بخطوات سريعة وقال بابتسامة خفيفة:
"آسف جدًا على التأخير."
لفت ناحيته بابتسامة دافية وقالت بلطف:
"عادي ولا يهمك، المهم إنك جيت."
رد وهو بيعدل شنطته على كتفه:
"معلش، مش متعود أنزل الخميس... الطريق كان زحمة جدًا وده اللي أخرني، أنا أصلاً متعود متأخرش."
ضحكت وقالت:
"يعني إجازتك النهارده؟"
هز راسه وقال:
"مش بالظبط، بس نادرًا ما بنزل يوم خميس."
ابتسمت بخفة وقالت:
"حسستني بالذنب، بس بجد آخر يوم ليا النهارده، قولتلك امبارح."
ابتسامته كانت بسيطة وهو بيرد:
"ولا يهمك."
قالت وهي بترفع الكاميرا:
"تمام... نبدأ؟"
رد بهدوء:
"أكيد."
بدأ فارس الجولة وهو بيشرح بثقة وهدوء، صوته ثابت، نبرته مريحة. كل كلمة كانت طالعة منه بسلاسة مخلياها مركزه في كلامه وفي كل كلمة بانبهار. كاميرتها في ايديها بتصور كل حاجة تقريباً. كل ما يشرح معلومة كانت ترد بابتسامة صغيرة أوقات وتسأله عن بعض الكلمات إزاي تنطقها بالعربي برغم صعوبتها عليها. بعد فترة طويلة لفّ ناحيتها بابتسامة بسيطة وقال:
"كده تقريباً خلّصنا الجولة."
لارا نزلت الكاميرا من على كتفها وقالت وهي بتتنفس بعمق:
"بجد... شكراً جدًا يا فارس، حقيقي شكراً، أول مرة أحس إني همشي وأنا عندي خلفية كبيرة أوي كده عن المكان اللي زرته."
ابتسم بمجامله وقال:
"ده واجبي، وأنا لازم أشكرك على استماعك."
ضيقت حواجبها وقالت:
"لازم أصلاً أسمعك بكل حواسي، أكتر حد شفته هادي ولبق، بجد كانت فرصة سعيدة، كويس إني صورتك امبارح علشان أتعرف عليك."
قال بابتسامة خفيفة:
"أنا في الصورة أصلاً؟"
قالت وهي بترفع عينيها ليه بابتسامة غامضة:
"يمكن."
ضحك وقال وهو بيهز راسه:
"انتي قلتي صورتك؟!"
سكتت لحظة وبصت في عينيه وهيا بتقول:
"أيوه بصراحة، ملامحك حلوة جداً ولفتت انتباهي."
كملت بالأسباني:
"انت جذاب جداً، أتمنى لو كنت حبيبي، كان م...."
قاطعها فارس بخجل وهو بيحكّ رقبته وقال بصوت واطي شوية:
"شكراً على المجاملة يا آنسة لارا."
قربت خطوة صغيرة وقالت بابتسامة واثقة:
"دي مش مجاملة، أنا بكلمك بصراحة، محدش قالك قبل كده إنك حلو أوي."
ضحك بخفة، حاول يخبّي ارتباكه وهو بيقول:
"يمكن، أو يمكن محدش بيقولها بالطريقة دي أكيد."
ردّت بسرعة وبنظرة مباشرة:
"الطريقة دي اسمها صراحة."
اتنحنح وقال وهو بيبص بعيد:
"واضح إنك صريحة جدًا، خاصة بعد كلامك اللي بلغتك، سواء اللي قولتي أو اللي كنتي ناوية تقولي."
لارا اتصدمت لحظة وقالت:
"انت بتفهم أسباني؟!"
ابتسم بخفه ورد:
"مش زي الإنجليزي أكيد بس فاهم فيه شوية."
سكتت لحظة وهيا حاسة بإحراج، فقطع الصمت وسأل:
"نازلة سياحة ولا ده شغل؟"
ردّت ببساطة:
"الاتنين، بس الأكتر سياحة، كنت محتاجة أغيّر جو وأشوف أماكن جديدة وفي نفس الوقت اشتغل."
ابتسم وقال:
"وهتمشي بكره؟"
ردت بهدوء:
"آه، للأسف."
سأل:
"وزورتي إيه بقا في مصر؟ وعجبك؟"
لمت شعرها وهيا بتقول بحماس:
"أنا جيت هنا 3 أيام بس مش كفاية خالص، يوم للأهرامات، ويوم للقلعة، والنهاردة هنا... بس لسه قدامي المتحف، حاسة إن فيه كتير أوي فايتني."
ابتسم فارس وقال وهو بيبصّ قدامه:
"فعلاً فايتك كتير أوي، مصر لو فضلت فيها سنين مش هتكتشفيها كلها أصلاً."
قالت بتأكيد:
"بجد فعلاً... مصر حلوة أوي، بس للأسف زيارتي انتهت."
سكت لحظة وبعدين سأل بهدوء:
"هترجعي بلدك يعني؟"
هزّت راسها وقالت:
"لاء، في بلد تانية هزورها الأول، دي بقا شغل أكتر، مجبرة يعني."
قال بابتسامة بسيطة:
"أممم... تمام، ربنا معاكي."
بصّتله ثواني وقالت بنبرة فيها جدية خفيفة:
"ولو إني مش مؤمنة بكلماتك... بس هحترم دعوتك."
فارس رفع حاجبه باستغراب بسيط وقال:
"لاء مش فاهم... تقصدي إيه؟"
قالت وهي بتبصّله مباشرة بصوت هادي وواضح:
"يعني مش مؤمنة إن ربنا اللي بتتكلم عنه هيكون معايا."
سكت لحظة، ملامحه اتبدلت من الاستغراب للتركيز، وسألها:
"بتقولي كده ليه؟"
اتنهدت بخفة وقالت وهي بتبصّ بعيد:
"لأني أصلاً مش بؤمن بالله اللي إنتوا بتؤمنوا بيه... بيقولوا علينا ملحدين يعني."
رواية اذا أراد النصيب الفصل الثاني 2 - بقلم بتول عبد الرحمن
لأني أصلًا مش بؤمن بالله اللي إنتوا بتؤمنوا بيه... بيقولوا علينا ملحدين يعني.
بصّ لها بثبات، متفاجئش بالعكس، كان هادي تمامًا. بلع ريقه بهدوء، وقف ثواني كأنه بيفكر قبل ما يرد، ونبرة صوته بقت أوطى من الأول.
ودعوتي ضايقتك في حاجة يعني؟
لارا بصّت له باستغراب خفيف، واضح إنها مكانتش متوقعة سؤاله. ردّت:
لاء، كل واحد بيعبر براحته يعني، بس انت اتضايقت؟
فارس أخد نفس قصير وبصّ بعيد لحظات قبل ما يرجع يبصّ لها تاني وقال بنبرة فيها جدية مهذّبة:
بصي يا لارا، أنا مؤمن... بس ده مش معناه إني أحاكمك يعني، ولا معناه إني هبطل أتكلم معاكي زي ما كنت، ولا هبصّ لك بطريقة مختلفة، لأن كل واحد حر وطالما مش هتأثري عليا يبقى تمام.
سكت لحظة وكمل:
إيمانك أو عدمه ده بينك وبين نفسك، أنا دوري بس أفهَمك بهدوء مش أهاجمك، بس انا مش هعمل ده.
لارا اتصدمت شوية، رمشت كذا مرة وقالت بصوت واطي:
ده... مش رد الفعل اللي كنت متوقعاه.
فارس رفع كتفه وقال ببساطة:
مش كل الناس زي بعض، لو أنا صدمتك بمعاملتي الطيبة غيري هيصدمك بقلة ذوقه.
لحظة صمت عدّت لحد ما قطعتها بصوتها الثابت:
كلّمني عن الله، عايزة أسمع منك.
فارس سكت ثانيتين، أخد نفس طويل وبعدين قال بصوت واطي، هادي، واثق:
بصي يا لارا، هو ربنا ده... لو سمعتي عنه بجد، هتفضّلي محتقرة نفسك طول العمر.
لارا رمشت، النظرة اللي في عينيها اتبدلت، مستغربة، مش فاهمة هو ليه قال كده. كمل وهو بيبصّ بعيد وكأنه بيجمع كلامه:
لأن ربنا عظيم، أعظم من إن أي عقل بشري يستوعبه، عظيم لدرجة تخلي أي حد يقف قدّامه يحس قد إيه هو صغير، ضعيف، ومليان نواقص.
رجع يبصّ لها تاني، صوته بقى أعمق:
بس مش ذل ولا خوف ولا تقليل أبدًا، ده إدراك إن فيه قوة بتحبك، وبتعرفك، وبتسمعك حتى لو مفيش حرف بيطلع من بقك، لمجرد إنك قولتي يارب.
لارا فضلت ساكتة، كأنها بتحاول تستوعب كلامه ومش مدركة. فارس حسّ بده فكمّل بصراحة:
يمكن البيئة اللي اتربيتي فيها أو الناس اللي حواليكي مكانوش كفاية إنك تعرفي اللي بتسمعيه، وده مش ذنبك، بس ده ما يمنعش إن الحقيقة موجودة، وإنتي بس مسمعتيهاش قبل كده بالطريقة الصح.
لارا اتنهدت بخفة، رفعت حاجبها وقالت بنبرة فيها تحدي بسيط:
انت كده بتحمّسني أكتر.
فارس بصّ لها وقال وهو بيهز راسه بخفة:
وأنا مقلتش الكلام ده عشان أحمّسك، أنا قلت الحقيقة.
لارا بصّت له وقالت برجاء:
كمّل... لو سمحت.
فارس سألها بنبرة هادية:
أكمّل إيه بالظبط؟ عايزة تسمعي إيه يا لارا؟
لارا شبكت إيديها ببعض وقالت:
عايزاك تفهّمني إزاي انتوا مؤمنين بالله وهو أصلاً ملهوش وجود؟ مفيش حاجة بتدلّ إنه موجود.
فارس ابتسم بخفة وقال بهدوء وثبات:
هو فعلاً مش موجود يا لارا.
سكت لحظة، خلّاها تحتار أكتر، وبعدين كمل بنبرة أعمق:
ربنا واجد... واحدٌ أحد.
رفع صوته سنة بسيطة وهو بيقول بالعربي الفصيح، بنغمة قُرآنية واضحة:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدْ
اللَّهُ الصَّمَدْ
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدْ.
لارا رمشت كذا مرة، واضح إنها ما فهمتش ولا كلمة من كلامه وقالت باستغراب:
انت قولت إيه؟ مش فاهمة.
فارس مسح على دقنه بخفة وقال:
يعني ربنا واحد بس، لا اتولد، ولا عنده أبناء، ولا ليه شريك، صامد دايمًا، مبيحتاجش لحد، لكن الكل محتاج له، ومش لازم تشوفيه عشان تؤمني بوجوده، أوقات الحدس اللي بيشدّك لشيء أكبر منك بيكون أقوى من أي دليل.
قرب منها شوية ونبرة صوته وطيت:
في حاجات في الحياة يا لارا ما بتتشافش، بس بنحسّها، وربنا واحد من الحاجات دي.
لارا فضلت تبصّ له ثواني، ملامحها ما بين الحيرة والشدّ.
كانت متعودة تسمع عن "الله" بشكل عقلاني أو سطحي، لكن أول مرة تحسّ إن الكلام داخل على منطقة جوّا قلبها مش عايزة تعترف بيها.
قالت بصوت واطي، يادوب حركت شفايفها:
حدس؟ يعني إيه؟
فارس سحب نفس طويل ورد:
يعني اللحظة اللي قلبك بيقول فيها حاجة قبل عقلك، احساسك بمعنى أصح اللي مش بتكدبيه وبيطلع حقيقي في الآخر.
سكت، اتنهد وكمل:
عارفة يا لارا... لو كان لازم نشوف ربنا عشان نؤمن بيه، كان هيبقى مجرد شيء مش إله، ربنا أعلى من إن أي عين تشوفه.
لارا عضّت شفايفها وهيا مركزة مع كل كلمة بيقولها. فارس شال عينه من عليها لحظة، كأنه بيجمع كلماته، وبعدين رجّع نظره في عينيها وقال بصوت هادي وحاسم:
عارفة ليه ربنا مش بيتشاف؟ لإن مش أي حد يستحق يشوفه.
لارا اتجمّدت لحظة بس قبل ما تسأل أي سؤال فارس كمل:
في حاجة اسمها حساب، وجزاء... جنّة ونار، ومش أي حد هيدخل الجنّة، الكافر عمره ما هيدخلها، اللي هيدخل الجنّة بس هما المؤمنين اللي عاشوا على طاعة ربهم ورسوله.
صوته بقى أعمق وهو بيكمل:
ولما كل واحد ياخد جزاءه ساعتها ربنا هيظهر لعباده اللي آمنوا بيه، هنقدر نشوفه، نشوف وجهه الكريم، في الجنّة وبس... لإن اللي بيدخل النار؟ مش بيخرج منها، بيتخلّد فيها لآخر لحظة... إلى ما لا نهاية.
لارا حست بإحساس غريب بين الرهبة والفضول، عقلها مش معاها، الكلام اللي سمعته كان تقيل، جديد، غريب، عمرها ما سمعته قبل كده أصلًا.
فارس لاحظ الشرود اللي في وشّها، قال بلطف:
مش عايز أعطّلك أكتر من كده... أظن عندك متحف دلوقتي.
كلامه خلاها ترجع للواقع. بصّت له بشرود وقالت بصوت واطي:
أنا... أول مرة أسمع الكلام ده.
فارس رد بهدوء وثقة:
عارف.
اتنهد وكمل بصوت واطي:
رقمي معاكي... لو احتجتيني.
سكت لحظة وبعدين قال بهدوء:
بعد إذنك.
وبخطوات هادية، من غير ما يبص وراه سابها ومشي وهو ميعرفش كلامه عمل فيها إيه.
كانت واقفة في المطبخ بتحط آخر لمساتها في البشاميل قبل ما تنادي بصوت هادي:
خلّصتي يا شيري ورق العنب؟
ردّت شيري وهيا لسه بتلف آخر صوابع:
آه يا ماما خلاص، ثواني بس.
رجّت صواني المكرونة وهيا بتستعجلها:
يلا بسرعة، أنا خلصت المكرونة... فاضل السِّوى بس.
شيري قالت وهيا مركزة:
حاضر.
بعد لحظة صمت سألتها:
خالك جه ولا لسه؟
شيري ردّت بلامبالاة:
لو جه هتعرفي من وهو على أول الشارع.
مامتها (حنان) ردّت وهيا بتخرج من المطبخ:
طب خلّصي وأنا هشوف مرات خالك خلصت تخريط الملوخية ولا لاء عشان أسقطها.
شيري هزّت راسها وقالت:
وخلي تيا اللي ما عندهاش دم دي تيجي تساعدني في حاجة.
حنان ضحكت بخفة وقالت:
تساعدك في إيه؟ إحنا خلصنا خلاص.
شيري قالت بإصرار:
تعمل السلطة، ناديها.
معدّاش دقيقة ولقت تيا داخلة المطبخ وهي بتتكلم بتذمر واضح:
أقسم بالله إنتي فصيلة... فصيلة موت.
شيري رفعت راسها وبصّت لها بحدة خفيفة:
إنتي نازلة عشان تفضلي قاعدة زي الكنبة اللي إنتي قاعدة عليها؟ اعملي السلطة أنا كده كفاية عليّا.
تيا قعدت قدامها على الكرسي وقالت بكسل:
سلطة... يادي أم السلطة.
بصّت على حلة ورق العنب اللي شيري خلصتها وعيونها وسعت:
أقسم بالله فنّانة، عليكي رصّ ولا ورق الخس.
قالت شيري بفخر:
متعوب عليه ده.
تيا قالت بجوع واضح:
أول حاجة هفترسها، خصوصًا لما بتعمليه جوسي كده، مش هتديني الطريقة؟
شيري ردّت بسرعة:
قولت قبل كده سر، ويلا قومي خلّصي السلطة، عايزين نخلص قبل ما ييجوا، ولو ولاد عمك جم وإنتي بتقطّعيها هيخلصوها قبل ما تبقى سلطة أصلاً.
تيا قامت وقالت:
قومنا... يكش نخلص.
بعد دقايق رجعت بالسلطة وحطّتها قدامها وقعدت وقالت بخبث:
مهتمّة أوي بورق العنب، عشان الزوز هااا؟؟
شيري بصّت لها بسرعة وقالت:
وطّي صوتك يا فضيحة.
تيا قالت وهي بترفع حاجبها:
ما علينا، مزهقتيش من الحب اللي من طرف تالت ده؟
شيري سألتها بنفاد صبر:
إزاي يعني؟
تيا ضحكت ووضحت:
هو بيحب الأكل والأكل بيحبه، وإنتي الطرف التالت المسحولة كل خميس.
شيري قالت بحسم:
بالهنّا والشفا على قلبه.
تيا حطّت إيديها على قلبها بدراما:
يسلااام... ياريت بتعاملينا ربع اللي بتعامليه لزيزو.
شيري ابتسمت بتنهيدة فيها حنية وقالت بهيام:
ياريت الناس كلها زي زيزو... وحلاوة زيزو... وضح...
تيا قاطعتها:
إيه يما؟ رايحة فين تاني؟
شيري قالت:
سيبيني أتغزّل براحتي.
قاطعهم جرس البيت، تيا قامت بسرعة وقالت:
اتغزّلي مع ولاد خالك بقا... الواحد يعمل السلطة في الحمام أسهل.
وصلوا قدام البيت، وقف بعربيته، قبل ما تنزل بصّت له بعبوس واضح وقالت:
شكراً يا دكتور.
رد بابتسامة خفيفة:
مهو واضح، العفو يا دكتورة.
ابتسمت من غير ما يشوفها ونزلت وهو ركن العربية ونزل وراها. ولما لفّت له قالت:
اطلع انت، أنا هجيب حاجة من السوبر ماركت.
رد عليها بهدوء:
هاجي معاكي طيب.
هزّت راسها بسرعة وقالت:
لاء لاء مفيش داعي، اطلع أنت وأنا جايه وراك.
ابتسم وقال:
امشي قدامي يا سلمى، يلا.
قالت بتحدّي:
مش هتأخر على فكرة.
رد بابتسامة خفيفة:
طيب، يلا امشي قدامي.
مشيت وهو مشي جنبها وهيا متأكدة من البداية إنه هييجي معاها. بعد ما جابت اللي محتاجاه وكالعادة اتخانقوا لأنه صمم يدفع لها زي دايما، رجعوا ناحية البيت وهيا ماشية بتذمر واضح.
بصّ لها وقال بابتسامة ساخرة:
هو خيرًا تعمل شرق الدلتا؟
ردّت بغضب:
سمج.
ضحك باستفزاز وقال:
عارف.
مشيت بسرعة بغضب وهو نادالها:
سلمى يا سلامة، استني!
كملت مشي وهيا بتسبة في سرها بغيظ.
شيري وتيا وحبيبة واقفين في المطبخ بيغرفوا الأكل بسرعة، العيال الصغيرة رايحين جايين بيحولوا الأطباق لبره.
أول ما خلصوا، تيا قربت من شيري، وقفت جنبها وقالت بصوت واطي هيا بس اللي سمعته:
هروح أغيّر هدومي وألبس تيشيرت الأهلي، أصل بحب أغظ زيزو موت.
شيري رفعت حاجبها وبصّت لها من فوق لتحت ببطء قبل ما تقول:
مهزقة.
تيا ضحكت وهي خارجة من المطبخ بسرعة وقالت:
نازلة بسرعة.
حبيبة بصّت وراها باستغراب وسألت:
رايحة فين دي؟
شيري قالت بضيق:
رايحة تلبس تيشيرت الأهلي.
حبيبة انفجرت ضحك وقالت:
عشان زيزو.
شيري هزّت راسها وبعدين قالت:
كيادة أوي.
سلمى كانت لسه بتفتح باب الشقة بس قبل ما تحط المفتاح الباب اتفتح وظهر ابن خالها الصغير، ابتسمت وقالت وهي بتسلم عليه:
عامل إيه يا ايودي؟
رد عليها بهدوء:
الحمد لله كويس.
كان طالع وراها وأول ما إياد شافه قال:
تيام! أخيرًا جيت، محدش راضي يلعب معايا بلايستيشن.
تيام رفع حاجبه وقال وهو بيقرب منه:
وفين فارس؟ وأخواتك؟
إياد نفخ وقال بضيق:
فارس مش راضي، وأخواتي مش عارفين يلعبوا أصلاً، خلي مالك يتعلم عشان مبيعرفش يلعب وعايزه يلعب معايا لما تكون مش هنا.
ضحك تيام وهو بيحاوط رقبة إياد بدراعه وهما بيدخلوا:
حاضر... بس بعد الأكل، لأني واقع.
دخل الصالة وسلم على كل اللي جوا من بعيد، وبعينه لمح فارس واقف في البلكونة لوحده. خرج له وقال بخبث:
في مُزة جديدة ولا إيه؟
فارس لفّ له وقال بضحك:
عم الطبيب!
تيام وقف جمبه وسأله:
بتعمل إيه؟
فارس قال وهو ماسك فونه:
بكلم الزفت زيزو... لسه مجاش.
تيام ضحك وقال:
متقلقش... ده بيحضر أول ما الأكل يجهز.
فارس حط الفون في جيبه وقال:
الأكل جهز، فاضل هو وزياد.
تيام بصّ لورا وقال بسخرية:
إنت عدّيتهم؟ قول لخالك يرحم شوية ويعتق، سمعت إن مراته التانية حامل.
فارس هز راسه وقال:
مش التالتة؟ وقربت تولد كمان!
تيام سند على سور البلكونة وقال:
آه، ما التانية حمل جديد... يبقوا كام كده؟
فارس حسب بسرعة وقال:
اتناشر تقريبًا.
تيام رد:
تقريبًا؟! بس مش دي المشكلة.
فارس بصّ له بسرعة وقال:
ليه؟ في مشكلة أكبر من كده؟
تيام قال وهو بيكتم ضحكته:
بيدور على الرابعة، ده مش كمل نص دينه بس، ده كمل دين الشعب كله.
فارس انفجر ضحك وقال:
طب اسكت ليسمعك.
تيام بص لتحت وقال:
الزوز جه.
فارس بص لتحت واتنهد وهو بيقول:
أخيرًا!
سلمى دخلت المطبخ بخفة، أول ما دخلت قالت بمرح:
هالووز.
سلمت على حبيبة وشيري رفعت عينيها عليها وقالت ببرود مصطنع:
مش عايزين النهارده.
سلمى قربت منها وقالت:
في إيه يا هبلة؟
شيري قالت بملل:
خلاص كله جهز، دايمًا تيجي ع الجاهز.
سلمى فكت طرحتها وقالت:
أنا جايه أشوف الأوضاع وهدخل أغيّر هدومي وهخرج.
شيري قالت باستسلام:
آه ادخلي.
سلمى كانت هتلف تمشي، بس شيري نادتها فجأة:
زيزو جه؟
سلمى بصّت لها وبصّت لحبيبة وقالت:
معرفش والله، مشوفتش. صحيح فين تيا؟
قبل ما حد يرد، تيا ظهرت من وراها وقالت:
أنا هنا أهو.
سلمى وقفت مكانها وبصّت لها من فوق لتحت وقالت باستنكار:
تيشيرت الأهلي؟
تيا بصّت لنفسها بفخر وقالت:
إيه رأيك؟
سلمى قالت وهي رافعة حاجبها:
هتخلّي زيزو يمشي من على الباب عادي.
تيا قالت بشقاوة:
اسكتي، مش في ماتش أهلي وزمالك بكرة؟
سلمى قالت:
الملعب ولع.
سمعوا صوت من بره بينادي:
يلا يا بنات، الأكل برد!
سلمى لفت بسرعة وقالت:
هخلع أنا ع السريع.
خرجوا البنات من المطبخ ودخلوا الصالة، كانوا 3 سفرات، واحدة للشباب، واحدة للعيال، واحدة للكبار، كل واحدة فيهم أخدت مكانها وبدأوا ياكلوا، والدنيا هادية لحد ما زيزو فتح بقه وهو بياكل بنهم:
أقسم بالله أكل فاخر من الآخر، تسلم الإيد اللي عملت والله.
شيري بصّت له بفرحة طفولية بس هو كان مركز في طبقه كأنها آخر وجبة مثلاً.
حنان قالت بابتسامة:
بالهنا والشفا يا حبيبي.
فارس بصّ على زيزو وقال بجدية مصطنعة:
لاء محدش يكلمه عشان مش هيرد، منتيش شايفاه مفجوع إزاي؟ كأنه مأكلش من ساعة ما اتولد.
تيا بصّت لفارس بغمزة:
هسدّلك نفسه دلوقتي.
بصّت لزيزو وقالت بنبرة مستفزة:
حلو التيشيرت يا زيزو.
زيزو رد وهو بياكل من غير ما حتى يرفع عينه:
متحاوليش تعكنني... هاكل برضو.
تيا قالت باستفزاز أكبر:
طب مستنّياك بكرة الساعة ٨، وقتها نفسك هتتسد عن الحياة كلها مش الأكل بس.
تيام رفع راسه وقال باستغراب:
في ماتش بكرة؟
تيا ردت بحماس:
أهلي وزمالك، دي هتبقى دمار على الكل.
تيام سألها:
ولابسة التيشيرت النهارده ليه؟
تيا قالت بفخر:
غلاسة... قولت أسدّ نفسه، بس بسم الله ما شاء الله ناقص ياكلني.
زيزو قال وهو لسه مركز في طبقه:
بالظبط... ولو فضلتِ تتكلمي كتير كده، هاخد طبقك.
حنان قالت بحنان:
خلص إنت طبقك بس وأنا أجيب لك غيره.
زيزو رد بحب:
قلبي أقسم بالله.
فارس بصّ لها وقال:
طب وابنك اللي معدته ماتت من قلة الأكل؟
زيزو بصله وقال:
عيل بصورم.
حنان اتدخّلت:
خلص إنت كمان وأجيب لك زيه.
زيزو رفع راسه أخيرًا وقال بإعجاب صريح:
إيه يا شيري مش ناوية تقوليلي طريقة ورق العنب، أنا كل مرة بنبهر بطعمه بجد.
قلب شيري دق فجأة وردت بتوتر واضح:
قولت سر، بس لو كل ما تعوز عرفني وهعمل عادي.
فارس اتدخل:
طب وأخوكي اللي صوته اتنبح عشان يعمل له شاورما؟
شيري قالت بسرعة:
قول لماما... هيا بتعملها أحلى.
زيزو ضحك وقال:
ده عيل بصورم يا بنتي... فكك منه.
فارس قال باستنكار:
حاسسكم متفقين عليا هاا؟
تيام ختم:
اطفح وإنت ساكت بقى... شكلك وحش.
سلمى دخلت متأخرة كالعادة، سحبت كرسي وقعدت، لسه هتبدأ أكل لقت تيام بيرفع عينه عليها وبيقول:
لسه بدري.
سلمى بصّت له وردت بهدوء:
سوري بس الشاور أهم... فاتني حاجة؟
زيزو بصّ لها وقال:
كلي قبل ما آكل طبقك.
سلمى قالت ببساطة:
يا عم بالهنا... أنا عاملة دايت أصلاً، مش هاكل كتير.
زيزو نفخ وقال:
بصّوا الأخلاق... مش بدل ما تقولي هسدّ نفسك.... تقولي طمعانة في طبقي!
تيا مالت قدام وبصّت في طبق زيزو وقالت:
بعد إيه؟ الطبق بقى أنضف من وشّك.
زيزو ابتسم ابتسامة رضا وقال:
بالهنا والشفا على قلبي.
حنان قالت وهي بتقوم:
استنى، هقوم أجيب لك كمالة.
شيري قالت بسرعة:
أنا هقوم.
زيزو وقف وقال:
لاء خلاص بقا تيا سدّت نفسي.
فارس قال وهو بيهز دماغه:
هو حد عارف يقفل البلاعة اللي انفجرت دي.
تيا ردت:
لاء هو مش هيكمل عشان يعرف يحلي.
زيزو لفلها وقال بحماس:
الحلو إيه صحيح؟
شيري قالت:
بسبوسة وجلاش.
زيزو كمل للحمام وهو بيقول:
هغسل إيدي وأحبس بقا.
فارس رفع حاجبه وقال:
يِمّا.
كلهم انفجروا ضحك وزيزو دخل الحمام بسرعة.
رواية اذا أراد النصيب الفصل الثالث 3 - بقلم بتول عبد الرحمن
بعد الغداء، كلهم قعدوا قاعدة عائلية.
حنان مدت طبق لزيزو وقالت:
"متنساش تاخد طبق لامّك."
زيزو رفع حاجبه وقال:
"هتطلّعلك فيه القطط الفطسانة... أنا بقولك أهو."
حنان ضحكت وقالت:
"أنا بعمل اللي عليّا."
زيزو مد إيده على الكوباية يشرب وقال:
"كتر خيرك يا حنون."
خالد (خال فارس) كان قاعد على الكنبة، بص لزيزو فجأة وسأله:
"بقولك يا زيزو، هيا خالتك عندها كام سنة؟"
مراتاته التلاتة بصوله مرة واحدة وكأنهم فهموا غرضه.
زيزو رد بسرعة:
"لاء خالتي مش عايزة تتجوز على تلاتة."
خالد هرش دماغه وقال:
"بس اللي أعرفه إنها كبيرة... هتستنى إيه تاني؟"
زيزو رد بضيق:
"هيا مش عايزة وخلاص... مش قصتي! تتجوز، متتجوزش، تستنى، هيا أدرى."
مراته الأولى قالت وهيا بتمصمص بوقها:
"عايز تقفلهم عشرين ولا إيه؟"
ضرتها ردت بسخرية:
"معاه فلوس مش عارف يعمل بيها إيه، قالك يتجوز."
التالتة قالت:
"ربنا يكون في عونها دنيا وآخرة."
أشرف (خال فارس التاني) دخل في الموضوع وقال:
"أنا مش عارف يا أخي كان مالها واحدة؟ ما أُم تيام أهي مالية عليا حياتي، وعمري ما أبص لغيرها أبدًا."
مراته ابتسمتله وقالت:
"تسلملي."
خالد قال بمنتهى اللامبالاة:
"الشرع بيقول الراجل ليه أربعة، وبعدين أنا بزهق بسرعة."
أشرف قال:
"ده انت ربنا يعينك على دماغك، حد هيقبل الوضع ده؟!"
خالد فرد ضهره وقال بثقة:
"الحريم على قفا من يشيل."
تيا بصت للشباب وقالت:
"قوموا يا شباب نقعد بعيد، الحوار بقى رخم."
زيزو وافقها:
"عندك حق."
كلهم قاموا وقعدوا بعيد.
بعد شوية فون فارس رن، ولما شاف المتصل اتنهد وقام يقف في البلكونة، كان متأكد إنها هترن. خرج ورد بهدوء، وبعد السلام والكلام قالتله بنبرة صريحة ومترددة في نفس الوقت:
"ممكن أقابلك دلوقتي؟"
رفع حاجبه وقال باستغراب:
"تقابليني؟ امتى؟ وليه؟"
قالت بسرعة:
"أنا... مش قادرة أخرج كلامك من دماغي، عندي أسئلة كتير ومحتاجة إجابات مقنعة."
فارس اتنهد وقال:
"مفيش داعي نتقابل، الوقت اتأخر، قولي انتي عايزة إيه وأنا هرد عليكي."
ردّت بحزم:
"لسه بدري، وبصراحة أنا مش عايزة الفون يكون وسيط، ممكن أجي مكان قريب من بيتك."
فارس قال بثبات:
"لاء مفيش داعي، ساعة كده وهبعتلك لوكيشن في وسط البلد، مكان مناسب لينا احنا الاتنين."
قفل فارس المكالمة ولف لقى تيا واقفة وراه وقالت بسخرية واضحة:
"أيوه الرطن، شكل في خواجية مزّة في الموضوع."
فارس رفع حاجبه وقال:
"لمضة هانم... خلصتي رخامة عليهم كلهم قولتي تكملي عليا أنا كمان؟"
تيا شبكت إيديها وقالت ببراءة مزيفة:
"هو سؤال صغير."
فارس اتنهد:
"اسألي يا لمضة."
قالت وهي بتقرب:
"إزاي بترطن كده من غير ما تفكر؟ أنا بقالي ست شهور في الكورس ويادوب حافظة كام جملة."
فارس رد:
"مش شغلي، وبعدين حسّني لغتك بالممارسة، مش تروحي الكورس زي ما تيجي من غير ما تتعبي نفسك."
تيا قالت بتبرم:
"ماهو الحوار صعب، مش ناوي تديني الطريقة؟"
فارس شد نفسه وقال بجدية مصطنعة جدًا:
"بصي ياستي، علشان تتكلمي أي لغة صح ليها خطوات، أول حاجة هتجيبي الكلمات، تحطيها في حلة وتحطيها على النار، هتسيبيها تسيح على بعض، هيطلعلك خليط كلمات على جمل، اشربي الخليط ده هتلاقي نفسك بترطني زيي كده بالظبط."
كانت بتسمع في الأول بتركيز وفجأة وشها قلب وقالت:
"ده انت سمج أكتر من صاحبك، كرف عليك أقسم بالله."
فارس ضحك وقال:
"هو سمج أكتر، روحي بقى كملي رخامة عليه وسيبيني، عندي مشوار."
غمزت وهي ماشية:
"آآآه... مع المزة بقا هااا."
فارس رفع إيده بغيظ:
"مش اللي في دماغك يا منحرفة."
تيا قالت وهي بتلف ضهرها تمشي:
"يا عم قول براحتك هو حد هيراجع وراك؟"
في كافيه راقي على ناصية شارع قديم في وسط البلد دخل وبص حواليه بدقة لحد ما لاحظها قاعدة لوحدها على ترابيزة في الركن، قدامها نوته مفتوحة وواضح إنها مركزة فيها.
قرب منها وهيا حست بوجوده، رفعت راسها ليه وبصتله بنص ابتسامة. هو قال بهدوء:
"اتأخرت؟"
هزّت راسها وهي بتبتسم ابتسامة بسيطة جدًا وقالت:
"لاء، أنا اللي جيت بدري."
قعد قدامها وطلب ميه وهو باصصلها ومستنيها تتكلم هيا. لارا اتنهدت وقالت بصوت واطي:
"فارس، أنا مبطلتش تفكير من الصبح في كلامك، كل كلمة بترن في دماغي."
فارس معلّقش، اكتفى إنه يبصلها بثبات، مستنيها تكمل.
كملت:
"قريت عن كل حاجة قولتها، قريت تفسيرات وكلام كتير عن اللي قولته."
سكتت، ضمت صوابعها ببعض وقالت:
"وعلشان كده طلبت أقابلك."
فارس مال لقدّام شوية، قال بنبره مهذّبة:
"اسألي يا لارا."
خدت نفس طويل وقالت:
"لو الله موجود زي ما بتقول يعني، مش هقولك ليه مش بيظهر وهقتنع بإن في أشخاص معينين بس هما اللي يستحقوا وجوده، بس ليه وجوده مبهم أوي كده، ليه مفيش دليل قوي على وجوده، في نقطة كبيرة أوي مش مفهومة، تخلي أي حد يشك."
فارس مسح على دقنه بخفة وبص ناحية الشارع من الشباك وهو بيحاول يرتب كلامه. رجعلها تاني وقال بهدوء عميق:
"يمكن لإن لو ربنا كان باين أوي زي ما بتقولي وفي دليل قاطع على وجوده من غير شك، الإيمان مش هيبقى إيمان."
لارا رفعت حاجبها وقالت:
"مش فاهمة."
فارس قال ببساطة:
"لو ربنا ظهر للناس مفيش حد هيتجرأ يكفر بيه، كل الناس هتؤمن غصب مش اختيار، والإيمان الحقيقي لازم يبقى اختيار مش إجبار."
لارا فضلت مركزة فكمل:
"فلازم يبقى في شك ناحية الحاجة دي عشان لما تتأكدي منها يكون ده نابع من جواكي انتي."
لارا سكتت لحظة تحلل كلامه وبعد كده قالت:
"هحاول أبين إني مقتنعة، بالرغم من إن كلامك فيه حاجة مش منطقية."
هزت أكتافها بنبرة فيها سخرية صريحة:
"بس إزاي إله... لوحده... خلق كون بالحجم ده؟! وفي 7 أيام بس، مين ممكن يصدق حاجة زي دي؟ العلم كله متفق إن الكون اتكوّن بسبب انفجار... الانفجار العظيم، مش بسبب كائن سماوي قرر يصحي من النوم ويخلق كواكب."
قالتها وهي بتقوّل الكلمة الأخيرة بطريقة مستفزة.
فارس بصّلها كتير بنظرة ثابتة وقال:
"خلصتي؟"
لارا رفعت حاجبها وقالت:
"آه."
فارس شبّك صوابعه قدّامه على الترابيزة، نبرته كانت هادية قوي... بيتكلم بثقة:
"أولًا، الكون اتخلق في ست أيام مش سبعة، ثانياً، إيه اللي يثبتلك إن زمان اليوم كان 24 ساعة؟"
لارا قالت:
"حاسس إنك بتلف وبتدور."
ابتسم فارس ابتسامة صغيرة وقال:
"لا فيها لف ولا دوران، بس دي قدرة الله اللي انتي مش مقتنعة بوجوده، ودي معجزة أساساً، انتي نفسك مش مقتنعة إن في حد يقدر يبني الدنيا كلها في ست أيام بس."
لارا سألت باستنكار:
"يعني حاجة أهي ولا أي عقل بشري يستوعبها."
فارس قال بثقة:
"طبعاً، دي معجزة في حد ذاتها، بس ده مش بيثبت غير حاجة واحدة."
لارا بصتله بترقب فكمل:
"إن الله على كل شيء قدير."
لارا اتصدمت من إجابته بس مستسلمتش، قالت:
"إيه عن الكون؟!"
فارس اخد نفس طويل طلعه هل مراحل وهو بيقول:
"عالم الكونيات اللي اكتشف انفجار الكون كان مؤمن بوجود خالق على فكرة، الانفجار مينفيش وجود حد سبّبه، بالعكس، أي انفجار محتاج شيء يفجّره."
لارا هزّت راسها بعصبية:
"بس الانفجار ده علم، مش دين."
فارس رد بهدوء:
"وإيه المشكلة؟ العلم بيقول إن الكون اتكوّن من لا شيء، طيب مين خلق الـ لا شيء ده؟ مين حط قوانين الحرارة والكثافة والطاقة اللي أدت للانفجار؟ الانفجار العظيم مش تفسير، ده خطوة من خطوات لغز أكبر ومبهر."
لارا قالت بغيظ:
"مش مقتنعة، الكون موجود من انفجار وبس، الانفجار ده كبر لحد ما خلاص انفجر، انفجار عشوائي يعني."
سكت لحظة وبصلها بثبات وقال:
"أكبر علماء الفيزياء قالوا إن أي انفجار عشوائي ينتج فوضى مش نظام، بس الانفجار العظيم عمل كون دقيق ومحسوب ومتوازن، يا ترى إيه السبب مثلا، صدفة؟!"
لارا بصتله بحدة وقالت:
"ليه لأ؟!"
فارس رد بهدوء:
"يمكن لأن كل حاجة في الدين معموله بدقة رهيبة أصلاً، لدرجة عمرها ما تبقى صدفة، دوري كده وشوفي الدقة ووقتها هتفهمي إن عمرها ما كانت صدفة ولا هتكون."
لارا شدّت نفس طويل وسكتت شوية تستوعب كل الكلام ده. شربت من الكوبايه اللي قدامها وهيا ماسكّة نوته فيها كلام هيا كاتباه:
"هفُكّني من موضوع الانفجار... وكمان من فكرة إن الله مش بيسمح غير للمؤمنين بس إنهم يشوفوه في الجنة، ولا حتى إن الإيمان لازم يكون من غير دليل قوي زي وجوده هو شخصياً علشان يكون نابع من داخل الإنسان."
قربت لقدّام ونبرة صوتها وطيت شوية:
"بس هسألك أسئلة، وعايزة أعرف ردك إيه هو؟"
فارس رد بهدوء:
"ماشي... اسألي، ياما اتسألت."
لارا رفعت إيديها وسألت بقمة الهدوء:
"إزاي... إزاي إله رحيم... زي ما بتقول... عنده تسعة وتسعين اسم عن الرحمة والعدالة، وسايب الشر موجود بالشكل ده؟"
فارس كان ساكت، بيسمعها كويس. لارا كملت وهي بتحاول تكتم غضبها:
"ليه قتل؟ ليه أطفال بتموت؟ ليه في ناس بتتولد في فقر وجوع، وناس تانية بتتولد في قصور؟ ليه حروب؟ ليه ظلم؟ ليه كل ده؟"
رفعت حاجبها بسخرية:
"فين الرحمة اللي بتتكلم عنها؟ ولو ربنا قادر زي ما قولت من شوية، ليه مبيمنعش الشر؟ ولو مش قادر، يبقى مش إله أصلاً. ولو قادر ومش بيمنعه، يبقى مش رحيم أصلاً."
رواية اذا أراد النصيب الفصل الرابع 4 - بقلم بتول عبد الرحمن
"ليه قتل؟ ليه أطفال بتموت؟ ليه في ناس بتتولد في فقر وجوع، وناس تانية بتتولد في قصور؟ ليه حروب؟ ليه ظلم؟ ليه كل ده؟"
رفعت حاجبها بسخرية.
"فين الرحمة اللي بتتكلم عنها؟ ولو ربنا قادر زي ما قولت من شوية، ليه مبيمنعش الشر؟ ولو مش قادر، يبقى مش إله أصلاً. ولو قادر ومش بيمنعه، يبقى مش رحيم أصلاً."
فارس بلع ريقه بهدوء، سكت لحظة ومال شوية لقدام وقال بصوت واطي جداً فيه ثقة.
"علشان إحنا في دنيا، لو كل اللي بتقولي عليه حصل كانت هتبقى جنة مش دنيا، الدنيا زي امتحان مكتوب على الكل لا محالة، وعلى حسب أخطائك هتتعاقبي، وفي الآخر يا إما هتدخلي جنة وتكون زي ما بتقولي كده لا فقر، ولا شر، ولا جوع... يا إما نار، ودي مبتَرحمش."
لارا بلعت ريقها بخوف رغم أنها بتبين أن كلامه مهزهاش وقالت.
"يعني... الكويس يدخل الجنة، والوحش يدخل النار؟ صح كده؟"
فارس هزّ رأسه بإيجاب، فقالت فوراً كأنها لقت الثغرة اللي كانت بتدور عليها.
"طب خلاص... واضحة، مفيش بقى إيمان ولا أي حاجة من دي، كل الكويس يدخل الجنة، وكل الوحش يدخل النار."
فارس ضحك ضحكة صغيرة فيها سخرية باينة.
"لوحده يعني ولا إيه؟"
لارا رفعت أكتافها وهزت راسها.
"أه... طالما هو كويس."
هنا فارس رفع حاجبه وقال بسخرية أعمق.
"مين اللي هيدخلهم بقا؟ مكتب التنسيق؟"
لارا سكتت ثواني وهي بتحاول تحلل جملته الغريبة اللي في الآخر. فارس أنهى الحوار وهو بيقول.
"كفاية اللي سمعتيه النهارده، مش لازم تعرفي كل حاجة في نفس اليوم، بس بما إنك مسافرة بكرة، ومش هعرف أشوفك تاني..."
مد إيده ليها بكتاب صغير.
"خلي ده معاكي، اقرأيه وبعدها كلميني وقوليلي وصلتي لإيه."
لارا أخدت الكتاب وهي مش فاهمة إيه اللي بيحصلها، قالت بتلقائية.
"إنت عملت فيا إيه؟!"
فارس رفع إيده.
"أنا قاعد ساكت أهو."
لارا زفرت وقالت بنبرة أقرب للاعتراف.
"بس إنت بتجذب أي حد، مش عارفة السبب طريقتك... ولا جاذبيتك... ولا شكلك... بس أنا بتشدّ ليك كل مرة بتكلم فيها معاك."
فارس بص قدامه وقال بنبرة هادية.
"ده كلام كبير يا لارا، بس يارب ربنا يجعلنا سبب في إيمان حد بيه يوماً ما."
لارا سألت وهي مش مصدقاه.
"متأكد... إني هؤمن بالله؟!"
رد عليها من غير أي ذرة تردد.
"واثق."
اتنهدت وقالت.
"تعرف، أنا حتى معرفش ديانتك إيه، إحنا عندنا ديانات كتير في العالم، بس أشهر ديانة في إسبانيا هي المسيحية."
فارس فكر لحظة وبعدين قال ببساطة.
"وأنا مسيحي."
لارا مالت شوية لقدام وقالت.
"ممم... هو ممكن تكلمني عنك؟"
فارس سأل.
"عايزة تعرفي إيه؟"
قالت وهي بتبصله بتركيز.
"عايزة أعرف عن فارس كل حاجة."
هزّ راسه وسأل.
"وليه عايزة تعرفي كل حاجة؟"
لارا لعبت في شعرها بإيديها وهي بتقول.
"مش عارفة... وأظن ده سؤال مينفعش يتسأل."
فارس ابتسم ابتسامة خفيفة وقال.
"أنا فارس... ٢٩ سنة، خريج آثار، عندي أختين، والدي متوفي وماما ربنا يخليها."
لارا رفعت حاجبها وسألت.
"دي بس عيلتك؟"
فارس ضحك وقال.
"لأ، إحنا كتير ما شاء الله، ماما ليها أخين، واحد عنده اتنين، والتاني خلّف عشرة وقريب هيبقوا اتناشر."
لارا خبّت صدمتها بابتسامة واسعة.
"ممم... حلو قوي."
سألته بعد لحظة صمت.
"إنتو يعني بتتجمعوا كتير؟"
فارس ضحك بخفة.
"كل يوم خميس، دي طقوس."
لارا ضحكت وقالت.
"أنا مش عندي غير أخت واحدة وبشوفها بالصدفة أساساً، حلو إنكوا بتتجمعوا."
فارس قال ببساطة.
"متعودين من زمان."
سكتت لحظة وردت بخفوت.
"في حاجات كتير أوي عندك مختلفة تماماً عندنا، عمري ما شفت حد زيك، بس نفسي في يوم أكون زيك."
فارس رد بهدوء.
"مش لازم تكوني زيي، ومش لازم تفكري زينا، كل واحد مختلف عن التاني، الاختلاف حلو."
لارا عضّت شفايفها بتوتر خفيف وبعدين قالت.
"طب... ينفع أسأل سؤال... آخر واحد النهارده؟"
فارس قال.
"اسألي."
لارا سألت بجدية.
"لو... لو رجعت بلدي ومبقتش أشوفك ولا أسألك أي حاجة عايزالها إجابة، هل ده معناه إني مش هعرف أكمل الطريق اللي بدأته؟"
فارس لثواني بصلها يقيس مدى جديتها وبعدين قال.
"هتكملي، وأنا موجود دايماً لو احتاجتي أي حاجة."
لارا اتنهدت بارتياح، بس سألت بخوف.
"يعني... حتى لو مشوفتكش تاني ممكن... أوصل لحاجة؟"
فارس قال بثقة.
"هتوصلّي."
لارا ابتسمت وقالت.
"ارتاحت شوية."
فارس رد.
"دي حاجة كويسة، يارب دايماً تكوني مرتاحة."
ابتسمت بامتنان وهو قال وهو بيبص في الساعة.
"الوقت اتأخر، لازم تروحي دلوقتي."
هزت راسها بإيجاب وقاموا مع بعض لبره. بصتله بصة أخيرة وقالت.
"فارس؟"
لفلها وقال.
"نعم؟"
ردت بنبرة ناعمة.
"أنا مش هقدر أنساك."
فارس بصلها بابتسامة صغيرة ورد.
"ربنا يوفقك يا لارا، أشوف وشك على خير."
تاني يوم.
نزلت السلم بخطوات هادية وهي شايلة طبق متغطي وعلى وشها ابتسامة خبيثة. وصلت للباب وخبطت برجليها جامد. شيري فتحت الباب بسرعة باستغراب.
"إيه ده؟"
تيا رفعت حواجبها وقالت.
"انتي لسه ملبستيش؟"
شيري ردت بضيق.
"ألبس إيه انتي كمان؟! انتي عايزاني ألبس تيشيرت الأهلي؟! أقسم بالله لو عندي تيشيرت زمالك كنت لبسته علشان خاطره."
تيا دخلت وهي بتهز راسها بغيظ مصطنع وقالت.
"صداع... صداع من كتر الإخلاص."
عين شيري راحت على الطبق وسألت بفضول.
"إيه ده؟"
تيا بصتلها بخبث وقالت.
"مش هقولك، هتعرفي بعدين."
شيري قربت وقالت بإلحاح ممزوج بفضول.
"لأ هتقولي دلوقتي إيه ده؟!"
تيا رجعت خطوتين لورا وهي بتقول.
"والله ما هقولك، افتحي التليفزيون على ما ييجوا يلا."
شيري قالت ببرود.
"لما يبقوا ييجوا بقى."
تيا ضحكت بشر وقالت بثقة.
"هجهز الجو على ما ييجوا، أصل الخسارة النهاردة هتبقى ساحقة ع الزوز."
شيري قالت بغيظ.
"إن شاء الله الزمالك يكسب علشان تنبطي."
تيا ابتسمت بثقة.
"الأهلي هيكسب باكتساح."
شيري غمغمت.
"مستفزة."
حطت تيا الطبق على الترابيزة وفتحت التليفزيون على قناة الماتش، سألت وهي بتغمز.
"عاملة حاجة على شرف الزوز النهارده؟"
شيري ردت بسرعة.
"طبعاً..."
تيا كتمت ضحكتها وقالت.
"يا بختُه أقسم بالله."
شيري قالت بنبرة حزينة.
"وياريته حاسس..."
تيا قربت منها ومسكت إيديها بحنية وقالت.
"هييجي يوم ويحس، بس انتي خليكي نغّشة."
شيري بصتلها باستغراب وقالت.
"نغّشة؟"
تيا قالت بخبث.
"آه، أصل الرجالة بيحبوا الست النغّشة... اسأليني أنا."
شيري قالت وهي بتتنهد.
"ربنا يهديكي."
سلمى جت وهي لابسة تيشيرت الأهلي وبتقول بحماس.
"الماتش بدأ!"
تيا بصت لها وقالت.
"لسه قدامه ربع ساعة، البشوات لسه مجوش."
سلمى قالت وهي بتلم شعرها.
"على ما نجهز القعدة يكونوا جم."
وبصت لشيري من فوق لتحت وقالت.
"يلا يا شيري ملبستيش ليه؟"
شيري قالت برفض.
"مش هلبس أنا."
سلمى رفعت حاجبها وسألت.
"خايفة على مشاعره وكده يعني؟"
كملت بنبرة ضغط.
"ما هو كده عمره ما هيبصلك."
شيري سألت باستنكار.
"علشان خايفة على مشاعره."
سلمى قالت بحدة.
"لأ علشان ملكيش وجود أصلاً، خلي ليكي وجود، انتي أهلاوية زينا، يبقى افرحي معانا، متبقيش قاعدة بصالة كده بصعبانية."
تيا قالت وهي قاعدة على الكنبة وفارده رجليها.
"والله ريقي نشف من كتر ما بقولها كده، بس هي فاكرة إنها كده حلوة."
شيري قالت وهي بتبصلهم بتوتر.
"حرام عليكوا لما تعملوا رباطية عليه فعلاً."
سلمى قربت منها وقالت بتحذير.
"شاطرة يا شيري... خليكي كده بقى لحد ما يضيع من إيديكي."
شيري بصت في الأرض وقالت.
"على أساس هو في إيدي أوي."
تيا ضحكت جامد وقالت.
"ما هو الطريق لقلب الراجل معدته، وإنتي دي ماسكاها."
سلمى قالت بغضب.
"بس مش كل حاجة أكل! مش علطول ألاقيك بتفكري يا ترى ورق العنب لو عملته كده هيكون أحلى ولا لأ، ويا ترى لو عملت كنافة بالمهلبية هتعجبه ولا لأ، في حاجات أهم."
تيا قطعت الكلام.
"الربع ساعة عدت على فكرة والماتش خلاص بيبدأ، فكّك منها وتعالي نضبط الدنيا."
سلمى هزت راسها وبدأوا يظبطوا القعدة. بعد ما خلصوا لقوا شيري قدامهم بالتيشيرت.
تيا قالت بانتصار.
"الكلام بيجيب نتيجة أهو."
سلمى قربت منها وقالت بحزم لطيف.
"غيري بقى لفة الطرحة دي."
ظبطتلها الطرحة وقالت.
"بس كده، تحفة."
ثواني والباب كان بيخبط.
فتحت تيا الباب وهي مبتسمة وقالت.
"ده يا مرحب والله!"
زيزو بصلها وقال بخوف تمثيلي.
"خايف أدخل."
تيا قالت وهي بتفتح الباب أكتر.
"التحفيل بعد الماتش."
تيام عدّى جنبها وضربها قفا.
"اهدِي بقى."
تيا قالت وهي بتبصله بغيظ.
"سمِج."
فارس دخل وادّاها هو كمان قفا وقال.
"معلش يا صغنن، أصغر واحدة فينا بقى."
تيا زعقت بغيظ واضح.
"انتوا اتفقتوا عليّا!"
دخلوا التلاتة وزيزو شاف الجو وقال.
" يارب انصرني النهاردة، مش هسلم منكم أنا عارف."
تيا قالت بسخرية.
"هي أول مرة."
زيزو بص لشيري وقال.
" شكلك اتفقتي عليا معاهم."
الجملة طلعت منه بسيطة جداً بس وقعت قلب شيري. شدت التيشيرت من تحت بخجل وبصّت للأرض ثانية. قلبها كان بيدق بجنون. حاولت تبتسم وقالت بنبرة شبه هامسة.
"قررت أشارك النهارده... بس كده."
زيزو رفع حاجبيه بدهشة خفيفة وراح ناحية الكنبة وقعد. وقبل ما يظبط قعدته، تيا جت بسرعة وحطت قدامه الطبق وهي مبتسمة بخبث واضح.
زيزو ضيق عينه وقال بريبة.
"إيه ده؟"
تيا شبكت إيديها وقالت ببراءة مزيفة.
"شوف إنت."
الكل بقى مركز ومستنيه يطلع الطبق من الكيس. زيزو شال الكيس برفق وتيا بتقوله.
"بالراحة."
خرج الطبق ولقا بليلة.
ثانيتين صمت... وبعدين الضحك انفجر في الصالة كلها.
زيزو رفع الطبق وشاف شكله وقال بقرف واضح.
"حد قالك قبل كده إنك أومليت؟"
تيا قعدت وهي بتقول بلامبالاة.
"يااااه... كتير..."
زيزو قال وهو بيقرب الطبق منها.
"هطفحهولِك بعد الماتش."
تيا ردّت.
"قول حاجة تقدر تعملها يا عم."
سلمى ركزت وقالت.
"بااااس... الماتش بدأ."
الكل وجه عينه للتليفزيون وبدأوا يركزوا ما عدا تيام وشيري.
تيام كان كل شوية يبص لسلمى... وسلمى مركزة جداً في الماتش، بس رغم تركيزها كانت حاسة بنظراته ومطنّشاه تماماً.
أما شيري، كانت بتبص لزيزو كل دقيقة.... وبسرعة ترجع عينيها للتليفزيون كأنها مش مركزة معاه هو ومركزة مع الماتش. الأجواء كانت لطيفة في الأول.
ضحك... تحفيل خفيف... وتشجيع.
كل ما الأهلي يقرب من جول الزمالك، زيزو يعدّل قعدته ويبص بترقب وهو بيقول.
"إن شاء الله لاء..."
تيا شربت عصيرها بهدوء مستفز وقالت.
"ارتاح يا حبيبي... ارتاح، الجول جاي."
زيزو بصلها بحدة وضيّق عينيه.
"الثقة دي وحشة أنا عارفها."
تيا رفعت كتافها وقالت.
"معلش... هنشوف في الآخر."
بعد دقائق بسيطة جه جول للأهلي.
تيا قامت من مكانها وصرخت بحماس.
"توحفـــــــــــــه!"
سلمى اتنفست وقالت.
"اللحظات اللي بحبهااا!"
فارس قال وهو بيبص لإعادة الجول.
"حلوه... حلوه دي!"
شيري اتخضت حرفياً منهم بالرغم من أنها واخده على كده، وتيام كان قاعد مش فارقله (أهلاوي بالاسم).
أما زيزو كان واقف وهو مركز في إعادة الجول تاني. تيا قربت منه وهي ماسكة ضحكتها بالعافية وقالت.
"بتحب البليلة سخنة ولا باردة؟"
زيزو بصلها وبعدين عدّل هدومه وقال بمنتهى الثقة.
"خلصتوا؟ متفرحوش أوي... ده تسلل يا عسل إنت وهيّا."
الكل اتجمد وبصّوا للتليفزيون تاني بسرعة، لأن بالرغم من إنه زملكاوي، بس هو أكتر واحد فيهم فاهم كورة. كلهم ركزوا وبصوا بترقب وزيزو واقف بيبصلهم بشماتة وهما مستنيين الحكم النهائي.
الحكم أعلن أنه تسلل فعلاً فتيا زعقت بغضب.
"يا نهار أسود!"
سلمى مسكت راسها وقالت.
"لييه"
فارس قعد وقال.
"خسارة والله."
زيزو بصلهم بشماتة وقال.
"قتلتكوا دي عارف."
تيا صرخت.
"الأهلي هيجيب جول تاني دلوقتي وغصب عنك!"
زيزو رد وهو قاعد وبيرفع رجله على الترابيزة.
"طب اقعدي ساكتة ليطقلك عرق."
رجعوا يركزوا تاني في الماتش لحد ما الشوط الأول خلص والنتيجة تعادل زي ما هي.
في الطيّارة.
بعد ما لارا قعدت في كرسيها وربطت الحزام والطيارة أقلعت واستقرت في قعدتها، فتحت الشنطة الصغيرة بتاعتها وطلعت الكتاب اللي فارس ادّاهولها. لمسته بإيديها الأول وهي بتقرأ العنوان وبتكرره كذا مرة وبدأت تقلب أول صفحة.
أول سطر قرأته وكان عادي، خلصت أول صفحة وتاني صفحة، ولما بدأت تقرأ جمل خلت عقلها يشتغل، اتعدلت في قعدتها وفتحت النوتة الصغيرة بتاعتها وبدأت تكتب من غير ما تفكر كل اللي في دماغها في اللحظة دي بعد ما قرأت كذا صفحة وفهمتهم كويس.
بعد ما كتبت إحساسها رجعت تقرأ تاني. الكتاب بيتكلم عن وجود قوة أعظم، مش بطريقة دينية مباشرة... لكن بطريقة تخاطب عقلها الملحد.
بيقارن بين الظواهر العلمية، بين الدقة في الكون، بين قوانين الفيزياء، وبين استحالة إن كل ده يكون "صدفة".
كل صفحة كانت بتسحبها لجوه أكتر، كل أسئلتها ليها إجابات، وإجابات مقنعة تماماً.
حاجبها اتعقد... قلبت الصفحة اللي بعدها.... وقربت الكتاب أكتر من عينيها.
"لو كان الكون بلا معنى، فلماذا يبحث الإنسان بالفطرة عن معنى؟"
رواية اذا أراد النصيب الفصل الخامس 5 - بقلم بتول عبد الرحمن
"لو كان الكون بلا معنى، فلماذا يبحث الإنسان بالفطرة عن معنى؟"
كررت الجملة أكثر من مرة وهي تستوعب معناها، حتى فهمتها كويس. فتحت النوتة بسرعة وكتبت:
"ليه فعلاً؟ لو مفيش خالق، ليه بنسأل أصلاً؟ ليه بندور على إجابة؟ مين اللي حط جوه الإنسان غريزة البحث عن الحقيقة؟"
زفرت ورجعت تقرأ تاني بتركيز.
الكتاب بيشرح إن العقل نفسه دليل، وإن وجود قوانين ثابتة ومستقرة في الكون معناها أن فيه نظام دقيق ومنظم جدًا.
لارا رفعت عينيها عن الصفحة، بصت للشباك وهي بتحاول تفصل شوية من دماغها اللي بقت مليانة. رجعت تاني للكتاب، صفحة ورا صفحة قرأت أكتر وهي مش قادرة تسيب الكتاب.
كتبت في النوتة:
"ببقى عايزة أرد عليه، عايزة أجادله كتير، بس كل مرة بلاقي ردي ضعيف، وبلاقي الحقيقة أقوى."
قفلت النوتة وبصت للكتاب، ساندت ضهرها وابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا، وبعدها فتحت الكتاب تاني... كأنها مش هتسيبه إلا لما تخلصه كله وتشبع فضولها.
***
الشوط التاني بدأ، وبعد كام دقيقة منه كانوا مركزين جداً، خلاص بيجيبوا جول.
تيا وقفت:
"هيجي... هييجي!"
سلمي قالت بهدوء:
"استني."
وجول أخيراً.
تيا وقفت واحتفلت هي وسلمى جامد.
زيزو قاعد متجمد، بيبص للشاشة بغيظ واضح وهو بيسب من جواه. زفر وقال قبل ما تيا تكلمه:
"لسه الماتش مخلصش، متستعجليش يا ست بليلة انتي."
خلاص كان فاضل دقايق على الماتش وينتهي والنتيجة في صالح الأهلي. زيزو كان بيدعي فريقه يجيب جول، والباقي عايزين فريقهم يجيب جول تاني. وفي الوقت الضايع هجمة خطيرة.
زيزو وقف بترقب وقال:
"اهي اهي اهي... اهي جايه!"
واخيراً جول الزمالك.
زيزو زعق جامد بفرحة وفعلياً مسك طرف التيشيرت وقلعه، باس اللوجو وهو بيقول:
"الشرف ده!"
شيري بصتله بفرحة وقلبها كان بيرقص معاه.
سلمى قالت بضيق:
"طب اهدى، لسه فاضل دقيقتين."
فارس بص له وقال بحدة:
"البس تيشيرتك."
زيزو لبس التيشيرت تاني بسرعة وقال بتحدي:
"مش سامع صوت للمنافس رقم 1."
تيا رفعت راسها وقالت بنبرة فيها استفزاز:
"نعم؟ بتكلمني أنا؟"
بصلها وقال بسخرية:
"مش سامعلك صوت يعني، القطة بلعت لسانك؟"
تيا عضت شفايفها ثانية بغيظ، وبعدين طلّعتله لسانها ببطء.
زيزو بص لها ورجع يبص تاني للتليفزيون بدون اهتمام.
الدقيقتين اللي بعد الجول كانوا أطول من عمرهم كله.
تيا بتتنفس بصوت عالي، وسلمى وفارس مركزين جامد، وزيزو واقف على أعصابه.
شيري وتيام قاعدين هاديين وهما بيتابعوا.
الحكم رفع الصفارة... ثانية... ثانيتين... وصفّر.
الماتش خلص وتعادل بين الفريقين.
تيا وقفت وقالت:
"والله حرام."
سلمي قعدت على الكنبة وقالت بضيق:
"أنا... أنا حرفيًا متضايقة."
فارس مسك راسه وقال:
"ايه الحظ ده؟!"
تيام قال ببرود:
"مجتش من مرة يعني، انتوا دايماً تحفلوا عليه."
زيزو قعد مكانه ورجع لورا وقال بثقة رايقة:
"المهم إنكم مكسبتوش."
تيا مسكت مخدة ورمتها عليه:
"مبسوط؟ مبسوط؟!"
قال وهو بيمسكها:
"أه... مبسوط... ومرتاح... وفرحان فيكي."
تيا تمتمت:
"رخم."
زيزو قال باستفزاز:
"هتولعي عارف، معلش تعيشي وتاخدي غيرها."
تيا قالت باستفزاز أكبر:
"السادسة يا زمالك."
الكل ضحك وهو قال بسخرية:
"مش قادر أنا كمان، هموت من الضحك."
فارس رفع حاجبه وقال:
"نسيت كل مرة ولا إيه يا عم زيزو، ما بلاش نفتح وخلينا ساكتين."
زيزو وقف وقال وهو بياخد حاجته:
"لأ لأ الواحد يمشي ليتحفل عليه أكتر من كده."
فارس رد:
"الماتش الجاي التحفيل للركب."
تيا صححت:
"لصابع رجله الصغير."
زيزو ضحك بخفة:
"لما الدقة."
تيا ردت بسرعة:
"اللي مصبرني إني متأكدة إن الماتش الجاي كسبانين وش إن شاء الله."
زيزو هز دماغه وقال وهو بيفتح الباب:
"إحنا فين والماتش الجاي فين."
***
العيادة كانت هادية بشكل يناسب أول اليوم. تيام كان واقف قدام المريض، مركز، وإيديه ثابتة وهو بيشتغل. سلمى كانت واقفة جنبه في وضع الاستعداد، عينيها عليه قبل ما تكون على الحالة.
قال بسرعة من غير ما يبصلها بنبرة عملية وواثقة:
"هاتيلي السكلبر اليدوي الأول وبعد كده جهاز الألترا سونيك."
اتحركت فوراً، ونفذت اللي طلبه وهي كانت مركزة معاه في كل خطوة.
بعد لحظات خلص والمريض خرج. تيام رفع عينه على سلمى وقال فجأة:
"إنتي معايا؟!"
ردت بسرعة:
"آه معاك."
هز راسه وقال باختصار:
"تمام."
رن الجرس إشارة إن الأسيستنت تدخل المريض اللي بعده، واليوم كمل بنفس الإيقاع. حالة ورا حالة لحد آخر اليوم.
آخر مريض خرج وتيام سأل الأسيستنت لو في حالات تاني، بس هي نفت وجود حالات.
تيام بص لسلمى وهو بيخلع الجوانتي وقال:
"طلعي الأكستراكشن ست وحطيهم على المكتب علشان دكتور محمد طلبهم."
سلمي هزت راسها فوراً ونفذت الكلام. وهو التفت لبسنت الأسيستنت وسألها:
"بسنت... كله تمام؟"
ردت بابتسامة صغيرة:
"آه يا دكتور."
بعدها خرج من العيادة، ووراه بسنت وسلمى زي كل يوم.
***
في الطريق.
الجو هادي وتيام سايق على سرعة هادية. قطع الصمت وقال من غير تمهيد:
"في واحدة هتيجي معاكي من بداية الأسبوع الجاي إن شاء الله."
سلمي بصتله بسرعة وقالت:
"هو أنا اشتكيتلك؟"
زوغ بنظره وقال ببساطة:
"لأ بس أنا شواف."
كمل بهدوء:
"وبعدين محتاجك تركزي معايا أكتر، بحسك متشتتة كتير، متنسيش إنك نازلة تدريب معايا."
سلمي طلعت نفس خفيف وقالت بنبرة هادية:
"هو كان عادي، بس طبعًا براحتك... إنت أدرى."
تيام قال بنبرة فيها اهتمام واضح:
"كله علشانك، كفاية كليتك."
سلمي ابتسمت ابتسامة واثقة وقالت:
"هيا آخر سنة، وأنا بقيت كويسة جدًا بفضلك."
ضحك بخفة وهز راسه:
"بفضلك إنتي، إنتي اللي مجتهدة يا سلمى ماشاء الله يعني."
قالت بكل صدق:
"بس طبعًا عمري ما هنسى فضلك."
ابتسامة خفيفة ظهرت على شفايفه بس بص قدامه من غير ما يرد.
***
كانت قاعدة في أوضتها ممددة على السرير وماسكة فونها، بتقلب في الريأكتات والكومنتات على آخر صورة حاطاها بروفايل من كام ساعة. عينها وقفت عند كومنت واحد بس... كومنت زيزو.
كان كاتب: "وش بريء وراه كمية خبث ياربي". وحاطط لايك على الصورة.
قطبت حواجبها بضيق ودخلتله ع الخاص وبعتت:
"ده انت بارد ومستفز."
بعد دقايق بسيطة جالها الرد:
"أنا جيت جنبك يا بنتي."
ردت بسرعة:
"والله؟ أنا خبيثة؟!"
رد بعد ثواني:
"وبالنسبة لبريء دي إيه؟"
ردت بغيظ:
"هفكني من الكومنت كله، بتحطلي لايك؟!"
رد باستفزاز:
"إيه أشيله يعني؟!"
ردت وهي بتحاول بتكتم عصبيتها:
"هيكون أرحم بكتير من اللايك المستفز اللي زيك ده."
كتب:
"طب انتي عايزة إيه يعني؟"
ردت علطول:
"يا تشيله زي الشاطر، يا إما تعمل لاف أو كير."
بعتلها ڤويس وهو بيتكلم باستفزاز:
"هو أنا فاضيلك؟ انتي تحمدي ربنا وتبوسي إيدك وش وضهر إني عملتلك لايك أصلاً."
اتنرفزت وبعتتله ڤويس هيا كمان وصوتها باين فيه الغيظ:
"على أساس إنك بلوجر أو ممثل يعني وأنا بيج فان ليك! غير اللايك علشان معملكش بلوك!"
بعد لحظات بعت ڤويس تاني، صوته فيه تهديد:
"انتي مستهونة بيا ولا إيه يا بت انتي؟ اتظبطي كده وخلينا حلوين، علشان هتخشي تلاقي صف لايكات على كل بوستاتك يخليكي تنطي من بلكونة بيتكم."
سمعت الريك بعصبية وكتبت:
"أنا مش هرد عليك والله، هحاول أحافظ على شوية الهدوء اللي عندي ومش هحرق دمي أكتر من كده."
بعتلها:
"ايوه كده شطورة، اسمعي الكلام."
رفعت عينها في السقف بغيظ، وبمنتهى العصبية قفلت الموبايل كله وحدفته جنبها، بس بعد شوية فتحته تاني وبصت على الريأكتات لقت اللايك اتبدل وبقى كير، ساعتها غصب عنها ابتسمت بابتسامة صغيرة برضا.
***
كان قاعد في أوضته ساند راسه بإيده، شكله غرقان في التفكير. باب الأوضة اتفتح بهدوء ومامته دخلت. أول ما شافها اتعدل في قعدته وبصلها من غير ولا كلمة. قربت منه وسألت:
"بتفكر في إيه؟"
رد بسرعة:
"ولا حاجة."
وقفت قدامه بثبات وقالت:
"ده بدل ما تقولي بفكر أتجوز."
اتنفس بحدة ورد بضيق:
"يا ماما اقفلي على الموضوع بقا، قولتلك مش دلوقتي."
قالت بنبرة فيها رجاء أكتر من عتاب:
"ليه مش دلوقتي؟ تيام خلاص انت كبرت والمفروض تفكر تعمل بيت وأسرة، كنت بحلم أشوفك دكتور وبقيت دكتور قد الدنيا الحمد لله، نفسي أشوف أحفادي بقا."
رفع عينه عليها وقال بهدوء:
"سيبيني أفكر في الموضوع يا ماما، أنا مفيش حد في دماغي."
قعدت جنبه وقالت بلين:
"بس أنا في..."
بصلها باستغراب وسأل:
"ومين بقا؟"
ردت وهي بتبتسم بفخر:
"كارمن بنت خالتك، مهندسة وحلوة، جمال ونسب."
تيام اتنهد، زفر بضيق وقال:
"ماما، أنا تعبت من ضغطك عليا، فيها إيه لو سيبتيني براحتي من غير ما ألاقيكي محاصراني كل شوية كده."
ردت بنبرة زعل:
"نفسي أفرح بيك انت واختك، مستكترين عليا الفرحة؟ انت في حد في حياتك طيب غير كارمن ونجوزهالك."
سكت لحظة... بص في الأرض كأنه بيحارب نفسه قبل ما يرد، وأخيراً قال بمنتهى الهدوء:
"طيب يا ماما، زي ما تحبي."
وقفت قدامه وقالت بسرعة:
"يعني إيه؟!"
قال بنفاذ صبر واضح:
"يعني كارمن كارمن، مش فارقة."
سألته بفرحة واضحة:
"بتتكلم بجد؟!"
رد وهو ماسك ضيقه بالعافية:
"وهيا المواضيع دي فيها هزار؟"
قالت بحماس:
"أخيرًا! دي خالتك ما هتصدق، هروح أكلمها دلوقتي."
خرجت بسرعة والفرحة مش سايعاها. تيام قعد مكانه وبص في الأرض وفكرة واحدة فضلت تلف حواليه... إيه اللي خلاني أوافق؟ وليه أصلًا وافقت؟ زفر بضيق، غمض عينيه بتعب وكأن القرار اللي قاله توه قلبه أكتر ما ريحه.
***
خرجت تيا من أوضتها وهي حاسة بملل وبتدور على أي حد تتسلى عليه. لقت مامتها قاعدة في الصالة بتتكلم في التليفون وابتسامتها من الودن للودن. قربت منها بهدوء وهي بتحاول تسمع هيا بتقول إيه وسمعتها بتقول بخفة دم واضحة:
"هشوف معاد مناسب بعيد عن الخميس، ممكن الجمعة، كده كده هكلمك."
قفلت المكالمة بسرعة وتيا رفعت حواجبها وقالت بشك:
"في إيه؟ معاد إيه اللي تشوفيه يوم الجمعة؟"
سمية (مامتها) ردت بفرحة:
"أخوكي هيخطب كارمن."
تيا اتصدمت، حاولت تستوعب وبعدين قالت:
"بجد؟!!! أخيرًا يا ربي قرر يتجوز!"
جريت علطول وفتحت باب أوضته من غير استئذان كالعادة. لقته ساند ضهره على السرير ومغمض عينيه. رفعت صوتها عمداً وقالت بفرحة:
"مـيـن زينا الليلة؟ عروستنا حلوة جميلة!"
تيام فتح عينيه وبصلها بحدة وقال:
"تيا اطلعي بره، واقفلي الباب وراكي."
وقفت قدامه وحطت ايديها على وسطها وقالت:
"أنا عارفة إنك مكسوف، وشوية وهتداري وشك و......"
قاطعها وهو بيشد نبرة صوته بحدة:
"أنا مش فاضي لسخافتك، قولتلك اطلعي بره."
ضحكت وقالت:
"هما اللي هيتجوزوا بيكونوا رخمين كده؟ أوعى تكون مغصوب؟"
تيام بصلها بحدة وقال:
"أسيبلك البيت وامشي يعني؟! اتفضلي بره يلا!"
تيا لأول مرة حسّت إن الموضوع مش هزار. قربت منه خطوة وقالت بقلق:
"انت متضايق بجد ولا إيه؟ هو في إيه؟"
بدون كلمة، قام من مكانه، مسك دراعها جامد وفتح الباب وخرجها برا الأوضة وقفل الباب جامد.
تيا وقفت مكانها وبصت للباب ومسكت دراعها بوجع. اتصدمت من رد فعله، راحت لسمية وسألت:
"هو تيام ماله؟"
سمية بصتلها بهدوء وسألت:
"ماله؟"
تيا قعدت جنبها وقالت بضيق:
"كان شوية وهيقوم يرميني من البلكونة مش بس يطردني من أوضته!"
سمية نفخت وقالت:
"سيبيه دلوقتي يمكن مشغول."
تيا زفرت:
"مشغول بإيه؟ ده داخل على خطوبة مش على امتحان ثانوية عامة."
سمية بصتلها بتحذير فوقفت وقالت:
"أنا هنزل لعمتو."
سمية وقفتها بنبرة حادة:
"متجبيش سيرة لحد."
تيا لفتلها وقالت:
"ليه؟"
قالت بوضوح:
"أبوكي هو اللي هيقول لعمتك، هو أحسن."
تيا سكتت لحظة، ضمت شفايفها وهزت راسها باستسلام وبعدين مشيت وهي بتتمتم لنفسها:
"طب ما تقولولي في إيه بدل اللف والدوران ده."
***
تاني يوم.
سلمي رجعت من الكلية وإحساس الإرهاق مسيطر عليها. أول ما دخلت البيت شافت شيري قاعدة ماسكة فونها بتقلب فيه. سلمي رمت الشنطة وقالت:
"إيه الأخبار؟"
شيري بصتلها نص بصة وقالت:
"زي ما سبتيها."
سلمي رفعت حاجبها وسألت:
"وفين ماما؟"
شيري شاورت ناحية الأوضة:
"مع خالو جوه."
سلمي قالت باستغراب:
"خالو أشرف؟!"
شيري هزّت راسها بتأكيد. سلمي كانت لسه هتدخل أوضتها بس لقتهم خارجين والاتنين وبيضحكوا. حنان قالتله وهي ماسكة إيده:
"ألف ألف مبروك!"
أشرف رد وهو بيبتسم بحب:
"الله يبارك فيكي عقبال ولادك."
بعد ما مشي سلمي وشيري وقفوا وبصوا بفضول، عينيهم على مامتهم اللي رجعت تبصلهم بوش مستبشر. سلمي سألت بفضول:
"مبروك على إيه؟"
حنان قالت بكل بساطة:
"تيام هيخطب بنت خالته."
رواية اذا أراد النصيب الفصل السادس 6 - بقلم بتول عبد الرحمن
"تيام هيخطب بنت خالته."
صدمة. صدمة حقيقية حست بيها سلمى كأن حد خبطها على دماغها.
وقفت مكانها لحظة كأن الكلام نزل عليها فجأة ومخها رفض يستوعبه. رفعت عينيها بسرعة لمامتها كأنها بتحاول تتأكد إنها سمعت صح.
"تيام... هيخطب؟"
"والله؟ طب كويس."
سلمى مقدرتش تخبي ارتباكها وسألت:
"بنت خالته مين؟!"
"كارمن."
سلمى ملامحها اتشدت وقالت بسرعة:
"بجد؟ هيخطبها بجد؟ امتى؟!"
"يوم الجمعة قراية الفاتحة."
سلمى وقفت ساكتة لحظات بتستوعب. شيري لمحت الارتباك اللي اختها حاساه، قربت منها خطوة وهمست:
"إنتي كويسة؟"
سلمى ابتسمت بالعافية وردت:
"آه يا بنتي، هو أنا كنت مالي؟"
أخدت شنطتها وبصوت مهزوز قالت:
"أنا... انا داخلة أوضتي، هنام، ماشي؟"
دخلت قبل ما تسمع أي رد. شيري لحقتها ودخلت وراها. ولما فتحت الباب لقتها قاعدة على طرف السرير، نفسها متلغبط وبتتنفس بصعوبة. قربت منها وقالت بقلق واضح:
"سلمي... مالك؟"
سلمي لفت وشها بسرعة الناحية التانية وقالت:
"مفيش، إنتي جاية ورايا ليه؟ أنا قولت هنام."
شيري وقفت قدامها من غير ما تتحرك وسألت:
"بتحبيه صح؟"
سلمي زوغت بعينيها وقالت بخفوت:
"ليه بتقولي كده؟"
"من رد فعلك دلوقتي، ومن حاجات كتير قبل كده. بس انتي مش من حقك تتضايقي، انتي دايمًا كنتي بتعامليه على القد، بتحطي حدود واضحة وعمرك ما لمحتي إن ممكن يبقى في حاجة بينكوا. كنتي بتتعاملي كإنكوا مجرد قرايب. أنتي اللي مسمحتيلوش يقرب أكتر أو حتى ادتيله فرصة أو واربتي الباب."
"علشان أعزز نفسي، علشان يبقى صعب الوصول ليا، علشان اللي عايزني أنا قدامه ومش أنا اللي ببادر."
"بس ده مش كان كلامك من يومين بس، انتي اللي قولتيلي أغير من نفسي علشان أعجب. ده كلامك ليا."
"علشان نفسك إنتي الأول، علشان نفسي اشوفك في حته تانية غير اللي انتي حاطه نفسك فيها. عايزاكي تكوني احسن لنفسك الاول."
"بس دي أنا، ومش هتغير عشان أعجب. اللي اعجبه زي ما انا هو ده اللي يستاهلني."
"وادي النهاية جت، اهي النهايه يا شيري. شوفي اللي ممكن تعجبيه، اكيد هتلاقي اللي شبهك، وانا هلاقي اللي شبهي برضو. لاني مش ندمانه ولو رجع بيا الزمن هيا دي انا ودي شخصيتي ومش هسمحله يقرب مني اكتر من الحدود اللي حطاها. البنت لا ينفع تبادر ولا تحاول تلفت الإنتباه ولا حتى تغير من نفسها عشان تعجب وده الصح. مهما كان اللي حصل أو اللي هيحصل دي بتاعت ربنا. ودلوقتي سيبيني عايزه انام."
مددت وغطت وشها بالغطا كأنها بتحاول تخبي وجعها. شيري وقفت لحظة تبصلها بنظرة مليانة أسف وبعدين خرجت.
أول ما الباب اتقفل انهارت. دموعها نزلت بقهر. يمكن عينيها منه من زمان، من زمان جدا كمان. كانت متأكده من مشاعره وأنه اكيد بيحبها خصوصا معاملته معاها. كانت خاصه ومميزه. بس ليه كان بيهتم بيها لما هو مش بيكن ليها أي مشاعر؟ بس هيا متأكده من مشاعره ناحيتها. متأكده انه اكيد بيحبها. كانت بتعامله بحدود واضحه وعمرها ما سمحتله يتمادى بالرغم من أنها بتموت فيه. كان بيعاملها كأنها البنت الوحيده في العالم. طب ايه السبب اللي خلاه يخطب غيرها اصلا.
كانت بتحبه من زمان... زمان اوي. كانت متأكدة من مشاعره، من اهتمامه، من معاملته اللي كانت مختلفة ليها عن الكل. طب ليه؟ ليه ما حاولش؟ ليه مبادرش لمره؟ ليه يهتم بيها بالشكل ده وهو مش ناوي يكون معاها؟ هو فعلاً مكانش بيحبها وهيا بتتوهم؟
عند الفكرة دي مقدرتش تستحمل وحضنت نفسها كأنها بتحاول تحمي نفسها.
***
كان قاعد وفونة رن برقم دولي. أول ما شاف الرقم عرف علطول إنها هيا. رد بسرعة وابتسامة واسعة اترسمت على وشه وبيقول:
"أنا قولت نسيتيني."
"مقدرش، بس كنت مشغولة جامد الأيام اللي فاتت."
"إيه الأخبار؟!"
صوتها جه أهدى:
"بخير إلى حد ما. وصلت اسبانيا امبارح بعد ما خلصت شغلي."
فارس اتعدل في قعدته وسأل بفضول:
"شكلك خلصتي الكتاب، صح؟"
سكتت لحظة وبعدين ردت بهدوء:
"آه، خلصته كله في نفس اليوم. مقدرتش أنام اصلا غير لما أخلصه."
ابتسامته كبرت بس قال بثبات:
"المهم، إنتي حاسة بإيه بعد ما خلصتيه؟"
نفسها اتلغبط قبل ما صوتها يخرج:
"اتشتت... اتشتت جدًا. الكتاب مش بيكلمني بالدين لاء بيكلمني بالعقل. جاوب أسئلة أنا عمري ما سألتها اصلا والمشكلة إن كل الإجابات كانت مقنعة."
"طبيعي جدًا تحسي بتشتت. أنا اخترت الكتاب ده بالذات ليكي علشان هو بيتكلم بالعقل مش بالدين، وإنتي أصلًا مش مقتنعة بالدين، فكان لازم الحاجة تدخل لعقلك الأول."
"بس في سؤال مش عارفة أنا نفسي أجاوب عليه."
"إيه هو؟"
قالها فارس باهتمام فسألت:
"إحنا ليه أصلاً موجودين؟ إيه الغرض من وجودنا؟ كنت فاكرة علشان نشتغل ونكسب فلوس ونستقر ونجيب أطفال يكملوا نفس الرحلة. بس برضو إيه الاستفادة؟ اللي اعرفه إن بعد ما الإنسان بيموت بيشوف شاشة سوده. فهل فعلًا روحه بتتنقل لجسم تاني بعد ما بتفقد ذاكرتها؟ مش فاهمه بصراحه."
سكت فارس لحظة، اخد نفس طويل طلعه على مراحل وبعدين قال:
"بصي يا لارا، الإنسان موجود علشان يعمل الصح ويعبد ربنا وده الاهم. ربنا خلقنا علشان نعبده هو بس، نمشي في الحلال ونبعد عن الغلط والحرام. وبعد ما الإنسان بيموت بيتدفن وبعد كده يوم القيامة ييجي. اليوم اللي محدش يعرف معاده غير ربنا. ساعتها كل إنسان هيتحاسب. الكويس يدخل الجنة والوحش النار بس ربنا لوحده اللي مسؤول وهو اللي بيدخلنا. والعبادة... هي أول حاجة هنتسأل عنها."
"يعني، الهدف من وجودنا هو العبادة؟"
"بالظبط. الحياة رحلة صغيرة واحنا ضيوف فيها، والضيف لازم يكون خفيف. وأنا عايز ابقى خفيف مثلا علشان مش عايز اخسر آخرتي. الدنيا ما هيا الا مرحلة وهتخلص."
سكتت شوية، صمتها كان أعمق من ألف سؤال وقالت:
"يعني... لازم اختار ديانة علشان أعرف أعبد ربنا وادخل الجنة، صح؟ إنت قلتلي إنك مسيحي، وأنا عايزة أبقى مسيحية."
فارس اتجمد لحظة وبعدين صوته جه أهدى مما توقعت:
"مينفعش تكوني مسيحية علشاني، ده اسمه تقليد مش اقتناع، وده أخطر شيء. أنا قولتلك أن الإيمان اهم حاجة."
"بس أنا بثق فيك، وكل إجاباتك مقنعة بالنسبالي وده كفاية. أنا لما رجعت اسبانيا وسألت بابا أسئلة كتير زي اللي سألتهالك كان متشتت تماما وبعض الأسئلة مكانش ليها جواب عنده ولا عارف يرد. وفي اسئلة كان بيجاوبها وانا متأكده أن هو نفسه مش مقتنع بيها بس بيريح ضميره. لأول مره احس إننا كلنا غلط."
فارس كان بيسمعها بتركيز ورد بهدوء:
"موضوع انك بتثقي فيا ده مش كفاية يا لارا. أنا جايز اكون غلط. انتي لازم تختاري بعقلك إنتي. هقولك على كتب تانية... لازم تقرأي... تفهمي... ولما تقتنعي بديانة بإرادتك ساعتها بس تبقي اختارتي صح. لو فعلا عايزه تكوني صح دوري زي ما دورتي على ايمانك بالله. خدي كل وقتك بس اعملي الصح."
"طيب، أوعدك إني هدور كويس، بس عندي سؤال أخير ومهم."
"اسألي علطول."
"هل ربنا ممكن يسامحني لإني كنت مش مؤمنة بوجوده؟ أنا مكنتش مقتنعة بس دلوقتي بدأت أشوف... بدأت أفهم... فهمت أن أكبر دليل على وجود الله هو العقل اساسا، والجسم نفسه بيقول إن مستحيل كل ده يكون صدفة. دراسة جسم الانسان بتقول ان مستحيل حد يعمل جسم الإنسان غير قوة عظيمة بس. العلم قبل الدين بيوضح كل ده، فهل ربنا هيسامحني؟"
رد فارس بدون تردد، صوته كان ثابت ومليان يقين:
"من غير أدنى شك، ربنا بيسامح دايمًا، أبواب التوبة مفتوحة علطول."
"طمنتني..."
عدت لحظات صمت وبعدين قالت:
"فارس...؟"
"معاكي."
"بجد... شكرًا، أنا مبسوطة إني عرفتك، انت جميل."
ابتسم غصب عنه وصوته خرج دافي:
"العفو يا لارا، أشوفك على خير."
لأول مرة في حياتها قالت باقتناع تام:
"في رعاية الله."
ابتسامته وسعت وهو بيرد:
"وإنتي كمان في رعايته."
قفل معاه وفكر شوية في كلامها. هيا بجد عقيدتها في الإلحاد اتزحزحت. هيا دلوقتي بتدور على ديانه علشان تكون مقتنعه 100% بوجود الله. بعتلها اسامي كتب ل 5 ديانات تقرأهم:
المسيحيه (الإنجيل العهد القديم والجديد)
الإسلاميه (القرآن الكريم)
الهندوسيه (الڤيدا)
البوذية (تيبتيكا)
اليهوديه ( التوراة)
وبعتلها:
"دول أشهر 5 ديانات في العالم، معاهم الكتب بتاعت كل ديانة عايزك تقرأي كل كتاب كويس فهميه ولو مقتنعتيش بأي ديانة منهم انا معاكي للآخر."
***
بالليل
سلمي خرجت من أوضتها، بصت لشيري وسألت بقلق:
"هو النت ماله؟!"
شيري بصتلها بهدوء وردت:
"تم استهلاك 100%."
سلمي رفعت حاجبها باستغراب:
"بالسرعة دي؟"
شيري هزت راسها وقالت:
"واخدين على كده عادي."
سلمي اتنهدت وقالت:
"طب هنزل أشحنه."
فتحت باب الشقه وخرجت. قلبها وقع لما شافت تيام نازل من فوق. خطواته رزينه، نظراته هادية بس فيها اهتمام. بصلها وقال بنبرة هادية:
"إزيك؟"
سلمي رفعت عينيها ليه لحظة، حاولت تتدارك الموقف بسرعه وردت ببرود وهيا بتحاول تخفي أي أثر لمشاعرها:
"كويسة."
ومشيت بعد كده على طول من قدامه من غير ما تستني رد أو تسيبله فرصه يتكلم حتى.
تيام وقف مكانه ثانيتين، عينه اتشدت عليها باستغراب. بص لطيفها بحزن وكمل طريقه.
***
تاني يوم
سلمي نزلت من البيت بخطوات هادية، ملامحها ساكنة زيادة عن الطبيعي. هدوء بعد ليلة طويل، بعد انفجار. كانت ماسكة شنطتها ولابسة نضارتها والعبوس واضح على وشها.
تيام كان واقف جنب العربية مستنيها. أول ما شافها عدل وقفته استعداد. قربت وقالت بنبرة سريعة وباردة:
"صباح الخير."
رفع حاجبه باستغراب من طريقتها الحادة ورد:
"صباح النور... إنتي كويسة؟"
ردت فورًا:
"الحمدلله."
ركبت العربية من غير ما تبصله، قفلت الباب وبصت قدامها على الطريق طول الطريق.
كان مستغرب من تجاهلها الواضح بالرغم من هدوئها. حاول يسألها تاني لو كانت فعلا كويسه او يفتح اي كلام، بس كل مرة يجي يبص عليها، يلاقيها سرحانة، أو بتعمل نفسها مشغوله بفونها.
ركز في الطريق، بس عقله كان كله عليها. وهيا كانت حاسه بتشتته ناحيتها بس مهتمتش. ركزت قدامها وبس.
***
شيري كانت قاعدة مع صاحبتها في البيت. صاحبتها مروه اللي قاعده قدامها عينيها مليانة حماس، على وشها ابتسامه واسعه وهيا بتحاول تقنعها:
"بس صدقيني وجودك معانا هيفيدك أكتر، أحسن مليون مرة من قعدة البيت دي، مش فاهمه ليه لسه رافضة!"
شيري عضت شفايفها وقالت بصوت خفيف:
"مش حابة، مش حابة أخرج اشتغل، حاسة إني مش جاهزة."
مروة بصتلها بإصرار وقالت:
"بس يا شيري فكرّي معايا شوية، قعدتك في البيت ولا ليها أي لازمة، انتي اكلك تحفه ولو نزلتي هتحسي بقيمة نفسك أكتر ويبقى قدامك فرص كتير اوي لشغل كتير في مجالنا، وبعدين مين عارف؟ يمكن تتنقلي نقله تانيه، انتي احلى واحدة بتعرف تعمل اكل فينا ونفسك في الاكل تحفه."
"بس أنا متعودة على البيت ومش قادرة ابدأ شغل على الأقل دلوقتي."
مروة ابتسمت وقالت وهيا بتحاول تحسسها بالراحه:
"فاهمة شعورك، بس بجد هتندمي بعدين، انزلي جربي يا ستي ولو مرتحتيش سيبي الشغل."
شيري سكتت شويه تفكر في كلامها. مروة كملت بحماس:
"صدقيني، هتحسي بالحرية وانتي بتعملي حاجة انتي بتحبيها، مع الوقت يمكن طموحك يكبر اكتر واكتر."
شيري اتنهدت وحست بتردد. مروة ضحكت بخفة وقالت:
"هااااا، هتنزلي؟!"
شيري فضلت ساكتة، اتنهدت ببطء، وابتسامة صغيرة ظهرت على وشها وهيا بتقول:
"طيب، هسمع كلامك، بس طبعا هقول لماما وفارس الأول."
مروة ضحكت بخفة، بصتلها بحماس وقالت:
"بس اقنعيهم هااا؟!"
شيري هزّت راسها بسرعة وقالت:
"حاضر هحاول."
***
تيا كانت واقفة قدام البوابة بتاع البيت وكل شوية تبص في فونها وهيا مستنية أخو صاحبتها يوصل لصاحبتها حاجه طالباها. بعد دقيقه ظهر قدامها، سلمت عليه وابتسمتله وادته الكيس، وهيا بتسلمه الحاجة لمحت من بعيد زيزو نازل من عربيته، ماشي بالراحة ناحيتها ونظره ثابت عليها بشكل واضح. كان مركز معاها ومع الولد اللي لسه ماشي. قرب أكتر ووقف قصادها وسأل بضيق:
"مين ده؟ وكنتي واقفة معاه ليه؟!"
تيا رفعت حاجبها وردت:
"صباح الخير؟!"
بصلها وقال بحدة أهدى شوية:
"صباح النور... مين ده بقا؟!"
تيا نفخت وقالت:
"أخو صاحبتي."
قرب زيادة وسأل:
"وبيعمل إيه أخو صاحبتك هنا؟!"
ردت بنفاذ صبر:
"مفيش... صاحبتي طلبت مني طقم تحضر بيه مناسبة، وهو كان أقرب من هنا فاخده هو."
سكت لحظة وهو حاسس بضيق وبعدين لفّ يبص للولد اللي مشي بعيد وقال:
"أممم... قولتيلي."
تيا شبكت إيديها وقالت وهي بتبصله:
"إنت لسه صاحي وجاي على هنا ولا إيه؟!"
اتتاوب وهو بيقول:
"الزفت فارس صحاني، جايبني على مَلى وشي وأنا نايم متأخر."
تيا ردت بسخريه:
"آه انت هتقولي ما هو واضح، وبعدين الساعة 1 عايز تنام إيه أكتر من كده؟"
رد:
"ما تبطّلي لماضة ويلا اطلعي قدامي، كفاية واقفه في الشارع أكتر من كده."
مشيت جنبه وهيا بتقول بضيق:
"شايفني واقفة برقص في الشارع يعني؟"
قال وهو بيبصلها بقرف:
"أنيل... بأخو صاحبتك الملزّق ده."
تيا بصلته بضيق وقالت:
"هو عملك حاجة علشان تشتمه؟"
رد بضيق واضح:
"مش عاجبني... عندك مانع؟!"
وصلوا قدّام الباب، تيا رنت الجرس وهي بتقول:
"ماشي تعيب في خلق ربنا ومشوفتش نفسك."
رد وهو رافع دقنه بثقة:
"علشان أنا قمر أنا عارف، ده كل البنات بتجري ورايا."
تيا قالت بسرعة:
"آه انت هتقولي."
الباب اتفتح وظهرت شيري بتبصلهم باستغراب أنهم مع بعض. زيزو ابتسمهلها وقال:
"إزيك يا شيري."
شيري ردت:
"الحمد لله، اتفضل."
دخل وتيا دخلت وراه. شيري بصت لزيزو وقالت:
"فارس في أوضته ما انت عارف."
زيزو هزّ راسه وقال بغضب مصطنع:
"عارف... حسبي الله ونعم الوكيل."
تيا ضحكت وشيري بصتلها باستغراب واضح وسألت:
"جايين مع بعض يعني؟!"
تيا قالت وهي بتدخل الصالة:
"قابلته تحت."
شيري رفعت حاجبها وقالت:
"وانتي كنتي تحت بتعملي إيه؟!"
تيا اتنرفزت وقالت:
"أعلّق على وشي ورقة مكتوب عليها يعني؟ كنت يا ستي بدي لأخو سما الطقم اللي طلبته مني علشان عندها مناسبة."
شيري بصتلها بشك وقالت:
"صدفة غريبة."
تيا قالت بسرعة:
"ولا غريبة ولا حاجة... بتكعبل فيه كتير."
شيري ضيقت عنيها وسألت:
"هو سألك انتي كنتي تحت بتعملي إيه؟!"
تيا ردت:
"سألني بس... ده استفسر، فضولي أوي."
شيري قالت بشرود:
"يمكن..."
رواية اذا أراد النصيب الفصل السابع 7 - بقلم بتول عبد الرحمن
في العيادة كانت سلمى واقفة جنبه وهو بيشتغل، بتناوله الأدوات قبل ما يطلبها حتى، شغلها مظبوط جداً كأنها روبوت. تيام كان بيبصلها كل شوية، ملامحها ثابتة، شكلها مرهق، وعينيها مفيهاش الحياة اللي متعود عليها.
أول ما المريض خلص وخرج بدأت ترتب الأدوات من غير ما تستنى منه كلمة.
سأل: "سلمى... في حاجة؟"
من غير ما تبصله ردت: "لأ يا دكتور كله تمام."
بعد ما خلصت بصتله وقالت: "استأذن دقيقة يا دكتور."
خرجت من الأوضة بسرعة قبل ما يرد بخطوات سريعة، رجعت بعد دقايق وهي غاسلة وشها وعينيها فيها احمرار.
بصلها ونده بهدوء: "سلمى."
رفعت عينها وبصوت هادي شبه خالي ردت: "نعم يا دكتور؟"
سأل بترقب: "إنتي متغيّرة، في إيه؟"
ردت بسرعة: "مفيش."
زفر وقال بضيق: "مفيش إزاي؟"
ردّت ببرود: "زي ما سمعت."
بصلها من غير ما يتكلم وهيا لما لاحظت نظراته قالت: "أكيد لو في حاجة تخص الشغل هقول."
وقفت لحظة قبل ما تكمل ببرود مؤلم: "غير كده مفيش."
زيزو كان قاعد في الصالة مستني فارس يغير هدومه علشان ينزل معاه، كان مغمّض عينيه ورايح في النوم ورجله فوق الترابيزة. تيا قربت منه بخطوات هادية، مسكت كوباية مية صغيرة وبدأت تصب على شعره بالراحة كأنها بتسقي زرعة مثلاً.
زيزو فجأة اتنفض وقام وقف بسرعة، بصّلها بصدمة وكان على وشك يشتمها شتيمة تقيلة بس هي سبقت وقالت وهي بتضحك جامد: "إيه إيه؟!"
قال وهو بينفض شعره: "أقسم بالله هتخرجيني عن الملة!"
ضحكت أكتر وقالت: "لقيتك شوية وهتدخل تريح قولت أفوقك."
قال بغيظ: "مستفزة."
ردت ببرود: "من بعض من عندكم."
شيري جت وهي شايلة صينية عليها كوباية قهوة. مدتله الصينية، أخد الكوباية وقال بلطف عكس ما كان مع تيا: "شكراً يا شيري... تسلم إيدِك."
ردت بابتسامة: "بالهنا."
بص لتيا وقال: "شايفة؟ مش زي ناس."
ردت بسخرية: "هه؟ أدخل أعملك غدا يعني ولا إيه؟"
قال ببرود وهو بيشرب من القهوة: "لأ لسه مفطرتش."
شيري قالت بلهفة: "في فطار جوه، هدخل...."
قاطعها بسرعة: "لأ لأ أنا بهزر، مش بفطر دلوقتي أكيد، شكراً على اهتمامك."
شيري قالت بجدية: "بتكلم بجد والله."
زيزو قال بابتسامة خفيفة: "تسلمي ربنا يخليكي."
تيا بصتله وقالت: "عيل طِفس أصلاً."
شيري بصتلها بتحذير، فتيا قالت: "بكذب أنا يعني؟!"
زيزو هز أكتافه وقال: "لأ مش بتكذبي، أنا فعلاً طفس مش معلومة جديدة."
شيري قالت: "عيب يا تيا."
زيزو ضحك: "لأ عادي، واخد على قلة ذوقها، هيا أول مرة يعني؟"
تيا شهقت: "أنا قليلة الذوق؟!"
قال وهو بيشرب من كوباية القهوة بمنتهى الاستفزاز: "آه."
تيا اتقمصت فوراً وقالت: "ماااشي... شكرًا."
راحت قعدت على الكنبة البعيدة وهو بصوت عالي قال: "بس بحبها."
تيا بصتله باستغراب فصحح: "قلة ذوقك يعني."
لفت وشها فقال: "هو أنا أقدر أعيش من غيرها؟"
بصتله فقال: "قلة ذوقك برضو."
ابتسامة صغيرة اترسمت على شفايفها، أول ما شافها قال: "ضحكت يعني قلبها مال."
كل ده تحت أنظار شيري اللي كانت بتبصلهم بنظرة شك واضحة جداً.
خلص اليوم وسلمى نزلت بسرعة من العيادة استنته ينزل، كان ماشي بهدوء لحد ما وصل للعربية، فتحلها الباب زي كل يوم وهيا قعدت وقالت برسمية: "شكراً."
من غير ما تبصله ولا حتى لمحت إنه واقف مستني نظرتها، ركب هو كمان وبصلها وقال بنفاذ صبر: "سلمى... هو أنا عملتلك حاجة؟ ضايقتك؟"
ردت فوراً: "أبدا، معملتليش حاجة."
سأل بسرعة: "أومال؟"
قالت ببساطة: "مفيش... أنا بس تعبانة شوية."
يصلها شوية يقيس مدى جديتها بس في الآخر قال: "لأ ألف سلامة."
شغّل العربية واتحرك، الصمت كان عامم ليهم حول الطريق لحد ما وصلوا. أول ما وصلوا البيت، مسكت شنطتها بسرعة وقالت قبل ما تنزل: "شكراً."
ونزلت بسرعة من غير ما تستنى ثانية زيادة.
تيام فضل قاعد في العربية، إيده لسه على الدريكسيون، وعينه على البوابة اللي دخلت منها، وفي الآخر ركن عربيته ونزل.
عدى كام يوم مثلاً، شيري واقفة في مطبخ كبير جداً وسط ريحة الأكل المختلطة اللي في المطبخ، صوت السكاكين بيخبط في الطراطير، والشيفات رايحين جايين بسرعة. أول يوم شغل رسمي ليها في المطعم ده، كانت واقفة في مكانها مركزة أوي وهي بتجهز الأكلة الجديدة اللي اتطلبت منها، ايديها بتتحرك بثبات رغم التوتر الخفيف اللي حاسة بيه.
فجأة وقف حد جنبها، شيف شكله كبير شوية في المكان، له هيبة كده من غير ما يتكلم. بصلها وقال بنبرة لطيفة: "شكلك جديدة هنا."
شيري رفعت عينيها بسرعة، مسكت السكينة اللي كانت هتقع منها بإحكام وقالت بهدوء: "آه فعلاً."
ابتسم بخفة وعرف نفسه: "أنا آسر."
شيري بادلته الابتسامة: "أنا شيري."
"اتشرفنا يا شيري، لو مفيهاش رخامة ممكن تقوليلي بتحضري إيه؟"
اتنهدت من السؤال اللي فعلياً شايفاه طبيعي في الشغل وقالت: "لأ عادي، بس المفروض ده مطلوب يعني."
قرأ الطلب المكتوب وبصلها بسرعة: "لحمة فيليه مشوية بصوص المشروم؟"
ضيق حواجبه وقال: "هتعرفي تعمليه؟"
شيري رفعت حواجبها بنظرة كلها ثقة ممزوجة بلمحة تحدي وقالت: "أومال أنا موجودة هنا ليه؟ إن شاء الله هعمله."
آسر رد بابتسامة خفيفة: "بالتوفيق طبعاً... ولو احتاجتي أي حاجة أنا جنبك هنا."
شيري اكتفت بهزة بسيطة من رأسها: "شكرًا."
رجعت تكمل شغلها، ابتسامة خفيفة اترسمت على شفايفها.
آخر اليوم سلمى وقفت قدام تيام وهي بتبصله وقررت تتكلم معاه أخيراً، اليوم كله وهي بتحاول تهرب من عينيه ومن وجوده ومن كل اللي بيجمعهم غصب عنها. قعدت قدامه، رفعت عينيها ليه لأول مرة من أيام، عينيها كانت هادية بس وراها حاجات كتير.
قالت بنبرة مستقرة لكن جواها ارتباك: "عايزة أتكلم معاك."
تيام رفع راسه ليها، بس في عيونها اللي وحشته وقال بهدوء: "اتفضلي."
سلمى بلعت ريقها وقالت: "أنا خلاص... خلاص مش، مش عايزة أجي معاك هنا تاني."
شيري خلصت شغلها في المطبخ أخيراً بعد يوم طويل وشاق بالنسبة ليها، بالرغم من تعبها بس كانت حاسة أنها خفيفة جداً، كفاية أنها قدرت تعمل حاجة هي بتحبها فعلاً وكأنها لقت مكانها المناسب. كانت ماشية جنب مروة اللي كانت بتتكلم وهيا مركزتش في معظم كلامها. مروة قالت بنبرة هادية فيها طبطبة وخبرة شغل: "طبيعي تكوني أبطأ مننا لأنه أول يوم، بكرة هتتعودي وتكوني أحسن كمان، وكمان هتعرفي تعملي المنيو كله بسهولة، كلنا كنا كده بس اتعودنا، متقلقيش انتي شاطرة جداً وبتستوعبي بسرعة."
شيري ابتسمت بخفة وهي بتعدل شنطتها على كتفها: "أديكي قولتي أول يوم، وأنا مش مستعجلة إني أكون بيرفكت يعني، أنا نازلة رفاهية أكتر من شغل."
مروة بصتلها وقالت بحب: "وبرغم كده نفسك في الأكل لا يُعلى عليه، متعرفيش أنا كشيف بحب آكل من إيدك قد إيه، إنتي بتعملي الأكل بكل حب."
ضحكت شيري وقالت: "بالهنا على قلبك."
مروة نكزتها بخفة وقالت: "طب ما قولتيش، انبسطتي؟"
شيري رفعت أكتافها وقالت بصراحة: "يعني، حسيت إني مرتاحة شوية، بصراحة أحسن من البيت."
مروة ضحكت وقالت: "ولسه! صدقيني هتحسي الشغل ده جزء مهم أوي من يومك."
شيري ردت: "اممم، يمكن."
وبعد صمت بسيط سألت: "مين شيف آسر؟"
مروة ابتسمت كأنها مستنية السؤال: "شيف آسر ده صاحب المطعم، بس بيحب الطبخ أكتر من أي حاجة تانية، بيحب أوي يتعامل مع الشيفات، تقدري تقولي الأكل هي لغته، لدرجة إنه مش بس بيشرف علينا لاء، زي ما شوفتي بيطبخ زينا كمان."
شيري سرحت لحظة وقالت بصوت واطي: "حلو إن يكون عندك مطعم بتاعك، تطبخي فيه براحتك ويكون ملكك، شعور حلو مش كده؟"
مروة ردت وهي بتتنهّد تنهيدة طويلة: "ده أكبر أحلامي بجد، بس للأسف صعب."
شيري بصتلها وقالت: "أهي أحلام، والأحلام مش بفلوس يا مروة."
مروة ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: "على رأيك."
رواية اذا أراد النصيب الفصل الثامن 8 - بقلم بتول عبد الرحمن
تيام بصلها باستغراب، حاول يفهم قصدها.
"هتيجي لوحدك يعني؟ ده اللي عايزاه؟"
قالت بسرعة قبل ما يفهم غلط:
"لاء، مش هتدرب معاك تاني يعني."
رفع حواجبه باستغراب حقيقي وقال بغباء:
"مبقتيش محتاجة تدريب وعايزه تشتغلي معايا يعني؟!"
هزت راسها بنفي وقالت:
"أنا لسه محتاجة تدريب طبعًا... بس أنا حاسة إني مش مرتاحة هنا، يعني هتدرّب تحت إيد دكتور تاني مع واحدة صاحبتي."
تيام سكت... حرفيًا سكت، الكلام وقع عليه تقيل، وبعد فترة صمت طويلة قال بصوت ثابت ملوش أي تعبير:
"يعني مش عايزه تتدرّبي معايا... وفي دكتور تاني هتدرّبي معاه؟ صح كده؟"
سلمي هزت راسها تاني، ساعتها قال بنبرة فيها ذرة ضيق مش قادر يخبيها:
"إيه اللي عملته وضايقك طيب؟"
ردت فورًا:
"مفيش حاجة ضايقتني... بس أنا عايزه أكون مع صاحبتي، وكمان انت جبت بنت جديدة تساعدك، يعني مبقتش محتاجني."
تيام رد بسرعة كأنه بيدافع عن نفسه:
"لاء أنا جبتها عشان أريحك، وعشان أخليكي تركزي معايا أكتر، بس لو مش عايزه خلاص مش هخليها تيجي، وهاتي يا ستي صاحبتك لو عايزه، مفيش أي مشكلة بالنسبالي."
سلمي قالت بهدوء:
"بس أنا خلاص اتفقت معاها، والدكتور مستنينا من أول الأسبوع الجاي، بقالي كام يوم عايزة اقولك الصراحة بس قولت خلينا اخر الشهر احسن، انا بقالي كام يوم كده مقررة القرار ده."
ساعتها سكت بجد، سكت كأنه مش مصدق كلامها، وبعد ما مرت ثواني كأنها دقايق، قال بنبرة ضعيفة جدًا رغم إنها طالعة ببرود:
"يعني انتي أصلًا محضّرة كل حاجة، طب كنتي مشيتي من غير ما تقولي عادي يعني مش فاهمه بتعرفيني ليه، بما إني طلعت عندك مش مهم اوي كده، لا كدكتور ولا حتى كابن خالك."
الكلام وجعها جدا بس حاولت تثبت نفسها وقالت:
"تيام افهمني، أنا حاسة إني مش عايزه أكمل هنا، معرفش ليه بس بجد عايزه أغيّر جو و أكون حتى مع صحابي، زهقت من الروتين الممل ده وعايزه اكسره، يمكن اكون احسن، ولا أنت مش عايزلي الأحسن بقا؟!"
هز راسه وابتسامة صغيرة باهته اترسمت على شفايفه:
"بالرغم من إني متأكد إنك مش هترتاحي مع حد زيي... بس تمام، ربنا يوفقك، اكيد مش هقف قدامك، يمكن انتي شايفه حاجة انا مش شايفها."
سلمي اتصدمت من طريقته ومن هدوءه، من استسلامه اللي حست كأنه مش فارق معاها اصلا وجودها من عدمه بس بسرعة جمعت نفسها وقالت:
"تمام، شكرًا على تفهمك."
رد ببرود صافي:
"العفو."
قالت وهي بتحاول تمشي قبل ما تنهار:
"أنا همشي انا، هخرج أجيب حاجات من بره مع صحابي."
قال ببساطة:
"ربنا معاكي."
سلمي أخدت شنطتها وخرجت، مبصتش وراها بالرغم من أنها متأكده أنه بيبص عليها.
وهو كان قاعد مكانه ساكت، حاسس بضيق وهو بيشوفها وهيا بتبعد، الأيام اللي فاتت كأنها اتغيرت تماما، حتى آخر خميس اتجمعوا فيه كانت غريبه وبتتجنبه تماما، دماغه بتقوله انها متغيرة من ساعة ما عرفت بخبر قراية فتحته بس هو عارف أنه مش فارق معاها، هو بالنسبالها بره البيت دكتور وجوه البيت ابن خالها لا اكتر ولا اقل، وهيا دايما بتتعامل على الأساس ده وعمرها ما حسسته بأكتر من كده، بس كان متأكد من فكرة واحده بس، وهيا انها بتهرب منه، ويمكن... يمكن ده فعلاً الأحسن ليهم هما الاتنين، وبالأخص ليه هو.
خميس جديد، بعد المغرب والجو صاخب في اليوم ده طبعا، زيزو طالع السلم بخطوات سريعه، أول ما رفع عينه وشاف تيا نازله من فوق بخطوات خفيفة بطأ خطواته، ابتسم وهو بيبصلها وقال بنبرة فيها دفا وحب:
"يا أهلا."
تيا رفعت حاجبها بابتسامه وهيا بتنزل اخر درجتين:
"ليك وحشة والله."
ضحك بخفه وقال بلوم:
"صح، علشان كده مش بتسألي."
ردت بسرعة:
"ولا انت بتسأل."
قال وهو بيقرب خطوة:
"ومين قالك مش بسأل؟"
تيا غيرت الموضوع وعدلت التيشيرت اللي هيا لابساه وقالت بخبث:
"طب ايه رأيك في التيشيرت؟"
عينيه نزلت عليها من فوق لتحت، وبعدين قال ببرود مستفز وقرف:
"زي الخرا طبعًا، مستنية رأيي في تيشيرت أهلي؟!"
تيا قالت بغيظ:
"مش مبرر علشان تقولي زي الخرا علفكرة، ده النادي المفضل ليا."
رفع كتفه وقال بثقة قاتلة:
"هغيّر رأيي بقا لما تبقي تلبسي الأبيض إن شاء الله."
ردت بتكشيرة:
"ده على جثتي."
قال بنبرة بين الهزار والجد:
"أو على ذمتي عادي."
تيا ضمت حواحبها باستغراب وقالت:
"قولت إيه؟!"
ضحك بخبث:
"ولا حاجة، فكرتيني صح؟"
ضيقت عينيها:
"إيه؟"
قال وهو بيرفع حاجبه:
"صاحبتك اللي اسمها ملك."
تيا رفعت صوتها بقلق بسيط:
"ملك مجدي؟"
رد:
"بيقولوا."
سألت بعدم فهم:
"مالها؟"
بصلها بجدية مفاجئة:
"شايف ليكي منشن عندها، وأنا حذرتك منها مرة، فاكرة؟ معنى كده إنك لسه مصاحباها."
تيا قالت بثقة:
"هيا صاحبتي... أكيد مقطعتش علاقتي بيها يعني."
زيزو شد نبرة صوته بحدة وقال:
"بالرغم من إني حذرتك."
قالت بدراما:
"بس مقولتش السبب، وأنا مش هعمل حاجة أنا مش مقتنعة بيها."
رد بثبات:
"لو مش واثق إني عايزك في أمان مكنتش قولتلك كده، أنا عارف أنا بقول إيه كويس يا تيا."
تيا اتنهدت وردت:
"أنا مشوفتش منها حاجة وحشة."
رد بضيق واضح:
"لما تبقي تشوفي متجيش تتضايقي وتقولي مش لاقية صحاب كويسة."
تيا سألت بفضول:
"طب قولي تعرف إيه عنها؟!"
قال بحسم:
"إنتي عارفة إني مش هتكلم عن بنت، أنا بس حذرتك وخلاص."
بصتله بضيق وقالت:
"لاء أنا كده مش هعرف أنام من الفضول!"
"المهم تبعدي عنها."
تيا قالت وهي بتقلد طريقته:
"ماشي يا باشا احنا أوامر ماشية على الأرض، بس قولي ليه بقا؟!"
قال:
"انسي."
باب الشقة اللي اتفتح قطع كلامها، فارس خرج وبص لزيزو وسأله باستغراب:
"بقالك ساعة بتطلع على السلم."
زيزو رد وهو بيضرب كف في كف:
"مش عارف السلم طول ولا إيه؟!"
فارس بص لتيا وقال:
"وإنتي مبترحميش برضو، بتموتي في فريقك كل خميس."
تيا قالت بفخر:
"كل يوم طبعًا، بس الخميس زيادة سيكا."
زيزو قال وهو بيدخل بخنقة مصطنعة:
"علشان تحرقي دمي بس مش أكتر."
سلمي خرجت من المطبخ وهي ماسكة آخر طبق وحطته قدّامهم على السفرة وقالت بخفة:
"انهارده الأكل برعايتي، لأن شيري بقت مشغوله خلاص."
زيزو رفع حاجبه بابتسامه وقال:
"لاء ده احنا لازم ندوق بقى."
سلمي قعدت مكانها وقالت:
"ابقي قول رأيك هااا."
زيزو قال وهو بياكل من الطبق:
"طبعًا، ولو إني بحب أكل شيري جدًا، بس خلاص شكلها قررت تعتزل."
شيري ردت بسرعه:
"والله أبدًا، بس شغل المطعم تقيل شويه، لأني مش متعودة لسه على المكان، بس أكيد مش هبطل أطبخ في البيت يعني."
زيزو قال بود:
"لاء ربنا معاكي يارب، بس لازم ندوق الأكل الجديد بقا."
شيري قالت ببساطة:
"طبعًا."
تيا قالت باستفزاز:
"مش بيفكر غير في الأكل يا ربي!"
زيزو قال وهو بيضحك:
"أومال هفكر فيكي انتي يعني؟!"
فارس قال بسخريه:
"ده ممكن يبيع الكل علشان الأكل."
تيا هزت راسها وقالت:
"حتى الزمالك بجد."
زيزو اتعدل فورًا وقال بجدية مصطنعة:
"لاء كله إلا ده، إحنا هنهزر ولا إيه؟"
فارس رد بسخريه:
"قول يا عم قول، هو حد هيعد وراك؟ كلنا عارفين الأكل عندك إيه."
زيزو عمل دور الضحيه وقال بحزن مزيف:
"وأنا عمال أقول مين اللي بيحسدني ومبقتش أعرف آكل زي الأول ده، اتاري!"
فارس رد:
"ناقص ياكلني ويقولي مباكلش زي الأول."
زيزو قال وهو بياكل:
"أومال فين تيام صحيح؟ مش شايفه."
سمية ردت:
"خرج مع خطيبته."
زيزو قال بضحكة خفيفة:
"آه... هانياله، بس هيعملوا خطوبة امتى؟"
"الشهر اللي إحنا فيه ده، بس لسه محددوش معاد."
سلمي كانت سامعة كل كلمة ولما جت سيرة الخطوبة قلبها دق والكلام وقع عليها تقيل، عينيها كانت على الطبق قدامها بس ودانها متابعه كل كلمة.
بالليل كانت قاعدة في أوضتها، النور خافت، والدنيا هادية تماما، ماسكة فونها وفاتحة أكونت كارمن ومش عارفة ليه كل ليلة بترجع لنفس الجرح بإيديها، بتختار بنفسها ده، كانت فاتحة الاستوري اللي نازله من ساعة، كارمن وتيام في مكان راقي، الإضاءة دافية، صوت أليسا بيغني أغنية رومانسية هادية، وكارمن ماسكة إيده بتلقائية وكأنها ما صدقت وهو بيبتسم ابتسامة باهتة، ابتسامة باهته ليه هو بس، بس كانت باينه ابتسامه طبيعيه.
قد إيه بتحب ضحكته؟
قد إيه بتحبه هو نفسه؟
كان المفروض يبقى موجود النهارده زي كل خميس... بس لاء النهارده كان معاها، مع خطيبته.
إيديها اتحركت بعصبية بسيطة وهي بتقلب في البروفايل، وللمرة الألف تشوف البوست المتثبت:
"لقد كان مجيئك مجيئ السلام لقلبي"
وصورة ليهم هما الاتنين قاعدين جنب بعض بيقرأوا الفاتحة، كارمن بتبصله بعيون كلها حب وهو؟
هو بيبتسم بس... بس هيا عارفه انها ابتسامة شبه واجب، شبه احترام... شبه أي حاجة... إلا الحب.
سلمي اتنهدت وهي بتقلب في الريأكتس، كان عامل لاڤ، وكومنت فيه قلوب.
عادي... طبيعي... طبيعي جدا، المفروض يبقى طبيعي، بس قلبها اتشد.
دخلت على بروفايله، حرف K مكتوب في البايو وجنبه ايموشن حب، هو مش منزل اي صور معاها أو بوستات، بس الحرف كفاية... كفاية أوي.
قلبت في صوره، الصور اللي حفظتها عن ظهر قلب.
خط دقنه... ضحكته... نظرة عينيه اللي بتهدها وتكسرها.
لحظة وسكون وباب الأوضة اتفتح ودخلت شيري، بصتلها وسألت:
"لسه منمتيش؟"
سلمي قفلت الفون بحركة تلقائية وقالت:
"عادي... مش جايلي نوم."
شيري دخلت وقعدت جنبها على السرير، قربت منها وسألت:
"ليه؟!"
سلمي هزت كتفها وهي بتحاول تتهرب:
"مش عارفة."
شيري قالت وهي بتبصلها بشك خفيف:
"مش شايفة تكاليف يعني، إيه اللي مسهرك وبكره الجمعة!"
سلمي قالت بملل:
"مش جايلي نوم يا شيري."
لحظة صمت عدت وبعدين شيري قالت فجأة:
"هتحضري خطوبة تيام؟!"
السؤال وقع على سلمي تقيل اوي، سكتت شوية وبعدين قالت بصوت واطي جدًا:
"لاء، مش هقدر."
شيري قربت منها وقالت:
"بس أكيد هيزعل لو محضرتيش!"
سلمي ضحكت ضحكة كلها مرارة:
"طب وأنا؟ أروح أعمل إيه مش فاهمة؟ لو قدرت يمكن أحضر... بس أنا بقولك مش هقدر... هتصرف في أي حِجة."
شيري سألتها بهدوء:
"ارتاحتي بعد ما سبتي العيادة؟!"
سلمي عضت شفايفها وقالت بصوت مكسور:
"لاء، كنت فاكرة هرتاح بس محصلش، كنت متعودة أشوفه 3 أيام في الأسبوع، ودلوقتي مشوفتوش بقالي كام يوم، أنا متضايقة أوي."
شيري ضمت شفايفها بحزن وقالت:
"خلاص... انسي، وأظن إن انتي أكتر واحدة بتعرفي تتخطي."
سلمي ضحكت بسخرية وقالت:
"كل إنسان ليه أوقات ضعف... حتى لو بمثل إني كويسة... أو إني اتخطيت... هفضل كدابة في أوضتي بالليل."
شيري قالت بصوت هادي:
"حاسّة بيكي."
سلمي فتحت دراعها ليها وقالت:
"تعالي جنب أختك تعالي."
وشيري قربت وحضنتها وسلمي سابت دموعها تنزل عادي من غير ما تمنعها.
رواية اذا أراد النصيب الفصل التاسع 9 - بقلم بتول عبد الرحمن
بعد اسبوعين، يوم واحد بس فاضل على خطوبة تيام، كانت تيا قاعدة على سريرها ماسكه فونها، فاتحة الشات مع صحابها، بتأكد عليهم واحد واحد يحضروا.
وهيا بتقلب بين الشاتات لمحت شات ملك مجدي، الشات اللي بقاله كام يوم ظاهر قدامها وبتتجاهله. ظهرت قدامها تاني لأن ملك بعتت تباركلها على خطوبة اخوها. تيا فضلت باصة شوية على الشات وافتكرت تحذير زيزو، بس حست انها لازم ترد، مينفعش تبقى قليلة الزوق.
دخلت الشات وردّت عليها رد بسيط ومحترم وبالمرّة عزمتها وقفلت الشات بسرعة كأنها عملت غلطة.
فتحت شات شيري وبعتتلها:
"سلمي هتيجي ولا ايه؟"
دقايق والرد ظهر:
"بتقول عندها امتحان أونلاين مهم بـ30 درجة ومش هتعرف تيجي."
تيا قفشت وقالت بضيق:
"يعني على اليوم ده؟!"
شيري ردت بسرعة:
"هتعمل ايه بقا، حاولت تأجله بس الدكتور مرضيش."
تيا عضت شفايفها وقالت:
"تيام فاكر إنها جاية."
شيري كتبت بعد كام ثانية:
"لاء مش هتيجي... تتعوض في الفرح بقا."
تيا سكتت لحظة وبعدين كتبت:
"إن شاء الله."
شيري سألت فجأة:
"فصلتي جامبسوت أحمر برضو؟!"
تيا قلبها وقع لحظة لما افتكرت زيزو وردت بسرعة:
"اه، بس والله ما علشان زيزو... عادي جت صدفه."
شيري بعتت:
"هيا جت على دي."
تيا رفعت حاجبها:
"قصدك ايه؟"
شيري ردت ببرود:
"ولا حاجة... أشوفك بكره بقا."
تيا فضلت تبص على آخر رسالة وبعدين كتبت:
"تمام."
وخرجت من الشات وهيا بتفكر في ردود فعل شيري اللي بقت سخيفة اخر ايام.
تاني يوم، كانت شيري واقفة قدام المراية، إيدها ثابتة وهي بتحط هايلايتر على خدودها. لمحت في الانعكاس سلمي قاعدة على طرف السرير، سرحانة وكأنها مش هنا اصلا.
شيري رفعت حاجبها وهي بتقول بقلق:
"سلمي انتي كويسة؟ أنا ملاحظة إنك منهارتيش خالص ودي حاجة مش كويسة."
سلمي بصت لشيري وبصوت هادي قالت:
"متنسيش تصوريهم."
شيري لفت لسلمي وقالت باستغراب واضح:
"سلمي؟ انتي قلقاني عليكي."
سلمي اتنهدت وقالت بضيق:
"ليه يعني؟ أنا كويسة جدًا علفكرة."
شيري هزت راسها:
"مش باين."
سلمي قالت بسرعة وهيا حاسة بملل من الوضع:
"مش لازم أقوم أرقص عشان تصدقي، لو ده اللي عايزاه علشان تتطمني، عادي اقوم ارقص واغني."
"سلمي؟!" قالتها شيري باستغراب.
سلمي قالت وهي بتقوم تقف:
"في إيه يا شيري؟ والله أنا عادي... انهارت بما فيه الكفاية، أنا حتى بفكر أقوم أروح معاكوا."
شيري اتخضت وقالت:
"بجد؟!"
"آه والله عادي... تحبي أجي؟"
"لاء بلاش... خليكي أحسن."
سلمي رفعت دقنها بنبرة عناد خفيف وقالت:
"لاء هاجي، هيا كبرت في دماغي بقا وهقوم ألبس بسرعة."
"بس انتي مش مجهزة لا لبس ولا أي حاجة!"
سلمي قالت وهيا بتفتح الدولاب:
"أي حاجة من الدولاب مش فارقة."
شيري فضلت واقفة ثواني مستغربة.
بعد فترة، سلمي كانت واقفة قدام المراية، بتظبط مكياج خفيف جدًا، لابسة حاجة بسيطة وهادية، شكلها مش متكلف بس حلو وده في حد ذاته كان غريب على اللي بتمر بيه.
شيري دخلت الأوضة، شافتها وقالت:
"خلصتي؟ يلا... كلنا جهزنا."
سلمي ردت:
"ثواني بس."
شيري قالت:
"قولت لفارس وماما انك اجلتي الامتحان وجاية."
سلمى أومأت برأسها وحطت ليبستيك على السريع، رشت بادي سبلاش، خرجت وهيا بتلبس اكسسوراتها على السريع.
ولما خرجت لقت أمها، وفارس، وشيري واقفين مستنيينها. سلمي وقفت لحظة، أخدت نفس طويل وراحتلهم بخطوات هادية، كأنها بتحاول تثبت لنفسها قبل أي حد إنها فعلاً كويسة.
أول ما سلمي خرجت، فارس بص عليها من فوق لتحت بنظرة فيها تقييم، ورفع حاجبه وهو بيقول:
"إيه يا جماعة... الحلاوة دي مش بتظهر غير في الافراح بس ولا ايه؟!"
شيري ضربته بكوعها وقالت:
"احنا حلوين علطول، وكمان على السريع."
فارس ضحك:
"على السريع؟! لو خدتوا وقتكوا هتطلعوا ملكات جمال عارف."
سلمي هزت راسها ومسكت شنطتها وقالت:
"بطل هجص يا فارس."
قال بجديه:
"هجص؟! بقول الحق علفكرة، إنتي وشيري اجمل بنات شوفتهم."
سلمي ابتسمت وقالت:
"ولا في أوسم منك بجد."
القاعه كانت متجهزة على أعلى مستوى... الإضاءة دافية وهادية، كل حاجة حلوة والتفاصيل دقيقه جدا.
أول ما سلمي دخلت كإن في هدوء غريب لفها، وقفت عند الباب ثواني، تايهه بين الناس وبين صوت الموسيقى الهادية. عينها لفت على المكان كله. هما لسه موصلوش ومع إنها عارفة إنه لسه مجاش، إلا إن الغصة كانت أسرع منها.
شيري بصتلها وقالت بهدوء:
"يلا وقفتي ليه."
سلمي هزت راسها ومشيت معاهم، خطواتها تقيلة شوية بس وشها ثابت.
فارس بص عليها وقال بهزار:
"ايه يا سلمي... شكلك داخل امتحان شفوي مش خطوبة."
سلمي ردت بنص ابتسامة:
"حقيقي حاسه كده."
اول ما دخلوا شافوا تيا جاية عليهم، لابسة جامبسوت أحمر غامق كان معمول مخصوص، قماشته فاخرة وبتلمع لمعة بسيطة من غير مبالغة، لافف جسمها وشكله شيك جدا عليها. شعرها كان معمول ويفي واسع، نازل على أكتافها بشكل ناعم وواثق. الميكب طبيعي بس مُتقن جدًا، روج نبيتي هادي نفس لون درجة الجامبسوت، وبالرغم من أن الميكب هادي الا انه جرئ وكان شكلها حلو جدا ومختلف.
قالت بلهفة واضحة:
"اخيرا جيتوا، مش مصدقه نفسي بجد مستنياكوا بقالي كتير."
فارس ضحك وقال:
"ايه يا تيا مدتيش فرصة حتى نقول مبروك؟"
تيا ردت:
"قولها عادي بعد ما تقعدوا."
شيري قالت:
"شكلك تحفه، متوقعتش تكوني بالجمال ده."
فارس قال:
"دي حقيقه."
تيا ابتسمت وقالت:
"شكرا يا جماعة وانتوا كمان شكلكوا يهبل بجد."
سلمي كانت قاعدة جنب شيري، هادية زيادة عن اللزوم، مش بتتكلم، ومش بتضحك... عينها بتلف في القاعة وبس.
تيا بصت لسلمي وقالت:
"كويس انك جيتي بجد، متعرفيش انا فرحت قد ايه، بس محضرتيش الامتحان؟!"
سلمي ردت بابتسامه ضعيفة:
"حاولت أأجله، قولت لازم احضر خطوبة تيام مينفعش محضرش."
تيا قالت بابتسامه واسعه:
"دي احسن حاجة عملتيها بجد، كنت متضايقه جدا انك مش هتيجي."
سلمي اكتفت بابتسامه خفيفه.
زيزو وصل اخيرا، دخل بخطوات متأنية، لابس قميص أبيض مظبوط على جسمه وبنطلون أسود مدي شكله وقار على غير عادته. وقف عند أول القاعة، عينيه بتلف على الترابيزات لحد ما لمح فارس مع اخواته وتيا. ابتسامته طلعت لا إرادية، رفع حاجبه بخفة وبدأ يقرّب.
تيا رفعت عينيها وشافته بيقرب، غصب عنها قلبها اتشد. في صراع جواها، هيا عارفة إن زيزو مش ليها، عارفة إن شيري بتحبه، وعارفة إنها مش هتسمح لنفسها حتى تعترف إنها بتتشد له، وإنه واضح عليه هو كمان. عملت نفسها مش فارق معاها بس الحقيقة أعمق بكتير، هيا هتتعامل عادي بالرغم من برود شيري في آخر أيام.
زيزو وصل عندهم وقال بصوت عالي نسبيا وهو بيضحك:
"3 مزز لوحدك يا جاحد؟!"
فارس رفع راسه يبصله وقال:
"زيزو، أخيرًا جيت."
سلم عليه وزيزو قال:
"العريس لسه مجاش اهو."
فارس رد:
"قاصد يتأخر، بيعمل ساسبنس."
زيدو ضحك، وبعدين بص لتيا بصّة طويلة شوية عن اللزوم وقال بنبرة مستفزة محببة ليها وهو بيحاول يخفي انبهاره بيها:
"أحمر... حتى هنا؟!"
رفعت حاجبها وقالت ببرود:
"المرادي صدفة."
هز راسه وهو بيقرب الكرسي منها:
"معتقدش، انتي قصداها طبعًا."
قبل ما تيا ترد، شيري قالت بسرعة بنبرة فيها سخرية خفيفة:
"لاء متظلمهاش اكيد مش قاصدة."
زيزو قال وهو بيقعد جنب تيا كأنه متعمد يضايقها:
"بس حلو اوي ده."
بتلقائية تيا رجعت شعرها ورا ودنها، حركة تلقائية اخد باله منها. المسافة بينهم كانت قريبة لدرجة انها اضطرت تمسك موبايلها بس عشان تشغل إيديها عن الرجفة الخفيفة اللي حست بيها تحت نظرات شيري اللي بتتأكد كل يوم عن اللي قبله من مشاعرهم الاتنين.
الخطوبة خلاص هتبدأ والقاعة كلها اتغيّر فيها الجو قبل حتى ما العريس والعروسة يظهروا، الدوشة خفت، والشاشات اشتغلت.
سلمي اتعدلت بجسمها، بس روحها مش موجودة. بصت بتركيز ناحية المدخل اللي هما هيدخلوا منه. كانت باصّه بثبات وبتقاوم إنها تنهار، ضهرها مستقيم زيادة عن اللزوم، ماسكة شنطتها جامد كإنها ماسكة نفسها بيها.
مفيش ابتسامة...ولا كآبة....ولا انهيار....ولا أي حاجة واضحة. بس جواها؟ ألف شعور مختلط، ألف احساس مش قادرة تحدد واحد منهم.
الناس بدأت تقف وتركز، الإضاءة اتغيرت، والممر اللي في نص القاعة نور، كل الأنظار راحت للباب المقفول مستنيينهم يظهروا. الباب اتفتح وظهر تيام وكارمن اخيرا ماسكين ايد بعض. كان لابس بدلة سودة شيك جدا تحتها قميص ابيض والكرافتة نفس درجة فستان كارمن اللي واقفة جنبه، الماتشينج كان لذيذ جدا بس مش بالنسبالها طبعا. كارمن لابسة فستان Champagne هادي، الفستان ماسك عليها بشكل مترتب... هادي... بس فاخر من الآخر، ماسكة بوكيه بسيط و ايديها التانيه ماسكة ايد تيام كأنها خايفه يهرب منها.
أما تيام؟ واقف ثابت... على وشه ابتسامه رسميه باهته. كارمن كانت بتبتسم للكاميرات وهو واقف بيحاول يحافظ على ابتسامته وكأن كل ده واجب لازم يعمله وولا ثانية حس فيها إنه مبسوط.
سلمى بصت عليهم بتركيز وثبات، حست إنها بتشوف أول مشهد في فيلم كانت بتتمنى تكون بطلته، بس اتعرض قدامها وهي قاعدة في الصفوف الخلفية تتفرج بس.
شدت نفسها، صدرها كان طالع نازل وايديها متلجة. شيري همستلها:
"انتي كويسه؟"
هزت راسها وردت بصوت مخنوق:
"تمام."
الكاميرات كانت شغالة، الزغاريد اشتغلت جنبها وكانت شايفه الكل فرحان ومركز معاهم. شافت تيام ماسك إيد كارمن، شافت كارمن بتبصله بعيون كلها حب. غمضت عينيها لحظة واتمنت تمني خبيث، اتمنت إن الزمن يقف، إن اللحظة متعديش، انها تتفشكل قبل ما تتم حتى، اتمنت كتير.
فتحت عنيها تاني... ابتسمت ابتسامة باهته جدا. القاعة كلها احتفال، بس فوق الترابيزة دي بالتحديد؟ كان في أربع قلوب... كل واحد فيهم بيحارب حاجة مختلفة، ومحدش شايف اللي جوا التاني.
اللحظة اللي بدأوا فيها تيام وكارمن يرقصوا السلو كانت زي صفعة محترمة ليها.
الموسيقى الهادية، الإضاءة الخفيفة، الناس اللي حوالينهم واقفين يبصوا بانبهار...وهيا؟ كانت قاعدة في مكانها، ثابتة بطريقة مريبة، عينيها متسمرة عليهم، صدرها بيطلع وينزل بسرعة، كأن نفسها بيضيق كل ثانية.
ندمت... ندم عمرها إنها جت، كانت فاكرة إنها أقوى، إنها هتعرف تمسك نفسها وأنها لما تشوفهم هيكون عادي، مش هتتأثر ولا حاجة، بس أول ما شافت إيده على ضهر كارمن، وابتسامته، وكارمن اللي ماسكة فيه كأنها امتلكت العالم حست بخنقة.
حرفيًا خنقة، كأن الهوى اتسحب من القاعة. شدّت على إيديها بقوة... كانت حاسة إنها هتنهار قدام الكل، دموعها بدأت تتجمع، بس بتحارب، بتحارب بكل قوتها إنها متنهارش.
رواية اذا أراد النصيب الفصل العاشر 10 - بقلم بتول عبد الرحمن
شيري قربت من سلمي وهمست جنب ودنها:
"قومي معايا."
سلمي مردتش... قامت وراها كأنها بتمشي على أطراف روحها مش رجليها. دخلوا الحمام، وأول ما الباب اتقفل عليهم دموع سلمي نزلت بشراسة، نزلت كأنها كانت محبوسة جواها بالشهور، ومستنية بس لحظة تخرج.
شيري بصتلها بخوف وحنية وقالت:
"كلهم كانوا مركزين مع تيام وكارمن بس كانوا هياخدوا بالهم منك، وأنا لحقتك."
سلمي كانت ماسكة الحوض بإيديها، راسها نازلة، صوتها مكسور وهيا بتقول:
"انا ايه اللي جابني؟... انا كنت مفكرة إني أقوى... انا ليه عملت كده في نفسي... ليه؟"
شيري قربت منها وقالت بهدوء:
"قولتلك متجيش... مش سهل تشوفي اللي بتحبيه مع غيرك، طب قوليلي هتعملي ايه دلوقتي؟"
سلمي رفعت وشها، دموعها بتنزل من غير ما تحاول تمسحها وقالت بصوت بيترعش:
"مش عارفة... والله مش عارفة، انتي حاسة بيا؟ أنا... أنا مكنتش متوقعة إني مقدرش، انا طلعت ضعيفة."
شيري حطت إيديها على كتفها وقالت:
"انتي مش ضعيفة انتي موجوعة، اغسلي وشك وظبطي مكياجك، مفيش انهيار هنا، دلوقتي حد ممكن يدخل، بلاش حد يشوفك كده."
سلمي هزت راسها بخفوت وابتدت تمد إيديها على المياه، بتحاول تلم شتات نفسها اللي اتكسرت في لحظة.
تيا كانت واقفة وسط صحابها، منهمكة في الكلام بطريقتها العفوية اللي دايمًا بتحبب الكل فيها من غير ما تقصد، مخدتش بالها أن طبيعي جدًا إن عين زيزو تتيبس عليها وهيا بتتكلم معاهم وبتسلم عليهم.
ملك صاحبتها ظهرت، كانت ماشية بثقة متصنعة زيادة عن اللزوم. تيا اول ما شافتها بصت لزيزو اللي شافت نظراته عليها وشكله مخدش باله من ظهور ملك. ملك قربت فتيا بسرعة ابتسمت وسلمت عليها. ملك ردت على سلامها بابتسامة باهتة وانسحبت.
تيا رجعت ببصتها ناحية زيزو، لقت عينيه لسه عليها، كان بيبصلها بلوم صريح وبعدين بص في موبايله بدون أي اهتمام كأنه مكانش مركز معاها اصلا.
تيا رجعت مكانها بهدوء، نفس الكرسي اللي جنب زيزو، بس قلبها كان محروق من طريقة نظرته اللي اتبدلت 180 درجة لما ملك ظهرت. قعدت وحاولت تتكلم عادي كأن مفيش حاجة حصلت، قالت بصوت واطي بس واضح:
"والله هيا اللي بعتتلي وكانت بتبارك على خطوبة تيام."
زيزو ولا كأنه سمع، باصص في فونه وإيديه بتقلب كأنه مش مهتم بكلامها. تيا اتنرفزت، قربت بجسمها شوية وقالت:
"بكلمك على فكرة."
من غير ما يرفع عينه أو يرمش حتى رد ببرود قاتل:
"أنا ما سألتش."
اتصدمت لحظة وبعدين قالت:
"بس عينك سألت."
رفع عينه عليها اخيرا بلوم وقال بحدة هادية:
"وإنتي مركزة ليه؟ ركزي مع أصحابك."
قالت وهيا بتحاول تلطف الجو:
"وإنت مش صاحبي يعني؟"
رد فورًا من غير تفكير:
"لاء أنا صاحب ابن عمتك بس."
بالرغم من أن حدته ضايقتها ووجعتها بس قالت بنبرة لينه:
"زيزو، عارفة إنك حذرتني، والله فعلاً كنت معلقاها، بقالي كام يوم مش برد عليها وهيا اللي بعتت الأول، ولو مش مصدق هوريك الشات."
رجع يبص للفون، صوته جه هادي:
"إنتي حرة يا تيا، لو مش بتثقي في كلامي للدرجة دي فانتي حرة."
كانت هترد، كانت هتقوله انها بتثق فيه وفي كلامه، بس غيرت كلامها وقالت:
"طب قولي يعني كنت عملت ايه؟!"
لحظة صمت طويلة عدت، قام من مكانه ببطء، وقال ببرود:
"ولا حاجة، اعملي اللي شايفاه مناسب."
سابها قاعدة مكانها بتبصله وهو بيبعد بحزن.
سلمي كانت قاعدة مكانها، بقت احسن شوية، عدت لحظات، الناس هديت، والموسيقى بقت اهدي من المهرجانات اللي كانت شغالة، قعدوا شوية علشان لحظة تلبيس الخواتم جت.
تيام قعد وفي لحظة عيونه جت عليها، بصلها وشافها هيا فعلا موجوده. سلمي شافت نظرته، ابتسمت بخفه وهيا بتبص له. تيام استغرب أول ما شافها، هو عارف انها مش هتيجي، اتأكد من تيا انها مش هتعرف تيجي، بس وجودها دلوقتي شقلب حاله، نفسه اتلغبط. هيا فعلا موجوده ولا هو بيتهيأله، مش مصدق أنه شافها اخيرا. اخر مرة شافها كانت لما طلبت منه متكملش تدريب معاه ومن ساعتها وهو بعيد، وهيا بتساعده في كده. في وسط شروده كارمن قربت منه وهمست:
"ركز هنا... انت مركز فين؟!"
تيام ابتسم ابتسامة خفيفة وهو بيبصلها ورجع يبص لسلمي تاني كأنه بيتأكد انها لسه موجوده وأنه مش بيتخيل، ولما اتأكد فعلا روحه ردتله.
في نهاية الخطوبة، ناس كتير مشيوا وبقوا بس القريبين، القاعة بدأت تهدى. زيزو مشي بدري شويه هو كمان. سلمي كانت بتحسد نفسها إنها قدرت تفضل لدلوقتي، لكن اللي كان مصبرها شوية كانت نظرات تيام ليها كل شوية لما عرف وجودها. من ساعة ما شافها وكل شوية يسرق نظرات ليها. ولما حست انها خلاص مش قادرة تاني وقفت، بصت لفارس وقالت بضيق:
"مش خلاص نمشي بقا؟!"
فارس بصلها وقال بابتسامة هادية:
"حاضر، ثواني بس، ماما مشغوله مع قرايبها."
سلمي زفرت وقالت:
"طب هستناكوا في العربية علشان اتخنقت شويه وعايزه اشم هوا."
فارس شاور ناحية شيري وقال:
"خدي شيري معاكي."
شيري ابتسمت ووقفت وهيا بتقول:
"يلا."
سلمي مسكت شنطتها وخرجت مع شيري وهيا حاسة براحة إنها اخيرا هتخرج من المكان اللي كان بالنسبالها زي قبر. وأول ما خرجت والهوا لفح وشها حست إنها كانت محرومة تتنفس واخيرا قدرت تتنفس.
تاني يوم.
شيري كانت واقفة في مطبخ المطعم، بتحضر الطبق اللي اشتغلت عليه من الصبح. أخيرًا خلص، ووقفت تراجع شكله قبل ما تطلعه. فجأة سمعت صوت هادي جنبها:
"تسمحيلي أقولك دلوقتي إنك من أحسن الشيفات اللي أكلت من تحت إيديهم؟"
لفت لقت آسر واقف جمبها، ابتسامته واثقة ومريحة. ابتسمت غصب عنها وقالت بخجل بسيط:
"دي شهادة أعتز بيها جدا يا شيف."
آسر ضحك بخفة:
"لاء بجد أكلك فيه سر، مش قادر أوصفلك هو قد إيه لذيذ، بس غالبًا قدرت أعرف سرك يا شيف شيري."
رفعت حاجبها وقالت:
"ويا ترى عرفت إيه بقى؟"
قال وهو بيشاور لمروة:
"ثواني... هخلي صاحبتك تقولك."
نده لمروة اللي قربت بخطوات سريعة وقالت:
"في حاجة ولا إيه؟"
آسر قال:
"لا لا مفيش أي حاجة."
بعدها حط قدامها طبقين وقال:
"بصي... دول طبقين، واحد لشيري، وواحد لشيف تاني، دوقي الاتنين وقوليلي الفرق."
مروة فتحت عينيها باستغراب وقالت:
"ده اختبار ولا إيه؟"
ضحك وقال:
"ولا اختبار ولا حاجة، أنا بس عايز أعرف حاجة معينة."
مروة داقت من طبق الشيف وبعدين من طبق شيري، وسكتت لحظة قبل ما تقول:
"بتاع شيري واضح، طعم الأكل الأساسي باين فيه أكتر، ليه طعم مميز كده، نضيف وواضح، إنما طبق الشيف بالرغم من أنه حلو جدا بس التوابل غالبة على طعم المكون الأساسي نفسه، بس بصراحة الاتنين تحفه."
آسر بصلها وقال وهو رافع حاجبه:
"وده بالظبط السر."
شيري ضحكت نص ضحكة وقالت:
"حاساك بتحاول تستدرجني."
رفع إيده كأنه بيدافع عن نفسه:
"لا لا مبستدرجكيش ولا حاجة، كل شيف عنده أسراره، وأنا كشيف بيعشق الأكل لازم أعرف أسرار الشيفات الناجحين."
مروة قالت بخبث:
"أووووه... شيف آسر شايفك شاطرة وناجحة!"
آسر لف بسرعة وقال:
"متحرجيهاش يا مروة."
شيري احمرت خدودها غصب عنها وآسر لمح ده وقال بلطف:
"ارجعي كملي شغلك يا مروة."
مروة مشيت وهي بتقول:
"طب على الأقل قولي السر..."
آسر قال:
"إرجعي يا مروة يلا."
بعد ما مشيت، شيري سألت:
"طيب... إيه السر؟"
قال ببساطة واضحة:
"البساطة."
ضمت حواجبها:
"البساطة؟"
"بالظبط، انتي مش من نوع الشيفات اللي بيرموا توابل كتير وخلاص، عارفة كل مكوّن بيعمل إيه بالظبط ويتحط امتى، وبتستخدمي أقل حاجة وتطلعي أحلى طعم، حتى الصوصات مش بتزوديها، لدرجة إنك لو عملتي أكلة بملح وفلفل بس بتطلع تحفة ومحدش هيصدق إنك حاطة ملح وفلفل بس."
شيري اتفاجئت إنه لاحظ أدق التفاصيل وقالت بخجل:
"هو فعلاً ده اللي بعمله، بس متنكرش إن نفسي في الأكل بيخليه أحلى."
ابتسم وقال:
"أكيد مش هنكر حاجة زي دي، لكن السر الأكبر عرفته خلاص، البساطة فيكي في كل حاجة تحفة، انا من عشاق البساطه."
شيري بصت له بصة جدية وقالت:
"فعلاً... أنا بحب أحط كل حاجة في مكانها الصح، ومبحبش أحط توابل ملهاش لازمة لمجرد اني احلى الأكل، وكل ما أقلل كل ما الأكل بيطلع أطعم... علشان كده بحب البساطة."
أسر بصلها بتقدير حقيقي:
"إنتي فعلاً من أرق الشيفات اللي شوفتهم، هادية وبسيطة وتتحبي بسهولة يا شيري، أنا مبسوط إنك شغالة معانا هنا."
اتلغبطت وابتسمت:
"شكرًا... بجد مش عارفة أقولك إيه."
قال بابتسامة واسعة:
"يكفيني إني آكل أكلتي المفضلة من إيدك وبس."
اتحرجت أكتر:
"طبعًا، قولي هيا إيه وأنا أعملهالك."
ضحك بخفة:
"هقولك، بس مش دلوقتي."
قالها ومشي، وسابها واقفة مكانها بتبتسم لنفسها ورجعت تكمل شغلها.
تيا كانت قاعدة في كليتها، في نفس المكان اللي بتقعد فيه دايما لما بتنزل، كانت فاتحة أكونت زيزو، بتفكر تبعتله، كتبت كذا مره ومسحت، كل ما تكتب اي حاجة تمسحها تاني. زيزو بالنسبالها غالي جدا ومش هتقدر تزعله منها. فتحت الشات وكتبت:
"زيزو، حساك لسه زعلان."
بصت للجملة ومسحتها بضيق، ونفخت من غير ما تاخد بالها. صاحبتها اللي جنبها قالت:
"بتتخانقي مع دبان وشك ليه؟"
تيا ردت بسرعة:
"مفيش."
صاحبتها قالت بسخريه:
"حساكي شوية وهتقومي تضربيني."
ردت بضيق:
"متهيألك، أنا بس منمتش كويس... ومكنتش عايزة أنزل النهارده أصلاً لولا السكشن الزفت ده."
ضحكت صاحبتها وقالت:
"هو حد بيشوفك في الكلية أصلاً يا تيا؟ لولا السكشن مكناش هنشوف خلقتك."
تيا قالت بضيق واضح:
"هي دي كلية حد يدخلها أصلاً؟"
صاحبتها هزت راسها:
"عندك حق بجد."
تيا قامت خطوتين بعيد شوية، فتحت الفون تاني، قلبها بيدق جامد، أخدت Screenshot لآخر شات بينها وبين ملك وبعتتها لزيزو وبعتت ڤويس، صوتها فيه ذرة توتر:
"هو انت لسه زعلان مني؟ أنا بعتلك اسكرين لآخر كلام بيني وبين ملك علشان تصدق إني فعلاً مش بكلمها وإني بحاول أبعد بجد."
بعتته، وبعده ڤويس تاني أهدى:
"وعلفكرة، بثق فيك جدًا."
قفلت الفون وبصت له بضيق وهيا مستنيه رده. بعد حوالي ساعة وهيا في السكشن سمعت صوت رسالة، قلبها نط من مكانة، ركّبت السماعات بسرعة وفتحت الفويس، صوته كان بين الصحيان والنوم وهو بيقول:
"انتي بتبعتي اسكرين على أساس إني مش مصدقك يعني؟ أنا عمري ما شكيت في كلامك... بس انتي عارفة قصدي لما أقولك تبعدي عن حد، وعارفة كمان إزاي تبعدي عن حد كإنه مكانش في حياتك، اتظبطي يا تيا لإنك لو عايزة حاجة هتعمليها بس انتي بتحبي تعندي معايا لمجرد إنك تضايقيني."
تيا سمعت الرسالة مرة واتنين وتلاته ودمها بيغلي من بروده، كتبت بسرعة:
"يعني انت عايزني أبعد عن صاحبتي من غير سبب مقنع؟ وزعلان إني رديت على مباركتها علشان مكونش قليلة ذوق؟ مش عارفة أصلاً انت مالك بيها ولا تعرفها منين! مش ملاحظ إنك بتدخل في حياتي زيادة عن اللزوم؟!"
بعتتها وفي ثانيتين الفون نور بڤويس منه:
"فعلاً... انتي عندك حق، أولعي انتي وهي أنا غلطانلك، أنا ابن ستين كلب إني بحذرك من واحدة وحشة، وفوق كل ده مش راضي أقولك هيا عبارة عن إيه، لإن أولًا مش عايز أجيب سيرة حد بالوحش، وثانيًا مينفعش تعرفي ده مني، وآسف يا ست تيا... مش هتدخل حاضر."
الڤويس كان مبعوت معاه علامة الإعجاب الزرقا اللي بتستفزها أكتر من أي حاجة. تيا زفرت بغضب وبعتت:
"أنا غلطت إني دخلت أبررلك أصلاً، لإنك شايف في الآخر بتقلب الترابيزة عليا إزاي، مش هبرر حاجة تاني اصلا."
قفلت الفون بغيظ وبعد ثواني سمعت صوت إشعار تاني، فتحت بسرعة، لقت العلامة الزرقا لوحدها من غير أي كلمة. قفلت الفون بمزيج من الغيظ والارتباك وحطته قدامها بغضب.
سلمي كانت واقفة ورا باب الشقه من ساعة، قلبها بيدق وكل شوية تبص على الساعة ومركزه علشان تسمع صوت باب الشقه اللي فوق لما يتفتح ويتقفل، ولما معاده قرب وقفت أقرب للباب، وأول ما سمعت الباب فوق بيتقفل، أخدت نفس عميق وفتحت الباب كأنها طالعة صدفة، خرجت ولقت تيام تقريبًا قدامها.