تحميل رواية «اذا أراد النصيب» PDF
بقلم بتول عبد الرحمن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجو كان حرّ، بس الهوا في بعض الأماكن كان لطيف. قلعة محمد علي والشمس نازلة على القباب بلون دهبي يخطف العين. كان واقف قدام مجموعة أجانب، بيشرح لهم عن الجامع. صوته هادي وواثق. وسط الكلام لمح بنت واقفة بكاميرا بتصوّرهم، لدرجة أن الفلاش ضرب في عينه. رفعت الكاميرا بسرعة والتقطت لقطة بسرعة من غير ما حد يشوفها، أو زي ما هي افتكرت كده. سكت ثانيتين، استأذن من المجموعة بابتسامة وراح ناحيتها. نادى لها، بس هي كانت بتحاول تهرب، لحد ما وقف قدامها وقال بالإنجليزي بصوت محترم وواضح: "معلش، حضرتك بتعملي إيه؟" بصّ...
رواية اذا أراد النصيب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم بتول عبد الرحمن
تاني يوم بالليل...
تيا نزلت عند عمتها أخيرًا بعد انقطاع كتير. بقالها كتير أوي مش بتنزل غير يوم الخميس، وكل مرة كانت بتلاقي حجة تهرب. وصلت قدام الباب، رفعت إيديها وخبطت خبطتين خفاف واستنت. ثواني عدت طويلة لحد ما الباب اتفتح وشيري ظهرت قدامها. وشها كان هادي زيادة عن اللزوم.
تيا قالت بهدوء: "عاملة إيه؟"
شيري ردت بفتور: "كويسة."
تيا دخلت خطوة لجوه، صوتها طلع مشدود وفيه وجع مكبوت وهي بتسأل: "إيه اللي إنتي عملتيه ده؟"
شيري قفلت الباب ووقفت قدامها وسألت بنبرة ثابتة إلى حد ما: "عملت إيه بالظبط وضحي؟"
تيا ملامحها اتشدت وقالت: "إنتي مفكرة إني ممكن أتغاضى عن حاجة زي دي؟ مفكرة إني هتجاهلك وهختار نفسي؟ أنا عمري ما بصيت لنفس الشخص اللي بصيتيله، حتى لو بكُن له مشاعر. مهما حصل بينا مشاكل مش هنسى إنك أختي."
شيري بصتلها بهدوء غريب وردت: "المهم دلوقتي يا تيا هو اختار مين، مش مهم قلب واحد قصاد قلبين."
تيا هزت راسها بانفعال، صوتها علي شوية: "غلطانة يا شيري."
شيري ابتسمت ابتسامة صغيرة فيها استسلام: "لأ إنتي اللي غلطانة. عيشي يا تيا وملكيش دعوة بيا. إنتي أختي الصغيرة وجالك اللي بيحبك، يا عبيطة أنا هفرحلك. وبعدين إنتي عارفة إنه لو كان ليا ونصيبي هيكون، ربنا أكيد شايلى الأحسن. وبعدين مش شايفة إن حتى لو بقينا مع بعض عمري ما هكون مرتاحة."
تيا حسّت بغصة في قلبها، كلام شيري وجعها أكتر ما ريّحها، ردت بحزن: "ميلزمنيش طول ما هو في قلبك يا شيري. عمري ما هتعامل معاه زي ما كنت، عمري ما هتجاهلك."
شيري قربت منها خطوة، صوتها بقى أهدى وأحن: "ولا يلزمني، صدقيني عمري ما هتمناه بعد دلوقتي. أنا كل اللي ضايقني إني فكرت إنك بصيتي لنفس الشخص، بس ده محصلش يا تيا، أنا كنت غلطانة. سيبي فرصة لنفسك. أنا متأكدة إنه بيحبك وأنك بتحبيه، يبقى ليه لأ."
تيا شدت نفسها بالعافية وقالت: "علشانك. مكنتش عايزة حد يكلمه، أنا أصلًا كنت قافلة الموضوع."
شيري ردت بسرعة من غير تردد: "يبقى افتحيه تاني."
تيا رفعت عينيها ليها وقالت برفض قاطع: "مش هيحصل، الموضوع منتهي، كده أحسن للكل."
سكتوا الاتنين لحظات، تيا حست إنها استنزفت كل اللي جواها وشيري واقفة قدامها، ملامحها هادية وكأنها زهدت كل شيء. الاتنين مش عايزين يكسروا قلوب بعض والموقف ده كان حساس وما زال.
بعد أيام بسيطة...
لارا كانت قاعدة قدّام فارس، الهدوء اللي بينهم كان غريب شوية. فارس كان متابعها وهي ساكتة ومستنيها تتكلم. لارا قالت أخيرًا بعد لحظات تردد: "عايزة أرجع شغلي تاني."
فارس بصلها وقال باستغراب واضح: "ترجعي تسافري كل شوية وتتابعي من إسبانيا يعني؟"
هزّت راسها: "أكيد مش هفضل عايشة هنا دايماً، وشكل الفترة البائسة دي مطولة، فلحد ما نعرف راسنا من رجلينا هرجع شغلي."
فارس اتعدل في قعدته وقال بقلق: "يعني إيه يا لارا، إنتي نسيتي إننا هنتجوز؟!"
بصّتله بهدوء وردت: "بس أكيد مش دلوقتي، ومش هفضل قاعدة هنا كتير يا فارس."
قرب منها شوية وسأل وهو بيبص في ملامحها: "هو في حد ضايقك؟ إنتي مش مرتاحة؟"
نفَت بسرعة: "لأ بس الفضا وحش، وأنا متعودة على الشغل دايماً. هيا دي كل الحكاية، عايزة أرجع شغلي لحد ما أشوف عيلتي هعمل معاهم إيه، مش هينفع أتجاهلهم، مش هينفع آخد خطوة في حياتي من غير ما أعرف إيه اللي هيتم."
فارس اتنهد وحاول يخلي صوته ثابت: "طب هشوفلك شغل هنا، مش هينفع تسافري."
لارا بصّتله باستغراب خفيف: "بس ده شغلي يا فارس."
رد بسرعة وفي كلامه غيرة واضحة: "مهو مش هينفع ترجعي نفس الشغل اللي كله سفر كل فترة في بلد مختلفة وتواجهي العالم لوحدك وأنا أفضل كده، مستحيل أقبل حاجة زي دي. هشوفلك في مجالك حتى بس يكون هنا."
سكتت ثواني وبعدين قالت: "وبعدين؟"
سكت لحظة يفكر وبعدين قال: "اشتغلي دلوقتي في مصر عادي، انزلي معايا وتابعي من إسبانيا أونلاين."
"فكرة حلوة."
ابتسم ابتسامة صغيرة: "وبعد كده نبقى نشوف الباقي."
رجعت الجدية لصوتها وهي بتقول: "بس مش هفضل موجودة هنا. عايزة أنزل في أوتيل، كده هيبقى مريح أكتر ليا."
قطّب حواجبه: "مين ضايقك طيب قوليلي."
هزّت راسها بهدوء: "مفيش يا فارس بس أنا كده كتير على البيت، وده مش بيتي."
رد وإحساس بالقلق ملازمه: "بس أنا كده متطمن أكتر عليكي."
"من إيه يا فارس، أنا طول عمري بنزل في أوتيلات عادي."
سكت لحظة وبعدين قال باستسلام نسبي: "طيب، هشوفلك واحد قريب من هنا، وهتابع معاكي دايماً. دلوقتي إيه رأيك أخدك مشوار؟"
رفعت حواجبها باستغراب لطيف: "فين؟"
ابتسم بنص غموض: "لما نروح هتعرفي."
قامت من مكانها وقالت: "طيب هغير هدومي وجاية."
A FEW MINUTES LATER
عربية فارس وقفت في مكان خرافي، مكان سياحي بس في الوقت ده كان هادي، مكان نادر نوعا ما والزيارات خفيفة عليه وده اللي مخليه مختلف ومميز. أول ما العربية دخلت المكان لارا حسّت نفسها خرجت من الدنيا كلها ودخلت لوحة مثلا. الوقت مع المكان كان مدي جو حلو. فارس ركن العربية ولارا أول ما نزلت، وقفت مكانها كأن رجليها اتثبتوا في الأرض. بصت حواليها بانبهار حقيقي، عينيها بتلف في كل اتجاه بانبهار مقدرتش تخفيه. بصت لفارس أخيرًا وقالت: "ده تحفة."
ابتسم وهو بيتفرج على رد فعلها وقال: "عارف وجبتك عشان كده."
لفت وشها ناحيته فجأة وقالت بزعل خفيف: "بس أنا مجبتش الكاميرا، إنت مقولتش ليه؟"
ضحك ضحكة واثقة وقال: "ودي حاجة تفوتني برضو."
سألته بسرعة ولهفة: "جبتها؟!"
قال وهو بيشاور للعربية: "طبعًا، هتلاقيها في العربية."
جريت بخطوات سريعة ناحية العربية، فتحت الباب الخلفي ولقت الكاميرا محطوطة بعناية على الكنبة اللي ورا. مسكتها بإيدين شبه بيترعشوا من الحماس وشدت الحزام بتاعها على رقبتها ورجعتله وعينيها بتلمع من الفرحة. قالت بصدق واضح: "فارس بجد شكراً، أنا بقالي كتير مصورتش، والمكان يجنن فعلاً."
قال بصوته الهادي ونظراته الدافية: "مبسوط إنه عجبك."
قربت منه خطوة، رفعت الكاميرا شوية، وبصتله بنظرة مختلفة فيها امتنان وقالت: "أول صورة هاخدها في المكان هتكون ليك."
وقف ثابت، ضهره مستقيم، وابتسامة خفيفة على وشه وهو بيقول: "موافق."
لارا رفعت الكاميرا، بصت من خلال العدسة، فارس بقى في الكادر، وهي اخدت صور ليه كتير جدا. وهو كمان صورها صور كتير وبعدها بدأت تاخد صور لكل حتة في المكان.
سلمى كانت ماسكة فونها بتقلب فيه وهي بتفكر بتردد تكلمه ولا لاء. كل مرة قلبها يدق أسرع من اللي قبله. وأخيرًا بعد تفكير وصراع كتير أخدت نفس طويل وضغطت على اسمه ورنت. رن وهي قلبها كان هيطلع من مكانه في كل رنة لحد ما رد. وبعد السلام والكلام اللي جُم على استحياء قالت بدون مقدمات: "بصراحة كنت عايزة أنزل تدريب واترددت كتير قبل ما أكلمك علشان مكنتش حابة أرجع تاني، بس هتستحملني كمان شهرين كمان؟!"
صوت تيام كان هادي وهو بيرد بترحيب: "طبعًا يا سلمى، إنتي عارفة أصلًا أنا بتمنى إنك ترجعي قد إيه."
شدّت الموبايل بإيديها أكتر وسألت: "يعني أرجع؟"
ابتسم: "طبعًا، أي وقت مكانك موجود."
اتنفست براحة خفيفة وقالت: "تمام، يبقى هعرفك أول ما أبدأ كلية."
رد بسرعة بنبرة جدّية خفيفة: "تمام بس خدي بالك."
اتشدّت شوية: "إيه؟"
"هخليكي تشتغلي بنفسك على بعض الحالات."
عينيها وسعت ورمشت: "أشتغل بنفسي؟ مستحيل."
ضحك ضحكة قصيرة وقال: "مفيش حاجة اسمها مستحيل، هتشتغلي بنفسك ولوحدك يعني هتشتغلي."
هزت راسها برفض: "لأ طبعًا صعب."
قال بثقة: "متهيألك، أنا هكون جنبك متقلقيش."
ردت برفض قاطع: "متحاولش مش هقدر."
رد بثبات: "هنبقى نشوف يا سلمى."
قالت بصدق وخوف حقيقي: "والله يا تيام مش هعرف، هبوظ للمريض سنانه."
رد بدون تردد: "لأ متقلقيش، أنا مصمم إنك تشتغلي بنفسك، إنتي مستهونة بنفسك ولا إيه يا دكتورة."
سكتت ثانية وبعدين اعترفت بصوت واطي: "بصراحة، آه."
نبرة صوته اتغيرت، بقت أهدى وأحن: "لأ يا سلمى متقوليش كده."
"هتشوفي لما أرجع."
"هنشوف يا سلمى، أنا واثق فيكي."
خميس جديد، فارس كان ماسك الموبايل ووشه متكدر وهو بيرن على زيزو. زيزو رد أخيرًا، صوته جه بارد: "أيوه يا فارس؟!"
فارس قال من غير مقدمات، صوته فيه حدة مكبوتة: "إنت فين؟"
زيزو رد بهدوء مستفز: "في شغلي."
فارس شد نفس طويل وقال: "بقالك كام خميس مبتجيش، شغلك ده مش بيخلص؟!"
زيزو رد ببرود: "ما هو شغل بقا، أعمل إيه؟!"
فارس قام من مكانه، مشي خطوتين في الصالة وقال بعصبية: "إنت فاكر نفسك مين بجد عشان تعملي مشغول؟! إنت مش عارف إنا مستنيينك!"
زيزو رد بنبرة أوطى شوية بس ثابتة: "فارس، قولتلك مشغول ومش هعرف أجي، الموضوع خلص."
فارس صوته علي أكتر: "لأ مخلصش! ده مش أسلوبك، فيك إيه؟!"
زيزو سكت ثانية وبعدين قال: "مفيش حاجة."
فارس ضحك ضحكة قصيرة عصبية: "مفيش حاجة؟! كل ده ومفيش حاجة؟!"
زيزو قال بنفاذ صبر: "فارس متكبرش الموضوع، أنا قولت اللي عندي."
حنان مدت إيديها لفارس وقالت: "هات التليفون."
فارس بصلها باستغراب: "هتكلميه؟"
قالت بثقة: "آه، سيبه عليا."
خدت الفون وقالت بنبرة هادية بس تقيلة: "إزيك يا زيزو؟"
"الحمد لله يا طنط."
قالت بعتاب: "بقالك كام خميس مبتجيش، البيت ناقصك."
زيزو سكت لحظة وبعدين قال: "والله يا طنط غصب عني، مضغوط شوية اليومين دول."
حنان ردت بهدوء فيه عتاب: "ما الشغل دايماً موجود وبييتأجل انهارده، اشمعنى بقا، مش كلنا بنتجمع انهارده دايماً."
صوته وطي شوية: "حقك عليا والله بس فعلاً غصب عني."
"طب طمني... هتيجي إمتى؟"
زيزو اتنهد وقال: "الخميس الجاي إن شاء الله، أوعدك إني هكون موجود."
حنان ابتسمت: "وعد؟"
"وعد يا طنط."
"يبقى اتفقنا، خد فارس معاك اهو."
أدت الفون لفارس وفارس قفل معاه، حنان حطت إيدها على كتفه: "سيبه براحته، بس لما ييجي اتكلموا، واضح إن في حاجة مضايقاه."
فارس هز راسه وهو باصص في الأرض وبيفكر إيه حصل لكل ده؟!
تاني يوم في آخر اليوم شيري كانت واقفة في مطبخ المطعم، بصّت حواليها، على المكان اللي بقى جزء من يومها، من تعبها، من هروبها من نفسها. خدت نفس طويل وهي بتحسم قرارها اللي أخدته خلاص، قلعت المريلة بهدوء وعلقتها مكانها وطلعت من المطبخ. عينها لقطته واقف بعيد شوية بيتكلم مع حد. استنت لما خلص وقربت منه. آسر أول ما شافها قال بابتسامة خفيفة: "خلصتي؟"
شيري حاولت تبتسم، بس ملامحها كانت ثابتة زيادة عن اللزوم: "ممكن آخد من وقتك دقيقة."
نبرتها خلت الابتسامة تقع من على وشه وسأل بقلق: "في إيه؟"
وقفت قدامه وشبكت صوابعها في بعض، وبصت في الأرض: "ده... ده آخر يوم ليا هنا."
الجملة نزلت تقيلة عليه، آسر اتسمر مكانه: "إيه؟!"
قرب خطوة منها: "آخر يوم إيه؟ إنتي بتهزري؟!"
هزت راسها بهدوء: "لأ، مش بهزر."
صوته علي شوية غصب عنه: "طب استني... استني، تسيبي الشغل؟! ليه؟!"
شيري حاولت تبقى هادية: "عشان مش حابة الشغل."
آسر ضحك ضحكة قصيرة مستنكرة: "مش حابة الشغل؟! بعد ده كله؟ بعد ما بقيتي من أهم الناس هنا؟"
ردت بسرعة: "زهقت يا آسر."
بصلها بتركيز، ورد بصوت حاد: "لأ ده مش سبب."
سكتت فكمّل: "مالك؟ في حد ضايقك؟ حصل حاجة؟ حد كلمك؟ قوليلي وإن...."
هزت راسها: "مفيش حد، ومفيش حاجة."
قرب أكتر، صوته فيه قلق حقيقي: "يبقى ليه؟! إنتي مش النوع اللي يزهق كده فجأة من حاجة."
رفعت عينيها ليه بإرهاق واضح: "كل الحكاية إني تعبت نفسيًا ومش عايزة أكمل."
قال بإصرار: "طب خدي إجازة، أسبوع، شهر، زي ما تحبي، بس متسيبيش الشغل خالص."
هزت راسها: "لأ."
قال بانفعال: "يعني إيه لأ؟! القرار ده مش منطقي."
نبرة صوتها عليت شوية لأول مرة: "هو قراري."
سكت ثانية، وبعدين قال بهدوء يخوّف: "مش هقبل."
استغربت: "يعني إيه مش هتقبل؟"
قال وهو باصص في عينيها مباشرة: "يعني مش هسيبك تمشي كده من غير ما أفهم."
شيري أخدت نفس عميق: "مفيش حاجة، أنا بس... مش مرتاحة."
سكت لحظة وبصلها بنظرة مختلفة وبعدين قال: "طب وأنا؟"
اتلغبطت، بصتله باستغراب حقيقي وقالت: "مش فاهمة... إنت إيه؟!"
قال بصوت واضح: "مش واخدة بالك إنتي عملتي فيا إيه؟! مخدتيش بالك إنك شدتيني؟ مخدتيش بالك؟! إنتي لوحدك اللي من ساعة ما جيتي وأنا اهتمامي بيكي غير أي حد."
قلبها دق بسرعة، بس وشها فضل ثابت وقالت: "مش فاهمة."
قرب أكتر بس حافظ على مسافة كويسة بينهم: "مش معقول مخدتيش بالك من تلميحاتي كل الفترة اللي فاتت دي."
ردت بابتسامة مكسورة: "مباخدش بالي من تلميحات."
لفّت علشان تمشي بس وقفها مكانها بصوته من غير ما يلمسها: "طب إنتي محستيش ناحيتي بحاجة؟ إنتي عارفة إني إنسان دوغري."
سكتت ثواني، أطول من اللازم وبعدين قالت بصوت واطي: "محسيتش؟... أو يمكن خوفت أحس تاني."
كلامها شد انتباهه فورًا، قال بحدة ممزوجة بدهشة: "تاني؟! قصدك إيه؟!"
انتبهت لنفسها فقالت بسرعة قبل ما تشمي: "مش قصدي... أشوف وشك على خير."
مد إيده في الهوا كأنه عايز يمسكها وقال: "اديني جواب يا شيري، أنا مش صغير للعب ده."
وقفت لحظة من غير ما تبصله وقالت بصوت مكسور بس حاسم: "معنديش جواب أصلاً."
وفي ثانية اختفت من قدامه.
بالليل شيري كانت قاعدة قدام سلمى، الإضاءة خافتة شوية، صوابعها بتلف حوالين بعض بتوتر واضح ونبرتها واطية كأنها خايفة من اللي بتقوله قبل ما تسمعه: "حسيت إني خوفت، أصلًا مش متعودة أبدًا آخد كل الاهتمام ده، وكل مرة اهتمامه يزيد."
سلمى كانت قاعدة قصادها، مميلة راسها شوية، مركزة معاها وسألتها بهدوء: "وده السبب اللي خلاكي تسيبي الشغل؟"
شيري نفخت وردت: "حاسة إني مش مرتاحة طول ما أنا متراقبة، بالرغم من إنه وسيم وطول بعرض ومواصفات أي بنت بتتمناها بس خوفت، أو اتخضيت، جالي تروما."
سلمى رفعت حاجبها باستغراب خفيف، وفي صوتها نبرة اعتراض: "أنا شايفاها فرصة كويسة أوي لو اديتيله فرصة."
شيري هزت راسها ببطء، ملامحها فيها حيرة أكتر من رفض: "اديني مشيت يا سلمي، لو هو عايزني هو عارف البيت فين."
سلمى قربت منها شوية وقالت: "بس إنتي مدتيهوش رد أو فرصة إنك موافقة أصلًا."
شيري بصتلها، عيونها فيها لمعة غريبة بين دفاع وخوف: "ومدتهوش رد إني رافضة."
سلمى ابتسمت ابتسامة خفيفة: "يعني إنتي عايزاه؟!"
شيري سكتت ثواني، كأنها بتسأل نفسها قبل ما تجاوب، وبعدين قالت بصراحة: "أنا مش عارفة أصلًا يا سلمي، بس آسر طيب أوي، يعني شبهي."
سلمى قالت بحماس: "حمستيني أشوفه."
شيري لأول مرة ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت وهي بتفتح الفون: "هوريكم صوته على الواتساب استني."
فتحت فونها بسرعة، وسلمى عدلت قعدتها وقربت بحماس واضح، شيري جابت الصورة وادت الفون لسلمي. سلمى أول ما شافته ابتسمت وقالت: "طب والله مز اهو وشكله كاريزما."
شيري ضحكت ضحكة قصيرة فيها إعجاب وحسرة: "هو فعلًا كاريزما، تفتكري مكانش ينفع أسيب الشغل."
سلمى هزت راسها بتفكير: "أو كان ممكن تديله رد غير مباشر يميل للموافقة."
شيري رجعت تبص في الأرض كأنها بتراجع كل خطوة خدتها: "اللي حصل حصل، أصلًا مش عارفة ليه لحد دلوقتي متجوزش مع إنه ميترفضش أصلًا."
سلمى بصتلها وقالت بغيظ: "قولي لنفسك."
شيري ضحكت بمرارة: "هو أنا أصلًا فيا حاجة مميزة عن غيري، بفكر كتير في كده، إذا كان زيزو نفسه عمره ما بصلي، آسر إزاي."
سلمى قاطعتها بسرعة: "يبنتي زيزو إيه بس، ربنا بيعوض والله."
شيري بصتلها: "تفتكري فعلًا زيزو كان حب مراهقة؟"
سلمى سكتت لحظة، وبعدين سألتها سؤال مباشر: "هو إنتي مشدودة لآسر."
شيري بلعت ريقها وحاولت تهرب بالكلام: "يعني..."
"يبقى أه، زيزو مراهقة، لو حب حقيقي مش هتميلي لغيره."
شيري حسّت إن كلامها صح فعلًا، اتنهدت وقالت بهدوء ناضج: "يبقى لازم أدي نفسي فرصة تانية، ولازم أحب نفسي الأول."
سلمى ابتسمت، ابتسامة رضا وقالت: "بالظبط، وقتها هتعيشي بجد."
تاني يوم...
شيري صحيت على رنة فونها، كان آسر. أول ما شافت اسمه ردت فورًا كأنها كانت مستنية اتصاله من غير ما تعترف بده حتى لنفسها.
آسر قال بصوت هادي: "كنت فاكرك بتهزري على فكرة، كنت اتعودت على وجودك."
شيري سكتت ثانية، أخدت نفس طويل قبل ما ترد، صوتها كان أهدى من اللازم: "كده مرتاحة أكتر صدقني، حاسة إني عايزة أفصل شوية."
آسر رد بضيق: "بس أنا قولتلك يا شيري خدي إجازة زي ما تحبي، بس متسبنيش."
شيري حاولت تداري ارتباكها وقالت بسرعة: "متحسسنيش بالذنب بقا."
صوته علي سنة بوجع: "لأ حسي، إنتي مش عارفه إنتي عملتي إيه؟!"
شيري بلعت ريقها وقالت: "المناسب، عملت المناسب."
آسر ضحك ضحكة قصيرة مفيهاش روح: "لأ ده عمره ما كان مناسب، لا ليكي ولا ليا، ارجعي يا شيري عشان خاطري وهعملك اللي إنتي عايزاه، أنا أصلًا لحد دلوقتي مش عارف ليه مشيتي."
"أنا اللي مش عارفة إنت ليه متمسك بيا، إشمعنى أنا وفي غيري أشطر وأحسن وهييجي بدالي ألف واحدة كويسة."
آسر رد بسرعة: "مينفعش تسأليني سؤال زي ده، ده سؤال غلط."
قالت وهي بتضغط على الموبايل بإيديها: "طب اسأل سؤال تاني، إنت عايز مني إيه بالظبط."
سكت ثانية ورد بكل وضوح: "أول حاجة عايز أعرف ليه سبتي الشغل."
شيري غمضت عينيها كأنها بتعترف لنفسها قبل ما تعترفله: "معرفش، بس خوفت أقرب منك أكتر، كل يوم قربك مني يزيد وده خوفني."
آسر قال بثقة هادية كأنه وصل للحقيقة أخيرًا: "يبقى ده مش معناه غير حاجة واحدة."
قلبها دق جامد، سألت وهي عارفة الإجابة وخايفة منها: "اللي هيا..."
سكت لحظة كانت بالنسبالها طويلة وبعدين قال بصوت واضح ومباشر: "إنك حاسة بمشاعر ناحيتي زي ما أنا حاسس، وفي الحالة دي..."
وقف ثانية وهو واخد قرار أخيرًا وكمل: "خديلي معاد من أخوكي."
شيري سكتت وضربات قلبها بتزيد جامد. صمتها طال كتير وهي بتستوعب. آسر قال: "متسكتيش، أنا بحبك."
الجملة نزلت عليها تقيلة، حسّت إن قلبها بيدق بعنف، لأول مرة قلبها يدق كده، نفسها اتلغبط ومخها وقف، من غير ما تفكر، ومن غير ما تدي نفسها فرصة تستوعب، قفلت الخط.
إيديها ساقعة، ووشها سخن، مكملتش ثانيتين والفون رن تاني، بلعت ريقها وردت فجالها الرد: "دي وأنا كمان بتاعتك يعني؟!"
نبرته كانت خفيفة، فيها هزار بس وراه توتر واضح كأنه بيحاول يخفف اللي حصل، شيري غمضت عينيها وردت أخيرًا: "بس بقا أنا متلغبطة."
قالتها بصوت واطي فرد من غير تردد: "علفكرة وأنا، ومش عارف إزاي اليوم هيعدي انهارده من غير ما أشوفك."
كلامه دخل قلبها، حست إنها مطلوبة، مرغوبة، ومهمة فعلًا مش مجرد حد عدى في حياة حد تاني، بس مع الإحساس ده، كان في خوف غصب عنها، قالت بسرعة كأنها بتهرب: "أنا لازم أقفل على فكرة."
مستنتش رد، قفلت الخط بسرعة وعدلت قعدتها، حطت إيديها على صدرها، بتحاول تهدي قلبها اللي رافض يهدى. وعلى الناحية التانية آسر بص للفون بعد ما الخط فصل، استوعب اللي حصل وبدل ما يتضايق ابتسم ابتسامة هادية وواثقة. هو فاهم كل توترها بس اتأكد من مشاعرها وده كفاية بالنسباله.
فارس دخل البيت بعد يوم طويل نسبيًا، بالكاد قفل الباب وراه لقا سلمى واقفة قدامه، ملامحها مش طبيعية، عيونها فيها لهفة وارتباك في نفس الوقت. من غير ما تديله فرصة يسأل، مدت إيدها وشدته من دراعه بقوة وهي بتهمس بسرعة: "تعالى بسرعة."
فارس اتفاجئ، حاول يثبت مكانه وقال باستغراب: "في إيه؟!"
سلمى مردتش، شدته أكتر وكملت مشي، خطواتها سريعة لحد أوضتها، فتحت الباب مرة واحدة وسحبته جوا وهي لسه ماسكة دراعه.
رواية اذا أراد النصيب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم بتول عبد الرحمن
أول ما فارس دخل وقف مكانه، اتجمد في مكانه، أنفاسه اتسحبت فجأة، وعقله احتاج ثواني يستوعب اللي شايفه.
لارا واقفة قدامه لابسة حجاب، حجاب بسيط، لونه هادي، ملفوف بنعومة حوالين وشها، كانت هادية جدا وملامحها هادية وصافية.
لارا كانت متوترة، باصّة للأرض، صوابعها بتفرك في بعض بعصبية واضحة، أكتافها مشدودة كأنها مستنية حكم أو رد فعل.
فارس حس بقلبه بيدق جامد، خطى خطوة لقدام وبص لسلمى اللي ابتسمت وهزت راسها.
فارس أخد نفس، قرب خطوة واحدة بس، صوته طلع واطي لكنه ثابت.
"الحجاب بيتلبس أصلًا عشان يقلل الجمال... مش يزوده."
سلمى ابتسمت أكتر وقالت بثقة.
"هيا لارا أصلًا حلوة."
لارا رفعت عينيها ببطء لأول مرة وبصت لفارس، عيونها كانت مليانة قلق وسؤال واحد واضح، صوتها طلع خافت.
"شكلي حلو؟"
فارس مترددش، بصلها بنظرة فيها إعجاب حقيقي وفيها خوف في نفس الوقت وقال.
"ودي المشكلة أصلًا."
شاورت على سلمى وقالت.
"سلمى اللي قالتلي ألبسه... بس أنا معنديش لبس، فهيا ادتني."
فارس اتحرك فجأة كأنه أخد قرار.
"ننزل دلوقتي مخصوص نشتري."
لارا فتحت عينيها بدهشة.
"بجد؟"
"طبعًا بجد."
لف ناحية سلمى وقال بصوت واطي شوية بالعربي.
"بس اختاري يا سلمى طقم ألوانه أغمق شوية... مش عايزها تبقى ملفتة."
سلمى هزت راسها ولارا استغربت وسألت.
"في إيه؟"
فارس رد بهدوء.
"مفيش، غيري هدومك وأنا مستنيكي بره."
"ألبس هدومي التانية يعني؟"
بصلها بجدية.
"لا طبعًا، هدومك التانية دي تنسيها خلاص، سلمى هتديكي طقم تاني ألوانه أغمق علشان ده ملفت."
لارا ابتسمت ابتسامة صغيرة وهزت راسها.
"أوكي."
فارس خرج وأول ما قفل الباب وراه سلمى بصت للارا وقالت بنبرة انتصار خفيفة.
"قولتلك هينبهر."
لارا ضحكت بهدوء.
"أخدت بالي... بس هو كان بيقولك إيه؟"
"كان بيقولي اللي قالهولك، أختارلك طقم أهدى."
لارا هزت راسها بتفهم، وسلمى فتحت الدولاب وابتدت تقلب فيه.
لارا خرجت من الأوضة بخطوات مترددة، الاستايل كان بسيط، ألوانه أغمق فعلًا، بس الغريب إن بساطته كانت مخلّياه أجمل، الحجاب كان مظبوط عليها ووشها باين هادي، فارس أول ما شافها، سكت، سكت أطول من اللازم وبعدين زفر نفس طويل وقال بنبرة فيها استسلام أكتر ما فيها اعتراض.
"وبعدين بقا..."
لارا وقفت قدامه، بصتله باستغراب خفيف.
"في إيه؟"
قرب خطوة، لف حوالين نفسه وبعدين قال وهو بيهز راسه.
"ده كمان ملفت."
لارا رفعت حواجبها، نبرتها بقت بين الضحك والضيق.
"طب أعمل إيه؟"
فارس رد بسرعة وكأنه حسم الموضوع.
"ولا حاجة... أنا اللي هعمل."
سكت لحظة، وبص لسلمى بنظرة جانبية، وبعدين قال بهزار نصه جد.
"هنقّبك."
لارا سألت بعدم فهم.
"قولت إيه؟!"
سلمى ضحكت وهيا بتضربه بخفة على دراعه.
"حرام عليك يا فارس مره واحده كده."
فارس ابتسم ابتسامة مهزومة وبص تاني على لارا وقال بنبرة فيها غيرة خفية.
"دي حلوة في كله... ده لون عينيها بان أكتر في الحجاب."
لارا كانت واقفة تايهة، مش فاهمة السياق ولا الكلام وقالت بصوت واطي.
"أنا مش فاهمة."
سلمى قربت منها وربتت على كتفها وقالت بابتسامة.
"كويس إنك مفهمتيش."
فارس بصلها وقال بهدوء مصطنع.
"مش مهم يا لارا... يلا."
لارا هزت راسها، مسكت شنطتها ومشيت وراه بهدوء.
سلمى دخلت أوضة شيري بهدوء لقتها قاعدة على طرف السرير وسرحانة لدرجة انها مخدتش بالها من وجودها، سلمي حركت ايديها قدام وشها وشيري بصتلها وقالت بنبرة مهزوزة.
"آسر كلّمني."
سلمي قعدت جنبها وقالت.
"بجد؟! قالك إيه؟!"
شيري بلعت ريقها وقالت بتوتر.
"ده... ده عايز ياخد معاد مع فارس."
سلمى صاحت بفرحة.
"ياااه! أخيرًا! عندنا عروسة"
شيري كشّرت، مدت إيدها تزقها بخفة.
"اسكتي بقا، أنا متوترة!"
سلمى ضحكت.
"طب قوليلي، انتي قولتيله إيه؟"
شيري بصت في الأرض وقالت بصوت واطي.
"هقول إيه يعني... قفلت السكة في وشه طبعًا."
سلمى فتحت بوقها بصدمة.
"يخربيتك! ليه كده؟!"
شيري رفعت أكتافها بحيرة.
"مش عارفة... اعمل إيه يا سلمى؟! أنا حاسة ان الدنيا داخلة في بعض."
سلمى مسكت إيديها بحنية.
"بصي، هو أكيد هيكلمك تاني، الراجل واضح إنه جد."
شيري بصتلها بقلق.
"تفتكري؟"
سلمى هزت راسها بثقة.
"طبعًا، وساعتها انتي تعملي إيه؟ تديه رقم فارس وبس، ولا كأنك تعرفي حاجة"
شيري سكتت لحظة، وبعدين هزت راسها ببطء وهيا بتقول.
"يمكن... يمكن عندك حق."
سلمى ابتسمت، قامت من جنبها وقالت وهي بتغمز.
"ثقي في اللي جاي يا شيري... المرادي الموضوع مختلف."
خميس جديد والكل متجمع، السفرة واخدة شكلها المعتاد، الكل ساكت تقريبا والجو هادي، حنان بصت لزيزو وقالت بنبرة فيها عتاب خفيف.
"يعني ينفع كل دي غيبة؟"
زيزو اتنهد وهو بيعدل قعدته وحاول يخفف الجو شوية.
"غصب عني والله، هو أنا عمري طنشت؟"
حنان هزت راسها وكملت وهيا بصاله بتركيز.
"ده أنا كنت هكلمك الخميس اللي فات في موضوع."
زيزو ابتسم ابتسامة جانبية وقال.
"كلميني فيه النهارده يا ست الكل."
حنان وطت صوتها شوية كأنها بتقول سر.
"شوفتلك عروسة."
زيزو رفع حواجبه بسرعة وقال بفضول مصطنع.
"حلوة؟!"
حنان ردت بسرعة.
"زي القمر."
قبل ما زيزو يلحق يعلّق، فارس دخل على الخط وقال بسخرية.
"ده اللي بيهمه... سطحي مووت."
زيزو لف وشه لفارس ورد بثقة.
"أومال انت اللي هتهمني يسطا؟ ما هو عايزين نشوف بنات حلوة بقا ونعيش."
فارس ضحك.
"يا حبيبي اللي قدّك خلاص جابوا بنات حلوة، مش بيدوّروا عليهم."
حنان اتدخلت بسرعة.
"قول لنفسك."
فارس لف راسه وبص على لارا اللي كانت قاعدة جنبه وقال.
"ما خلاص، دخلنا الطريق."
لارا بصتله باستغراب، مش فاهمة السياق كله بس ابتسمت ابتسامة بسيطة كأنها بتحاول تواكب الجو من غير ما تسأل ،زيزو رجع يتكلم وهو بيضحك.
"ده احنا اللي قدّنا اتجوزوا التانية... لا مؤاخذة يا حاج خالد."
خالد رفع راسه بهدوء وقال بثبات.
"مؤاخذتك معاك."
الكل ضحك ما عدا تيا اللي كانت باصة لزيزو بحزن وهو مبصلهاش ولا مرة ولا كأنها موجودة حتى.
بعد الغدا وبعد ما الكل اتغدى السفرة كانت بتتلم، تيا كانت واقفة عند طرف السفرة بتلم الأطباق واحدة واحدة على مهل وايديها بطيئة بطريقة مقصودة، عينيها على الأطباق بس ودانها شغّالة على الآخر معاهم، مع زيزو اللي كان قاعد جنب حنان مميل ناحيتها ومركز مع كلامها، حنان كانت فاتحة موبايلها، بتقلب في صور، وكل شوية ترفع الشاشة قدامه.
"شايف؟ دي بقا"
"آه... حلوة"
الكلمة طلعت منه هادية بس نزلت على ودنها تقيلة، إيديها وقفت لحظة وبصت عليهم، حنان قربت الموبايل أكتر وقالت.
"بقولك زي القمر"
زيزو ابتسم ابتسامة صغيرة وحنان مدحت فيها كتير وفي نهاية مدحها قالت برضا.
" وغير كده بنت محترمة وبنت ناس."
زيزو رد وهو لسه باصص للموبايل.
" بس دي بسكوتة مش هتنفع مع امي دي"
الجملة دي تحديدًا حرقتها، بصّت ناحيتهم لا إرادي، نظرة سريعة، جامدة، هو بصلها لثانية بس مهتمش وهيا رجّعت عينيها للأطباق بسرعة.
سلمى جت ومدّت إيديها تاخد طبق وقالت باستغراب خفيف.
"انتي بقالك ساعة، في إيه؟"
تيا اتنفضت وكأنها اتفاجئت بالسؤال وردت من غير ما تبصلها.
"بلمّ اهو."
شالت الأطباق ومشيت بخطوات سريعة ناحية المطبخ.
بعد دقايق طويلة زيزو لمح تيا واقفة في البلكونة، ضهرها ليه، بتبص تحت في الشارع وسرحانة شوية، وقف لحظة قبل ما يتحرك ناحية البلكونة، مسك الفون وحطه على ودنه وقال بصوت عالي شوية ومقصود.
"أيوه كده سامعك... سامعك أهو"
تيا بصّتله بطرف عينيها ورجعت بصّت لتحت علطول، هو قرب خطوة منها، وقف جنبها شوية وكمل وهو عامل نفسه مش واخد باله منها.
"المكان اللي أنا واقف فيه فيه شبكة زي الفل"
سكت ثانية، مستني يدي لنفسه دور، وبعدين قال بنبرة فيها خُبث متغلف باللامبالاة.
"شكلي ناوي قريب أدخل دايرة المتجوزين... حنونة جابتلي عروسة قمر، كل حاجة فيها حلوة، شكلها هادي كده، وبسكوته"
تيا قلبها اتقبض، غصب عنها رفعت عينيها وبصّتله، وهو كانت عينيه عليها من الأول، أول ما شافها بتبصله لف وشه في حتة تانية بسرعة وكمل تمثيل.
" بس اخاف عليها من امي والله"
سكت شوية، وبعدين كمل ببرود.
"البت خيال، ومش لمضة خالص، بفكر أخد رقمها وأكلمها"
تيا كانت واقفة جامدة بس جواها نار، هو كمل.
"طيب خلاص، هشوف الموضوع وأقابلها"
وقّف المكالمة الوهمية وحط الفون في جيبه ووقف جنبها بالظبط بس كأنه مش شايفها اصلا، تيا كانت باصة قدامها، عينيها بتلمع بغيظ مكتوم لحد ما انفجرت.
"ما هو يا إمّا إنت واحد كداب... يا إمّا أنا اللي غبية"
زيزو بصلها ورجع بص قدامه وسكت، وسكوته بالنسبالها كان اقسى رد فقالت بغيظ.
"بكرهك يا معاذ"
قالتها وهي بتلف تمشي بس إيده كانت أسرع، مسك دراعها جامد وقفها مكانها، تيا اتنفضت وشدت دراعها بوجع.
"دراعي"
مهتمش بوجعها، بصلها بقسوة وصوته طلع بارد، ناشف.
"ما تقولي دوغري... إنتي عايزة إيه؟"
بصتله بعيون مليانة نار ووجع.
"مش عايزة أشوف وشك تاني، إنت واحد كداب ومنافق"
ضحك ضحكة قصيرة بسخرية ورد بمنتهي البرود والقسوة.
"معلش، تعالي على نفسك ساعتين كل أسبوع وشوفيه، أنا مش باجي هنا عشان خاطرك يعني... إنتي ولا تعنيلي أي حاجة أصلًا"
قرّب أكتر، وخبط بإيده خبطه خفيفة على خدها بس كانت مهينة أكتر ما كانت مؤذية.
"فوقي يا تيا، إنتي مجرد عيلة لا روحتي ولا جيتي، ويظهر كده إني غلطت لما محطتش حدود من الأول واتماديت مع عيلة"
سكت لحظة وبعدين كمل بقسوة اكتر.
"وغلطت مرة كمان لما شوفت العيلة واحدة... بس الحمد لله اني لسه على البر، ولسه أقدر ألحق نفسي"
تيا بعدت خطوة، دموعها لمعت في عينيها وبصتله بكره.
"بكرهك... بكرهك... بكرهك"
ومشيت بسرعة قبل ما تنهار قدامه وهو فضل واقف مكانه، صدره بيعلى ويهبط بعنف، الكلمة وجعته أكتر ما كان متوقع، بصّ قدامه بغيظ، شد فكه جامد.
هو مكانش ناوي يوجعها للدرجة دي، بس هيا كمان آخر مرة وجعته.
تيا خرجت بسرعة، حاطة إيديها على بوقها كأنها بتخنق صوتها، خرجت بسرعة من الشقة كلها متجاهلة كل النداءات اللي تخصها، الكل استغرب من منظرها، شيري كانت أول واحدة قامت وقالت بقلق.
"هشوف مالها."
طلعت وراها وسمية كمان قامت بقلق ورا شيري، طلعوا الاتنين وخبطوا على الباب بس مفيش رد، تيا كانت جوه صوتها مكتوم، نحيب بيزيد وأنفاسها بتطلع تقيلة، سامعاهم بينادوا بس مهتمتش، كلامه بيرن في دماغها، مش جملة واحدة بالتحديد... لا، كله.
الاحتقار.
التجاهل.
السخرية.
إنه شايف غيرها.
الوجع مكانش في قلبها بس، كان في كرامتها، قامت من مكانها وهيا تايهة، خطواتها مش ثابتة، دماغها بتلف، دخلت أوضة باباها ومامتها، وقفت لحظة وبصت حواليها لحد ما لقت علاج باباها بتاع الضغط، هيا عارفة كويس أن جرعة زيادة منه بتموت وبرغم كده خدته وإيديها بتترعش وراحت ناحية المطبخ متجاهلة أي نداء أو خبط.
سمية قالت لشيري.
" انزلي هاتي المفتاح من تحت"
شيري نزلت بسرعة وسمية فضلت تخبط على الباب بس مفيش اي رد، تيا بصت للدوا في ايديها بتردد ومن غير ما تفكر اكتر حطته في بوقها وشربت الميه بعده علطول وقعدت على الأرض وهيا بتعيط، ثواني وسمية وشيري كانوا في الشقة، راحوا ناحية اوضتها لقوها فاضية فدوروا عليها، شيري دخلت المطبخ وهيا بتدور عليها وأول ما شافتها اتصدمت، وشّها شاحب، عيونها حمرا ومنفوخة، وشكلها باين عليه الإنهاك.
قالت بلهفة وهيا بتقرب منها.
"تيا في إيه؟ مالك؟!"
تيا بصتلها، نظرة واحدة كانت كفاية تحكي كل اللي هيا حاسة بيه في اللحظة دي، صوتها طلع مكسور، واطي.
"تعبت من كل حاجة... أنا مش حمل كل ده يا شيري... تعبت."
شيري قربت منها فورًا، مسكت وشها بين إيديها وقالت.
"لا لا انتي مش لوحدك، فاهمة؟ عمرك ما كنتي لوحدك."
وضمتها وهيا بتنادي.
" تيا في المطبخ يا طنط"
سمية جت بسرعة ولقتها على الأرض وشيري جنبها، نزلت لمستواهم وبصت لتيا بس كانت غابت عن الوعي في اللحظة دي، حاولت تفوقها، تجيبها يمين تجيبها شمال بس مفيش رد.
"عملنا غسيل معدة ولحقناها، أخدت جرعة كبيرة من دوا ضغط وده خطر وبيسبب الوفاة، بس الحمد لله إنكم لحقتوها على طول."
الكلام وقع عليهم تقيل، سكون غريب سيطر على المكان، سمية حطت إيديها على قلبها بقهر وعيونها مليانة دموع، وتيام قرب خطوة وسأل بصوت مخنوق.
"وهيا أخدت دوا ضغط ليه؟"
أشرف حس بدوخة مفاجئة، جسمه مال وتيام سنده بسرعة وهو ماسكه من دراعه، زيزو كان واقف بعيد شوية، ساكت، بس الكلام كان بيترن في دماغه تاني وتالت... دوا ضغط... جرعة كبيرة... موت.
شيري كانت واقفة جنب سمية، قربت وقالت بقلق واضح.
"هيا هتفوق إمتى طيب؟"
الدكتور رد بهدوء.
"شوية وهتفوق وتقدر تروح كمان، حمد الله على السلامة."
وبعدها انسحب وسابهم واقفين مكانهم، كل واحد فيهم حاسس برهبة من اللي حصل.
بعد شوية كانوا كلهم متجمعين عندها في الأوضة، فارس وسلمى واقفين جنبها ، حنان قاعدة وعيونها مليانة قلق، سمية، أشرف وتيام جنبها.
تيا كانت فاقت، عيونها مفتوحة بس فاضية، باصة في السقف كأنها مش شايفة حد، كل اللي حواليها كانوا بيتكلموا في نفس الوقت تقريبًا.
ليه عملتي كده؟
إيه اللي وصلك لكده؟
مالك يا بنتي؟
بس هي ولا كأنها سامعاهم، ولا كلمة طلعت منها، دموعها بس كانت نازلة في هدوء، دموع تقيلة، صامتة، وكأنها مش قادرة حتى تعيط بصوت، لامبالاة غريبة، مش مهتمة بتفسير، ولا بدفاع، ولا حتى بوجودهم.
برّه الأوضة، زيزو كان واقف لوحده، ضهره للحيطة، راسه لتحت، مش قادر يدخل، قلبه تقيل، الذنب خانقه، وبيفكر كل كلمه قالهالها، فارس خرج من الأوضة وشافه واقف، قرب منه وقال بنبرة هادية بس فيها عتاب.
"إنت بتعمل إيه؟ جاي تقف هنا؟"
زيزو رفع عينه بصعوبة وقال.
"كان معايا فون... هيا عاملة إيه؟"
فارس رد.
"الحمد لله... بس مش راضية ترد على حد ولا تقول عملت كده ليه."
زيزو بلع ريقه وقال بتردد.
"وشيري؟ متعرفش؟ هيا قريبة منها."
فارس هز راسه.
"لاء"
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح وخرج أشرف ومعاه شيري، ملامح أشرف كانت باينة عليها التعب والذعر، صوته طلع مهزوز وهو بيقول.
"حاولي يا شيري تعرفي إيه اللي وصلها لكده، انتي عارفة إنها بتقولك كل حاجة، أنا هتجنن من كلام الدكتور... دي لسه عيلة صغيرة لا راحت ولا جت عشان تفكر في الانتحار."
شيري هزت راسها.
"حاضر... لما نروح هقعد معاها واعرف إيه اللي حصل."
فارس قرب خطوة وقال.
"أنا شايف محدش يضغط عليها، سيبوها النهارده ترتاح."
وبص لشيري تحديدًا وأضاف.
"وانتي يا شيري، باتي معاها النهارده، علشان متعملش حاجة تاني."
أشرف اتنهد تنهيدة طويلة وقال.
"عندك حق... يبقى نتوكل على الله."
تاني يوم، كانت شيري قاعدة مع تيا في الأوضة، الجو هادي بس تقيل، والصمت غالب، تيا كانت قاعدة على السرير ضامة رجليها، عينيها باصة في الولا حاجة، ملامحها شاحبة وتعبانة.
شيري قربت منها وقالت بنبرة هادية فيها رجاء.
" تيا بتحايل عليكي من امبارح، قوليلي في ايه"
تيا ردت من غير ما تبصلها بصوت مبحوح.
" شيري مش هتكلم، متحاوليش معايا تاني، الموضوع خلص"
شيري اتنهدت وقالت.
" لاء مخلصش، انتي مستوعبه انتي عملتي ايه، مستوعبه اللي حصل، ومستكترة تقولي السبب؟!"
تيا شدت الغطا شوية عليها وقالت بعصبية خفيفة.
" مش عايزه اتكلم، مش عايزه"
شيري سكتت لحظة، وبعدين قالت وهي مركزة في ملامحها.
" تيا انتي طلعتي علطول بعد ما زيزو خرج وراكي البلكونه، انا مرضيتش الفت انتباه حد امبارح وقولت هبقى افهم في ايه بيني وبينك، فقوليلي في ايه؟!"
دموع تيا نزلت فجأة كأن السؤال لمس جرح مفتوح.
" مفيش حاجه"
شيري رفعت حواجبها بعدم تصديق.
" صح، عشان كده خرجتي من البلكونه بسرعه وطلعتي هنا من غير ما تردي على حد منهم لما نادوا عليكي، وفوق كل ده حاولتي تنتحري، كل ده ومفيش"
تيا بلعت ريقها وقالت وهيا بتبص في الأرض.
" مش عمتو جابتلوا عروسة وعجبته، ليه بقا من الأول طلب أنه....، وليه منع العريس اللي كان جايلي، ليه حللها عليه وعليا انا محرمها"
شيري قربت أكتر.
" طب هو عمل ايه؟!"
تيا قالت بصوت مكسور.
" هيتجوزها يا شيري"
شيري ردت بهدوء متعمد.
" هو مش انا قولتلك افتحي موضوعه وأنه مبقاش فارقلي، قولتلك اني مش هبصله تاني عمري كله، انا بقا في حياتي حد تاني"
تيا رفعت راسها بصدمة.
" كدابه"
شيري ابتسمت ابتسامة واثقة.
" والله"
تيا مسحت دموعها بسرعة.
" مين؟!"
شيري ضحكت بخفة.
" اسمه آسر، هو صاحب المطعم اللي كنت شغاله فيه، عايز ييجي يتقدم بس انا بسوحه شويه"
تيا قالت باستغراب.
" ايه ده ليه؟"
شيري هزت أكتافها.
" مش عارفه، بس شويه كده وهبقى اديه رقم فارس"
تيا قربت منها بحماس.
" عايزه اشوف شكله، معاكي صوره ليه؟!"
شيري قالت وهيا بتمسك الفون.
" اه استنى"
فتحت الفون على صورته وادتهولها، تيا بصت كويس وقالت.
" شكله حلو، ده يتسوح؟!"
شيري بصت بعيد.
" مش مصدقه يا تيا أنه بصلي اصلا، واحد زي آسر فيه كل حاجه حلوه يبصلي انا ليه؟ في احلى مني كتير معانا وفي ارقي كتير واي واحده تتمنى زيه، اشمعنا انا"
تيا ردت بثقة.
" حبك عادي، شخصيتك عجبته مثلا، انتي نفسك عجبتيه، مش شرط خالص يختار احسن، مش فاهمه انتي ليه دايما مستهونه بنفسك"
شيري قالت بشرود.
" بحس أن كل حاجه في الحياه لازم يكون ليها سبب، مش عارفه اثق في حد"
تيا بصتلها بحدة.
" متعرفيش حاجة اسمها عوض"
شيري اتنهدت.
" مش عارفه يا تيا بس دي انا وده تفكيري ومش قادره اغيره"
تيا قالت بإصرار.
" لاء حرام عليكي تضيعي واحد زي ده من ايدك، خليه ييجي يلا"
شيري ردت.
" اصلا بيتحايل عليا ارجع الشغل تاني"
تيا استغربت.
" انا اصلا مش فاهمه انتي ليه سبتي الشغل"
شيري قالت.
" مش عارفه، اللي حصل بقا"
تيا سألت بهدوء.
" انتي بتحبيه؟!"
شيري سكتت ثانية وبعدين قالت.
" يمكن بقا ده السبب اللي خلاني اسيب الشغل، انا مش فاهمه نفسي ولا فاهمه انا بحب مين ومش بحب مين اصلا"
تيا قالت بحكمة.
" لو حبيتي آسر يبقى اللي قبله كله مكانش حب، دي معلومه قراتها قبل كده، انك لو بتحبي الشخص بجد مفيش حد هيلفت انتباهك غيره"
شيري ابتسمت بخفة.
" طب ما تقولي لنفسك، انا اصلا مقررة هعمل ايه في حياتي بس انتي شكلك بتكبري تتجنني"
تيا قالت بندم.
" اهي كانت لحظة طيش ندمانة عليها، وربنا سترها الحمد لله"
شيري قربت منها وسألت.
" مجاش في بالك مثلا أنه بيستفزك؟"
تيا ردت باستغراب.
" يستفزني ليه اصلا؟"
شيري قالت بسخرية.
" انا قدام السؤال المباشر الوحيد في الامتحان"
تيا صوتها وطي.
" شيري قالي كلام وحش، قالي انتي عيله وكنت غلطان لما فكرت اني ابصلك واني كان لازم احط حدود بينا، هانّي جامد اوي"
شيري اتفاجئت.
" وهيعمل كده لوحده؟! انتي اخر مره قبل امبارح شوفتيه امتى وقولتيله ايه"
تيا افتكرت، سكتت شوية وبعدين قالت.
" تقريبا نفس الكلام اللي قاله؟ يعني هو بيردها؟! بس هو كان بيكلمني بكُره يا شيري، انا بجد بكرهه، واصلا مش هينفعني، انتي عايزه تفهميني أن الموضوع مش فارقلك"
شيري قالت بثبات.
" والله ما فارقلي، دلوقتي خلاص مبقاش يشغلني"
" حتى لو، هو برضو بالنسبالي مبقاش يلزمني، لا صاحب ولا حبيب"
شيري بصتلها بجدية.
" هقولهالك تاني، ارجعي ادي فرصه، لانه بجد بيحبك، وامبارح كان بجد مرعوب عليكي"
تيا ردت بعصبية.
" خليه يغور في داهيه أنا مش طايقاه اصلا"
شيري ابتسمت.
" انا متأكده أن الكلام ده من ورا قلبك وان اكيد هييجي يوم تعترفوا فيه انتوا الاتنين لبعض بمشاعركوا"
تيا هزت راسها.
" مستحيل، خليه يشوفله واحده زيه"
شيري ضحكت.
" بتقولي الجمله وعينيكي بتطلع غيره"
تيا ردت بسرعة.
" اغير علي ده؟ مش فارقلي اصلا"
شيري قالت بهدوء.
" صح عشان كده سفيتي دوا ابوكي كله"
تيا زفرت.
" قولت لحظة طيش بقا، اقفلي الموضوع"
شيري ختمت الكلام.
" شوفي هتقولي ايه لامك وابوكي الاول"
تيا قالت باستسلام.
" اي حاجه بقا"
فارس رجع البيت بعد صلاة الجمعة، أول ما دخل لقا لارا واقفة مستنياه، كانت لابسة لبسها الطويل المحتشم الجديد، هادية، ثابتة، وفي عينيها كلام حس انها عايزه تقوله، بصلها شوية قبل ما يسأل بنبرة هادية.
"صليتي الضهر؟!"
ردت بابتسامة صغيرة.
"الحمد لله"
هز راسه وقال.
"تقبل الله"
ردت بسرعة بالعربي المكسر وهيا بتحاول.
"ممنا وممكم"
فارس ابتسم غصب عنه وصحح.
"منا ومنكم"
حاولت تقلده.
"منا وممكم"
ضحك بخفة وقال.
"منكم، منا و... منكممم"
كررتها ونجحت.
"منا ومنكم"
قال بابتسامة.
"شطورة"
ابتسمت هيا كمان وبان في ملامحها شوية حماس.
"عايزه احفظ صورة جديده غير اول ٣"
رد فورا.
"حاضر، من عنيا، ايه رأيك بالليل احفظك آية؟!"
"اوكي"
سكتت فقرب خطوة وسأل.
"في حاجه عايزه تقوليها؟"
بصتله وقالت باستغراب.
"عرفت ازاي"
قال بهدوء وصدق.
"خلاص بقيت حافظك"
اتنفست بعمق وبعدين قالت.
"عايزه ارجع اسبانيا"
ملامحه اتغيرت في لحظة وقال بانفعال.
"ايه الجنان ده بقا؟"
ردت بهدوء.
"فارس بابا كلمني، قالي ارجع وأنه عايز يتكلم معايا"
شد شعره بإيده وقال بقلق واضح.
"اكيد هيقنعك تتراجعي عن اسلامك ولو موافقتيش هيحبسك واحتمال مقدرش اشوفك تاني"
هزت راسها برفض.
"لاء يا فارس بابا عمره ما هيحبسني، كان عملها قبل كده، انا فعلا محتاجه اشوف عيلتي، وحشوني وهنا انا حاسه بغربه، وطالما كلمني يبقى صفي شويه"
قال وهو بيحاول يتمالك نفسه.
"طب وانا اعمل ايه؟ انتي هتمشي وانا اكون متطمن ازاي انك كويسه، انا مش ضامن اي حاجة"
ردت بصوت واطي فيه ثبات.
"مفيش حل يا فارس، انا لازم ارجع واحسن علاقتي بيهم، اكيد بابا تقبل وإلا مكانش طلب ارجع"
قال بقلق أكبر.
"بس انا خايف عليكي، ولو هو حبسك أو منعك تيجي تاني او منع أي وسيلة اتصال عنك انتي متخيله انا هكون عامل ازاي"
قالت بثقة.
"مش عارفه انت خايف ليه، انا متأكده أن بابا مش هيعمل كده"
قاطعها بصوت مبحوح.
"ولو حصل يا لارا، لو حصل ايه هيحصل"
سكتت لحظة وبعدين قالت.
"مش عارفه، بس خليك متأكد يا فارس اني حتي لو مليش نصيب اشوفك تاني فأنت جوه قلبي وعمري ما هنساك"
قرب منها وقال وهو مش قادر يهضم الفكرة.
"لا لا بطلي جنان، مش هسمح بحاجة زي دي تحصل، فكرة اني مش هشوفك دي تاني انسيها"
"انا نفسي اقضي باقي عمري معاك بس كل حاجه من كل ناحية خربانه، واهلي يا فارس عندي مهمين اوي، مش هقدر اتخلي عنهم"
سكت لحظة وبعدين قال بحسم.
"لو هتسافري يبقى نتجوز"
اتصدمت.
"ايه؟!"
كمل بنبرة ثابتة حاسمة.
"هنكتب كتابنا قبل ما تسافري لو مصممه، وقتها يبقى حقي اخدك من اي مكان مهما كنتي فين"
ردت بتوتر.
"بس لو عملت كده من غير بابا ما يعرف هكبر المشكله"
رد بجدية.
"ميهمنيش، المهم اني يكون ليا الحق اخدك وارجع هنا لو تطلب الأمر"
"واخسر عيلتي للأبد؟!"
"لارا ده اخر حل ممكن الجأله، انا بس باخد احتياطاتي، وان شاء الله مش هنلجأ لحاجة زي دي، قولتي ايه؟!"
سكتت لحظات وبعدين هزت راسها.
"موافقه، انا مش هقدر اكمل من غيرك اصلا"
"تمام، يبقى الجمعة الجايه هنكتب الكتاب وبعد كده سافري"
ابتسمت وقالت.
"تمام"
تيا كانت قاعدة لوحدها، شيري خرجت تجيب حاجة من بره وسابتها، وفي وسط الهدوء لمحت ضِل خفيف بيتحرك عند البلكونة، قلبها وقع للحظة، هيا متأكدة ان في حد برة، الدم جمد في عروقها، رعشة باردة جريت في جسمها كله، قامت من مكانها على مهل، كانت ناوية تخرج من الأوضة بهدوء بس قبل ما تفتح الباب باب البلكونة اتفتح قدامها جامد...
رواية اذا أراد النصيب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم بتول عبد الرحمن
كانت ناوية تخرج من الأوضة بهدوء بس قبل ما تفتح الباب باب البلكونة اتفتح قدامها جامد وظهر زيزو.
فتحت بوقها بزهول، عقلها وقف لحظة، حست إنها بتتخيل.
وقبل ما تلحق تصوت أو حتى تنطق كان هو ساحبها ناحيته وحاطط إيده على بوقها.
تيا اتنفست بسرعة، صدرها بيطلع وينزل وعينيها متسمرة فيه.
هو قرب زيادة عن اللزوم وهمس جنب ودنها:
"عارفه لو سمعتك بتصوتي؟!"
من غير تفكير عضت إيده.
بعد بسرعة وقال بغيظ:
"يا بنت العضاضه!"
بصتله بصدمة ولسه أنفاسها متلغبطة:
"انت... انت... ازاي؟!"
ابتسم ورد بنبرة فيها تعب وتحدي:
"أنا اتمرمطت عشان أجي هنا، نطيت وحركات وشقلبات، بقالي ساعة واقف على السطح مستني تبقي لوحدك."
حاولت تجمع نفسها، الخوف اتحول لغضب وهيا بتقول:
"وانت تيجي أصلاً ليه؟ انت ليك شغل هنا؟ امشي عشان لو حد دخل وشافك ه..."
قاطعها، صوته مليان وجع مكبوت:
"أنا ما صدقت الصبح يطلع عشان أجيلك، كنت هتجنن ومعرفتش أنام وبقالي ساعات مستني أشوفك وتقوليلي امشي."
"مكانتش مستاهلة أصلاً، أنا مجرد عيلة بالنسبالك مش مهمة فمفيش داعي لكل القلق ده."
ضحك ضحكة قصيرة فيها مرارة:
"عيلة آه، بس العيلة دي متعرفش هيا عاملة فيا إيه، إيه اللي هببتيه امبارح ده؟ انتي متخيلة لو كان حصلك حاجة أنا كنت هعيش بعدك."
قلبها دق بعنف بس لسه بتقاوم:
"وانت مالك أصلاً، روح شوف البسكوته بتاعتك."
ضحك بخفة ورد بسخرية:
"طب لما انتي بتغيري أومال إيه بقا مينفعش نكون مع بعض مينفعش مينفعش اللي مسكهالي دي، وبعدين حدود إيه اللي كنتي عايزة تحطيها، كلامي اللي قولته امبارح ده مكانش كلامي، ده كان كلامك انتي، بس حبيت أوريكي قد إيه كلامك ضايقني وجنني."
زقته بغيظ لكنه كان ثابت:
"أغير عليك بتاع إيه أصلاً، وكلام إيه اللي هشغل نفسي بيه، أنا ب..."
حط إيده على بوقها تاني، نظراته خرجت حادة:
"اوعي، اوعي تكرريها تاني أو أسمعها منك."
الباب اتفتح فجأة ودخلت شيري.
اتجمّدت مكانها لحظة لكن استوعبت بسرعة.
مكانتش عارفة تعمل إيه فقالت:
"هقف بره ومش هخلي حد يدخل."
زيزو رد من غير ما يبصلها:
"ياريت يا شيري، يبقى كتير خيرك."
خرجت وقفلت الباب وراها وتيا بصتله بغيظ وارتباك:
"عاجبك كده؟ إنسان متخلف."
"أنا فعلاً متخلف إني حبيت عيلة، عيلة تعمل فيا أنا كده ياربي."
رفعت دقنها بتحدي:
"الحق صلح غلطك ومتحبش العيلة، انت لسه على البر."
قرب أكتر، المسافة بينهم اختفت:
"واضح فعلاً أن كلامي مش فارق معاكي يا جاحدة."
رفعت حاجبها:
"أنا اللي جاحدة."
قرب أكتر وهيا بتبعد، صوته طلع عالي ومشحون:
"لما تبعدي كل المدة دي عني وأنا مش بقدر أزعلك مني يوم يبقى مين الجاحد، لما تقولي كلام وتمشي ومتفكريش بعدها في تأثيره وكأني مش موجود يبقى مين الجاحد، لما أفضل أجري وراكي من هنا لهنا عشان أقنعك أني عايزك وأجي أطلبك من أبوكي وانتي اللي عندك مينفعش يبقى مين فينا الجاحد هاااا."
عينيها دمعت:
"ابقى حط نفسك مكاني وبعد كده اتكلم."
هز راسه بحدة:
"أنا مش جاي عشان أحط نفسي مكانك، أنا جاي أتطمن عليكي."
طلع من جيبه سلسلة وكمل:
"واعتذر، إيه رأيك؟!"
بصت للسلسلة وقالت بزهول:
"حرف Z؟!"
ابتسم:
"آه إيه رأيك، هلبسهالك بس متقلعيهاش خالص."
رفعت حواجبها بعند:
"مين قالك أني هلبسها أصلاً."
ضحك بخفة:
"ماهو عيب والله أبقى متمرمط المرمطة دي عشانك وفي الآخر تقوليلي كده، ده أنا بقولك جاي أعتذر."
لفت وشها:
"ومين قالك انتي أني مش زعلان منك لسه، بس أنا عمري ما كنت هقدر أتجاهل تعبك، حتى لو بينا إيه مش هتجاهله يا تيا، انتي متعرفيش بجد أنا بحبك قد إيه، عمرك ما هتوصلي لدرجة الحب اللي حبيتهالك."
ردت بعند أكتر:
"روح لبسها للبسكوته."
ابتسم ابتسامة كلها يقين:
"مفيش بسكوته غيرك وربي، أنا كنت بس عايز أوصل لحاجة ووصلتلها."
"برضه روح لها."
"أروح لها إيه أنا فاكر شكلها إيه أساساً."
"والله؟ مش هيا زي القمر."
"هيا القمر نفسه."
زقته بغيظ:
"يبقى روح حط السلسلة بتاعتك دي في رقبتها هيا."
قرب وقال بثقة:
"طب لفي."
"وأنا مالي."
"لفي يا لمضة عشان ملففكيش انتي حوالين نفسك."
رفعت راسها بعند:
"تقدر؟!"
ابتسم:
"هو في حد قادر عليكي أصلاً، لفي."
"لاء."
"يبقى ألف أنا."
لف هو وزاح شعرها بهدوء على جنب، لبسها السلسلة وبعدين قرب بشفايفه، باس كتفها وقال:
"مقلعيهاش عشان مزعلش."
جسمها اترعش، قلبها دق بجنون وقالت:
"والله؟ ولو حد شافها أقول إيه أنا؟!"
"انتي عارفة هتداريها إزاي لحد ما أتوزجك، همشي عشان طولت."
قرب من البلكونة وهيا صوتها طلع بخوف:
"انت بتعمل إيه؟!"
"همشي زي ما جيت."
هزت راسها برفض:
"لاء طبعاً انت مجنون ممكن تقع."
"أومال هفضل هنا يعني، مضطر يكش يطمر."
"أخرج من الباب مش هينفع تخرج من هنا، هتطلع إزاي تاني السطح."
"عادي لو وقعت هيبقى في سبيل الحب."
قلبها وقع من مجرد الفكرة وردت بسرعة:
"بعد الشر، تعالي أخرج من الباب، حاول من غير ما حد يشوفك عشان هتبقى مشكلة."
قرب منها وهمس:
"دخيل قلبي الحنين ده."
ابتسمت غصب عنها وقالت بغرور:
"أعمل إيه في قلبي الطيب بقا."
فتحت باب الأوضة وبسبست لشيري اللي كانت قاعدة بعيد شوية.
شيري بصت لها وقربت وتيا سألت:
"هيخرج إزاي."
شيري ردت بسرعة:
"طنط في المطبخ وخالو نايم، يخرج بسرعة قبل ما طنط تخرج."
زيزو خرج براحة.
أول ما خرج شيري بصت لتيا، نظرة فيها دهشة وخوف ولسه آثار المفاجأة مرسومة على وشها.
وقالت بصوت واطي لكنه متوتر:
"جه إزاي ده؟!"
تيا كانت واقفة مكانها، قلبها لسه بيدق بسرعة، وإيديها بتلمس السلسلة لا إرادي، كأنها بتتأكد إنها حقيقية مش حلم.
ردت وهيا بتحاول تبان عادية:
"نط من السطح للبلكونة."
شيري اتصدمت، رفعت إيديها تلقائي وهيا بتقول بصدمة حقيقية:
"إيه الجنان ده، عملها إزاي دي ده كان ممكن يقع."
تيا هزت أكتافها بخفة وقالت بخوف:
"وكسر إزاز البلكونة."
شيري قربت منها خطوة وسألت بقلق:
"كان جاي ليه؟!"
تيا سكتت لحظة وبعدين قالت بهدوء غريب:
"يعتذر."
وهيا بتقول الكلمة، إيدها راحت للسلسلة تاني، مسكتها بين صوابعها بحنان واضح ورفعتها شوية كأنها بتوريها حاجة غالية:
"بصي جابلي إيه."
شيري بصت للسلسلة، عينها ثبتت على الحرف، ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
"اممم حلوة."
تيا ابتسمت غصب عنها ابتسامة صغيرة فيها ارتباك:
"بيقولي متقلعيهاش أبداً."
شيري رفعت حاجبها وهيا بتفكر وسألتها بسرعة:
"ولو حد شافها؟!"
تيا قربت السلسلة من صدرها كأنها بتحميها وقالت بثقة بسيطة:
"هخبيها تحت الهدوم."
شيري ابتسمت وقالت وهيا بتهز رأسها:
"طب كويس."
يوم جديد...
سلمى وقفت قدام باب عيادة تيام، خبطت خبطة خفيفة ودخلت.
تيام كان مندمج تماماً في شغله، مركز مع حالة قدامه، عينيه ثابتة وإيده شغالة بثقة.
سلمى قالت بتردد:
"اتأخرت؟!"
تيام رفع عينه وبصلها نظرة سريعة فيها ترحيب واضح:
"سلمى، جيتي في وقتك تعالي."
دخلت وقفلت الباب وراها، قلعت شنطتها وحطتها على مكتبه وقربت منه.
تيام قال وهو مركز:
"الحالة اللي بعدها من نصيبك، هيا نفس التركيبة فركزي."
سلمى فتحت عينيها بصدمة خفيفة:
"بتهزر أكيد، أنا لسه جايه."
تيام رد بهدوء حاسم:
"استعدي يلا."
لف ناحية الأسيستنت وقال:
"ندى بعد إذنك ناويليني السكلر."
سلمى قالت بسرعة وهيا حاسة بتوتر:
"تيام مش هعرف انهارده."
تيام رد من غير ما يبصلها:
"يلا يا دكتورة استعدي، قدامك 5 دقايق."
كمل شغله وسلمى وقفت جنبه تراقب كل حركة، قلبها بيدق أسرع مع كل ثانية.
أول ما المريض خرج تيام قام من مكانه، قلع الجلافز ورماهم وبصلها:
"مستعدة؟!"
هزت راسها برفض فقال بصوت أهدى شوية:
"طب اهدي وخدي نفس عميق ومفيش أي حاجة، أنا معاكي في أول حالة."
سلمى بصتله بعدم تصديق:
"أول حالة."
رد بثقة:
"أيوه يا دكتورة."
مد إيده ورن على الجرس عشان يدخل المريض اللي بعده فسلمى قالت بسرعة:
"لاء لاء مش هعرف."
بصلها وقال بنبرة غير قابلة للنقاش:
"يلا يا دكتورة استعدي."
سلمى أخدت الجلافز، لبستهم وايديها بتترعش شوية وهو قال:
"يلا تعالي اقعدي."
قالت وهي بتبص للكرسي:
"مكانك؟!"
هز راسه، فقعدت قدام الحالة والتوتر كان واضح في عينيها.
تيام قرب منها وهمس:
"يلا."
بدأت تشتغل، خطوة خطوة، وكل حركة كانت تناقشه فيها وهو بيرد بهدوء وصبر، ولا مرة صوته علي ولا استعجلها لحد ما خلصت.
أول ما المريض خرج سلمى سابت نفسها على الكرسي وحست إنها استشهدت فعلاً.
تيام قال بابتسامة خفيفة:
"المرة الجاية هيبقى أحسن، شوفتي مفيش داعي للتوتر."
سلمى قالت وهيا بتتنفس بعمق:
"بس بقا حرام عليك."
تيام رد بنبرة فيها هزار واضح:
"هطلع عليكي كل القديم والجديد، استعدي للحالة اللي بعدها."
رن الجرس وسلمى تمتمت بينها وبين نفسها:
"همشي تاني."
سمعها وبصلها بتحذير خفيف:
"اوعي."
بالليل كان قاعد في أوضته، النور خافت والجو هادي.
ماسك الدبلة وبيقلبها بين صوابعه، بيبصلها كأنها جسم غريب، حاسس بخنقة.
حط الدبلة جنبه، كأن مجرد لمسها بقا تقيل على قلبه.
مد إيده للفون، فتح صفحته، بص شوية قبل ما يبدأ يمسح كل الاستوريهات المتثبتة.
صورة ورا صورة، ذكرى ورا ذكرى، وكل ما يمسح حاجة يحس إنه مرتاح أكتر.
مسح كل الصور اللي بتجمعه بكارمن، مسح حرفها من البايو.
وقف شوية يقلب في البروفايل، يتأكد إن مفيش أي حاجة لسه فاضلة تربطه بيها.
دخل على باقي الأبلكيشنز واحد ورا التاني وهو واخد قرار نهائي.
خرج من أوضته بخطوات بطيئة، لقا مامته قاعدة بتتفرج على التلفزيون وجنبها تيا.
قعد معاهم بس عقله كان بعيد ولسانه تقيل، مش عارف يفتح الكلام إزاي.
تيا بصتله وقالت:
"في إيه؟!"
تيام رد من غير ما يبصلها بصوت ناشف:
"أنا مش قولتلك متتكلميش معايا تاني؟!"
تيا اتفاجئت من نبرته وقالت:
"قولت بس أنا مش بحبك تخاصمني، اللي حصل حصل."
"لاء مش بالبساطة دي، عملنا إحنا معاكي إيه عشان تفكري تنتحري، لاء وفوق كل ده مش راضية تقولي ليه عملتي كده، فكرتي فينا لو كان حصلك حاجة كنا عملنا إيه؟!"
سمية بصت لتيا بحزن وبعدين رجعت تبص للتليفزيون.
تيا قالت بصوت واطي:
"واعتذرت علفكرة."
تيام شد نفسه أكتر، صوته بقا أقسى:
"مش بمزاجك علفكرة، متتكلميش معايا تاني لحد ما تعقلي وتعرفي الصح من الغلط، إيه في الدنيا يستاهل تموتي كافرة عشانه."
تيا بصت لمامتها، صوتها خرج مكسور:
"ماما بصي."
سمية قالت من غير ما تبص:
"عنده حق."
تيا قامت وقالت والدموع محبوسة بالعافية:
"دايماً أصلاً هو معاه حق، انتي أصلاً بتحبيه هو أكتر."
مشيت وسمية علت صوتها:
"ما انتي لو كنتي شوفتيني اليوم ده كنتي عرفتي إن غلاوتكوا واحدة."
تيام قال وهو بيحاول يتماسك:
"فكك منها دلوقتي هيا بتهش وتنش عشان كلنا مطنشينها."
سمية سكتت شوية وبعدين قالت:
"طب قول عايز إيه؟"
تيام مد إيده بالدبلة وقال بصوت واطي:
"أنا مش قادر أكمل في الخطوبة دي."
سمية شهقت وقالت:
"انت لحقت."
قال بهدوء:
"مش مرتاح، حاولت أتأقلم بس مش عارف."
سمية سألت بقلق:
"ليه إيه اللي حصل؟"
تيام قال بصراحة:
"محصلش بس مش مرتاح، مش حاببها، مش متقبل فكرة إني أكون معاها باقي عمري بالرغم من إني حاولت، ولو استمريت هكون بظلمها وبظلم نفسي."
سمية سألت:
"طب ووافقت من الأول ليه؟"
رد وهو بيزفر:
"من الزن، وبعدين قولت أدي فرصة وأسمع كلامك بس مرتاحتش."
قالت بعصبية:
"وجاي تديني أنا الدبلة ليه، اديها للي عايز تسيبها."
تيام قال بإصرار:
"مش حابب أواجهها، كارمن زنانة وعارف إيه هيحصل فبعد إذنك اعذريني من الخطوة دي."
"وانت اعذرني دي بنت اختي، انت عايز تحصل مشكلة بيني وبين اختي."
تيام قال بثبات:
"مشكلة إيه يا ماما اتنين اتخطبوا ومرتاحوش عادي فيها إيه."
سمية قالت بحدّة:
"مع نفسك، أنا مش هتكلم في حاجة زي دي."
تيام وقف وقال:
"تمام هتكلم أنا، بس لو اختك اشتكت أو كارمن نفسها حاولت متبقيش تيجي تكلميني، الموضوع منتهي."
دخل أوضته من غير ما يبص وراه، فتح فونه وبعت "كل شئ قسمة ونصيب".
بعتها وقفل الفون وقعد مكانه وكان حاسس إنه بيشيل من على قلبه غمة كبيرة.
بعد ثواني جاله الرد: "مش فاهمه."
سحب نفس طويل وكتب بسرعة: "مش هقدر أكمل في الخطوبة دي، اللي بينا انتهي."
كارمن بعتت بسرعة: "هو في إيه؟ إيه اللي حصل لكده؟"
حس بذنب بس رد بجمود: "مش عايز أكمل أنا حر، حاولت أحبك معرفتش."
الجملة خرجت ناشفة، قاسية، عكس اللي جواه تماماً، هو مش قاسي بس مضطر يكون كده عشان يقفل أي باب أمل.
كارمن بعتت: "وجاي تقول ده دلوقتي؟ وليه من الأول أصلاً خطبتني."
اتنهد واتأخر شوية وبعدين بعت: "كانت غلطة وبصلحها، ربنا يوفقك."
بارد... عارف، بس لو لان هيغرقوا الاتنين.
كارمن ردت: "بس أنا مش عايزة أسيبك، أنا بحبك."
هنا إيده اتهزت، حس إنه أناني وإنه كسر قلب إنسانة ملهاش ذنب غير إنها حبته بصدق.
رد وهو بيحاول ينهي الموضوع: "ربنا يوفقك يا كارمن، مش هكمل في علاقة بالعافية."
"بس أنا معملتش حاجة تضايقك مني عشان تاخد قرار زي ده."
بعتتها في ڤويس وصوتها مهزوز، تيام كتب: "عارف بس دي ملهاش علاقة، توافقي تكملي مع واحد مش بيحبك ولا عمره حبك؟!"
كتبتله في محاولة إنها تقنعه: "هتحبني."
غمض عينيه بضيق بس بعت: "حاولت ومعرفتش، أظن كفاية كده."
"طب ادي علاقتنا فرصة تانية يمكن."
"مش عايز، بعد إذنك اللي بينا انتهي."
شافت الرسالة ومردتش.
السكوت كان أقسى من أي رد بالنسباله، لأن ده بيحسسه بالذنب.
تيام قفل الفون ببطء وحطه جنبه، وزفر بضيق، مش مهم إنه غلط بس الأهم إنه يصلح الغلط ده.
سلمي كالعادة كانت قاعدة على فونها، جسمها مفرود على السرير، وزي كل يوم، زي كل مرة الفضول بيغلبها تدخل صفحته.
فتحت صفحته وقالت تشوف أي حاجة جديدة، وملقتش صوره معاها.
اتعدلت في قعدتها، قلبت تاني، عملت رفريش كذا مرة، دخلت وخرجت، قلبها بدأ يدق أسرع.
كل صورة مع كارمن مش موجودة، وحرفها اللي كان في البايو كمان.
فضلت تقلب في البروفايل، هو عمره ما كان من النوع اللي بيمسح أي حاجة ولا اللي بيتراجع عن حاجة نشرها ودلوقتي كل حاجة معاها هيا بالتحديد ملهاش أي وجود.
دخلت بسرعة على صفحة كارمن وقلبت فيها بس لقت الصور موجودة عادي، نفس الصور اللي تيام مسحها موجودة عندها.
حسّت بحاجة تقيلة في صدرها، خليط بين فضول وخوف وأمل بتحاول تكبته.
ليه هو مسح وهيا لاء؟ ولو سابوا بعض... ليه كارمن سايبة الصور؟ ولو متخانقين بس... ليه يمسحهم؟
قفلت الفون ودعت بهمس إن اللي في دماغها يطلع صح.
قعدت دقايق تقنع نفسها تستنى لبكرة وهتعرف بس الفضول بيغلبها.
فتحت الفون تاني، دخلت على الواتساب، فتحت شات تيام.
صباعها وقف في النص.
لاء....مينفعش....هتسأله إزاي؟ وبأي حق؟
قفلت الشات وفكرت في تيا، فتحت شاتها وبعتت:
"تيا."
"اممممم."
"هو تيام في البيت، كنت عايزة أسأله على حاجة وفونه مقفول."
"آه في البيت أاديهولك؟!"
"لاء أنا كنت بسأل، كنت محتاجة بس أسأله على حاجة بس لو هو مشغول أو كده خلاص."
"لاء هو في أوضته أصلاً معرفش بيعمل إيه؟!"
"في حاجة يعني؟!"
"لاء هيكون في إيه يعني."
"طيب تمام هبقى أكلمه بكرة وخلاص."
"تمام."
قفلت الشات وهزت رجلها بتوتر.
بما إن تيا مقالتش إن في حاجة يبقى مفيش... بس ليه قلبها مش مقتنع؟
افتكرت الصبح وامبارح وقبله، هيا كانت واخدة بالها كويس من إيده، مكانش فيها دبلة، وهو كان دايماً لابسها.
قامت من مكانها ودخلت أوضة شيري وقالت من غير مقدمات:
"تيام مسح كل صوره مع كارمن تفتكري سابها؟!"
شيري رفعت عينيها بدهشة حقيقية:
"إيه ده بجد؟"
سلمي قربت خطوة:
"أنا بسأل، تيام مش بيمسح أصلاً صور ليه عامة، فليه مسح كل صوره معاها."
شيري عقدت حواجبها شوية وقالت بهدوء:
"مش عارفه، يمكن متخانقين."
سلمي نفخت بضيق وقالت:
"بس هيا ممسحتش حاجة، هموت من الفضول."
شيري هزت كتفها وقالت:
"طب ما نسأل تيا."
سلمي ردت بسرعة:
"سألتها قالت مفيش حاجة."
شيري فكرت ثانية وقالت:
"يبقى مفيش يا سلمي، أكيد زعلان منها ولا حاجة."
سلمي تمتمت بضيق:
"دي بت لازقة."
شيري ابتسمت:
"معلش في بنات ما بتصدق."
"مش قادرة أستنى لبكرة عشان أعرف."
شيري ردت بهدوء:
"معلش مجاتش من كام ساعة."
سلمي سكتت وهيا بتفكر.
بعد كام ساعة، كانت قاعدة في نفس الوضع تقريباً، جسمها ثابت لكن عقلها بيجري زي ماراثون.
حاولت تشغل نفسها، بتحاول تنام بس مفيش فايدة.
فتحت فونها على صفحته تاني ولقت الصور لسه مش موجودة، فتحت صفحة كارمن للمرة الألف تقريباً وقلبت شوية لحد ما لاحظت أن في استوري جديدة.
رواية اذا أراد النصيب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم بتول عبد الرحمن
سلمى بسرعة دخلت على الاستوري.
الاستوري كانت عبارة عن كلمة "سنجل" وتحتها كلام.
هيا مهتمتش بالكلام قد ما اهتمت بالكلمة دي.
اللحظة عدت ببطء شديد، ثواني تقيلة كأن الزمن وقف لحظة.
قلبها دق جامد بفرحة.
قامت من مكانها مرة واحدة وهيا مش مصدقة.
نطت بفرحة.
ضحكة صغيرة خرجت منها من غير صوت.
مسكت الفون بإيدين بتترعش وفتحت الاستوري تاني وقرأتها وبعدها قريتها كمان مرة.
نطت بفرحة وهيا بتقول: "سابها، سابها."
خرجت بسرعة من أوضتها، خطواتها سريعة ومتلخبطة.
دخلت على شيري وهيا بتقول بصوت مبحوح من الفرح: "سابها، والله العظيم سابها."
شيري رفعت عينيها ليها وسألت: "بجد؟! عرفتي ازاي؟"
سلمي مدتلها الفون بإيد لسه بتترعش، ولفت مكانها بفرحة.
شيري أخدت الفون وبصت، قرأت الاستوري وبعدين رفعت عينيها وقالت بهدوء: "دي لسه منزلاها من 4 دقايق، انتي بايته في البروفايل ولا ايه؟"
سلمي وقفت قدامها وقالت بفرحة: "مش مصدقه يا ربي... أخيرًا."
شيري رجعتلها الفون وابتسمت ابتسامة خفيفة وهيا بتقول: "طب وايه يعني، محسساني إنه واقف قدام الباب."
سلمي هزت راسها بسرعة وقالت بإصرار: "مش مهم، المهم إنه سابها، يا فرحة قلبي."
"الجنونة اشتغلت، للأسف مش حاسة بفرحتك فمش هعرف أشاركك."
سلمي خرجت وقالت بصوت مليان حياة: "هعزمك على الغدا من كتر فرحتي."
شيري ردت: "طلعنا بمصلحة."
تاني يوم.
سلمي نزلت السلم بخطوات مترددة شوية، قلبها بيدق أسرع من الطبيعي.
أول ما خرجت من باب العمارة، عينيها وقعت عليه فورًا.
كان واقف قدام العربية، مستني، ضهره مسنود على الباب، ملامحه هادية.
قربت منه والابتسامة طلعت منها تلقائي، ابتسامة واسعة، صافية، فيها فرحة محاولتش تخبيها.
قالت بابتسامة واسعة: "صباح الخير."
رفع عينه ليها وابتسم: "صباح النور."
وقفت قدامه لحظة وبنبرة خفيفة فيها دلال أكتر ما فيها سؤال قالت: "استنيت ليه؟ قولتلك أمشي انت."
هز كتفه ببساطة وكأن الانتظار ده شيء بديهي جدًا وقال: "مفيش مشكلة استناكي."
الابتسامة فضلت على وشها.
لفت تفتح باب العربية، ركبت وهو ركب جنبها.
العربية اتحركت بهدوء.
سلمي عينيها زوغت على إيده لحظات، كانت بتتمتع بجمالها من غير الدبلة.
الفراغ الصغير اللي سايب مساحة للأمل، للحلم، لفرحة كانت محبوسة جواها وطلعت دلوقتي من غير إذن.
الطريق كان صامت، وهيا فرحتها مش سايعاها، قلبها بيضحك.
لفت وبصتله فجأة كأنها عايزة تكسر الصمت بأي حاجة، وقالت وهيا عارفة الرد كويس: "ممكن مشتغلش انهارده."
بصلها بطرف عينه ورد ببساطة: "ممكن، بس في احلامك."
ضحكت بخفة وقالت: "مش عايزه اشتغل والله، انت بتريح نفسك وبتلبسني انا."
ابتسم وهو مركز في الطريق، صوته كان هادي بس وراه معنى كبير وهو بيقول: "انا عايزك اشطر مني يا سلمي مش اكتر."
بصتله بدهشة وسألت: "في دكتور يكون عايز دكتور تاني اشطر منه."
لف وشه ليها شوية ورد: "اه انا بحب اشوفك اشطر من اي حد مش مني انا بس."
"طب ليه؟ في كذا حد كان بيطلب يتدرب تحت ايدك وكنت بترفض اصلا."
اتنهد تنهدة خفيفة ورد: "لأنهم مش بيكونوا جايين يشتغلوا فعلا يا سلمي، في منهم جايين كده ديكور وانا مبحبش كده، ومعنديش خلق اعلم ناس هيا مش غاوية اصلا."
هزت راسها بتفهم، وبنبرة فضول مش بريئة اوي سألت: "اممم، بس تفتكر في الماچستير هتدرب زي ما بتدرب معاك؟!"
رد بنبرة قاطعة وواثقة: "مش هتسافري اصلا."
بصتله باستغراب وسألت: "مش فاهمه هو ايه اللي مش هتسافري."
ابتسم ابتسامة فيها سر ووعد وقال: "هعرض عليكي عرض مغري احتمال كبير يخليكي تتراجعي عن القرار الأهبل ده."
قلبها نط من مكانه والفضول شدها، سألت بحماس: "وايه هو؟"
بصلها بهدوء وهو مستمتع بلهفتها وقال: "الصبر حلو."
"لاء مش هقدر استني."
"لاء استني."
"لاء مش هستني، مش هعرف انام بالليل."
"كل حاجة في وقتها حلو."
فارس كان واقف عند شباك الصالون، ضهره للصالون، إيده في جيبه وعينه ثابتة وهو بيبص بره.
شيري جت وقالت: "فارس، عايزني في ايه؟!"
فارس أخد نفس طويل، لف وبصلها بابتسامة خفيفة وقال بهدوء شديد: "شيري... عايز أتكلم معاكي شوية؟"
"اتفضل."
قرب شوية، وقف قدامها، سكت ثانيتين وبعدين قال: "جالي تليفون انهاردة، في حد..."
سكت وشيري عقدت حواجبها سنة صغيرة: "ماله الحد؟!"
فارس رد بصوت ثابت نوعًا ما: "في واحد متقدم... وعايز ييجي يتقدم رسمي."
الجملة نزلت عليها تقيلة، اتصلبت في مكانها بس ردت بسرعة قبل ما يرجع يتكلم: "لاء."
فارس مستغربش، ولا اتفاجئ، بالعكس... كان متوقع، قال بهدوء أكتر: "استني... اسمعي بس."
هزت راسها برفض واضح: "مش محتاجة أسمع، الرد لا."
فارس رفع إيده سنة صغيرة يحاول يلين حدتها: "مفيش أي ضغط خالص... أنا بس ببلغك."
ردت بنفس الحدة: "بلغت، والرد لا، أنا مش جاهزة، ومش ناوية أفكر في الموضوع أصلًا."
فارس رد بهدوء: "تمام... ده حقك انتي حرة."
سكتت لحظة وبعدين قالت: "انا مش عايزة اتجوز بالطريقة دي يا فارس، مش كل فترة تحاولوا تقنعوني."
فارس هز راسه: "فاهم."
قرب خطوة بسيطة، ابتسم ابتسامه خفيفة وقال بنبرة أهدى: "خلاص، اعتبري الموضوع محصلش متزعليش نفسك اوي كدة."
شيري دخلت أوضتها وقفلت الباب وراها بهدوء، سندت على الباب ولسة صدى كلام فارس في ودانها، قلبها كان بيدق أسرع من اللازم، دماغها مليانة سيناريوهات وكلها كانت غلط... أو على الأقل هي فاكرة كده.
فونها رن، بصت للشاشة وكان آسر، اترددت ثانية وبعدين ردت.
آسر صوته جاي هادي زيادة عن اللزوم: "طمنيني... وافقتي على العريس؟!"
شيري اتسمرت مكانها وسألت بزهول: "عريس؟! انت عرفت ازاي؟!"
ضحكة خفيفة خرجت منه، ضحكة وراها ثقة مستفزة: "تفتكري ازاي؟"
قلبها وقع، صوتها نزل درجة من الصدمة: "مش معقول... هو انت؟!"
رد ببساطة: "طبعًا أنا."
إيديها شدت على الفون: "انت اللي كلمت فارس؟! انت جبت رقمه ازاي؟!"
نبرته اتحولت لعتاب خفيف فيه نبرة سيطرة: "عيب يا شيري تسأليني سؤال زي ده... أنا كنت سايبك بمزاجك، بس كفاية دلع بقى."
حست بخليط غضب وارتباك فقالت ببرود: "أنا أصلًا رفضت."
سكت ثانية، وبعدها رد بمنتهي البرود: "وماله... تغيري رأيك."
رفعت حاجبها باستنكار: "والله؟ بعد ما رفضت أرجع أقول لفارس خلاص موافقة؟!"
رد بثقة: "لاء ما انتي لو الست الوالدة عرفت، هتحاول تقنعك."
سكتت لحظة، بتستوعب كلامه وردت بعد فترة صمت: "عندك حق..."
وبعدين قالت بسرعة: "بس بجد... جبت رقم فارس ازاي؟"
نبرته بقت أعمق، أهدى، أخطر: "أنا لما بعوز أوصل لحاجة بوصلها يا شيري... فتخيلي لما أحتاج أوصل لحاجة روحي فيها، يبقى هعمل حتى المستحيل عشان أوصلها."
كلامه خلى جسمها يقشعر، اتوترت وقالت بسرعة بصوت متلخبط: "ماما بتنادي... مضطرة أقفل."
قفلت بسرعة وهو قال: "اقفلي، هتروحي مني فين بعد كده."
خميس جديد بس غير أي خميس، الدنيا كانت هادية زيادة عن اللزوم لحد ما فجأة الباب خبط، بس مش أي خبط، ده عبارة عن تطبيل على الباب بقوة.
سلمي بسرعة فتحت الباب وأول ما اتفتح زيزو دخل وتيام وراه، ومعاهم كذا واحد من صحاب فارس.
أصواتهم عالية، بيصقفوا ويطبلوا وبيغنوا وعاملين دوشة جامدة.
فارس طلع باستغراب، مستوعبش اللي بيحصل لسه وقبل ما ينطق كانوا شالوه على كتافهم وبيرفعوه ولسه مهيصين.
البنات كانوا واقفين بعيد شوية، بيتفرجوا عليهم.
شيري بصتلهم وهزت راسها وقالت بنبرة فيها ضحكة خفيفة: "جم عملوا دوشة."
تيا كانت واقفة مبتسمة: "دي احسن حاجة."
الشباب فضلوا يهيصوا، فرحانين بفارس كأنه أخوهم كلهم.
لارا كانت واقفة جنب سلمي مستغربة شوية من اللي بيحصل، سألت سلمي: "هما بيعملوا كده ليه؟!"
سلمي ابتسمت وردت: "مش كتب كتابكوا بكره؟ هما بيحتفلوا بفارس بقا."
لارا هزت راسها ببطء، وكأن الفكرة لسه بتدخل قلبها مش عقلها، وابتسمت ابتسامه هادية.
تيا قربت منها وقالت بحماس طفولي: "اخر السهره هنشتريلك طرحة العروسة اللي مكتوب عليها برايد ونهيصلك."
لارا ضحكت وقالت: "زي فارس واصحابه؟!"
تيا بصتلها وضحكت أكتر: "بس اهدي اكيد، انتي مش شايفاهم مهيبرين ازاي."
بعد شوية من الهيصة والدوشة اللي ملت المكان، فارس رفع صوته بالعافية وسط الضحك وقال: "يلا حطوا الغدا، الشباب هفتانين يعيني."
زيزو رد بسرعة: "انا عايز ضعف الكمية، انا هفتان اكتر واحد."
كلهم ضحكوا والكل بدأ يتحرك.
السفرة اتحضرت بسرعة، الشباب قعدوا لوحدهم في أوضة، وبعد الغدا.
تيام وزيزو نزلوا مع الشباب يوصلوهم لتحت.
تيا كانت واقفة في البلكونة، ماسكة الفون وبتتكلم بحماس مع صاحبتها، قالت وهي بتبص قدامها من غير تركيز: "عشان كان بيحصل بينا eye contact كتير وكده ففكر اني معجبة مثلا بس انتي مش شايفة شكله."
سكتت ثانية تسمع صوت صاحبتها، ملامح وشها اتشدت شوية وبعدين كملت بنبرة أوضح، وكأنها بتدافع عن نفسها: "انا مش بحب شكله بصراحة بس انا مش هرتبط عمري بواحد شبهه فحتي لو كان شكله احلى برضو لاء."
وقفت، غيرت وضعيتها، سحبت نفس عميق وهيا بتسمع الرد وبعدين قالت بإهمال مقصود: "مش مهم، وبعدين ده عيل بالنسبالي، وبعدين هو انا لو مبصتش على الشكل يعني هبص علي ايه."
ضحكت ضحكة قصيرة وهيا بتكمل بعد ما صاحبتها ردت: "يعني اكيد مش حكاية الشكل بس انا مش هكون سطحية، ممكن تقولي قبول كمان، هو بالنسبالي غير مقبول بالمره، يعني عندك محمد ايمن ده البنات كلهم بيريلوا عليه وعندهم حق بصراحة لانه احسن واحد في الكليه بس ده مش التايب بتاعي الصراحة، خلينا في حاجة هادية معلهاش زحمة."
ضحكت أعلى شوية وهيا بتهزر: "قصدك علي الليدر، ده تحسي عنده 60 سنه مش 20، ومحسسني أنه ماسك رياسة الدولة مثلا، حبيبي فوق انت ليدر كلية تعبانة لقسم تعبان اكتر."
سكتت لحظة وقالت بإعجاب واضح: "لاء عارفة مين اللي حلو بقا، في واحد اسمه اياد، هو في اللجنة اللي قدامي كان معانا لما كنا بنمتحن في الطرقة، بصراحة ده تحفة بس مش بينزل الكليه خالص، تحسية ابن ناس كده ونضيف مش زي الباقي، بس تلفتي انتباهه ازاي بقا معرفش لانه تقيل شوية."
في اللحظة دي، صوت خشن جه من وراها فجأة قطع الكلام: "في حد تاني عايزه تلفتي انتباهه غير انس؟!"
تيا لفت بسرعة، اتخضت، قلبها نط من مكانه، قالت بسرعة وهيا بتقفل المكالمة: "هكلمك تاني سلام."
قفلت الفون وبصت لزيزو، عينيه كانت شرار، غضب واضح، وشه مش محتاج كلام.
حاولت تضحك بخفة: "ده مجرد نم عادي يعني."
زيزو قال بنبرة باردة: "لاء نشوفلك اياد وماله، انتي بس سيبيها عليا وهلفتله انتباهه."
قالت بتوتر: "زي..."
قاطعها بصوت عالي: "اخرسي يا محترمة، ده اللي انتي بتنزلي الكلية عشانه؟!"
قالت بسرعة: "انا مش قصدي عليا والله دي... دي."
قاطعها بغضب: "مكنتش اعرف انك بتدوري على حد من سنك، بس يا ترى مين مناسب اكتر، محمد ايمن ولا اياد ولا...."
قربت منه وقالت برجاء: "يا زيزو افهمني."
قال بخيبة: "افهمي انتي، انا سمعت بوداني محدش قالي، لما تتكلمي عن ولاد بالشكل ده يبقى انتي كده محترمه؟!"
مسكت إيده بسرعة: "انا اسفه والله مش هتتكرر تاني بس متزعلش مني."
سحب إيده منها وقال ببرود: "لاء عادي ارجعي كلمي صاحبتك وكملي على باقي الولاد يلا."
قالت وهيا على وشك تعيط: "والله كنت بهزر انا اسفه."
رد وهو بيلف يمشي: "طيب هزري براحتك قطعت عليكي الهزار."
وقفت قدامه تمنعه يمشي: "والله ما هتتكرر خلاص، بس بجد من زمان بننم على اي حد عادي يعني."
قال من غير ما يبصلها: "طب ابعدي من وشي دلوقتي."
قالت بإصرار: "لاء مش عايزاك تزعل مني انا ما بصدق نتصالح."
"يبقى تاخدي بالك مش كل شوية نغلط."
قالت بصوت مبحوح: "طب انا اسفة والله قولت مش هتتكرر، عشان خاطري."
وقف لحظة، بصلها بصة تقيلة وقال: "انا عيني عليكي دايما والله العظيم، مراقبك يا تيا فخدي بالك."
قال كلامه ومشي بسرعة.
سلمي كانت قاعدة جنبه، قريبة كفاية إنها تحس بدفا وجوده، وبعيدة كفاية إنها تكون واخدة بالها من تأثيره عليها.
تيام كان ماسك فونه، عينيه ثابتة على الشاشة، تركيزه كامل كأنه في عالم تاني.
سلمي حاولت تتعامل على طبيعتها بس فضولها سبقها.
ميلت براسها بهدوء، حركة خفيفة جدًا، مجرد نظرة خاطفة، شافت شاشة شات مفتوحة، بس الاسم؟ الاسم كان بعيد، أو هو اللي كان حريص يخليه بعيد.
حاولت تركز أكتر، بس محاولتها فشلت.
من غير ما يبصلها ومن غير أي مقدمات، صوته جه هادي: "واحد صاحبي."
سلمي اتخضت كأن حد مسكها متلبسة، رفعت راسها بسرعة وقالت: "إيه؟!"
تيام بصلها المرادي بثبات ومدلها الفون بإيده: "بكلم واحد صاحبي... تحبي تتأكدي؟!"
سلمي اتلغبطت فقالت بسرعة: "وانا مالي أصلًا يا تيام."
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: "أنا قولت أوفّر عليكي الفرك ده يعني."
سلمي عقدت حواجبها وقالت بنبرة دفاع: "مش بفرك علفكرة."
هز راسه بهدوء: "طيب ظلمتك."
رجع يركز في الفون، كأن الموضوع خلص، بس سلمي قالت باستغراب: "بس محدش بيركز كده مع صاحبه يعني."
من غير زهق ولا ضيق مد الفون ناحيتها تاني: "قولتلك خدي شوفي، أنا عارفك فضولية."
سلمي بصت بعيد عنه وقالت ببرود مصطنع: "قولت وانا مالي."
ضحك ضحكة قصيرة: "والله لو عايزة تشوفي ما هقولك لاء."
قالت بنفاذ صبر: "خلاص يا تيام بقا الله... خلصنا."
رجع يركز في الفون تاني، بس بعد ثواني قليلة صوته قطع الهدوء: "لو عايزة تشوفي؟!"
سلمي قامت مرة واحده من مكانها وقالت: "يووووه بقا ما قولنا خلاص!"
مشيت وسابته وهو ضحك ضحكة خفيفة وهو مستمتع بمناكشتها.
تاني يوم...
كتب الكتاب كان مختلف ولذيذ، الكل واقف، دايرة شبه كاملة حوالين المأذون، صوت المأذون كان ثابت، رزين، فارس جنبه ملامحه هادية، إيده في إيد خاله اللي بقى وكيل لارا، بيردد ورا المأذون كل كلمه بتركيز وانتباه، صوته طالع ثابت لحد اخيرا ما المأذون خلص وأعلن إتمام زواجهم.
لحظة صمت قصيرة جدًا عدت، بس كانت أطول من العمر كله.
تيا أول واحدة انفجرت، زغرطت ولما الكل بصولها سكتت واستوعبت انها في مسجد.
فارس لف ناحية لارا، قرب منها خطوة، صوته طلع واطي بس واضح، نبرة فيها دفا وامتلاك واطمئنان: "ألف مبروك... رسميًا بقيتي مراتي."
لارا ابتسمت، ابتسامة صافية طالعة من قلبها، بصت للأرض بخجل.
فارس مد إيده وحضنها وهيا بادلته الحضن ولأول مره تحس بإحساس الحضن الحلال.
رواية اذا أراد النصيب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم بتول عبد الرحمن
رواية اذا أراد النصيب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم بتول عبد الرحمن
سلمي نزلت من البيت بخطوات سريعة كعادتها في الصبح.
ولما خرجت من البوابة لقت تيام مستنيها زي كل يوم.
العربية واقفة في نفس المكان، وهو واقف جنبها.
قربت منه وقالت بنبرة هادية: "صباح الخير".
رفع عينيه وبصلها بابتسامة بسيطة دافية: "صباح النور".
فتحت باب العربية قبل ما تركب وقالت وهيا بتتنهد: "انا لازم اخلص بدري انهاردة، عندي ميد أونلاين".
هز راسه بهدوء كأنه كان متوقع: "مفيش مشكلة، يلا عشان متأخرين".
ركبت وهو ركب جنبها، العربية اتحركت والطريق كان هادي كالعادة.
بعد شوية كسر الصمت وقال وهو مركز قدامه: "سمعت إنك بتحضري للماچستير".
ردت من غير ما تبصله: "اه".
لف وشه ناحيتها بسرعة: "طب مش قولتلك فكك منه".
ابتسمت ابتسامة قصيرة فيها عند وقالت: "انت قولتلي هقنعك... ومأقنعتنيش".
ضغط على الدركسيون شوية وقال بنبرة أوطى: "طب ما تقولي السبب الحقيقي اللي مخليكي عايزه تهربي".
لفت وشها ناحيته بسرعة: "انا مش بهرب".
ابتسم نص ابتسامة وقال: "بس انتي بنفسك قولتي كده".
اتنفست بعمق وقالت: "ذلة لسان مثلاً".
سكت ثانية وبعدين قال: "بعدي عن هنا هيريحي، من كل حاجة، وأولها قلبي... ده كان كلامك وقتها".
ردت بهدوء غريب: "اه، كان كلامي".
سأل بترقب: "وعايزه تريحي قلبك من ايه؟!".
بصت قدامها وقالت: "من كل حاجة".
لف ناحيتها وبصلها: "ليه؟ وانتي في حد تاعب قلبك؟!".
سكتت لحظة، لحظة تقيل وطويلة على الاتنين وبعدين قالت بصوت ثابت: "في".
قلبه اتشد للحظة وقال: "اممم... في".
هزت راسها: "ايوه، في".
قال بهدوء مصطنع تماماً: "ولسه قلبك تعبان؟".
ردت بسرعة: "مش بنفس الدرجة".
استغرب، مش من الإجابة، من صراحتها، من إنها لأول مرة متلفش وتدور.
سكت شوية كأنه بيجمع نفسه وبعدين قال: "طب عايز اسأل سؤال صريح... وعلى حسب إجابتك، حياتنا احنا الاتنين ممكن تتغير، لانك عارفة اني مش شخص بيبادر في اي حاجة، واني لو عملت كده يبقى الحاجة دي غالية جداً عليا".
بصتله وقالت بثبات: "عارفة".
اخد نفس عميق كأنه داخل معركة، ركن العربية على جنب، بص في عينيها مباشرة وسأل: "اللي في قلبك ده... حد غيري؟!".
تيام سأل سؤاله وسكت، ساب فراغ تقيل، تقيل أوي، كأنه حط قلبه بينهم واستنى الرد.
سلمي حسّت ان العربية ضاقت فجأة، الهوا بقا تقيل، بصّت قدامها كأنها بتدور على إجابة مكتوبة، بلعت ريقها، صدرها طالع نازل، صوابعها شدت على شنطتها من غير ما تحس.
في الآخر ردت بهدوء مهزوز: "مش عارفة...".
تيام لفّ وشه الناحية التانية، حاول يستوعب اجابتها المبهمة زيها.
سأل بعد لحظة صمت: "مش عارفة يعني ايه؟".
قالت بسرعة كأنها خايفة يفهم غلط: "يعني مش عارفة أحدده... مش عارفة أسميه.".
سكت شوية، رجّع عينه للطريق وقال: "سلمي، أنا سألتك سؤال، كنتي ماشية كويس من غير لف ودوران، اللي في قلبك ده... أنا؟".
اتأخرت في الرد، والتأخير كان إجابة لوحده.
هو خلاص حس اجابتها بس انها تنطقها ده كان صعب عليها جدا، اصعب من أصعب موقف عدى عليها قبل كده.
قالت بصوت واطي جدًا: "أنا خايفة أقول آه... وخايفة أقول لاء.".
قطب حواجبه وقال: "وايه يخوف دلوقتي، انا سألت سؤال صريح، ومحتاج إجابة من 3 حروف بس".
اتنهدت وقالت: "ودي اجابتي، بس فعلا خايفة اقولها، بس سيبني اسألك نفس السؤال".
رد بدون بتردد: "محدش عمره كان في قلبي غير واحدة اسمها من 4 حروف".
قالت بتفكير: "كارمن؟!".
ضحك وقال: "خسارة اقسم بالله ال19 سنه تعليم وفي الاخر تقولي كارمن من 4 حروف، عديتي من ابتدائي ازاي انتي".
ابتسمت وقالت: "ويا ترى مين دي اللي اسمها 4 حروف".
بص قدامه وضرب كف بكف وقال بنفاذ صبر: "سلمى، سلمى سلامة ابراهيم".
ابتسامتها وسعت وملقتش اي رد تقوله، السكوت مكانش اختيار في حالة زي دي على قد ما كان اجباري.
***
فارس كان واقف في صالة الوصول، واقف ثابت بس من جواه قلق ولهفة.
الشهرين وكام يوم اللي عدّوا كانوا تقال عليه كأنهم عمر كامل، كل يوم فيهم كان بيعدي بالعافية، وكل مكالمة كانت بتخلص كان محتاج يشوفها مش بس يسمع صوتها.
عينيه كانت متعلقة بالبوابة، أول ما سمع إعلان إن الطيارة وصلت قلبه دق أسرع.
عدل وقفته كأنه بيستقبل قدره وفضل واقف مستني الركاب يطلعوا واحد واحد وفجأة شافها.
حس إنه مكانش بيتنفس ودلوقتي قدر يتنفس عادي، ابتسامته طلعت تلقائية.
لارا كانت بتبص حواليها وأول ما شافته عينيها لمعت، جريت من غير ما تفكر، سابت كل حاجة ورمت نفسها في حضنه.
فارس حضنها جامد، حضنها جامد كأنه عايز يتأكد إنها قدامه دلوقتي، حقيقية، مش مجرد صوت في التليفون.
بعد لحظات، بعدوا شوية، بس لسه قريبين.
لارا ماسكة وشه بإيديها، بتبصله كأنها بتتأكد إنه قدامها بجد وقالت بصوت مليان شوق ولهفة: "وحشتني اوي اوي اوي اوي".
ابتسم وقال بهدوء فيه حب أكتر من أي حاجة تانية: "مش اكتر مني اكيد".
أخدت نفس عميق وكأنها مستنية اللحظة دي من زمان وقالت بسرعة وكلامها متلغبط من كتر الفرح: "فارس بابا اقتنع بالإسلام، بابا وڤيولا وماما، مش قادرة اصدق، فارس كل ده بسببك انت".
فارس هز راسه بهدوء، نظرته كانت مليانة فخر بيها قبل أي حاجة وقال: "لاء كل ده بسببك وبسبب اصرارك".
ابتسمت وعيونها لمعت أكتر وقالت: "بابا عايز يتعرف عليك، عارف انا اول ما أسلمت دعيت دعوتين، اول واحدة اني افضل معاك طول العمر، وتاني دعوة ان اهلي يبقوا مسلمين زيي، واتحققوا يا فارس، انا كنت اول مره ادعي وانا بطلب من ربنا".
مد إيده يمسك إيديها بهدوء وقال بنبرة حنينة: "طب اهدي اهدي".
هزت راسها بابتسامة واسعة وقالت بحماس طفولي: "لاء انا عايزه احكيلك كل حاجة حصلت معايا الفترة اللي فاتت بتفاصيلها، اه قولتلك في الفون بس مش كفاية".
رد بصوت دافي وواثق: "وانا مستعد اسمعك".
***
خميس جديد والبيت كله على بعضه، اللمة مختلفة المرة دي، قلوبهم هادية، كل واحد فيهم حاسس إنه واقف على أرض ثابتة، فاهم هو فين ورايح على فين.
ريحة الحواوشي مالية المكان، صوت الضحك جاي من كل حتة.
شيري خرجت من للمطبخ وبصتلهم بنظرة واثقة وقالت: "عارفين الأهم من الحواوشي نفسه ايه؟!".
آسر رفع حاجبه وهو بيضحك وقال: "سيبيني اخمن".
سكت لحظة وقال بسرعة: "مية السلطة؟!".
ابتسمت بانتصار وقالت: "صح، دي اهم من اي حاجة في اكله زي دي، علشان كده لازم تتعمل صح".
آسر قرب منها خطوة وقال بنبرة فيها اهتمام حقيقي: "وانتي عملتيها؟!".
ردت بسرعة: "لسه؟ تساعدني؟!".
قال من غير تردد: "بكل سرور".
زيزو اتدخل بصوته العالي المعتاد: "معلش بس هقطع اللحظة الرومانسية دي، يا شيري اي حاجة المهم نطفح يا شيري، اسرار الطبخ دي واحنا قاعدين بنطفح نتناقش فيها".
شيري بصتله بنص ابتسامة وقالت: "طب اهدي شويه على نفسك".
آسر ضحك وهو بيبص على زيزو وقال: "والله من اللي عرفته عنه خلال الفترة دي انك لو جبتيله عيش محمص من غير لحمة هياكله عادي".
زيزو هز راسه بفخر: "بدأت تفهمني صح".
فارس بص لزيزو وقال بسخرية: "سمعتك وصلت لفين شوفت؟!".
زيزو رد بثقة: "يا عم انا راضي، الناس كلهم عارفين".
تيا بصتلة وسألت بخبث: "تخيل يا زيزو اتجوزت واحدة مش بتعرف تطبخ".
شيري وسلمى بصّوا لبعض وكتموا ضحكتهم بالعافية.
زيزو رد بلامبالاة: "نجيب طباخة يا قلبي وماله، المهم تكون هيا مرتاحة، ده لو امي سابتها مرتاحة يعني".
تيا كحت بخفة وسلمى وشيري انفجروا ضحك.
زيزو كمل وهو بيهز راسه: "انا اكتر واحد بحسده تيام، لا فارق معاه اكل ولا حاجة، اللي هو لو اتجوز ولقا مراته مطبختش يقول، مفيش مشكلة نجيب دليڤري، هدومة مش مكوية يوديها للمكوجي عادي، بيته ولع ينقل بيت جديد عادي".
سلمى قالت وهي بتضحك: "يا ساتر".
زيزو رفع إيده باستسلام: "انا المظلوم فيكوا والله".
***
A FEW MINUTES LATER
زيزو كان قاعد جنب تيا، تيا كانت باصة قدامها.
سألته باعتراض وخوف: "انت هتخليني اعيش مع مامتك".
زيزو مال بجسمه شوية ناحيتها وكأنه متوقع السؤال ده من زمان.
رد بهدوء على غير العادة: "تونسوا بعض، اكيد مش هسيبها يعني".
تيا بصتله بنظرة مليانة قلق حقيقي وقالت: "بس مامتك شديدة يا زيزو، هتعامل معاها ازاي".
اتنهد تنهيدة قصيرة وبص بعيد كأنه بيرتب المستقبل في دماغه وبعدين قال بثقة: "مؤقتا لحد ما ابيع البيت اللي قاعدين فيه واجيب بيت دورين هيا دور واحنا دور".
عدلت قعدتها وقالت بصراحة من غير لف: "بس انا مش متعودة على الضغط ولا اني اشتغل شغل بيت كتير انا يادوب بساعد".
لف وشه ليها، صوته بقى أهدى وأصدق: "وانا مش واخدك تشتغلي، ثقي فيا بقا".
ابتسمت نص ابتسامة وقالت: "منا بثق فيك اصلا وإلا مكنتش رضيت بواحد عجوز".
ضحك ضحكة عالية: "عجوز؟!! لا اله الا الله، كل مره بتبهريني يا تيا".
رفعت دقنها بفخر مصطنع: "علشان انا مبهرة، علفكرة انت هتاخد اجمل واحدة في عيلتنا".
قرب شوية بجسمه وغمز وهو بيقول: "مش محتاجة تقوليلي يا قلبي انا عارف، انا واخدك استغلال".
رفعت حاجبها بسرعة، بصتله باستنكار مزيف: "استغلااال؟!".
رد من غير تردد وهو مبتسم: "اه طبعا، واخدك علشان احسن نسل عيلتنا اللي قربت تنقرض دي".
ضحكت ضحكة مايعة وقالت: "الغرور عندي هيبقى سقف السما".
"اكتر من كده؟!! حد يلحقني".
قربت منه أكتر، صوتها طلع ناعم ومليان وعد: "ده احنا هنعيش مع بعض ايام عسل".
ابتسم ابتسامة كلها حب: "عسل بيك يجميل، ياللي مسهرني الليالي ومدوبني فيك".
وشها احمرّ، ضربته بخفة وهيا بتضحك: "بس بقا بتكسف الله".
ضحك: "اللهم صلي على النبي".
***
سلمي كانت قاعدة جنب تيام، قريبة منه أكتر من اللازم، كتفها لامس كتفه وهيا بتوريه حاجة على الفون.
كانت مركزة اوي وهيا بتحرك الصور بإيديها وهو متابع بعينيه الهادية.
سأل بهدوء: "ده لحفلة التخرج؟!".
هزت راسها بإيجاب.
فقال وهو مازال باصص للفون: "هتاخدي مين معاكي".
قلبها دق أسرع، بس صوتها طلع ثابت: "انا كنت عايزة الكل والله، فكرت في ماما وفارس بس هاخدك انت وشيري".
رفع عينه من على الشاشة وبصلها، نبرته كان فيها تردد محسوب: "بلاش انا، خدي فارس أو مامتك هما اولى".
لفت وشها ناحيته وقالت بحسم: "لاء عايزاك انت".
سكت ثانية وبعدين قال: "طب وبعد التخرج، خلصنا خلاص تعليم".
ابتسمت ابتسامة خفيفة فيها شقاوة: "يا باشا احنا أوامر ماشية على الأرض، انا خلصت من دلوقتي اصلا".
ضحك ضحكة قصيرة وقال: "طب كان ليه اللف والدوران من الأول".
اتنهدت تنهيدة طويله وكأنها بتعترف بحاجة كانت مخبياها من زمان: "علشان انا عارفة أن البنت مش بتبادر، بيتبادرلها".
ميل براسه شوية، صوته بقا أهدى وأصدق: "واللي بيكون معطل الشاب أنه مستني بس لو إشارة صغيرة يعرف بيها أنه مش هيترفض".
بصتله بعيون مليانة تساؤل: "وانت حسيت انك مرفوض".
رد من غير تردد: "كنت متأكد".
سألت بسرعة: "ودلوقتي".
قال ببساطة قاتلة: "دلوقتي بحبك".
وشها احمرّ، ابتسامة خجل كسرت ملامحها وهو كمل بنفس النبرة الهادية: "إشارة صغيرة كانت وفرت كل الوقت ده".
"كده احسن، الحاجة اللي بيتوصلها بصعوبة صعب حد يفرط فيها مع الوقت".
ابتسم: "في حاجات عمر ما يتفرط فيها زيك".
ابتسامتها وسعت أكتر وهو كمل بصوت واطي كأنه وعد: "بس المهم النهاية، لازم تكون سعيدة".
***
لارا كانت قاعدة جنب فارس، المكان هادي واللحظة نفسها كانت هادية.
لارا كانت ساندة راسها على كتفه كأنها أخيرًا لقت مكانها الطبيعي وقالت بصوت واطي فيه امتنان: "شكرا على كل حاجة".
فارس قال وهو مستمتع باللحظة وبقربها: "لاء اشكريني بالتفصيل، بحب اتكلم معاكي".
ابتسمت وقالت وهيا بتجمع كل اللي في قلبها كلمة كلمة، كأنها بتسترجع شريط عمر كامل: "اول حاجة شكرا على انك دلتني للاسلام، وتاني حاجة شكرا انك بقيت ليا دايما ومعايا، وشكرا على العيلة الجميلة دي اللي انت خليتني فرد منها، انا كنت فين وبقيت فين، وشكرا على كل حاجة بتعلمهالي، الصلاه والقرآن واللغة نفسها، شكرا على صبرك وانتظارك، شكرا على كل حاجة يا فارس".
فارس حس إن صدره اتملّى دفعة واحدة، كلامها لمس حتة جواه عمر ما حد لمسها قبل كده.
رد بهدوء صادق: "من حظي برضو اني قابلتك، انتي اطيب قلب شوفته".
رفعت عينيها ليه وقالت: "اقولك سر".
ابتسم وقال: "قولي سر".
قالت بسرعة وبدون أي قيود: "انا بحبك".
ضحك وقال بحب: "سرك معايا من زمان".
اتنهدت بخفة وقالت: "طب اقولك أمنية".
رد من غير تردد: "قولي أمنية".
ابتسمت وهيا بتمسك ايده بتملك: "نفسي افضل معاك طول العمر".
فارس قربها أكتر وصوته طلع ثابت وواثق، كأنه وعد قبل ما يكون رد: "وانا كمان".
***
شيري وأسر كانوا قاعدين جنب بعض في البلكونة.
آسر كسر السكون وهو بيبصلها بنظرة دافية: "عقبال ما نبقى في بيتنا.".
الجملة خرجت منه بسيطة، بس وقعت في قلبها تقيلة.
ابتسمت بخجل وقالت بصوت واطي: "هانت... كلها أقل من سنة.".
آسر زفر بخفة وقال بضيق: "كتير يا شيري، كان لازم فترة الخطوبة تكون سنة يعني.".
لفت وشها ناحيته، بصتله بنظرة هادية فيها يقين: "هتعدي بسرعة والله، أصلًا مش مستوعبة لحد دلوقتي.".
قالت الجملة وهي فعلاً حاسة إن اللي عايشاه أكبر من استيعابها، أكبر من قدرتها على التصديق.
آسر ركز في ملامحها، في طريقتها وهي بتتكلم وقال بنبرة جدية لطيفة: "لازم نشتغل على موضوع ثقتك بنفسك ده، انتي ليه بتشوفي كل حاجة كتير عليكي مع إنه العكس؟".
السؤال لمس حاجة جواها، سكتت ثانية وبعدين ردت بصراحة خالية من أي تجميل: "أنا مش عارفة... بس ده دايمًا إحساسي.".
آسر مال ناحيتها شوية وقال بهدوء: "نغيره بقى الإحساس ده، أو نمحيه خالص.".
ابتسمت، آسر اتأمل الضحكة دي لحظة وقال وهو مبتسم: "دي ضحكتك لوحدها حكاية.".
شيري ضحكت أكتر وفي اللحظة دي حسّت إن يمكن لأول مرة في حياتها تصدق إن في حد شايفها أكبر من مخاوفها، وأجمل من شكوكها، ومستني معاها مش نهاية الطريق... لكن بدايته.
***
يوم جديد.
فارس كان واقف كالعادة، صوته ثابت وهو بيشرح لمجموعة من السيّاح في قلعة محمد علي.
لارا كانت واقفة جنبه، ماسكة الكاميرا بتاعتها، عيونها عليه أكتر ما هي على المكان، بتسمع كل كلمة بانتباه حقيقي من غير أي ملل للمره الألف، ورغم إنها سمعت الشرح ده كذا مرة، إلا إن كل مرة كانت بتحسه جديد، كأنه بيتقال مخصوص ليها.
فارس خلص أخيرًا، وودّع المجموعة بابتسامته المعتادة.
لارا قربت منه وقالت بهدوء صادق: "لو كل يوم جيت معاك وسمعت منك، عمري ما أمل ولا أزهق.".
فارس ابتسم ولسه هيرد، سمع صوت بنت من وراهم: "بعد إذنك، ممكن أسأل سؤال؟".
لفّ فارس وبصلها باهتمام وقال: "اتفضلي.".
البنت سألت: "بما إنك مرشد هنا، فأنت الشخص الصح اللي يشبع فضولي لو سألته.".
فارس ابتسم أكتر وقال: "أكيد سامعك، اتفضلي.".
قالت وهيا بتبص حواليها: "هو إحنا ليه لما دخلنا الجامع قلعنا الشوز؟".
فارس بصّ على لارا بابتسامة خفيفة وقال: "هسيبها عليكي الطلعة دي.".