تحميل رواية «اذا أراد النصيب» PDF
بقلم بتول عبد الرحمن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الجو كان حرّ، بس الهوا في بعض الأماكن كان لطيف. قلعة محمد علي والشمس نازلة على القباب بلون دهبي يخطف العين. كان واقف قدام مجموعة أجانب، بيشرح لهم عن الجامع. صوته هادي وواثق. وسط الكلام لمح بنت واقفة بكاميرا بتصوّرهم، لدرجة أن الفلاش ضرب في عينه. رفعت الكاميرا بسرعة والتقطت لقطة بسرعة من غير ما حد يشوفها، أو زي ما هي افتكرت كده. سكت ثانيتين، استأذن من المجموعة بابتسامة وراح ناحيتها. نادى لها، بس هي كانت بتحاول تهرب، لحد ما وقف قدامها وقال بالإنجليزي بصوت محترم وواضح: "معلش، حضرتك بتعملي إيه؟" بصّ...
رواية اذا أراد النصيب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم بتول عبد الرحمن
سلمى كانت واقفة ورا باب الشقة من ساعة، قلبها بيدق وكل شوية تبص على الساعة ومركزه علشان تسمع صوت باب الشقة اللي فوق لما يتفتح ويتقفل.
ولما معاده قرب وقفت أقرب للباب. وأول ما سمعت الباب فوق بيتقفل، أخدت نفس عميق وفتحت الباب كأنها طالعة صدفة. خرجت ولقت تيام تقريبًا قدامها. مثلت أنها اتفاجئت بوجوده.
وهو كمان وقف لحظة وبصلها بابتسامة خفيفة.
"سلمي؟ إزيك؟"
قالت بسرعة وهي بتحاول تظبط صوتها.
"الحمد لله تمام... وانت؟"
رد وهو واقف مكانه.
"الحمد لله، رايحة فين كده؟"
قالت وهي بتعدل شنطتها بارتباك.
"عندي شفوي في الكلية."
هز راسه بتفكير.
"طب وبالنسبة للتدريب؟ بتروحي؟"
هزت راسها بنفي.
"لاء أنا مروحتش من يوم ما سبت التدريب معاك."
قرب منها خطوة من غير ما يقصد وسأل بحدة خفيفة.
"ليه كده؟"
اتنهدت وقالت.
"عندي امتحانات الفترة دي، وكمان اعتذرت للدكتور لاني مش عايزة أتدرب حالياً."
سكت لحظة وبعدين قال.
"لو عايزة ترجعي تتدربي معايا، يبقى ياريت."
سلمي عضت شفايفها بخفة وقالت بنبرة فيها غيرة مستخبية.
"ليه؟ البنوتة الجديدة مش زيي؟ مش بتستوعب بسرعة؟"
قال فورًا.
"لا لا هيا كويسة جدًا وبتستوعب بسرعة ما شاء الله، بس اكيد مش زيك، انتي... غير."
ابتسمت غصب عنها وقالت بهدوء.
"أكيد لو ليا نصيب أرجع اتدرب معاك هيحصل."
قال بصوت واطي شوية.
"أتمنى يكون في."
وبسرعة قال.
"تعالي أوصلك بقا في طريقي."
سلمي رفعت ايديها قبل ما يكمل.
"لاء طبعًا، كليتي بعيدة وغير طريقك وانت عارف كده كويس."
قال بتصميم.
"مش مهم، عادي يعني."
ردت بوضوح أكتر.
"لاء يا تيام، انت روح شغلك وأنا هروح كليتي."
اتنفس بضيق واضح وعرض.
"طيب أوصلك لحد الموقف على الأقل."
قالت بنفس الهدوء.
"برضو غير طريقك."
قرب منها نص خطوة وقال بإصرار.
"بس مش بعيد... يلا؟"
واستنى موافقتها. سلمي بصتله ثانيتين كأنها بتقاوم نفسها وفي الآخر قالت باستسلام.
"خلاص... الموقف بس."
ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا ونزل وراها. فتحلها باب العمارة وهيا خرجت وبعد كده فتحلها باب العربيه. ابتسمت وركبت وهو لف وركب مكانه وساق في هدوء. كان الطريق ساكت زيهم.
هو كان بيبص عليها كل شوية بسرعة وهيا باصة قدامها وواخده بالها من نظراته وحاسة بيها.
بعد دقايق، سلمي لاحظت إنهم عدوا الموقف فبصتله وقالت.
"انت عديت الموقف علفكرة."
تيام رد وهو مركز قدامه.
"عارف علفكرة."
سلمي قالت باستغراب.
"إحنا اتفقنا توصلني الموقف بس."
قال بنفس الهدوء.
"عارف برضو."
سألت.
"بس ليه عديته؟!"
رد بهدوء.
"عادي."
سكتت وبصت من الشباك بابتسامة هادية، ابتسامة مقدرتش تمنعها، وبين كل لحظة والتانية تبص عليه بسرعة. لما قرب يوصل عند الجامعة، بصتله تاني نظرة سريعة وقصيرة وبعدين عينها نزلت على إيده اللي على الدركسيون.
وشافتها... الدبلة.
اتسمرت لحظة وهي باصة عليها بضيق. هو حس بنظرتها وبصّ على إيده هو كمان، ولأول مرة من ساعة ما ركبوا وشه اتغير للحظة. سحب إيده بسرعة من على الدركسيون واستخدم الشمال بس. فضلوا ساكتين لحد ما وقف قدام الكلية.
بص عليها وقال بصوت هادي وثابت بس في حنان مش قادر يخبيه.
"حمدالله على السلامة، ربنا يوفقك في امتحانك يارب."
بلعت ريقها بهدوء ومدت ايديها تفتح الباب وقالت بصوت واطي.
"شكراً يا دكتور بجد."
ونزلت وقفلت الباب وراها بهدوء. وفضل واقف بيبصلها وهيا بتبعد. وهيا مقدرتش تمنع نفسها، بصت وراها ثانية واحدة بس ورجعت تكمل طريقها. وهو اول ما هيا اختفت مشي.
آخر اليوم.
المطعم بقا هادي، والكل مشي. شيري قلعت المريلة وظبطت نفسها بسرعه ومسكت شنطتها مستعدة تمشي مع مروة. لكن آسر وقفها بصوته الهادي.
"متنسيش وعدك ليا."
وقفت لحظة، رفعت حاجبها باستغراب.
"وعدي؟!"
ابتسم بخفة وقال.
"أكلتي المفضلة من إيدك."
شيري ضحكت بعفوية وقالت.
"وإيه هيا أكلتك المفضلة؟"
رد وهو بيحط إيده في جيبه.
"هسيبك تكتشفي."
قعدت تفكر ثواني وقالت.
"انت بتحب كل أنواع المكرونات تقريبًا."
هز راسه بإعجاب واضح.
"شاطرة."
قالت بتفكير.
"بس أكيد مش هعمل كل الأنواع يعني، في أنواع كتير جدًا، اللي عارفاه واللي مش عارفاه!"
ضحك بخفه وقال.
"عايز كل يوم صنف لو مش هعطلك عن شغلك طبعًا."
شيري قالت بنبرة فيها فضول.
"عايز أفهمك."
قال ببساطة عميقة.
"مع الوقت يمكن."
ردت بابتسامة صغيرة.
"حاساك إنسان غريب شوية."
هز أكتافه وقال.
"جايز."
سكتت لحظة وقالت.
"طب بما إنك قدرت تعرف سر أكلي... إيه سرك؟"
رد وهو بيبصلها بثبات.
"اكتشفيه إنتي."
قالت وهي بتضحك بصوت واطي.
"بس أنا عمري ما دوقت أكلك."
سكت ثانيتين وبصلها بصة طويلة عميقه وقال.
"غريبة، بقالك شهر شغالة هنا ولسه مدوقتيش أكلي."
قالت بخفة.
"مجتش فرصة."
رد بنبرة أقرب لاتهام لطيف.
"أو يمكن إنتي اللي مش سايبة لنفسك فرصة."
قرب خطوة وقال.
"عموماً، لو عايزة تدوقي أكلي تقدري تستني وتتعشي معايا؟"
شيري اتفاجئت للحظة.
"أتعشى؟"
قال وهو بيرفع كتفه.
"العشا بالنسبة للشيفات أهم من أي وجبة تانية."
ردت.
"عندك حق، بس لو كانت في البيت."
ابتسم ابتسامة مختلفة وقال.
"أنا المطعم ده بالنسبالي هو بيتي، مش عارف من غيره كنت عيشت إزاي."
قالت بهدوء.
"هو في الأول والآخر مطعمك انت."
رد بنبرة فيها فخر خفيف.
"صح... وعشان كده بحبه"
لحظة صمت قصيرة عدت قطعها بسؤاله.
"إيه؟ هتقعدي وتتعشي معايا؟"
اترددت لحظة وقالت.
"بس الوقت اتأخر."
قال وهو بيميل ناحيتها.
"براحتك لو هتمشي، بس صدقيني هتندمي، مش أي حد بينول الشرف وياكل من إيدي."
قالت وهي بتكتم ضحكتها.
"مغرور."
صحح بثقة هادية.
"أو يمكن... واثق."
ردت وهيا بترفع أكتافها.
"جايز."
ضحك.
"بقيتي بتتكلمي زيي."
شيري ضحكت وقالت.
"أنا هفضل بس بشرط."
قرب وقال بنبرة مهتمة.
"أمم... شرط، وإيه هو شرطك؟"
"أنا هقف معاك وانت بتطبخ."
رد بابتسامة رضا كاملة.
"معنديش أي مانع طالما هتفضلي."
قالت وهي بتحط شنطتها.
"ثواني، هقول لمروة تمشي هيا."
قال وهو بيبعد خطوة لورا.
"مستنيكي."
بعد دقايق رجعت شيري، حطت فونها على الرخامه، ودخلت ناحيته وهيا بتبطأ مشيتها. أسر كان واقف قدام البوتاجاز، رافع اكمامة لنص دراعه، لابس المريله ومغطي شعره، وبيلف المعلقة الخشب في طاسة فيها صوص أحمر ريحته تجنن.
شيري وقفت ثانيتين من غير ما تحس بتتأمله وهو بيشتغل كأنه مش شايف الدنيا غير الطبخة اللي قدامه. هو حس إنها قريبه منه بس مبصش، كمل شغله وهو بيقول بهدوء.
"انا قولت انك مشيتي"
ردت بخجل.
" مروة رغاية شوية فضلت تتكلم معايا قبل ما تمشي"
ابتسم وهو لسه ضهره ليها وبعدها أخيرًا لف يبصلها.
" اتأخرتي، قولت اشتغل انا "
ردت بخفة.
"محدش قالك تستعجل علفكره"
قربت شيري بخطوات هادية.
وقفت جنب الترابيزة اللي بيقطع عليها الخضار وبصت للطاسة وقالت.
"ده... صوص طماطم؟"
ابتسم نص ابتسامه وقال.
"ده مش أي صوص."
رفعت حاجبها.
" طب نورني، ايه ده؟!"
ضحك.
"ده صوص مارينارا مخصوص، بس بطريقتي أنا، لاعب في الوصفه الأصليه"
سألته.
"وطريقتك دي إيه بقى؟"
قرب منها شوية... مش كتير، رفع المعلقة وساب نقطة صوص تقع على طرف صباعه ومد إيده ناحيتها.
"دوقي وقولي أنتي"
شيري اتوترت جدا، كانت في موقف لا تحسد عليه. مدّت وشها شوية صغيرين وداقت الصوص من على طرف صباعه، غمضت عينيها لحظة وبعدين قالت وهيا بتحاول تخبي ارتباكها.
"انت مستخدم ريحان بس مش ناشف، فريش."
هز راسه بإعجاب.
"كملي."
كملت.
"وفي حاجة تانية، مدية حروقيه بسيطة، فلفل حار خفيف؟"
قرب أكتر.
"شيري، تحفه، بجد صح"
قالت بابتسامة خفيفة.
" عيب عليك"
ضحك بخفة.
"طب كملي... الطعم اللي ضرب معاكي في الآخر."
سكتت شوية، وبعدين بصتله وقالت.
"سكر."
ابتسم أسر ابتسامة كاملة وقال بإعجاب واضح.
"بالظبط، نقطة سكر واحدة علشان الطماطم مش دايمًا مزاجها كويس."
ردت هيا بإعجاب المرادي.
"أنا عمري ما شوفت شيف يحب يتكلم عن أكله بالطريقة دي."
قال وهو بيرجع يقلب الطاسة.
" اديكي شوفتي"
سكتت وفضلت تراقبه، إيديه الخفيفة، طريقته، تركيزه، حتى كانت مركزة أنه مهتم يوطي النار اوقات وأوقات يعليها، وبيطبخ كأنه بيعزف مثلا. بعد دقايق قال.
" أنا عامل مكرونه، لسه قايله ان في انواع مكرونه انتي تعرفيها وانواع متعرفيهاش، ده بقا نوع انتي متعرفيهوش"
ردت.
"اممم... طب قول الاسم."
بصلها بثقة وهدوء.
"مكرونة مارينارا بالريحان الطازة، على طريقتي"
رفعت حواجبها وقال.
"الاسم كبير شويه؟!"
قرب الطبق قدامها بعد ما خلصه، البخار طالع، والريحان فوق عامل شغل عالي وشكل تحفه.
قعدت بعد ما اخدت الطبق وهو قعد قدامها بطبقه، داقته وبصتله بسرعة بزهول وقال.
"ده... محصلش."
سأل.
"عجبك؟"
ردت بنبرة صريحة أوي.
"ده من أجمل الحاجات اللي دوقتها في حياتي، تحفه"
سكت ثانيتين... وبعدين قال بصوت واطي اقرب للاعتراف.
" هتصدقيني لو قولتلك اني دي اول مرة اطبخ الطبق ده، يمكن حبيت اعمل حاجة مميزة عشانك"
قلبها وقع لحظة وهو رجع يبص في طبقه، بس الحقيقة إنه مستني رد فعلها.
رفعت عينها وقالت.
" انا مش عارفه اقول ايه بس بجد شكرا انك دوقتني الطبق ده، عمري ما هنسى طعمه"
بصلها بلمعة وهيا قالت وهيا بتقوم.
" انا لازم امشي، اتأخرت"
بص لطبقها وقال.
" طبقك، مكلتيش ليه؟ مش قولتي عجبك"
هزت راسها وقالت.
" هو تحفه بس خايفة اتأخر اكتر من كده ومش هلاقي مواصلات دلوقتي بسهوله"
رد بسرعه.
" هوصلك انا متقلقيش"
"أنا مش عايزه أتعبك."
رفع عينه ليها، وبنفس النبرة قال.
"لا ولا تعب ولا حاجة، بس هزعل فعلًا لو مشيتي قبل ما تخلصي طبقك."
شيري قعدت تاني ومسكت الشوكة بتردد بسيط، وبدأت تاكل وفعلا المكرونة تجنن.
آسر ابتسم وقال بخفة.
"نادراً ما أأكل حد من أكلي."
شيري رفعت عينها عليه وقالت باستغراب حقيقي.
"وإشمعنا أنا؟"
سكت لحظة وبعدين قال.
"مش عارف..."
قالها بنبرة هادية.
"بس انتي لفتّي انتباهي بهدوءك، بتفكريني بماما ربنا يرحمها."
شيري قلبها رقّ وقالت فورًا.
"ربنا يرحمها."
كمل بصوت اهدى شوية من الطبيعي.
"كانت نفس هدوئك كده بالضبط، ومحدش كان بيحس بوجودها، بس بنحس بغيابها بطريقة محدش يقدر يتجاهلها."
شيري قالت بخجل خفيف.
"أنا مش بحب المشاكل خالص، ومش بحب أظهر نفسي، يعني كده أحسن ودي طبيعتي."
آسر رد من غير أي تردد.
"حلوة اوي شخصيتك."
شيري قالت بابتسامة باهته.
"مش بتعجب ناس كتير، ساعات بيتطلب مني أغير شخصيتي."
رد بسرعة، أسرع مرة تسمعه يرد من غير ما يفكر.
"أوعي... بجد أوعي، إنتي من الشخصيات النادرة."
اتكسفت، وبصت للطبق ثواني قبل ما تقول بابتسامة خفيفة.
"نسيت أقولك إن من ضمن شخصيتي إني مش بعرف أغير نفسي، أنا كده وهفضل كده."
هزّ راسه وقال بجدية.
"وده الصح، اللي بيحبك بجد مش هيطلب منك تتغيري."
سكتوا لحظة، شيري بعد ما خلصت نص الطبق قامت وقالت.
"كفاية كده، لازم أروح."
آسر قام فورًا وقال بهدوء.
"حاضر."
شيري لبست شنطتها وهيا بتقول.
"مفيش داعي على فكرة توصلني، همشي أنا."
بصلها وقال بضغط لطيف.
"عيب بقا."
ابتسمت ابتسامة صادقة وخرجت، مشيوا جنب بعض للباب الخارجي للمطعم، الهوا كان بارد والشارع هادي إلى حد ما. آسر بصلها وقال.
"ليلة حلوة، شكرًا إنك فضلتي."
شيري بصتله وقالت بهدوءها المعتاد.
"شكرا ليك انت بجد"
ابتسم وفتحلها باب العربية وهيا ركبت، قفل الباب براحة وبعدين لف مكانه واتحرك.
آسر بص عليها وقطع الصمت.
"عجبك الأكل؟"
ردت بابتسامة صغيرة.
"أكتر مما توقعت."
ضحك بخفوت وقال.
" رأيك يهمني"
شيري بصت من الشباك بإحراج وهو بعد شوية سألها.
"ساكنة فين؟!"
شيري وصفتله العنوان وهو ساق بهدوء لحد ما وقف قريب من بيتها. آسر بصلها وقال بنبرة صافية جدًا.
" حمد الله على السلامه"
شيري ابتسمت وردت.
"الله يسلمك، شكرا يا شيف"
حاولت تفتح الباب مفتحش، هو مال شوية وفتحلها القفل وقال.
" تصبحي على خير"
ردت بهدوء.
" وانت من أهله"
نزلت ومشيت وهو فضل مراقبها لحد ما اختفت وبعد كده اتحرك وابتسامته لسه على وشه.
فارس كان واقف في مكان آثري كالعادة كان بيشرح لسياح اجانب قدامه عن المكان ورنة فونه قطعت كلامه. كان هيقفله بس لقاه نفس الرقم الدولي... بتاعها. اعتذر للمجموعة بابتسامة صغيرة وبعد شويه وهو بيرد.
رواية اذا أراد النصيب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم بتول عبد الرحمن
فارس كان واقف في مكان أثري كالعادة، كان بيشرح لسياح أجانب قدامه عن المكان، ورنة تليفونه قطعت كلامه. كان هيقفله بس لقى نفس الرقم الدولي... بتاعها.
اعتذر للمجموعة بابتسامة صغيرة، وبعد شوية وهو بيرد:
"ألو؟"
مفيش صوت. ثانيتين صمت قبل ما يسمع صوتها.
"فارس؟!"
وقف مكانه وقال:
"قولت إنك نسيتيني والله."
سمع نفس خفيف على السماعة وبعدها صوتها:
"وأنا قولتلك قبل كده إني مش هقدر أنساك."
ابتسامة اترسمت على شفايفه بدون ما يحس وقال:
"اختفيتي من آخر مرة رنيتي فيها ومقدرتش حتى أوصلّك بعدها."
قالت بنبرة فيها تعب:
"أنا في وضع لا أحسد عليه، محتاجة أشوفك ضروري."
استغرب طلبها وقال:
"إحنا في بلد مختلفة يا لارا."
ردت بسرعة كأنها أخذت قرار خلاص:
"عارفة... بس لازم أشوفك، احتمال كبير أنزل مصر قريب."
ضيق حواجبه وقال بزهول:
"للدرجادي؟!"
"اه... مهم."
سكت لحظة وبعدين افتكر:
"طب، إيه أخبار الكتب السماوية اللي قولتلك عليها؟"
صوتها اتبدل، بقى أهدى وأعمق:
"لسه بقرأ فيهم متقلقش، أنا مهتمة جدًا بالموضوع ومش قادرة أتجاهله لدرجة إني بقضي وقتي كله بينهم."
اتنفس بارتياح واضح وقال:
"كويس طمنتيني، كنت فاكر طنشتي."
ضحكت ضحكة حزينة وقالت:
"لاء بالعكس، وعايزة لما أشوفك أحكيلك كل اللي حصل معايا الفترة اللي فاتت."
صوته بقى دافي أكتر من الأول وهو بيقول:
"مستنيكي."
ردت بصوت واطي وهادي:
"قريب إن شاء الله، مبسوطة إني سمعت صوتك."
فارس قال بنفس الهدوء:
"وأنا كمان."
تيا خرجت من المدرج وهيا منهكة، شنطتها على كتفها ومودها مش مظبوط من الصبح من ساعة ما كلمته. أول ما لمحت ملك ندهتلها وراحت لها بسرعة. ملك رحبت بيها بحرارة وتيا قضت معاها باقي اليوم. اتصورت معاها قصدًا ونزلت الصورة استوري وكتبت Caption بسيط وعملت منشن لملك. بعد فترة من نزول الاستوري فتحت الڤيوز وقلبها اتقبض لحظة، بس اتحولت لضحكة خبيثة لما لقت زيزو من أوائل الناس اللي شافوا الاستوري. تيا قفلت الفون وهيا حاسة إنها خدت حقها، زي اللي رجع كرامته، حست إنها شفت غليلها منه ولو بنسبة بسيطة.
خميس جديد.
الكل بيتجمع اليوم ده ومحدش هيعتذر النهارده، وده كان شرط من حنان. سلمى كانت واقفة في المطبخ، شعرها مربوط بطريقة عملية وهيا بتجهز الأكل. شافت تيا جنبها واقفة تايهة شوية، ماسكة طبق السلطة كأنه لغز. سلمى قالت باستنكار:
"تيا، انتي دايما مع شيري، معقول معلمتكيش غير السلطة؟!"
تيا نفخت وقالت بغيظ:
"شوفتي! طول الوقت أقولها يا شيري علميني، تقولي بعدين!"
حنان ضحكت بسخرية وضافت:
"صح... وأنا شاهدة."
تيا بصتلها وقالت:
"انتي بتتريقي يا عمتو؟"
حنان ردت وهي بتحاول تمنع ضحكتها:
"صح يا قلب عمتو، سلمي أهي اتعلمي بقى."
تيا قالت بتهرب:
"ومالها السلطة يا بنتي؟ ناوليني السلطة دي."
سلمي اتنهدت وقالت:
"شيري برضو اللي مش راضية تعلمك!"
"يا بنتي أصلي لازم أركز في كليتي ومذاكرتي."
"انتي بتروحي الكلية أصلاً؟!"
تيا قالت ببرود عجيب:
"مش لازم... المهم النتيجة."
سلمي سألت بضحكة مكبوتة:
"والـ GPA كام بقا يا دحيحه؟"
تيا رفعت راسها بفخر مزيف جدًا:
"2.76"
سلمي قالت بسخرية:
"أوعي التعليم، تقدير محدش جابه."
تيا قالت بسخرية أكبر:
"فعلاً محدش جابه."
سلمي ادتلها طبق السلطة وقالت:
"طب خدي، اعملي السلطة يا نابغة."
تيا أخدت الطبق وقالت بخضوع تمثيلي:
"حاضر، هسيب مذاكرتي المتلتلة واشتغل معاكم."
شيري دخلتلهم وكان باين عليها التعب، قالت وهيا بترخي كتفها:
"إزيكوا."
تيا كانت واقفة قدام الرخامة بتقطع السلطة بتركيز، وسلمى بتعلق على الأكل. سلمى لفتلها وقالت بابتسامة:
"جيتي! كنت لسه هعلق على ورق العنب اللي قولتي عليه."
تيا رفعت عينيها من الطبق وقالت بسرعة بنبرة فيها استغراب بسيط:
"عاملاها ليه أصلاً؟ حلة واحدة مش هتكفي؟"
شيري حطت الشنطة على الترابيزة وقالت:
"عاملاها علشان زيزو من بالليل."
سلمى ضحكت وقالت بهزار:
"طب تعالي علقي عليها بقا لحبيب القلب."
شيري رفعت حواجبها وقالت:
"هغير هدومي وجاية."
فارس كان واقف في البلكونة كالعادة، ماسك الفون وبيبص كل شوية على آخر رسالة من لارا. قرارها إنها هتنزل مصر خلاه مشدود ومتحمس في نفس الوقت، خاصة بعد ما قالتله إنها نازلة قريب جدًا. وهو سرحان سمع صوت تيام وراه بيقول:
"إيه الأخبار؟"
فارس لف وقال بابتسامة:
"أهلا بالعريس."
تيام ضحك وقال:
"عقبالك."
فارس بصله بتركيز وقال:
"ومالك بتقولها من غير نفس ليه؟ العروسة مضايقاك ولا إيه؟"
تيام رفع كتفه وقال ببرود:
"لسه بدري على الكلام ده، إنت واقف بتعمل إيه؟"
فارس خبّى توتره وقال:
"ولا حاجة... واقف عادي."
تيام قال بملل:
"طب تعالى جيم بلاي ستيشن."
فارس اتنهد وقال:
"يا عم الله يسامحك، كل ما حد من ولاد عمك يشوفوني يقولولي العب معاهم."
تيام ضحك وقال:
"طب ما تلعب يا عم، كبرت ولا إيه؟"
فارس رفع حاجبه:
"ألعب مع عيال؟"
تيام قال بثقة:
"طب تعالى قصادي."
فارس ابتسم وقال:
"يلا."
دخلوا الأوضة، إياد ومالك كانوا قاعدين قدام الشاشة بيلعبوا بكل حماس.
تيام قاطعهم:
"سيبوني أنا وفارس نلعب بقا قبل الغدا."
إياد سأل بحماس:
"بجد؟ هتلعبوا ضد بعض؟"
تيام هز راسه، وفارس مسك الكنترول، بدأوا اللعب وكانوا حريفين الاتنين. زيزو دخل عليهم بعد ما وصل وقال:
"ده في هنا مطحنة باين!"
تيام قال وهو مركز ومكشر:
"انت بتقول فيها، إحنا الاتنين نفس المستوى، لا أنا عارف أغلبه ولا هو عارف."
فارس قال بثقة وهو بينفذ حركة جامدة:
"هغلبك متقلقش."
إياد قال بإعجاب:
"إنتوا بتلعبوا حلو اوي، نفسي ألعب زيكوا."
فارس رد وهو عينه على الشاشة:
"متقلقش، مع الوقت هتبقى أحسن مننا كمان."
زيزو قعد بينهم وقال وهو مستمتع:
"أنا مستني أشوف مين هيغلب."
فارس قال بثقة:
"أنا اللي هغلبه."
تيام رد:
"العب غيرها يا حبيبي مش هيحصل."
فارس رد:
"هنشوف."
زيزو شبك إيده وقال:
"اتحفوني بقى، مفيش غدا النهارده قبل ما أشوف مين هيكسب."
تابعهم وكل واحد فيهم مصمم يكسب، ومحدش مستعد يرمش حتى.
في المطبخ.
الأكل بيتحول كالعادة، البنات الصغيرين بيحولوا الأطباق اللي بتتغرف. شيري بصت لتيا اللي واقفة بتوزع السلطة في الأطباق:
"مش هتغيري لتشيرت الأهلي؟"
تيا قالت بضيق بسيط:
"لاء."
سلمي رفعت حواجبها باستغراب وقالت:
"ده أنا هعقب بجد، مش هتلبسيه."
تيا شدت نفسها شدة بسيطة وقالت:
"قولت لاء."
حبيبة دخلت في الكلام وقالت باستغراب:
"اشمعنا المرة دي؟"
تيا قالت وهي مكشرة شوية وبتتهرب:
"كده... مش عايزة."
شيري ضيّقت عينيها وقالت:
"لاء إزاي؟ مينفعش اليوم يعدي كده."
تيا انفجرت وقالت بضيق واضح:
"خلاص بقا! مش عايزة ألبسه أنا حرة."
سكتوا كلهم لحظة، شيري بصّت لسلمي وسلمي ردّت بنظرة كلها استغراب بس متكلموش.
سابوها... واضح إن الموضوع وراه حاجة، بس محدش حب يضغط عليها زيادة.
حنان ندهت للشباب بصوت عالي:
"يلا الغدا جاهز!"
زيزو رد من بعيد وهو لسه متابعهم:
"استني يا طنط! عندنا منافسة قوية هنا!"
حنان ردت:
"اتغدوا الأول!"
فارس رد بسرعه:
"حاضر يا ماما خلاص الجيم قرب يخلص."
حنان مشيت وهزت دماغها وسابتهم.
التركيز على آخره بين فارس وتيام وزيزو واقف فوق راسهم مستني اللحظة اللي واحد فيهم يقع. وفي الآخر تيام هو اللي كسب.
فارس رمى الكنترول وقال:
"ماشي... ماشي."
خرجوا كلهم من الأوضة وتيام قال بفخر:
"قولتلك هكسبك... عيب عليك."
فارس رفع حاجبه وهو بيعدل التيشيرت وقال:
"لازم نكمل بعد الغدا ونشوف."
تيام ضحك وهز دماغه بثقة زيادة عن اللزوم:
"حِجّة الخسران، بعد إيه بقا؟"
فارس رد وهو بينفخ كأنه مش فارق معاه:
"ده حظ مش أكتر."
زيزو دخل بينهم وقال:
"بعد الغدا لازم يكون في جيم كمان!"
تيام قال وهو بيقعد مكانه على السفرة:
"يا عم ماشي معنديش مانع، بس هكسب برضو."
فارس ضحك ضحكة صغيرة وهو بيهز كتفه:
"هاهو..."
البنات جم من المطبخ وكل واحدة قعدت مكانها، والكل اتجمع.
بعد ما قعدوا كلهم على السفرة، الجو كان مليان هزار وتريقة خفيفة بين الشباب. فارس كان بيحكي حركة عملها تيام في الجيم قبل الغدا، والكل ضحكوا، بس تيام مكانش مركز معاهم اوي، عينيه راحت غصب عنه على سلمى اللي كانت مركزه في طبقها.
الجو هدي ومكانش في نفس الوش بتاع كل مرة. حنان بصتلهم وقالت:
"إيه مالكوا؟ السكوت ده ليه مش عوايدكوا."
تيا كانت قاعدة بتحاول تاكل عادي، بس واضحة أهدى من الطبيعي وساكتة زيادة عن اللزوم.
شيري كانت واخدة بالها من الأول خالص، بصّت لتيا وبعدين لزيزو، ورفعت حاجبها ببطء. الجو بينهم مش طبيعي خالص، حتى سلمي اللي بصت لشيري باستغراب من سكوت تيا وزيزو.
حنان قالت باستغراب:
"تيا؟ مالك؟!"
تيا رفعت عينيها ليها وقالت:
"أنا عادي بس باكل."
حنان ردت:
"اشمعنا انهارده."
أشرف رد:
"الراديو بايظ انهارده باين."
تيا بصتله بضيق وقالت:
"بابا؟!"
أشرف ضحك وقال:
"ايه بكدب؟ الراديو اللي بالعاه راح فين."
شيري عضت شفايفها بالعافية عشان متضحكش وكلهم ضحكوا، زيزو بس اللي كان صامت.
تيا قامت من مكانها وأشرف ندهلها فرجعت وقالت:
"نعم؟!"
قال بأمر:
"اقعدي كملي اكلك."
تيا ردت بضيق:
"شبعت."
أشرف رد بحدة:
"متكوميش قبل ما طبقك يخلص."
تيا بصت لمامتها اللي قالت:
"سيبها يا أشرف وتاكل بعدين."
رد برفض:
"لاء طالما كلنا قاعدين يبقى تاكل معانا، اتفضلي يلا."
تيا رجعت مكانها بضيق.
بعد الغدا، رجعوا الشباب يكملوا لعب. فارس وتيام دخلوا في جيم جديد بحماس وزيزو قعد يتابعهم. البنات قاعدين بيتفرجوا عليهم ما عدا تيا اللي كانت قاعدة في نفس الأوضة بعيد وبتكسرول على فونها. عينيها كانت بتيجي على زيزو كل شوية من غير ما تقصد، وكل مرة بتلاقيه متجاهلها بتشد نفسها أكتر وترجع تبص في فونها بعدم اهتمام.
بعد شوية قامت من مكانها بملل، اتحركت ناحية باب البلكونة اللي في نفس الأوضة وفتحتها وخرجت. زيزو كان مركز معاها لحد ما خرجت من غير ما يبين ده. شيري قالت وهيا بتقوم من مكانها:
"هقوم أشوف مالها."
سلمي هزت راسها ورجعت تتابع، خرجت شيري لقت تيا واقفة ساندة على السور، وباصة للشارع بتوهان.
شيري وقفت جنبها وقالت:
"شكلك انتي وزيزو متخانقين، مزعلاه ليه؟!"
تيا لفتلها بحدة بسيطة وقالت:
"واشمعنا قولتي إن أنا اللي مزعلاه؟!"
شيري ردت وهي بتبص قدامها:
"علشان لو هو اللي مزعلك مش هيسيبك غير لما يصالحك."
الجملة دخلت في قلبها زي سهم. بصت بعيد وقالت بعد نفس طويل:
"والله مش حكاية مزعلاه، بس هو اللي بيتدخل في حياتي بشكل مبالغ فيه."
شيري فضلت واقفة ساكتة، عينيها على الشارع. تيا قالت بعد لحظة:
"انتي بتحبيه والمفروض يركز معاكي انتي."
شيري اتجمدت لحظة وبعدها قالت بهدوء مؤلم:
"بس الحب مش بالغصب، واضح قوي إنه عمره ما شافني غير أخت صاحبه."
تيا حاولت تخفف عنها:
"يمكن متهيألك."
شيري هزت راسها ولسه صوتها هادي بس صادق بشكل يوجع:
"بيبان، والواضح من زمان إن مشاعري مش متبادلة."
تيا قالت بمزيج بين النصيحة والخوف:
"قربي منه وافهمي مشاعره ناحيتك."
شيري ابتسمت ابتسامة قصيرة، أقرب لابتسامة يأس وقالت:
"هبقى بضحك على نفسي، لإن من غير ما أقرب كل حاجة واضحة."
شيري كانت خلاص هتدخل وتنسحب بهدوء بس تيا وقفتها بسؤالها:
"يعني إيه؟ قصدك إيه يا شيري؟"
شيري بصتلها وقالت:
"مش قصدي حاجة."
ودخلت. تيا فضلت واقفة مكانها مش فاهمه هيا بتلمح لايه؟
حسّت إن الكلام خلاها تتلخبط أكتر.
رجعت الأوضة تاني بعد شوية وقعدت جنبهم وحاولت تندمج معاهم كالعادة.
زيزو قال بحماس:
"يلا يا جماعة... كل واحد يشجع حد، عايزين حماس."
شيري ضحكت وقالت:
"أنا مع اللي بيكسب معروفة يعني."
زيزو قال:
"لاء لاء اختاري مش هينفع الكوسة دي."
شيري بصتله وقالت:
"مش هختار لاء."
زيزو سأل الكل وفاضل تيا وسلمي، عمل اسكيب لتيا وسأل سلمى:
"انتي يا سلمي مع مين؟"
سلمي اتلبخت وقالت:
"هو... هو الموضوع صعب الصراحة، يعني هما الاتنين شاطرين."
زيزو قال بنفاذ صبر منهم كلهم:
"متحوريش بقا، قولي يلا."
تيام فضل مركز في الشاشة، بس ودنه معاها، مستني اختيارها. سلمي ضحكت بخجل وقالت بصوت واطي:
"هو فارس أخويا وكل حاجة بس مش هنكر أن تيام بيلعب أحسن، فلو هكون مع حد منهم هختار اللي هيكسب طبعًا، سوري يا فارس."
فارس قال وهو مركز قدامه:
"عادي عادي المهم النتيجة."
تيام بصلها بتلقائية، لحظة سهو وهو ماسك الكنترول من غير ما يلعب. قاطع شروده فارس اللي صرخ بصوت عالي:
"جوووول!!"
رواية اذا أراد النصيب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم بتول عبد الرحمن
تيام بصلها بتلقائية، لحظة سهو وهو ماسك الكنترول من غير ما يلعب.
قاطع شروده فارس اللي صرخ بصوت عالي:
"جوووول!!"
تيام اتفاجئ وبصله:
"إيه؟! إزاي دخل؟!"
فارس وقف وقال:
"مش مهم ازاي المهم أنه دخل، إيه رأيك بقا؟!"
شيري انفجرت ضحك، وتيا عضت شفايفها وهي بتبص لزيزو اللي قال:
"تيام ملعبش في الآخر بصراحة، مكانش مركز معاك"
فارس قال:
"وأنا مالي، المهم النتيجة قولت"
تيام اتنحنح وقال بسرعة:
"نلعب من الأول طيب، أنا فعلاً مركزتش، ميتحسبش"
فارس قال:
"لأ يا حبيبي يتحسب، خلاص خلصت"
سلمي قالت وهيا بتبص لتيام:
"خلاص يا تيام أنت كسبت قبل الغدا"
تيام قال:
"عندك حق، وبعدين معروف مين بيلعب أحسن يعني"
بالليل بعد ما اليوم خلص...
سلمي دخلت أوضتها، بعد ما غيرت هدومها سرحت شعرها وهيا سرحانة.
شيري دخلت وشافتها.
سكتت ثواني قبل ما تقول:
"عايزة أفهم، إشمعنا دلوقتي؟"
سلمي بصتلها باستغراب:
"مش فاهمه، هو إيه اللي إشمعنا دلوقتي؟!"
شيري قالت بضيق:
"لطافتك مع تيام في الوقت ده، ولا عشان خطب خلاص إحلو في عينك!"
سلمي اتنهدت وقالت بهدوء:
"شيري... أنا بحاول أتعامل عادي مش أكتر، مش فاهمه بقا أنتي عايزة إيه ولا مش فاهمه إيه، أديكي قولتي خطب وأنا بعامله عادي دلوقتي مش اللي في دماغك"
شيري بصتلها بتركيز:
"طب واللي حصل النهارده؟ نظراتك ونظراته؟ كل شوية يبص عليكي وانتي بتشجعيه، ده بيبصلك كأنه ناسي الدنيا، مخدتيش بالك من نظراته لما اخترتي تشجعيه، متعرفيش أنه خسر عشان سرح معاكي اللحظة دي"
سلمي قالت ببرود:
"أنا معملتش حاجة... عادي، هو اللي بص، أنا مطلبتش منه يبصلي على فكرة ولو ابتسمتله فدي مجاملة مش أكتر"
شيري ضحكت ضحكة قصيرة بسخرية:
"مجاملة؟ أنتي عارفة أنه مش بيبص لحد بالساهل ولا بيركز مع حد أصلاً وأنه تقيل أوي، وأنتي بتستغلي أنه مركز معاكي مع إنك المفروض تصديه زي قبل كده، ولا عايزة تخليه يسيبها عشان ترجعي تاني تصديه لما يكون فاضي، أنتي جننتيه يا سلمى، أنا حتى مش فاهماكي ما بالك هو بقا"
سلمي اتعصبت شوية وقالت:
"يا شيري أنا مش بفكر كده وأنتي عارفه، كل واحد حر، ولو على نظراته واهتمامه أنا مليش دعوه، متجيش تلوميني أنا"
شيري قربت منها وقالت بصوت أوطى:
"أنا خايفة عليكي وعلى قلبك، أنا عارفة إنك عايزاه يفسكل خطوبته ولو مفسكلهاش واتجوزها هتتوجعي أكتر"
سلمي بصت للأرض وقالت:
"أنا كويسة عادي، مليش أصلاً دعوه بيه ولا بحياته"
شيري رفعت حاجبها وسألت:
"وهو؟"
سلمي اتجمدت لحظة وبعدين قالت:
"هو مش ليا، ومش أنا اللي هقرب وأنتي عارفه كده كويس، سيبيني بقا براحتي"
شيري فضلت ساكتة شوية، بتبصلها كأنها بتحاول تقتنع.
سلمي سابتها ومددت على السرير وهيا بتحاول تخرج كل الأفكار السلبية من دماغها.
تاني يوم
شيري دخلت مطبخ المطعم وهي ماسكة كيس كأنه كنز، حطته على الرخامة بابتسامة واسعة.
جوه الكيس نوع مكرونة الجديد فضلت تفكر فيه أيام وتطبخها بطريقتها علشان بس توفي وعدها لآسر.
بصت حواليها، المكان شغال على آخره، كل شيف شغال ومركز كأنه في دنيا تانية، إيديهم سريعة جدا وهما بيشتغلوا.
سألت عنه وعرفت إنها هيتأخر فبدأت شغلها وهيا حاسة بضيق.
بعد أكتر من ساعة أخيرا وصل، شكله متوتر شوية، بص حواليه بضيق لكن أول ما شاف شيري ابتسم غصب عنه.
قرب منها وقال:
"صباح الخير"
شيري لفتله وابتسمت:
"صباح النور"
آسر سأل بفضول:
"بتعملي إيه؟!"
شيري قالت بسرعة:
"ثانية واحدة"
مشيت من قدامه ورجعت وهيا ماسكة علبة.
قال وهو بيرفع حاجبه:
"إيه ده؟"
شيري رفعت العلبة قدام وشه بثقة وقالت:
"المكرونة اللي قولتلك عليها، حاجة مختلفة يعني، عملتها بطريقتي أنا بقا، تعبت فيها جدا على فكرة"
آسر ضحك ضحكة خفيفة وهو بيقرب منها:
"يعني عملتيها مخصوص؟"
ردت بسرعة وهي بتزوّق الكلام:
"مخصوص؟ لأ طبعًا هيا عادي، مجرد مكرونة يعني"
آسر قرب أكتر وقال:
"شيري... أنتي كذابة."
اتوترت وعضت شفايفها بطريقة باينة وقالت:
"طيب خلاص، هيا مخصوص بصراحة، حسيت إني لازم أعمل حاجة مختلفة وحلوة في نفس الوقت"
آسر مد إيده واخد العلبة منها.
شم ريحة المكرونة ومن غير ما يفتحها قال بنبرة فيها رضا واضح:
"تمام، إحنا كده لازم ندوقها حالًا، ريحتها تحفة"
جاب طبق صغير وهو لسه مركز معاها أكتر من المكرونة نفسها، غرف من العلبة في الطبق وداق منها.
بصلها ورجع يدوق تاني:
"يا نهار أبيض..."
قالها وهو مغمض عينه لحظة، فتحها وبص للمكرونة وقال:
"تحفة، بجد تحفة، ده إحنا نحطها في المنيو ونكتب جنبها مكرونة شيري"
شيري ضحكت وقالت بخفة:
"بطّل تهويل"
هز رأسه بقوة وهو بياكل تاني:
"تهويل؟ والله العظيم ده أحلى طبق دوقته من فترة كبيرة جدا! ده أنتي أجد من أجد شيف هنا"
شيف من بعيد قال وهو بيضحك:
"إحنا سامعينك يا شيف آسر!"
آسر رد بسرعة:
"اسكت إنت، عمر حد فيكم عمل حاجة بالنضافة دي!"
بص لشيري تاني وقال بصوت أوطى:
"أنا قولتلك قبل كده إن إيدك في الأكل مختلفة، بتعملي الحاجة بحب."
شيري حست إن قلبها بيدق أسرع، بصت للأرض وسألت:
"يعني، عاجباك كده للدرجة؟"
آسر قرب منها خطوة وهو بيشاور بالشوكة:
"للدرجة اللي تخلي الواحد يفكر إزاي في حد بيعمل أكل بالجمال ده ولسه مفتحش مطعم خاص بيه؟"
شيري سكتت بإحراج وهو سأل:
"إنتي عاملة إيه بالظبط في المكرونة؟"
شيري شبكت إيديها ورا ضهرها وقالت:
"بتسأل ليه؟!"
آسر ضحك ضحكة قصيرة وقال:
"بحاول أعرف هيا معمولة إزاي، معمولة بطريقة غريبة، المكرونة واخدة صوص مثبت ومتخمر كويس... أنتي عملتي ده إزاي؟"
شيري اتوترت شوية وقالت بمراوغة:
"عادي يعني... لعبت في المقادير شوية."
آسر ضيّق عينه وهو بيميل ناحيتها وقال بصوت واطي:
"شيري، أنتي فاكرة إني مش هلاحظ إن ده معمول بتكنيك محدش في المطعم بيعمله غير اللي مهتم قوي إنه ي impress حد."
شيري قالت قبل ما تمشي:
"لو عجبتك كل وانت ساكت بقا"
آسر ضحك ووقفها:
"تمام، بس قوليلي الأول عملتيها إزاي."
شيري قالت بسرعة:
"لأ"
رفع حاجبه باستفزاز مرح:
"لأ؟"
قالت:
"ده سر جديد من أسراري."
قالت كلامها ومشيت بسرعة من قدامه تكمل شغلها.
تيا كانت قاعدة في أوضتها، الفون في إيديها، وراسها مليانة دوشة.
بتبص للرسالة اللي ملك بعتتها، قعدت ثواني تبص للرسالة وبعد لحظات من التردد عملت بلوك.
بالرغم من عدم اقتناعها بس هيا كانت عارفة إنها عملت كده عشانه هو.
قفلت الفون ورمته جنبها على السرير واتنهدت تنهيدة طويلة.
قرار ممكن يكون اندفاعي بس هيا في الآخر حسّته صح، بس مش بالساهل عليها تخسر صاحبة.
فتحت فونها تاني ودخلت بروفايله شافته أونلاين، دخلت أخد سكرين للبلوك وبعتتهاله من غير أي كلمة.
بعد دقايق الفون نور باسمه، اترددت شوية وبعدين ردت وفضلت ساكتة.
قال بسخرية:
"عيلة، أقسم بالله بتعامل مع عيلة."
تيا اتنرفزت وقالت بضيق:
"متصل عشان تقول كده؟!"
رد فورًا:
"لأ، متصل عشان وحشتيني."
قالت بخفوت:
"وحشتك؟!"
قال بنبرة صريحة من غير لف ودوران:
"آه يا متخلفة... يا عنيدة."
اتنفست وقالت:
"خلاص بقا، أنتي اللي عصبتني اليوم ده."
رد وهو بيزفر:
"كنت هكلمك لما أصحصح على فكرة، لقيتك عاندتي ونزلتي صورة ليكي معاها... العند بيجري في دمك؟!"
قالت بسرعة:
"أنتي اللي عصبتني! بكلمك وبشرحلك، تقوم تقولي كده؟! أعمل إيه يعني؟ أولع؟!"
ضحك بسخرية:
"ما هو متستفزينيش وترجعي تقولي أنا اللي عصبتك... أنتي تعصبي قارة بحالها."
قالت بضيق صريح:
"عايزة إيه يعني؟!"
قال بهدوء غريب:
"أنا اللي عايز إيه؟"
سكتت ثواني قبل ما تقول بشبه اعتذار:
"أنا عملتلها بلوك اهو، وهيا أصلاً لو عرفت مش هتحاول تتكلم معايا تاني، ياريت تكون ارتاحت."
رد فورًا:
"آه طبعًا ارتاحت... وبعدين اليومين اللي فاتوا كانوا رخمين من غير رخامتك."
قالت بغيظ:
"والله أنتي اللي رخمة."
سكت لحظة وبعدين قال بخفوت:
"تيا؟"
قالت:
"هممم؟"
قال بجدية:
"لو الموضوع ده اتكرر تاني والله ما هعديهولك."
سألته بتحدي:
"وهتعمل إيه يعني؟!"
رد بابتسامة سمجة:
"ما أنا مبقولش هعمل إيه، أنا بعمل على طول."
اتنهدت وقالت بخفة:
"طب خف عليا عشان مش هستحملك كتير."
قال بثقة:
"لسه العمر طويل."
"ومين قالك هنفضل صحاب للآخر؟"
رد بثبات مريب:
"ومين قالك إننا هنفضل صحاب أساسًا؟"
اتوترت وقالت:
"محدش ضامن."
قال بهدوء تقيل:
"بس هنكون حاجة تانية."
بلعت ريقها وقالت بصوت واطي:
"تقصد إيه؟"
قال قبل ما ينهي المكالمة:
"لما تكبري هقولك."
فارس كان قاعد قدام لارا في مكان عام، الجو حواليهم كان هادي بشكل غير مريح.
هو اخد باله من تغييرها، كان مركز في تفاصيل شكلها أكتر من كلامها، والبنطلون الواسع، الهودي الواسع، الكاب، والزعبوط اللي رافعاه فوقه، كأنها اتبدلت تماماً.
لارا أخدت نفس طويل وقالت بارتباك وإصرار غريب:
"خلال الفترة اللي فاتت كان في أوقات كنت محتاجة فيها لوجودك أوي."
فارس بصلها بتركيز وقال بنبرة فيها لوم بسيط:
"كنتي كلمتيني علطول، إيه اللي خلاكي متكلمنيش؟"
لارا عضت شفايفها وبدأت تشرحله:
"فارس، أنا كنت عايشة أصعب فترة في حياتي، كان عندي فضول ناحية الكتب دي وفي نفس الوقت مينفعش حد من أهلي يشوفوها، ولا حتى يشوفوني بكلمك."
فارس بانت على ملامحه الاستغراب وهو بيسأل:
"للدرجادري؟!"
قالت بسرعة وهيا بتكمل كلامها:
"آه، إحنا كعيلة ليها معتقداتها، محدش هيتقبل إني أقرأ حاجات زي كده، بابا مانعنا من زمان."
فارس مال بجسمه وسألها بصوت هادي:
"وعملتي إيه؟!"
قالت وهيا بتبص بعيد كأنها بتفتكر الأيام اللي فاتت:
"كنت بقضي معظم وقتي في أوضتي وفي كافيهات بره، كنت بصراحة مشغولة وعندي فضول."
سألها بسرعة:
"اممم ووصلتي لإيه؟!"
لارا رفعت عينيها ليه وسألته بصوت ثابت رغم رعشة إيديها:
"هو أنت مسيحي فعلاً زي ما قولت؟!"
سكت فارس، اخد وقت وبعدين قال:
"آه مسيحي، فيه مشكلة؟"
لارا بصتله بعمق، بوضوح، من غير ولا ذرة هزار:
"مشاكل."
اتصدم فارس من الرد، اتحرك من مكانه شوية وهو بيقول:
"بالنسبة لمين مش فاهم."
"المسيحيين بيؤمنوا إن سيدنا عيسى ابن الإله وفي برضو بيقولوا إنه الإله نفسه، اللي هو ربنا، بس أنت في أول مرة كلمتني عن ربنا، قولتلي إنه واحد أحد وإنه لم يلد ولم يولد، وده أنا فكراه كويس."
نظرة فارس اتبدلت، اتفاجئ إنها كانت فاكرة كلامه كويس أوي ومركزة معاه.
قال وهو بيحاول يخرج من الموقف:
"يمكن أنتي فهمتي كده وأنا كان قصدي حاجة تانية خالص، وقتها أصلاً كنت بقنعك بوجود ربنا مش بديانتي."
لارا هزت راسها بنفي هادي:
"بس أنت قولت كده وفهمتني كدة وقولت سورة من سور القرآن ولما سألتك قولتلي معناها، وهو إن ربنا واحد أحد، دي عقيدة المسلمين، إزاي وأنت مسيحي؟"
شد نفس طويل ببطء وقال بنبرة شبه دفاعية:
"مسيحي عادي، فيها إيه؟!"
لارا قالت بإصرار:
"إزاي وأنت مؤمن بأن ربنا لم يلد ولم يولد، ولو أنت مسيحي زي ما بتقول لازم تكون مؤمن إن عيسى ابن الله."
فارس حك دقنه كأنه بيدور على إجابة مش جاهزة وقال:
"بس أنا مقولتش إني مقتنع إن سيدنا عيسى مش ابن الله، مجبتش أصلاً سيرة الموضوع."
لارا رفعت حاجبها وقالت بعصبية:
"أنت عايز تجنني، إزاي وأنت مؤمن بأن ربنا واحد أحد أصلاً."
رد فارس بهدوء وهو بيحاول ميكشفش نفسه:
"أنا مؤمن بالله يا لارا، وقتها كنت بقنعك بوجود الله عادي، لكن أنا مسيحي عادي، أوريكي بطاقتي يعني؟!"
لارا اتنهدت وقالت بحيرة:
"بس إزاي، أنت قرأت كتاب القرآن الكريم طيب؟!"
قال بنبرة واقعية:
"هقرأه ليه وأنا مسيحي."
هزت راسها بجدية كاملة:
"لأنه معجزة على الأرض، لأنه الإجابة على كل أسئلتي، عشان هو مبهر بكل الطرق، لو كنت رشحته ليا من زمان كنت اقتنعت من غير ليالي من الصراع والبحث عن الإيمان بالله"
فارس سأل بترقب:
"يعني اخترتي ديانتك؟"
قالت بثقة لأول مرة:
"أنا أكيد آمنت بالله وبسيدنا محمد وبالقرآن الكريم، ومفيش حد عاقل يكون قدامه معجزة زي دي وميكونش مسلم، بس أنت يا فارس..."
قال بسرعة:
"أنا إيه يا لارا، أنتي عايزة تبقي مسلمة براحتك طبعًا مش هقدر أمنعك، أنا كنت بساعدك وأظن دوري خلص."
هزت راسها بسرعة وقالت برفض قاطع:
"لأ لأ، فارس مش هينفع تبقى مسيحي، صدقني مينفعش."
قال بحدّة هادية:
"ليه دي ديانتي اللي اتربيت عليها، مش هقدر أتخلى عنها أكيد."
قالت بنبرة فيها نفس الإصرار:
"بص، أنا كنت غلط وأنت دلتني للصح."
"وبعدين يعني؟"
ردت:
"دلوقتي دوري بقا إني أدلك على الصح زي ما أنت دلتني على الصح."
قال بهدوء شديد:
"ده لو أنا مش مقتنع إني صح."
ردت ببساطة:
"بس أنت فعلاً مش صح."
سكت لحظة وهيا استغلت ده وكملت:
"عارفة أنت بتفكر إزاي، بتقول إني من شهرين بس كنت ملحدة أصلاً ودلوقتي بقنعك بالإسلام..."
سكتت ثواني وبعدين قالت بثبات:
"بس صدقني أنا خلال الشهرين دول مكنتش بنام، كنت في صراع، كنت بدور كتير عشان أشوف الصح، وشوفته وعندي إثباتات."
اتنهد وسأل:
"وإيه هيا بقا؟!"
طلعت نوتة من شنطتها، فتحتها وهيا بتدور لحد ما وقفت عند صفحة معينة وقالت:
"دي أكتر حاجة أقنعتني كملحدة أصلاً"
كملت كلامها وإيديها بترتعش من الحماس والصراع اللي جواها وهو كان بيبصلها بترقب.
قربت النوته قدامها كأنها ماسكة إثبات حياة، صوتها كان فيه رجفة خفيفة وهيا بتقول:
"دي أكتر حاجة أقنعتني، لو فعلاً المسيحية هي الصح أو اليهودية أو الهندوسية أو أي ديانة كانت، فالمسلمين أصلاً بيؤمنوا بكل الديانات دي، عارف؟"
كانت بتتكلم وكأن قلبها سبق عقلها، بصت لفارس بنظرة فيها مزيج من خوف وإصرار.
كانت متوترة وهيا بتكمل:
"ده كان عهد... عهد بين الناس وربهم إنهم يؤمنوا بأي حد ربنا يبعته رسول، ليه خلفت عهدك في آخر ديانة؟ إشمعنا يعني آخر ديانة دي اللي مش مقتنع بيها لمجرد كلام متحرف، وربنا نفسه قال كده."
صوتها اتكسر في آخر جملة، وحاولت تصلّب نفسها بسرعة، قلبت في الورقة وهي بتقرأ الآية بصعوبة، كأن الحروف تقيلة على لسانها من رهبة الموضوع نفسه أولاً، وثانياً لأن اللغة صعبة جداً بالنسبة لها.
فارس كان ساكت... عينيه كانت عليها بكل تركيز، مبهور من اللي وصلتله، مبهور من إجاباتها برغم توترها الواضح، جواه ألف سؤال عن اللحظة دي وليه هي بالنسبة لها قضية حياة أو موت.
كملت وهيا بتقرأ في النوته:
"لو أي ديانة من الديانات اللي قبل الإسلام صح، فبرضو المسلمين كسبانين، لأنهم مؤمنين بيها كلها، مؤمنين بكل ما أنزل من عند الله، بس لو القيامة قامت والإسلام هو الصح، باقي اللي مش مؤمنين بيها هيعملوا إيه وقتها؟ وقتها باب التوبة اللي أنت بنفسك قولت إنه دايمًا مفتوح هيتقفل، الندم مش هينفع يا فارس، فارس المسلمين مؤمنين بسيدنا عيسى وبسيدنا موسى وسيدنا إبراهيم وبكل الأنبياء، بس كأنبياء مش كأولاد للرب، يعني مينفعش حد مسلم يكون مؤمن إن سيدنا محمد ابن ربنا، ده يبقى قمة الشرك بالله، بس مؤمنين بيه كنبي ليه أب وليه أم، بشر عاديين، فالصح يا فارس إنك تؤمن بسيدنا عيسى كنبي مش أكتر من كده، وإلا النهاية كلنا عارفينها، ووقتها الندم مش هينفع حد."
مسح على دقنه وقال بثبات متعود عليه:
"بس وقتها سيدنا عيسى بنفسه هيشفع لنا."
الكلمة دي وقفتها شوية، فضلت ساكتة وهيا بتحاول تستوعب كلمته، حست إنها دخلت منطقة عاطفية عنده، لكنها مرعوبة تسيب النقطة تفلت.
رفعت عينيها عليه وقالت بنبرة أهدى لكنها مش أقل قوة:
"الشفاعة... دورت عنها، بس اللي أعرفه إن بس سيدنا محمد هو اللي هيشفع لقومه."
فارس اتشد وقال ببطء وهو بيحاول يركز معاها بالرغم من إنه عارف الإجابة:
"واشمعنا سيدنا محمد يعني، ليه هو الوحيد اللي يشفع لقومه؟"
لارا متهزتش، قلبت في النوتة بإصرار لحد ما لقت الصفحة اللي هيا محتاجاها، قالت وهي بتقرأ:
"كل الأنبياء المرسلين كان ليهم أمنية واحدة مستجابة، الكل استخدمها... لنفسه، إلا سيدنا محمد، هو الوحيد اللي أجّلها ليوم القيامة... عشان يشفع لقومه."
فارس بصلها بإعجاب، مش مصدق قد إيه هي وصلت للي وصلتله، وقد إيه كلامها دخل قلبه قبل عقله.
سأل بصوت أهدى:
"وإيه اللي اتحقق لعيسى؟"
لارا اتوترت للحظة، قلبت صفحات النوته بسرعة، بصت على الفون وقالت وهي لسه بتحارب ارتباكها:
"ثانية... عشان مش فاكرة."
فضل فارس ساكت، عينيه عليها وهيا بتدور لحد ما قالت:
"أن ربنا رفعه ليه، سيدنا عيسى طلب من ربنا ينصره على أعدائه، ولأن مينفعش أي نبي يتهان ربنا رفعه ليه، يعني ما صُلبش زي ما فاكر"
فارس سكت وهو بيبصلها فقالت:
"سكتت ليه يا فارس؟ أنا على فكرة متأكدة من كلامي، كنت شايفاك دايماً بتقنعني، فلو هتقدر تقنعني هسمعك وهصححلك أفكارك"
حب يخرج من كل الجو ده ويفصلها شوية، فقال وهو بيبص على هدومها الواسعة باستغراب:
"إيه سر لبسك الواسع ده؟!"
لارا أخدت نفس طويل وقالت من غير تردد:
"دي أكتر حاجة واسعة عرفت ألبسها قدام أهلي، لأن محدش يعرف منهم إني ناوية أدخل الإسلام"
فارس مال لقدام شوية وسأل باستغراب:
"وايه اللي معطلك؟ ادخلي يلا"
هنا هيا رفعت عينيها عليه ببطء وقالت بصراحة:
"أنت اللي معطلني، أخدت عهد على نفسي هدخل معاك"
الكلمة دخلت جوه قلبه، اتشد بس قال بنبرة صريحة:
"إيه الثقة دي، مين أقنعك إني هسيب ديانتي عشان الكلام اللي قولتي ده، زي ما أنتي مقتنعة بديانتك أنا برضو قرأت فيها ومقتنع بيها"
لارا قالت وهيا بتحاول تقنعه:
"طب اقرأ القرآن وبعد كده ناقشني، أنا قرأته كله وعارفه أنا بقول إيه"
فارس سكت لحظة، رفع حاجبه وهو بيحاول يفهم قد إيه هيا وصلت للمرحلة دي من اليقين وبعدين قال بثبات:
"خلاص اقنعيني، ردي على كل أسئلتي ووقتها أوعدك لو اقتنعت هأسلم"
اتنفست براحة وابتسمت ابتسامة صغيرة مليانة فرحة وثقة وقالت بسعادة:
"موافقة، وأنا واثقة إنك هتكون مسلم"
يتبع
رواية اذا أراد النصيب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم بتول عبد الرحمن
زيزو كان واقف تحت العمارة بقاله شوية، كل شوية يبص لفوق كأنه مستني علامة. الشارع كان هادي فقدر يسمع صوت البوابة وهي بتتفتح بسهولة.
تيا خرجت بسرعة وهي بتظبط شنطتها وباين عليها إنها مستعجلة. أول ما رفعت راسها وشافته واقف قدامها اتجمدت. حطت إيديها على صدرها من الخضة.
رفع حاجبه وهو بيقول بنبرة ثابتة:
"اهدي... مالك؟!"
تيا قالت وقلبها بيدق جامد:
"اتخضيت، انت إيه اللي جابك دلوقتي؟!"
قال من غير تفكير:
"أول فاينل ليكي النهاردة وقولت أجي أوصلك، اتأخرتي ليه؟ بقالي ساعة واقف!"
وقفت قدامه مذهولة:
"انت بتهزر صح؟!"
رد وهو بيشاور على نفسه:
"لأ طبعًا، ما أنا واقف قدامك أهو، أخلصي يلا."
قالت بسرعة وهي بتبص على الساعة:
"أنا أصلًا متأخرة."
قال وهو بيفتحلها باب العربية:
"طب يلا."
ركبت، وهو ركب جنبها وساق. بعد دقايق من الصمت تيا قالت وهي بتبصله:
"جيت ليه بجد؟!"
بصلها وقال:
"لا إله إلا الله، أنا مش لسه قايلك إني جاي أوصلك."
قالت بإصرار:
"أيوه بس ليه؟"
رجّع عينيه للطريق وهو بيقول:
"مش عارف."
سكتت لحظة وبعدين قالت:
"انت عارف الساعة كام؟!"
قال ببساطة:
"10.30."
تيا رفعت حاجبها:
"انت مش بتصحى بدري أصلًا."
رد:
"أنا لسه منمتش أصلًا، قولت أجي أوصلك عادي بما إني صاحي."
تيا شهقت:
"يا نهار أبيض، لسه صاحي لدلوقتي."
ضحك بخفة:
"شفتي."
ردت:
"مش عارفة أصلًا بتسهر تعمل إيه؟!"
قال ببديهية:
"نفس اللي انتي بتعمليه."
قالت ببساطة:
"أنا بفضل سهرانه على التيك توك."
قال:
"وأنا بفضل سهران ع الانستا."
ردت بضيق:
"بس للأسف كنت سهرانه بلم المادة، شكلها هتجبني في شوال."
زيزو قال بثقة:
"لأ إن شاء الله هتحلي كويس، فطرتي؟"
هزت راسها:
"أنا يدوب صحيت ولبست ونزلت."
وقف العربية على جنب، وهي بصتله بسرعة وقالت:
"وقفت ليه؟!"
قال وهو بيفك الحزام:
"خليكي ثواني."
نزل، وهيا ندهت عليه بس مردش. اختفى ثواني ورجع معاه كيس صغير. مدّه ليها وهي بصتله باستغراب:
"ده إيه بقا؟!"
قال بأمر:
"افطري يلا."
ضحكت بخضة:
"أفطر إيه، انت بتهزر، أنا بطني بتوجعني مستحيل."
قال بهدوء شبه جدي:
"معلش تعالي على نفسك."
قالت بضيق خفيف:
"صدقني مش هقدر، مقولتش ليه قبل ما تجيبه؟"
رد بنبرة حاسمة شوية:
"تيا، انجزي عشان متأخريش نفسك أكتر."
قالت وهي بتحاول تشرح:
"هو أنا لو جعانة مثلًا مش هاكل؟ أنا قبل أي امتحان بطني بتوجعني ومستحيل آكل."
هنا هو أخد منها الكيس، فتحه وطلع سندوتش. قربه منها وهو بيقول:
"يلا."
تيا كانت هترفض بس هو قال بحدة:
"تيا؟!"
تيا مدت إيديها تاخده بس هو شد إيده لورا. هز راسه بنفي وقرب السندوتش من بوقها. تيا اتكسفت بس فتحت بقها وأخدت قطمة. بلعتها وقالت:
"ممكن تاكل انت كمان."
قال برفض:
"مش جعان، اتعشيت الفجر."
ردت بنبرة ناعمة:
"ماشي ده كان من كتير، عشان خاطري أفطر معايا."
سكت لحظة، بصلها نظرة طويلة وبعدين قال:
"حاضر."
أخدت منه السندوتش عشان يعرف ياكل، بعدها كمل الطريق. ولما وقف قدام الكلية قال:
"خلي بالك على نفسك، ابقي كلميني بعد ما تخلصي."
قالت قبل ما تنزل:
"حاضر، شكرًا على التوصيلة والفطار."
"يكش يطمر بس."
"هيا دي العفو بتاعتك؟"
قال وهو بيشاور على باب العربية:
"أخلصي يلا يا بت هتتأخري."
ردت:
"طيب باي."
وقبل ما تقفل الباب نده عليها:
"تيا؟!"
بصتله فقال بجدية:
"ملكِيش دعوة بملك."
سكتت لحظة وبعدين قالت:
"حاضر."
"ربنا معاكي."
***
المطبخ كان مليان حركة من بدري كالعادة، الكل شغال بسرعة احترافية. شيري كالعادة واقفة في زاويتها المفضلة، ماسكة طبق جديد وبتشتغل عليه لحد ما شمت ريحته اللي وصلت قبله. رفعت راسها فورًا ناحية الباب ولقته داخل. ابتسامتها خرجت تلقائي.
وهو أول ما دخل قال بصوت عالي:
"صباح الخير."
الكل رد عليه بحماس، وهو دخل وسطهم وبدأ يشتغل بنفس الهدوء اللي الكل شغال فيه.
بعد شوية، شيري قرّبت منه بخطوات محسوبة بابتسامة خفيفة جدًا وقالت مباشرة:
"ممكن أسأل سؤال؟"
بصلها وقال بود:
"طبعًا يا شيري اتفضلي."
شدت نفس وقالت بعفوية مقدرتش تخبيها:
"أنا امبارح كنت أول مرة أدوق الفراخ اللي انت بتعملها؟!"
ابتسم ابتسامة واثقة عارف قيمتها وسألها ببساطة:
"وعجبتك؟!"
قالت وهي بترفع راسها بجدية عجيبة:
"أوي، طعمها مراحش من بالي بصراحة، وبحاول أعرف سر الخلطة بس مش عارفه أبدا أوصلها."
آسر ضحك بخفة وقال:
"سر بقا، كتير أوي بيطلبوها وكتير حاولوا يعرفوا سر الخلطة، بس هيا سر."
ردت وهي عاملة نفسها زعلانة:
"بس تحفة، وبجد حاولت وفشلت."
قال هو وهو بيركز في اللي بيعمله:
"أكيد مش هتسأليني عن سر الخلطة."
قالت بمنتهى البلاهة:
"لأ هسأل."
رفع حاجبه وقال:
"انتي عارفة هيا اسمها إيه؟!"
شيري قالت باستعجال:
"هيا إيه؟!"
آسر بصلها وقال:
"اللي بتسأليني عنها؟!"
شيري ضحكت وقالت:
"سر خلطة الفراخ؟!"
آسر هز راسه وقال:
"أديكي قولتي اهو سر، يعني لو قولته مش هيبقى سر."
"بس أنا هتجنن بجد عشان أعرفها."
آسر قال بنبرة نص هزار ونص جد:
"هو أنا سألتك عن وصفة انتي عاملاها؟!"
هزّت راسها بنفي فقال:
"يبقى مش عايزك تسأليني."
سكتت لحظة وهيا بترمقه بضيق وبعدين قالت فجأة:
"دوقت ورق العنب بتاعي؟!"
آسر رد بصدق:
"لسه منولتش الشرف والله."
قالت بثقة كبيرة:
"طيب يبقى هدوقك منه، وأراهنك لو مجريتش ورايا عشان تعرف أنا بعمله إزاي."
ابتسم وقال:
"قبلت التحدي."
***
كانوا قاعدين بالليل على كورنيش النيل، الهوا رايق، والجو بارد برودة خفيفة. فارس كان قاعد جنب لارا على سور الكورنيش وهيا كانت ساكتة لحظة، بتبص للنهر بزهول وبعدين قالت بنبرة صادقة جدًا:
"كان نفسي أشوف نهر النيل من قريب."
فارس بصلها وابتسامة خفيفة ظهرت على شفايفه وهو بيقول:
"أجبلك حلبسة؟!"
لارا رمشت بعينيها ومفهمتش اللي قاله:
"إيه، انت إيه اللي قولته ده؟!"
فارس قال بمنتهى السهولة:
"حلبسة."
لارا ضيقت عينيها، حاولت تنطق الكلمة بس نطقها كان كارثي. فارس ضحك وهيا قالت بخجل:
"هيا إيه دي بقا؟!"
فارس شرحها ببساطة، وهي كانت بتسمع وصفها فقالت بعد ما خلص كلامه:
"أوكي، ممكن أجرب."
هو قام علطول، جاب اتنين ورجع بخطوات سريعة. ناولها كوبايتها وهو بيقول:
"اتفضلي."
قالت بابتسامة مجاملة:
"ميرسي."
داقتها وبعدين قالت رأيها اللي كان محايد، لا انبهرت ولا استنكرت. وبعدين أخدت نفس عميق وهي بتبص للنيل وقالت:
"مصر جميلة أوي."
فارس قال بثقة:
"عارف."
لارا رفعت حاجبها:
"دي نرجسية."
فارس هز كتفه:
"انتي قولتي معلومة وأنا عارفها، العالم كله عارف إن سحر مصر لا يقاوم."
بصتله بتركيز كأنها بتفكر بصوت عالي:
"انت بتثق في نفسك أوي وفي كلامك، صعب تدخل الإسلام صح؟!"
فارس ضحك ضحكة قصيرة وقال:
"احنا اتفقنا اتفاق، يا إما تقنعيني يا هقنعك."
لارا اتعدلت في قعدتها، رجّعت شعرها ورا وسألت:
"انت ليه مسيحي؟!"
قال بهدوء:
"يمكن لأني اتولدت لقيت نفسي مسيحي، عيلتي كلها مسيحية."
لارا قالت باستنكار:
"طب ما أنا كنت ملحدة وعيلتي ملحدة وما زالت، وانت سبب اللي أنا فيه."
فارس بص للنيل وقال:
"ربنا هو اللي بيسبب الأسباب."
لارا سألته بعفوية:
"مش فاهمه؟!"
رد عليها بنبرة عميقة:
"يعني يمكن ربنا بعتني ليكي عشان أدلك على الطريق الصح."
لارا ضحكت بخفوت وقالت:
"ويمكن حطني في طريقك عشان أدلك على الصح."
فارس رد بثبات:
"بس أنا صح."
لارا قالت بحماس وهيا بتجادل:
"لأ انت غلط."
فارس ضيق عينه وسأل:
"وانتي ليه واثقة؟!"
قالت بكل ثقة:
"اقرأ القرآن يا فارس وجرب زيي، مش مصدقة إنك رشحت ليا كتاب معظم انت نفسك مقرأتوش ومفهمتش عظمته."
رد ببساطة:
"بس قرأت الأناجيل."
لارا هزت راسها:
"هو إنجيل واحد، واتحرف بعد كده؟!"
فارس قال بتحدي:
"يا سلام، وإيه اللي يضمن بقا إنهم اتحرفوا."
لارا ردت بثقة أكبر:
"ربنا قال في القرآن الكريم كده."
فارس رفع كتفه بلامبالاة:
"وأنا إيه يخليني أثق في كلام القرآن."
لارا قالت بسرعة:
"وإيه يخليك تثق في الإنجيل بعد التحريف."
فارس قال باستمتاع:
"لأنه مش متحرف."
لارا قالت وهيا بتفتكر:
"متحرف، في آية قرأتها بتقول، يحرفون الكلام عن مواضعه."
فارس قال:
"بس مقالش مباشرة إنه الإنجيل."
لارا سندت بإيديها على السور وقالت:
"بس واضح في سورة الإخلاص، فكرتك أصلًا عن ربنا موجودة في القرآن، يبقى إزاي."
فارس قال بهدوء:
"قولتلك انتي فهمتي كده بس أنا مقصدتش كده."
لارا قالت بتحدي:
"طب اقرأ القرآن يا فارس وجرب تفهمه، والله هتنبهر."
فارس ضحك:
"أنا منبهر أصلًا إنك بتحلفي بالله."
لارا نزلت عينيها وقالت:
"معاك انت بس، مقدرش أحلف قدام أهلي، اللي أنا أصلًا مش عارفة أعمل إيه معاهم، إزاي هقولهم حاجة زي دي."
فارس قال:
"سيبيها بظروفها."
لارا قالت وهي بتبص للنيل بخوف:
"كلها أسبوع وأرجع تاني، أنا جايه أفصل شوية بس، ربنا يستر."
فارس سألها:
"انتوا كام؟!"
لارا ابتسمت وقالت:
"احنا بنتين، أنا أكبر واحدة، وبابا وماما وجدو."
فارس ضحك وهو بيقول:
"خايف من جدو."
لارا ردت:
"جدو طيب، بابا المشكلة، صارم شوية."
فارس اتنهد وقال:
"ربنا يهديه."
لارا قالت بابتسامة صغيرة:
"ويهديك."
فارس قال وهو بيرمقها بنظرة خفيفة:
"يارب يا ستي مش هقولك لاء يعني."
***
في نهاية يوم جديد، المطبخ بدأ يهدى بعد ما الكل مشي. شيري كانت لسه موجودة، أظهرت قدام مروة إنها مشغولة وطلبت منها تمشي. ومروة مشيت بعد ساعة رغي وأسئلة كالعادة. بعد ما مروة مشيت شيري وقفت قدام الرخامة وهيا مركزة، بتحط اللمسات الأخيرة على طبق ورق العنب اللي مجهزاه.
الباب اتفتح ودخل آسر وهو بينفض إيده. أول ما شافها رفع حاجبه وقال باستغراب خفيف:
"انتي لسه هنا؟!"
لفتله شيري بسرعة وقالت بابتسامة صغيرة:
"نسيت ورق العنب؟!"
آسر قال وهو بيقرب:
"لأ منستش طبعًا."
شيري شاورت للطبق اللي كانت مجهزاه:
"طب اتفضل، دوق واحكم بنفسك."
حطت الطبق على الترابيزة بكل ثقة هادية وروقان. آسر مدّ إيده واخد صابع وكله وهو متوقع إنه هيبقى عادي. نفس طعم أي ورق عنب داقه قبل كده أو أحلى شوية. لكن أول ما بلعه وقف لحظة، وبعدين من غير كلمة مدّ إيده بسرعة وأخد واحد كمان. بصلها وهو بيمضغ، وبعدين أخد واحد تالت كأنه مش قادر يتحكم في نفسه وبصوت مصدوم قال:
"مش معقول بجد، ده إيه ده؟!"
شيري شبكت إيديها ورا ضهرها وقالت بفخر:
"ده ورق عنب بتاعي."
آسر هز راسه وهو بيبلع:
"ده من الجنة أكيد، ده طعم ورق عنب الجنة."
ابتسامة ظهرت على وشها غصب عنها وقالت:
"أنا عارفة إنه حلو بس انت بالغت شوية."
أسر زودها أكتر:
"بالغت إيه يا شيخة ده أنا مدتهوش حقه لسه، ده أحلى من سر وصفة الفراخ كلها."
شيري حسّت بحرارة خفيفة في خدها وقالت:
"انت حرّجتني بصراحة."
آسر كان فعليًا مبهور. بصلها بنظرة كلها إعجاب وقال:
"انتي تحفة والله، انتي إزاي يا بنتي."
ضحكت وقالت:
"هو أكلتي المفضلة."
قال بسرعة وهو بيصحح:
"هو أكلك أصلًا."
أكل منه تاني وهو بيقول:
"أنا بابا مستنيني على العشا بس أنا مش هعرف آكل أي حاجة تانية غير ده، مستحيل أقدر آكل أي حاجة بعده."
شيري ردت بكرم:
"طيب أنا جايبة حلة كاملة، بالهنا والشفا ليك انت وعمو."
آسر ضحك:
"بابا بيحب الأكل فعلًا ولو داق ورق العنب ده مش هيسيبك غير لما تقوله عملته إزاي، إيه رأيك لو تيجي معانا ونتعشى إحنا التلاتة مع بعض؟"
شيري اتفاجئت، قلبها دق بسرعة بس قالت بحرج:
"كان نفسي بس لازم أروح، مرة تانية إن شاء الله."
آسر رفع إيده كأنه بيرفض:
"لأ لأ مش هقبل اعتذارات، كلمي أهلك دلوقتي وعرفيهم إنك هتتأخري شوية."
قالت بهدوء:
"بلاش النهارده عشـ..."
قاطعها بسرعة:
"متحاوليش، هيا كبرت في دماغي خلاص، يلا رني."
كانت هترد، بس هو قال برجاء:
"يلا يا شيري."
***
كانت العربية ماشية بهدوء في طريق رايق. شيري قاعدة جنب آسر بعد ما كلمت أهلها وقالتلهم إنها هتتأخر. حطت فونها في شنطتها واخدت نفس قصير كأنها بتحاول تهدى.
آسر بصلها وبابتسامة خفيفة مرسومة على وشه من غير ما يقصد قال بصوت دافي:
"انتي ممكن تعملي أصلًا سر لوصفة من نفسك وأنا هضيفها في المنيو، وأنا واثق إنها هتكون تحفة يا شيري، انتي إزاي دافنة نفسك كده."
شيري بصت قدامها، حركت صوابعها في بعض بتوتر بسيط وقالت:
"هو أنا مش في دماغي بصراحة، يعني... مش عندي أحلام، اتعودت أحلم على قدي."
رفع حاجبه باستنكار لطيف:
"غلط كده، إيه التشاؤم ده؟ كل حد عنده أحلام أكيد."
بصتله ثانية واحدة وبعدين سألته:
"طب وانت... إيه أحلامك؟"
آسر اتنهد وقال بجدية ممزوجة بفخر بسيط:
"بصي، أنا متعود أحلم وأحقق، وكان حلمي أفتح مطعم وأكون أنا صاحبه... والحمد لله حققته، ونفسي برضه أفتح فروع من مطعمي، وبجهز لفرع دلوقتي."
شيري ضيقت عينيها شوية وابتسمت بخجل:
"إني أفتح مطعم دي صعبة شوية... أو كتير، لأني أصلًا مش مهتمة بحاجة زي دي، ومش عندي أحلام أقدر أنفذها بنفسي."
سألها آسر بسرعة:
"أومال مين هينفذها؟"
بصت قدامها تاني وقالت بنبرة فيها استسلام:
"هيا مش أحلامي يعني... بس ماما بتتحايل عليا أقابل العرسان اللي بيتقدموا مثلًا."
سألها مباشرة:
"وانتي بترضي ليه؟ في حد في حياتك مستنياه؟"
سكتت... ثانية.. اتنين... تلاتة.... كأن الكلمة كانت تقيلة على لسانها، وبعدين قالت أخيرًا:
"لأ... بس مش عايزة أتجوز دلوقتي."
آسر حرك الدركسيون بخفة وقال:
"انتي عندك كام سنة؟!"
ردت علطول:
"25."
ضحك وقال:
"لسه صغيرة."
شيري سألته:
"ليه انت عندك كام سنة؟!"
قال ببساطة:
"31."
قالت بصوت واطي:
"لسه كبير."
آسر ضحك بصوته كله وقال:
"آه ما أنا بابا برضه بيتحايل عليا أتزوج عشان نفسه يشوف أحفادي."
سألته فجأة:
"وانت مش بتتجوز ليه؟!"
بصّ عليها بنظرة ثابتة وواضحة وقال:
"لسه ملقتهاش."
شيري اتوترت شوية وقالت:
"هيا مين؟"
آسر رجع يبص للطريق:
"اللي هتاخد قلبي يا شيري... مفيش واحدة خدته."
شيري سألت بخفوت:
"ليك مواصفات معينة يعني؟!"
آسر قال وهو بيعدل قعدته:
"هيا مش حكاية مواصفات، بس اللي أول ما أشوفها قلبي يدق ليها، وأتأكد إنها اتشديت ليا فعلًا يبقى هيا دي اللي هروح أخبط على باب بيتها."
الجملة دوت في قلب شيري، بصتله بس سكتت، مكانش في رد تقوله أصلًا.
رواية اذا أراد النصيب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم بتول عبد الرحمن
بعد ثواني، قال آسر وهو يبطئ السيارة:
"وصلنا."
رفعت عينيها لتجد عمارة أمامها، شيك بطريقة راقية وواضحة، نور مدخلها ينير المكان كله.
قال آسر بعد أن نزلا من السيارة:
"إيه رأيك في بيتنا؟"
نظرت شيري إليه بحرج وقالت:
"حلو من بره."
ضحك وقال:
"ومن جوه أحلى، اتفضلي."
مشيت بجانبه، خطواتها كانت هادئة لكن قلبها كان يدق أسرع من الطبيعي. البواب أول ما رأى آسر، وقف فورًا باحترام. آسر سلم عليه بحب وبساطة.
البواب سبقهم وفتح الأسانسير باهتمام:
"اتفضل يا أستاذ آسر."
شكر آسر ودخل بعد شيري. أول ما باب الأسانسير أغلق، شعرت شيري بأن الهواء اختفى. المكان ليس ضيقًا فعلًا، لكن قربه هو الذي ضيق الدنيا عليها. هو واقف بجانبها دون أن يلمسها، لكن المسافة بينهما كانت قريبة كفاية لتسمع أنفاسه بوضوح. رائحة عطره كانت أول شيء تسرب لحواسها، رائحة هادئة، رجولية. بلعت ريقها دون أن تنظر إليه، عينها على الرقم الذي ينير، كأنها تنتظر الدقيقة التي يصلون فيها لتخرج من الحالة الغريبة هذه.
الأسانسير كان يصعد بسرعة بطيئة مستفزة، أو هي التي كانت تشعر بذلك. الهدوء بينهما كان ثقيلًا. وعندما فتح الباب أخيرًا، الصوت المعدني الخفيف أحسسها بأنها استيقظت من حلم عجيب. خرجت بسرعة، ربما أسرع من اللازم. هو خرج خلفها ووقف أمام باب الشقة. وضع المفتاح بهدوء في الباب. أول ما دخل، وقف ثانيتين وشتم رائحة أكل قادمة من المطبخ. نور المطبخ كان مضاءً، فشغل هو أنوار الصالة ونظر لشيري بسرعة وقال بنبرة فيها ابتسامة خفيفة:
"بابا بيبدع في المطبخ."
ضحكت شيري تلقائيًا، ضحكة خفيفة لكنها طالعة من قلبها. وهو أشار لها بالدخول وقال:
"تعالي ادخلي، وأنا هقول لبابا إنك هنا."
هزت رأسها بتوتر بسيط. نظر إليها وقال:
"كلمته عنك."
تفاجأت، رفعت حاجبها وهي ترد بدهشة:
"كلمته عني أنا؟!"
قال آسر بتأكيد:
"طبعًا، ثواني."
تركها في الريسبشن ودخل المطبخ. شيري فضلت واقفة، تنظر حولها على الشقة التي يتضح عليها الطابع الهادئ واللمسات الشخصية. كانت جميلة جدًا وأثاثها تحفة. وبعد ثوانٍ بسيطة، خرج آسر مع والده الذي قال بابتسامة واسعة وهو يمسح يده في المريلة:
"وأنا أقول البيت نور ليه؟!"
ابتسمت شيري بخجل وقالت بأدب واضح:
"ربنا يخليك يا عمو، شكرًا لذوق حضرتك."
قرب منها بابتسامة أبوية، وسلم عليها باحترام.
قال آسر:
"دي شيري يا بابا، كلمتك عنها قبل كده."
هز محب رأسه بثقة وقال:
"آه طبعًا فاكرها، ده آسر معجب بيكي كشيف جدًا."
الخجل كان واضحًا على وجهها وهي ترد:
"أنا مش عارفة أقول إيه والله بس شكرًا جدًا."
قال محب بجدية لطيفة:
"اتشرفت بيكي يا شيري."
ردت بابتسامة:
"وأنا كمان اتشرفت بحضرتك."
قال بسرعة:
"ثواني والسفرة تكون جاهزة."
كانت سترد، لكن آسر سبقها وقال بابتسامة فيها فخر:
"شيري عاملة ورق عنب وقالت لازم تدوقك منه."
رد محب بحماس:
"يا سلام، ده إحنا لازم ندوق."
قال آسر بفخر وهو ينظر إليها:
"هتبهرك."
بعد كم دقيقة، كانوا جالسين كلهم على السفرة. شيري جالسة مستقيمة قليلًا زيادة، واضح عليها الإحراج وكانت تشعر بأنها غير مرتاحة. محب ذاق أول إصبع من ورق العنب. الاثنان نظرا إليه بترقب. لحظة صمت قصيرة مرت، لكن بالنسبة لشيري كانت عمر. عيناها متعلقة عليه، ويداها تحت السفرة تمسك طرف ملابسها دون أن تشعر.
فجأة، رفع محب حاجبه، ونظر لشيري بحدة لطيفة كأنه سيقول حكمًا نهائيًا، ثم ابتسم ابتسامة كاملة من القلب وقال:
"الله! ده إيه الطعامة دي!"
تلخبطت شيري للحظة وقالت بتوتر واضح:
"بالهنا، بالهنا والشفا."
قال محب وهو يأخذ إصبعًا آخر:
"إنتي غلبتي ابني آسر، ده أكل محترفين."
آسر كان جالسًا أمامها، ابتسامة خفيفة مرسومة على شفتيه. كان متأكدًا من النتيجة هذه، وواضح عليه الرضا. نظر إلى محب وقال:
"مش قولتلك هتدوق أحلى ورق عنب دوقته في حياتك؟"
هز محب رأسه وهو يكمل أكل:
"بس لا مؤاخذة يا شيري يا بنتي، أم آسر كان عليها ورق عنب مدوقتش زيه. مهما شفت ودوقت هيفضل أكلها في قلبي."
قالت شيري بتقدير:
"طبعًا يا عمو، أنا متأكدة إنها أشطر مني بكتير."
قال محب:
"بس إنتي شيف شاطرة جدًا، المفروض يكون ليكي مطعم لوحدك والله ومنيو باسمك كمان."
قطع آسر كلام والده:
"ما أنا بقولها كده كل يوم ومش راضية تقتنع."
نظرت إليه شيري بنظرة فيها استنكار خفيف:
"هو إنت كل يوم بتقول كده؟"
قال آسر بابتسامة صريحة:
"كل يوم في دماغي على الأقل."
ضحك محب وقال في نفسه بصوت عالٍ:
"أهااا... تمام."
بدأوا أكل حتى بدأت ملامح محب تهدأ. أراح ظهره على الكرسي وقال:
"عندك حد في البيت بيعلمك أكل ولا إيه؟"
قالت شيري:
"لأ، ماما بتعرف تطبخ طبعًا بس أنا اللي اتعلمت بنفسي."
قال محب وهو ينظر إلى آسر بنظرة أبوية خبيثة:
"الشاطرة شاطرة."
هز آسر رأسه كأنه يقول، أعرف. ونظر إليها بنظرة سريعة طويلة زيادة عن الطبيعي، نظرة ما بين إعجاب وفخر وحاجة أخرى هي نفسها لم تستطع فهمها.
بعد أن انتهوا من الأكل، حاولت شيري المساعدة لكن محب رفض رفضًا قاطعًا. هي كانت متأخرة أصلًا، ولما رفض محب مساعدتها، طلبت المغادرة فورًا. فقال محب بهدوء:
"أنا داخل أرتب المطبخ، وإنت يا آسر وصل شيري."
رمى آسر نظرة سريعة لشيري وقال بنبرة بسيطة ولكن فيها اهتمام واضح:
"يلا بينا."
رفضت شيري باحترام:
"ما فيش داعي، أنا ه..."
قال آسر:
"بالله عليكي اسكتي متكمليش، إنتي عارفة إن محدش فينا أصلًا هيوافق على اللي هتقوليه."
نظرت إليه شيري وقالت:
"إنت عارف أصلًا أنا كنت هقول إيه؟!"
قال آسر بتحدي:
"كنتي هتقولي مفيش داعي توصلني وأنا هنزل أشوف أي أوبر وخلاص وكلام ملهوش لازمة، صح؟!"
نزلت شيري رأسها بإحراج. وقال:
"يلا عشان متتأخريش أكتر وتقولي إن أنا اللي آخرتك."
شكرت شيري محب بلباقة، وهو قال بود:
"نورتي بيتنا يا شيري ودي مش آخر مرة، مش هحسبها دي."
شكرته شيري مرة أخرى وخرجت مع آسر للخارج. وصلا إلى الأسفل، وآسر فتح لها باب السيارة وقال:
"اتفضلي يا شيف شيري."
قالها بنبرة خفيفة، فابتسمت وهي تركب. وهو ركب وتحركت السيارة بهدوء.
مرت ثوانٍ دون كلام حتى قطع الصمت:
"بابا اتبسط جدًا بوجودك."
قالت وهي تنظر من الشباك بخجل:
"وأنا انبسطت باليوم، شكرًا إنك عرفتني على باباك، إنتوا عيلة لطيفة."
نظر آسر أمامه:
"اللطافة كانت منك."
سكتوا حتى وصل قريبًا من بيتها كما قالت. قبل أن تنزل، قال:
"تصبحي على خير يا شيري، أشوفك بكرة إن شاء الله."
نزلت من السيارة وقالت بابتسامة:
"وإنت من أهل الخير."
أغلق الباب ومشيت، وهو نظر إليها حتى اختفت، وبعد ذلك مشى ولا تزال الابتسامة مرسومة على شفتيه.
خميس جديد...
تيا كانت واقفة أمام الباب تنتظر أحدًا ليفتح لها. وأول ما فتح الباب ووجدت زيزو أمامها، قالت بتلقائية:
"مش مصدقة، إنت هنا يوم الخميس بدري أوي كده؟!"
رفع حاجبه باستفزاز وقال:
"طب صدقي بقا."
دخلت وقالت بسرعة:
"إنت عارف إن فيه ماتش النهاردة؟"
رد وهو يغلق الباب:
"أكيد عارف، ما إنتي كلمتيني مخصوص امبارح تفكريني."
"آه صح… نسيت."
نظر إليها وقال باهتمام:
"عملتي إيه في الامتحان؟"
قالت بملل:
"كان كويس إلى حد ما، يا رب أعدي يا رب."
ضحك وقال:
"إيه، معندكيش أوبشن امتياز؟"
نظرت إليه وقالت بسخرية:
"امتياز مين يا عم يارب مقبول! ده أنا أبقى بجحة."
هز رأسه:
"طول عمرك بجحة يا تيا... إشمعنى دي؟"
قالت بقرف:
"تعالى شوف كليتنا ودكاترتنا كده وانت تعرف إن اللي بيجيب مقبول عندنا بامتياز في أي كلية تانية."
رفع يده باستسلام:
"يلا هانت خلاص."
قالت بسرعة:
"هانت بجد؟ ده أنا لسه قدامي سنتين وترم!"
"هيعدوا هوا... اسمعي مني."
نظرت إليه وهي تنفخ وقالت:
"إنت مخلص تعليم بقالك كتير، مش فارق معاك أصلًا."
عمل نفسه مصدومًا وهو يقول:
"يااااه... هو أنا عجّزت أوي كده؟!"
ضحكت:
"يعني مش أوي، لسه 28 سنة."
صحح:
"29 خلاص... إنتي لسه هناك."
أكملت باستفزاز:
"إنت كبير أوي فعلًا... ده أنا 19 وحاسة إني كبيرة."
رمقها بقرف وقال ببرود:
"ما إنتي طفلة أصلًا."
قالت وهي تدخل ناحية المطبخ:
"وإنت عجوز."
وسابته واقفًا خلفها مبتسمًا غصب عنه وهو يتمتم:
"عيلة ياربي."
آخر النهار...
فارس وتيام وزيزو كانوا جالسين في البلكونة. وفي وسط الكلام، فجأة وقف فارس من دون أي مقدمات وقال بنبرة سريعة وواثقة:
"هنزل أجيب حاجة وشوية وجاي."
رفع زيزو حاجبه باستغراب وهو يسأل:
"رايح فين يعني؟"
رد فارس وهو يعدل التيشيرت:
"لما أبقى هاجي هتبقى تعرف."
تدخل تيام:
"ماشي بس متتأخرش، الغدا على وشك."
تنهد فارس بخفة وقال:
"نص ساعة مش هتأخر."
انسحب فارس، وبمجرد أن مشى، قال زيزو:
"مش مرتاحه له."
نظر إليه تيام وسأل:
"إنت عارف هو رايح فين؟"
هز زيزو كتفيه وقال:
"هو حد فاهمه حاجة؟"
بعد شوية، جهزت السفرة وحنان نادت للكل. وقف زيزو وقال بصوت عالٍ:
"استنوا فارس طب!"
وقفت حنان مكانها وسألت بقلق:
"ليه هو راح فين؟"
رد زيزو:
"مش عارف، بيقول نزل يجيب حاجة وجاي."
تدخل تيام:
"مش هيتأخر، عشر دقايق ولا حاجة وهيكون هنا."
بعد حوالي ربع ساعة، كان الباب يخبط وفتحت تيا بملل، فوجدت فارس واقفًا أمامها.
نظرت إليه وسألت:
"إنت كنت فين؟"
قبل أن تكمل جملتها، ذهب بصرها للشخص الواقف خلفه. بنت واقفة متوترة قليلًا. شهقت تيا بخفوت وسألت باستغراب:
"إيه ده؟ مين دي؟"
زفر فارس بضيق بسيط وقال:
"بطلي أسئلة ووسّعي كده."
دخل من جنبها، ولارا دخلت وراءه بخطوات مترددة. الكل نظر إليها. العيون تحولت عليهم في نفس اللحظة. نظرات استغراب، دهشة، وكمية تساؤلات ليس لها إجابة. لارا كانت واقفة خلفه وكان واضحًا عليها الإحراج وكأنها في مكان غير مرغوب فيه أصلًا. الكل كان ينتظر فارس ليتكلم، الذي أخيرًا قال بصوت ثابت وواثق:
"قبل ما حد يسأل، دي زميلة غالية شوية عليّا وجبتها علشان عايز أعرفها عليكوا."
أخذ نفس وقال:
"دي لارا."
رفعت حنان حاجبيها وقالت بعدم فهم:
"دي مين يا فارس؟"
رد:
"ما أنا قولت يا ماما دي لارا، زميلتي."
ضحك زيزو ضحكة فيها سخرية وقال:
"نزل لوحده ورجع بمُزّه."
نظر إليه فارس بنظرة حادة ورجع ينظر لوالدته وقال:
"فيه مشكلة ولا إيه؟"
كانوا جميعًا ينظرون إلى حنان التي قالت بود:
"لأ يبني مفيش مشاكل."
وبصت إلى لارا بترحاب مصطنع قليلًا:
"اتفضلي يا حبيبتي."
مال فارس على لارا وقال بهدوء:
"دي ماما، وأنا عارف إنك مخضوضة من العدد، بس دي عيلتي."
سمعته حنان فقالت بضيق:
"إنت بتبرطم بتقول إيه يا واد؟"
ضحك فارس وقال ببساطة:
"لارا إسبانية فأكيد مش هتفهم عربي يعني."
قال زيزو باستفزاز:
"وكمان أجنبية؟! ده إنت بتقع واقف يا كبير."
رمقه فارس بضيق وقال بحدة:
"احترم نفسك بقا."
قال زيزو بمزاح:
"طب ما تشوفلي صاحبتها."
تنرفز فارس وقال:
"ما تخرص بقى!"
وبعدين عرف لارا عليه:
"ده زيزو... صاحبي."
قال زيزو بسماجة:
"هيز فريند أوي على فكرة."
لارا كانت تائهة وسط اللمة، وفارس استمر في تعريفها على واحد واحد حتى تلخبطت من كثرة الأسماء. وبعد الجولة الطويلة هذه، قالت حنان بحدة:
"يلا.. الأكل برد."
ذهب كل واحد إلى مكانه على السفرة، وقعدت لارا بجانب فارس. نظر إليها وقال بهدوء:
"مفيش داعي لكل التوتر ده على فكرة."
همست وهي تنظر حولها:
"حاسة إني متطفلة."
ابتسم وقال:
"مجرد إحساس... اندمجي معانا وهتنسي كل حاجة."
مالت تيا للأمام وقالت:
"عايزين نفهم على فكرة."
رد فارس وهو يشير إليها:
"وهنا بقى ييجي دور الكورس اللي سيادتك بتاخديه."
قالت تيا بعدم اهتمام:
"لسه مخلصتوش أصلًا!"
قال زيزو بسخرية:
"ولا هتخلصيه."
ردت بقرف:
"هييييي!"
تدخل تيام وهو يضحك:
"في دي عنده حق، إنتي مؤجلّاه بقالك سنة أهو."
قالت تيا وهي مقلوبة الوجه:
"عندي امتحانات!"
قال تيام ببرود:
"بقالك سنة بتمتحني ولا إيه؟"
دافعت شيري عنها بتصنع:
"بتتعب أوي في الامتحانات يا حرام، طول السنة مذاكرة."
قالت تيا بغيظ:
"مسكتوا فيا ولا إيه؟!"
قال فارس بشماتة:
"ما إنتي اللي فتحتي الموضوع."
حينها، قامت تيا من مكانها وهي تدفع الكرسي بعصبية:
"ده إنتوا تسدوا النفس!"
ناداها زيزو:
"رايحة فين؟"
ردت من دون أن تنظر:
"في داهية."
هز تيام رأسه وقال:
"هتروح تفتح على الماتش، مش محتاجة سؤال."
تمتم زيزو:
"ربنا يستر..."
بعد الغداء، الجو في البلكونة كان هادئًا. لارا كانت جالسة أمام فارس، عيناها فيها قلق غير مفهوم كأنها تحارب أفكارًا داخل رأسها.
كان فارس ينظر إليها بثبات، لكن قبل أن يفتح فمه، سمع صوت حركة خلفه. لف ليجد تيا واقفة، ووراها شيري وسلمى. قام وقرب منهم ورفع حاجبيه وقال بضيق واضح:
"وبعدين بقا؟"
ردت تيا وهي رافعة رأسها قليلًا:
"إيه! بنشوف لو محتاجين حاجة."
هز فارس رأسه وقال:
"تيا... إنتي عبيطة؟! بتتسنطوا على إيه؟ بجد والله إنتوا هتفهموا أصلًا؟"
تدخلت سلمى وهي تقول ببراءة مزيفة:
"نتسنط مين بس؟ قالتلك بنشوف لو محتاجين حاجة."
أكملت شيري:
"وأديك قلت أهو مش هنفهم."
قال فارس بثبات:
"هو مش فيه ماتش؟"
قالت تيا:
"لسه فاضل شوية ويبدأ."
نفخ فارس وقال:
"طب يلا يختي إنتي وهما، لو عاوزت حاجة أنا عارف هتصرف إزاي."
مشوا بكسل واضح، وفارس رجع ليجلس مكانه. نظر إليها وسأل بنبرة هادية:
"مالك؟"
بلعت لارا ريقها وقالت بخفوت:
"مفيش بس عايزة أسأل سؤال."
مال فارس بجسمه للأمام وقال باهتمام:
"اسألي طبعًا."
قالت فجأة:
"إنت مسلم؟ صح؟"
رد بدون تردد:
"آه، مسلم."
يتبع
رواية اذا أراد النصيب الفصل السادس عشر 16 - بقلم بتول عبد الرحمن
"إنت مسلم؟ صح؟"
"آه، مسلم."
نظرتها اتغيّرت، نظرة حزينة ومكسورة شوية.
"وليه كدبت عليّا؟"
كان عارف ان السؤال ده هييجي، بس برضو أخد نفس طويل قبل ما يجاوب.
"علشان مش عايزك تكوني مسلمة علشاني، كنت عايزك تختاري بعقلك مش بقلبك، كنت محتاج أعرف هل إنتي مقتنعة من جواكي فعلا ولا لاء."
لارا هزت راسها، صوتها بدأ يترعش.
"بس مكانش في داعي تكدب، أنا كنت متضايقة، أنا مبحبش حد يستغفلني، كنت تايهة، وكنت شاكة من نبرة كلامك وأنا مكنتش ناقصة تشتيت يا فارس، انت... انت لخبطني أكتر."
فارس بصلها بصة فيها ندم حقيقي.
"عارف إني غلطت... بس صدقيني، أنا كده كنت مرتاح أكتر."
قالت بحدة مخنوقة.
"والإسلام قال عادي تكدب؟"
فارس حاول يهدّيها.
"لو غرضي خير يبقى عادي، وانا جبتك النهارده علشان أعرفك اهو."
هزت راسها بقهر.
"ياااه... كتير خيرك، بس انت مش فاهم انت عملت فيا إيه، كنت متلخبطة... وفوق ده كله خليتني أشيل همك، كل الأسئلة اللي كنت بتسألها الأيام اللي فاتت كانت بتعجزني، كانت بتشتتني، طب لو كنت اخترت ديانتك علشانك وقدرت تقنعي ابقى مسيحية في الآخر"
فارس مد إيده وهو بيحاول يهديها من نبرة صوتها العالية.
"طب اهدي... اهدي، أنا آسف والله، والله ما قصدت."
وقفت، كلامها جه بغضب ووجع.
"تمام، وبما إنك مسلم أصلًا ومش محتاجني، وأنا بقيت مسلمة بسببك يبقى خلاص، كل واحد يروح لحاله، وشكرًا إنك كنت سبب... بس هنا دورك انتهى."
فارس وقف بسرعة، ملامحه اتقلبت خوف.
"استني يا لارا، والله والله ما قصدت كل اللي قولتيه، أنا بس... كنت بتمنى ربنا يهديكي، ولما حصل كنت عايز أتأكد إنك مقتنعة وإن مفيش حد يقدر يأثر عليكي تاني."
نزلت عينيها بوجع وقالت.
"خلاص يا فارس... شكرا على كل حاجة."
مد إيده ومسك دراعها قبل ما تمشي.
"متمشيش وانتي زعلانة مني، انا لو سبتك تمشي كده عمري ما هعرف أوصلك تاني، وأنا مش هسيبك يا لارا... أنا معاكي للآخر."
لارا سحبت دراعها بخفة.
"كفاية لحد هنا، أنا مش محتاجة مساعدة."
مشيت من قدامه بسرعة، حاولت تفتح الباب اللي كان صعب عليها فتحه، اول ما قدرت تفتحه نزلت وفارس نزل وراها من غير تفكير، قال وهو بيجري وراها.
"قولتلك مش هتمشي وانتي زعلانة مني."
لفت وسألت بمرارة.
"مهتم ليه أصلًا؟"
فارس قرب خطوة.
"طبعًا مهتم... انتي فاكرة إني جماد؟"
قالت وهي بتشد نفسها لورا.
"آه... جماد... معندكش إحساس، ومش مسامحاك سامع؟ مش مسامحاك!"
فارس قال بصوت عالي شوية من التوتر.
"طب أعملك إيه؟! أنا قولتلك غلطت، بس دي كانت طريقتي اعمل ايه يعني؟!"
قالت.
"لاء دي كانت خدعة، وأنا مش عايزة أعرف حد مخادع."
فارس وقفها بجملة واحدة.
"عارفة ليه عملت كده؟!"
قالت بسخرية.
"عشان تشتتني...عشان تعجزني...عشان تستمتع بجهلي..."
هز راسه برفض.
"لاء علشان كنت عايزك ترجعي، كنت عايزك تفضلي اكتر، كنت عايزك تيجي تاني هنا، علشان افتح معاكي مواضيع اكتر، ده سبب من ضمن الأسباب"
وقفت قدامه مباشرة وسألت.
"بس ليه؟ هتستفاد إيه؟"
قرب منها، قال بنبرة صريحة جدا.
"علشان... بحبك."
صدمة...رهبة...زهول...اتسمرت مكانها، عينيها وسعت بدهشة مقدرتش تخبيها، صوتها خرج مبحوح وهيا بتقول.
"قولت ايه؟!"
فارس وقف قدامها ثابت، قلبه بيخبط في صدره وهو يعيد كلامه من غير تردد.
"زي ما سمعتي، ومش عارف امتى وليه وازاي، بس وجودك جنبي كان مريحني، كنت عايز اشوفك، انتي من ساعة ما رجعتي بلدك مكلمتنيش غير مرتين وسيبتيني محتار ومش فاهم نفسي."
لارا اتنقلت من الصدمة لعدم التصديق، ملامحها اتبدلت من توتر لاستغراب بريء وهي بتهمس.
"انت بتتكلم بجد؟"
فارس قرب خطوة، صوته مليان صدق ميتشكش فيه.
"كل كلمة."
ضربات قلب لارا عليت وقالت بنفس متقطع.
"يعني ايه؟ يعني مشاعرنا متبادلة؟!"
هز راسه بتأكيد.
"ايوه، ومش هسمحلك تمشي وتسيبيني، انا مستعد اسافر معاكي لأهلك وتعلني اسلامك قدامهم، واقولهم اني بحبك."
عينيها لمعت بدموع فرحة وصوتها خرج مبهوت.
"انا مش مصدقه اللي سمعته، فكرتك مش هتبصلي لاني مش من بلدك."
رد بثبات.
"ده عمره ما كان تفكيري، الحب بالذات مش بمزاج اي حد، انا حبيتك... حبيت لارا."
استسلمت للحظة وغمغمت.
"هو انا في حلم؟"
ابتسم فارس ابتسامة صغيرة فيها طمأنينة.
"لاء ده واقع، انتي دلوقتي معايا وانا مش هسيبك تاني بعد دلوقتي، فاهمة؟!"
الحيرة اللي كانت مالية ملامحها بدأت تتحول لهدوء وقالت.
"يعني، يعني هتفضل معايا علطول؟"
رد بسرعة.
"طول العمر."
ابتسامة لارا طلعت غصب عنها، ابتسامة خفيفة وهيا بتسأل.
"وهتسافر معايا؟!"
هز راسه بدون تفكير.
"طبعا، بس سيبيني كام يوم اشوف ظروفي."
لارا اترددت لحظة وبعدين قالت بخجل واضح في صوتها.
"اقولك سر؟"
قرب منها أكتر، عينيه بقت في عينها.
"قولي سر."
قالت بهمس.
"اول مره شوفتك مع السياح، انا كنت بصورك انت مش هما، لا كان المكان هاممني ولا السياح... انت وبس."
فارس رفع حاجبه وهو بيقول.
"وانا بقول الفلاش ضرب في عيني جامد ليه، ده عماني."
ضربته في صدره بخجل وهيا بتقول.
"متبوظش اللحظه."
رفع إيده باستسلام.
"حاضر، ايه رأيك لو تطلعي تحضري الماتش معانا وبعدها اوصلك؟"
هزت راسها برفض وقالت.
" الوقت اتأخر"
فارس قال.
"طب ما انا هوصلك، يلا كملي السهرة معانا"
هزت راسها بموافقة وعيونها أخيرًا لأول مرة من بداية اليوم بقت هادية، فارس همس.
"مسامحاني؟"
لارا قالت بابتسامة صغيرة.
"مزعلتش منك اصلا، انا من اول يوم شوفتك فيه حبيتك وعمري ما زعلت منك."
كانوا كلهم قاعدين بيتابعوا الماتش، الكل مركز لحد ما تيا لمحت شاشة موبايلها بتنور، نغمة خفيفة قطعت تركيزها، بصت لتيام بنظرة نصها استغراب ونصها ضيق وقالت وهيا بترفع الفون.
"دي كارمن."
تيام اتجمد لحظة، بصلها وكأنه اتخنق من الاسم بس وقال بنفاذ صبر مكبوت.
"طيب أعمل إيه؟!"
تيا رفعت حواجبها وهيا لسه ماسكة الفون وبتحاول تخلي صوتها ثابت.
"أكيد بترن عليا عشان تكلمك، انت قافل فونك؟!"
تيام لف وشه بعيد وقال وهو بيعدل قعدته.
"آه قافله، مش في دلوقتي ماتش شغال؟!"
تيا رمقته ببصة فيها خليط من سخريه وتوتر وقالت.
"انت أدري."
سلمى كانت عاملة نفسها مركزة في الماتش بس هيا كان سامعة كل كلمة، كانت ملاحظة التوتر اللي غلف تيام، ابتسامة صغيرة جدًا ظهرت على شفايفها محدش باله منها، رجّع عينه للماتش بعد ما بص لسلمي اللي كانت باينة انها مركزة جدا مع الماتش...
بعد ما الماتش خلص، كلهم كانوا قاعدين بترقب، الأهلي كسبان بس تيا كانت مستنية الماتش ينتهي خالص وأول ما صفارة النهاية ضربت، تيا مستنتش، لفت لزيزو وهيا بتغني بانتصار.
"اكيد مشاعرها مكسورة، ولو نسيتني معذورة، اكيد مشاعرها مكسورة، ولو نسيتني معذورة، انا اللي جرحت احساسها، قولولها اتطمني ارتاحي"
زيزو كالعادة وشه قلب أزرق، قال وهو بيجزّ على أسنانه بغيظ.
"تيا ريحي شويه بقا"
وهيا بالرغم من أنها عارفة أنه متضايق جدا إلا أنها زودت الجرعة وقالت.
"هيا أول مره"
تيام بص لزيزو وبص لتيا، اتدخل وقال لتيا لما شاف ملامح زيزو اللي قربت على الانفجار.
"طب ابعدي عنه دلوقتي عشان ميتعصبش عليكي وترجعي تعيطي"
تيا قالت باستفزاز اكتر.
"هو اصلا واخد على الخسارة عادي"
زيزو في اللحظة دي انفجر وقال.
"طب بطّلي سماجة بقا، مش فاهم بجد انتي عايزه ايه؟"
تيا رفعت حواجبها باستفزاز.
"المفروض تكون اخدت على كده، مش فاهمه ليه كل مره بتزعل"
صوته علي فجأة وهو بيقول بغضب صريح.
"اخرسي بقا، انا لا طايقك ولا طايق نفسي"
تيام قال بحدة.
"زيزو؟!"
زيزو بصلهم الاتنين وقال.
"ابعد اختك عني دلوقتي"
تيا وقفت كام ثانية، حست بخنقة وبعدين قالت بصوت عالي.
"ماشي همشي خالص"
وبسرعة خرجت من الأوضة، شيري خرجت وراها علشان تلحقها.
الجو بقا هادي ومحدش اتكلم خالص، تيام قال بضيق.
"براحه شويه، مش كل مره كده بقا"
زيزو وقف وهو متنرفز جدًا.
"انا همشي احسن"
فارس مال يمسك زمام الأمور وقال بصوت ثابت.
"اقعد يا زفت، في ايه انت وهو"
زيزو قال بضيق.
"انا كنت همشي من سكات اصلا وهيا اللي استفزتني، اسقفلها يعني ولا اعمل ايه؟!"
فارس حاول يهدي الوضع.
"لاء بس انت عارف إنها بتحب ترخم عليك دايمًا"
تيام قال وهو خارج من الاوضة.
"عيل متخلف اصلا"
زيزو ردّ وهو بيشاور عليه.
"اتفرج بقا، ناقصه هو كمان"
تيام قال بصوت عالي.
"خليك انت بقا، اشبع بخسارتك"
زيزو هز دماغه وقال بضيق.
"شايف؟ الاستفزاز وراثه في العيلة"
فارس رفع حواجبه وقال.
"طب اتلم انت كمان شويه بدل ما انت عامل زي التور الهايج كده"
زيزو قال.
"انا همشي اصلا، اليوم اتقفل"
فارس قال بلهجة آمر.
"لاء مفيش مشيّان، استنى، مش هتمشي غير لما تهدوا النفوس شويه"
وبعدها بص للارا وقال بهدوء.
"مشكلة صغيرة، هحلها وبعدها أوصّلك"
لارا هزت راسها بابتسامة خفيفة.
"مفيش مشكلة"
شيري شدّت تيا بسرعة اللي كانت حابسة دموعها بالعافية ومصممة تمشي، قالت وهي بتسحبها لجوا.
"استني."
تيا شدّت دراعها بعصبية.
"سيبيني."
شيري قربت منها خطوة وقالت بنبرة باردة بس ثابتة.
" لاء اهدي، متكبريش الموضوع، تعالي في أوضتي."
تيا رفعت راسها بعناد.
"لاء أنا طالعة."
شيري قفلت عليها الطريق.
"لاء مش دلوقتي، اهدي شوية."
سحبتها غصب عنها، وتيا بتحاول تمنع نفسها من إنها تنهار.
"ابقِي بطّلي استفزاز شوية."
شيري قالتها بنفاذ صبر فتيا عضّت شفايفها وقالت بمرارة.
"ليكي حق تدافعي عنه، ما هو حبيب القلب."
شيري غمضت عنيها لحظة وقالت.
"تيا أنا بقول الحق، انتي مستفزة."
تيا شهقت بدهشة وزعل.
"إنتي جايباني هنا علشان تقولي كده؟"
شيري قالت بهدوء ووضوح.
"لاء أنا بعرفِك سبب المشكلة بس."
تيا قالت بنفاذ صبر.
"هو اللي دايمًا بيتعصب لما فريقه يخسر."
شيري رفعت حاجبها.
"وإنتي؟ مبتتعصبيش لما فريقك يخسر؟"
تيا اتوترت وقالت.
"مش مبرر إنه يكلمني كده."
شيري شاورتلها بإيدها.
"ابقي شوفي نفسك وتعالي اتكلمي."
تيا قامت فجأة وقالت بحدة.
"إنتي وهو أصلًا اتنح من بعض... غوروا في داهية."
خرجت بسرعة وقفلت الباب وراها بقوة، لقت سلمى في وشدها فقالت بعصبية.
"هتغلطيني انتي كمان؟!"
سلمى رفعت ايديها باستسلام.
"مش أول مرة يعني... وأنا مش هدخل نفسي أصلاً."
تيا مردّتش، كملت مشي وهيا بتتنفّس بسرعة، بس فجأة لقت اللي بيشدها من دراعها ناحية البلكونة.
رواية اذا أراد النصيب الفصل السابع عشر 17 - بقلم بتول عبد الرحمن
تيا اتخضت من الشدة، بصت لقته زيزو، ماسك دراعها جامد كأنه خايف إنها تفلت.
تيا نفخت بضيق وهي بتقول بغضب مكتوم: "عايز مني إيه؟!"
زيزو بص لها بصة مليانة لهفة وندم، صوته خرج مكسور شوية وهو بيقول: "متزعليش، أنا مقصدش، أنتي عارفة غلاوتك عندي."
قالت بصوت بيترعش ودموعها المحبوسة خرجت أخيرًا: "ابقى حاسب شوية، مش بنغلط كل مرة ونعتذر."
قرب منها خطوة، مسح دموعها بإيده بحنية وهو بيقول: "لا لا، دموع لأ."
بعدت وشها عن إيده وهي بترد بوجع: "ملكش دعوة."
زفر بقوة وقال بنفاذ صبر: "مليش دعوة إزاي يعني؟ أنتي عبيطة ولا إيه؟!"
تيا مسحت خدها بسرعة وقالت بحدة: "مش هتكلم معاك تاني أصلًا."
قال بنبرة مخنوقة رغم حدتها: "وتهون عليكي؟"
تيا عضت شفايفها بقهر وقالت: "آه عادي، ما أنا بهون."
الضيق ظهر في ملامحه، قرب منها نص خطوة وهو يقول بصدق جارف: "عمرك ما هونتي والله، ده غلاوتك عندي كبيرة أوي."
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة سخرية: "صح، ما هو واضح."
اتنفس بعمق وقال بابتسامة مهزوزة: "طب حفّلي براحتك يا ستي وأنا هقبل، بس براحة."
تيا ردت بعند: "مش عايزة، أنا مش طايقاك."
رفع حاجبه وقال بنبرة فيها غيظ: "بترديها يعني؟"
تيا قالت ببرود مصطنع: "ميهمنيش أصلًا."
قرب منها شوية: "متبقيش دبش بقا الله."
لفت تمشي وهي بتقول: "طيب سيبني في حالي بقا."
منعها بجسمه قبل ما تتحرك، سد الطريق قدامها وقال بصوت واطي بس ثابت: "أنا حالك أصلًا، يمّا مفيش مشيان من هنا."
تيا شدت نفسها وقالت: "وأنا عايزة أمشي."
زيزو قال بثبات: "لما تصفي الأول."
رفعت حاجبها: "بكرة."
هز راسه بإصرار واضح: "لأ، النهارده."
تيا قالت وهي بتعض شفايفها: "ما أنا مش طايقاك."
رد بملل: "خلاص، رديتيها مرة وخلصنا."
قالت وهي بتحاول تداري ارتباكها: "أنا بجد مش طايقاك، سيبني في حالي بقا."
"مقولت من الأول، أنا حالِك... ريّحي بقا."
تيا قالت بتحدي: "إيه أنا حالك دي؟ أنت صدقت نفسك؟"
زيزو قرب منها، بص في عينيها مباشرة وهو بيقول: "آه شوفي، بكدب الكدبة وأصدقها لحد ما تبقى حقيقة."
"طيب براحتك... عايزة أمشي بقا."
"قولت لأ."
قالت بصوت عالي: "يا ماما!"
حط إيده على بوقها وهو بيقول: "يا بنت المجانين اسكتي، والله أقولهم بتتحرش بيا."
تيا شهقت وهي بتقول: "دمك يلطش."
شاور لنفسه بثقة: "زيك."
تيا رفعت صوتها: "طب وسع بقا، أنا زهقت."
"وأنا مبزهقش، متبقيش رخمة بقا."
صاحت بغيظ: "عايز إيه يعني؟!"
قرب... قرب أوي وقال بصوت واطي: "مش عايز أمشي وأنتي زعلانة مني."
تيا ردت بنفس مكسور: "طيب مش زعلانة."
سأل بشك واضح: "مش واضح."
تيا قالت بملل: "أرقصلك يعني عشان تصدق؟"
ابتسم ببطء وقال بخبث: "ياريت."
تيا لكمته في صدره وهي بتقول: "عيل مهزق."
فتح إيده باستسلام وقال: "مقبولة... أمشي؟ ولا لسه زعلانة؟"
قالت بلامبالاة: "قولت خلصنا."
زيزو مال عليها وقال بنبرة فيها تهديد مصطنع: "عارفة لو كلمتك ومردتيش عليا هعمل فيكي إيه؟!"
اتحدته ورفعت دقنها: "ولا هتقدر تعمل حاجة."
قرب وهمس جنب ودنها: "أنا بعمل علطول مش بقول، وأنتي عارفة."
وبغدر غير متوقع، طبع بوسة على خدها في لمح البصر وبعدها هرب، حرفيًا هرب من قدامها قبل ما تستوعب اللي حصل.
وقفت مكانها، قلبها بيدق بعنف مجنون، وإيديها راحت لوشّها تلمس مكان البوسة تلقائيًا.
***
بعد أيام بسيطة...
الطيارة كانت هادية، مفيش ثواني وكانت الطيارة في السما.
لارا كانت قاعدة جنب فارس، ضامّة إيديها في بعض، قالت بصوت واطي كله رجفة: "أنا خايفة."
فارس بص لها بقوة وقلق في نفس الوقت، قرب منها سِنة وقال بنبرة ثابتة: "إحنا اتفقنا على إيه؟"
لارا بلعت ريقها، لفت وشّها ناحيته كأنها بتتعلق بيه وقالت بصوت مكسور شوية: "بس صعب اوي عليا يا فارس، أنا عيلتي عندي مهمة أوي، مش عايزهم يكونوا في الضلال، عايزاهم يكونوا معايا دايما."
فارس ميل على الكرسي، صوته هدي أكتر وبقا فيه طمأنينة: "واحدة واحدة، أنتي عارفة إنك أصلاً لو دعيتيلهم بالهداية ربنا هيهديهم، صدقيني كل حاجة هتكون كويسة."
لارا بصت قدامها وقالت بصدق واضح: "وجودك جنبي مريحني، بس خايفة أخسرك أو أخسر حد من عيلتي، مش عايزة أي خسارة يافارس."
فارس رفع إيدها من على رجلها، مسكها بإيده التانية كأنه بيثبتها وقال: "أنا سايب أهلي وشغلي وحالي عشان أجى معاكي، يعني مش معقول تكوني خايفة بعد كل ده."
همست بخوف مش قادرة تخبيه: "أنا مش عارفة إيه ممكن يحصل."
فارس عدّل قعدته وقال بثقة: "لأ، أنتي عارفة عيلتك كويس يا لارا."
لارا أخدت نفس طويل كأن قلبها وقع فجأة: "بابا هو اللي الكل بيمشي وراه، وبابا مستحيل يتقبل حاجة زي دي."
فارس رد بنبرة هادية جداً: "لما نوصل نبقى نشوف إيه المناسب، المهم دلوقتي متفكريش، افصلي دماغك شوية."
لارا غمضت عينيها لحظة وهي بتحاول تكون ثابتة أكتر وبتخرج أي تفكير من دماغها....
***
بعد كام ساعة وصلوا أخيرًا.
أول ما نزلوا من الطيارة كان الإجهاد باين عليهم.
فارس بيحاول يفك عضلاته من القعدة الطويلة وهي ماشية جنبه بتعب.
مشيوا ناحية بوابة الخروج.
الهوا البارد بتاع إسبانيا شدّهم فجأة.
فارس وقف لحظة ياخد نفس عميق.
لارا ابتسمت وقالت: "الجو ممكن يكون بارد بالنسبالك بس أنا واخده عليه."
فارس قال بهدوء: "لأ، بالعكس تحفة، بحب البرد."
لارا ابتسامتها وسعت وقالت: "وأنا كمان، في حاجات كتير بينا مشتركة."
مشيوا ناحية أوبر فاضي، وبمجرد ما ركبوا الأوبر واتحرك فارس كان بيبص على إسبانيا بانبهار واضح.
لارا كانت قاعدة جنبه، مرهقة بس ابتسامتها صغيرة ومليانة إحساس بالراحة لأنه معاها.
بصت له وقالت بنبرة هادية: "يا ريت الظروف كانت أحسن من كده كنت عرفتك على إسبانيا حتة حتة، بس للأسف."
فارس مردش فورًا، كان مازال غرقان في اللي قدامه، عينيه بتجري ورا كل شارع بيمروا منه، العربيات، الأرصفة الواسعة، المباني اللي لونها دافي رغم البرد، بس قال أخيرًا: "إسبانيا حلوة أوي، والظروف الحلوة مسيرها تيجي."
لارا عضت شفايفها بابتسامة شبه حزينة: "بس مصر أحلى... أنا حبيت مصر أوي، بس إسبانيا حبي الأول طبعًا، ذكرياتي كلها فيها."
فارس قال وهو مازال مركز على الشوارع: "مهو حلو إن الواحد يلاقي مكان تاني يحبه... مش غلط."
ضحكت لارا ضحكة بسيطة وقالت: "اتعلقت بيها عشانك أنت أول حاجة، وبعد كده عشان مصر حلوة."
بعد حوالي ساعة ونص، الأوبر وقف قدام أوتيل شكله فخم.
فارس كان بيبص على الأوتيل باستغراب والتعب كان باين على ملامحه.
فتح الباب ونزل بخطوات تقيلة كأنه مش مصدق اللي بيحصل.
الهوا البارد لفح وشه.
ومع إن المنظر حواليه غريب عليه وملفت إلا إن دماغه كانت مع لارا اللي نزلت وراه.
السواق نزل الشنط وبعدين مشي.
فارس بص للارا اللي ملامحها مقفولة ومشدودة، فيها لهفة وخوف وإصرار.
وقف قدّام الأوتيل وبصلها بعدم فهم وسأل باستغراب: "إحنا فين دلوقتي؟"
أخدت نفس كأنها بتجهز نفسها قبل ما ترد، وقالت بصوت هادي بس مهزوز شوية: "ده أوتيل قريب من بيتي، حجزتلك فيه."
قلبه وقع لحظة، كإنه فهم ومش عايز يفهم فبصلها بحدة: "مش فاهم حجزالي فيه ليه؟ وأنتم هتكوني فين؟"
بصت بعيد لحظة، بتهرب من عينيه وهي بتقول ببطء: "محتاجة الأول أواجههم لوحدي... ولو احتجتك هقولك."
صوته علي شوية وهو بيقول بغضب: "أنتي بتهزري؟ أومال أنا جاي ليه؟!"
قربت خطوة، وبالرغم من أن جسمها كله بيترعش إلا أنها حاولت تمسك نفسها: "فارس... مش دلوقتي لازم تظهر، استنى النهارده على الأقل."
هز راسه بنفاذ صبر وقال بحدة واضحة: "بس أنا مش هسيبك."
حطت إيدها على دراعه وقالت بنبرة متوسلة ومتماسكة في نفس الوقت: "عشان خاطري اسمع الكلام، أنا عارفة أنا بعمل إيه كويس."
ضيق عيونه وقال بتوتر: "مش متطمن."
ابتسمت ابتسامة صغيرة أوي، مكسورة بس فيها قوة: "هكلمك أول ما أدخل وخليك معايا، هكلمك فيسبوك... ماشي؟!"
بلع ريقه وسأل برفض: "طب وإيه المانع أجي معاكي دلوقتي؟"
شدت نفسها وقالت بكل صراحة: "عشان لازم أفاتحهم الأول في موضوع إسلامي وبعد كده هقولهم عنك، هحاول أتعامل أنا الأول."
بالرغم من تشتته إلا أنه كان رافض الموضوع تماماً، وبعد نقاش طويل استسلم فارس أخيرًا، بس مش بمزاجه هو مجبر مع إصرارها، وبرغم خوفه عليها إلا أنها قالتله أنهم أهلها في الآخر.
لحظة الوداع كانت أتقل من كل الساعات اللي سافروا فيها، ولما مشيت هو فضِل واقف مكانه لحد ما اختفت من قدام عينيه ومع كل خطوة كانت بتبعدها عنه، إحساسه بالخطر كان بيزيد أكتر.
***
الباب كان بيخبط باستمرار وعامل إزعاج، الصوت صحاها من نومها وملامحها مكشرة وعيونها مورمة من النوم.
راحت ناحية الباب وهي بتتمتم بغيظ، ولما فتحته اتصلبت مكانها لحظة.
زيزو واقف قدامها بإبتسامة مستفزة.
بصت له بحدة وهي بتقول بنرفزة: "أنت جيت إزاي؟!"
رد بسماجة: "بالعربية هيكون إزاي يعني."
شهقت بسخرية وهي بتشد نفسها: "بجد والله؟! كنت بحسبك جاي بطيارة."
قرب خطوة وهو مكشر: "أنا مش جاي عشان الخفة دي، أنا جاي أعرف أنتي ليه مش بتردي عليا؟"
ضيقت عينيها وقالت ببرود حارق: "عشان أنت واحد مش محترم."
فتح بقه بصدمة مصطنعة تمامًا: "أنا يا بنتي؟! أنا مش محترم؟!"
قالت وهي رافعة حاجبها باستفزاز: "آه، إيه اللي أنت عملته آخر مرة ده؟!"
اتصنّع الغباء وهو بيهرش في راسه: "أنا عملت إيه؟ مش فاكر... ما تفكريني كده؟!"
نفخت وقالت بسخرية: "والله؟! أنت بتتوه؟"
كمل وهو عامل نفسه مظلوم: "ما أنا مش عارف أنتي بتتكلمي عن إيه؟!"
قالت وهي بتشد الباب: "كده؟! طب تمام."
كانت هتقفل الباب بس هو مد إيده وزق الباب بقوة في آخر لحظة ودخل كإنه صاحب البيت.
صرخت فيه وهي بترجع خطوة: "أنت عبيط؟! علفكرة محدش في البيت!"
رد بثقة: "ما أنا عارف، استنيت لما مامتك نزلت وطلعت."
قالت بضيق: "أنا بقيت أخاف منك علفكرة، أنا قولت فارس سافر وهرتاح منك شوية، واديك نطيتلي برضه!"
قرب منها وهو بيقول بصوت واطي: "مش أنا قولتلك لو مردتيش عليا هزعلك مني؟"
وقفت ثابتة رغم إن قلبها بيدق وقالت بتحدي: "مش هتقدر تعمل حاجة أصلًا."
مشي ناحيتها بخطوات بطيئة، عينيه بتلمع بتحدي هو كمان، بغضب، بإصرار، وقال: "أنتي قد كلامك؟"
بعدت عنه خطوة وهي بتبلع ريقها، وخرج منها صوت خفيف مهزوز: "آ... آه."
وقفت مكانها وهيا حاسة بدقات قلبها بتعلى، وزيزو بيقرب منها بخطوات بطيئة فيها تهديد، كرر كلامه بصوت واطي بس مليان عصبية مكتومة: "أنتي قد كلامك؟"
ردت بتوتر: "ااه، ابعد بس."
ابتسم ابتسامة صغيرة، قرب أكتر وقال وهو رافع حاجبه: "أنا؟ ابعد؟ ده اللي أنتي عايزاه؟ بتحاولي تبعدي ومتغيرة معايا."
تيا مدت إيدها على الباب تحاول تفتحه: "خلاص امشي يا زيزو، بطل اللي بتعمله."
هو بسرعة مد إيده وقفل الباب تاني، ومن غير ما يبص للباب حتى قال بنبرة بقت أعمق شوية ولسه عينه عليها: "مش همشي غير لما أفهم، أنتي بتبعدي عني ليه."
تيا بصتله بنفس متسارع: "عادي، وبعدين أنت كل شوية تظهرلي."
قال بغضب: "ما أنا لو بطلت أظهر غيري هيظهر، هو ده اللي أنتي عايزاه؟"
اتخضت من نبرته التقيلة فقالت: "إيه؟! أنت مجنون؟!"
قرب خطوة أخيرة، خطوة خلت مفيش مسافة تقريبًا، قال بصوت واطي: "ومين قال إني عاقل معاكي؟"
تيا في اللحظة دي وقفت مكانها، صوت زيزو وهو بيقرب منها بدأ يختفي تدريجيًا وكل اللي في دماغها كلام شيري من يومين بالظبط، لما كانت قاعدة معاها كالعادة بس شيري وقفت الكلام اللي كان ماشي عادي جدًا وبصتلها بنظرة كلها صراحة ووجع: "مش بحب فيكي الاستهبال يا تيا."
تيا اتشدت وقالت بضيق: "قصدك إيه مش فاهمه؟ أنا إمتى استهبلت؟"
شيري مرمشتش حتى، قالت بنبرة هادية بس وراها نار: "هعتبرك مش فاهمة وهقولك، ساعات بنشوف حاجات واضحة جدًا بس بنعمل نفسنا مش مهتمين، ولما حد قريب مني يبقى حاطط عينه على حاجة، وأقوم أنا بكل بجاحة أحط عيني على نفس الحاجة وأنا عاملة نفسي مش واخدة بالي يبقى أنا بستهبل."
تيا اتوترت وحاولت تضحك عشان تهرب من كلامها: "هو أنتي ليه بتتكلمي بالألغاز؟"
شيري قربت منها أكتر وقالت بنفس نبرة الصوت الهادية: "دي مش ألغاز، أنتي فاهمة كويس أنا أقصد إيه، بلاش لف ودوران، ياريت يبقى في شوية دم ومنبصش على الحاجة بتاعت غيرنا، حتى لو هنفترض إنه بالغلط... أكيد فهمتي قصدي."
وقبل ما تيا ترد أو حتى تستوعب الكلام اللي اتقال انسحبت وسابتهل قاعدة مكانها، قلبها بيدق جامد وهيا بتحاول تفهم كلامها، بس كانت حاسة إن الكلام لمسها في أضعف نقطة، النقطة اللي مش قادرة تعترف بيها.
صوته دخل عليها يقطع كل الأفكار اللي كانت شاردة فيها: "إيه وصلتي لفين؟!"
شدت أنفاسها، وبصوت مخنوق ومتلغبط قالت: "هو أنت عايز مني إيه طيب، يعني إيه آخرة اللي إحنا فيه ده؟"
بص في عينيها، عينيه كانت بتدور في وشها كأنه بيدور على إجابة: "أنتي عايزة آخرته تبقى إيه؟!"
لفت وشها عنه لحظة كأن قربه خانقها وقالت بارتباك: "زي ما كنا، لاني مش مرتاحة للقرب اللي بالشكل ده، ولا أنت شايف حاجة تانية."
نبرة صوته اتغيرت، فيها استعجاب وضغط وحزن واضح: "وأنتم ليه متغيرة معايا المرادي يا تيا، مش هصدقك لو قولتيلي من ساعة الماتش، لاء إحنا علطول كده."
عضت شفايفها وحاولت تمسك نفسها وهي بتقول: "أنا كل اللي عارفاه أنه مينفعش أقرب أكتر من كده."
ضحك ضحكة صغيرة مش مفهومة، فيها غيظ ورجاء وسأل باستغراب: "ليه؟ أنتي لو قربتي أنا مش هقولك لاء."
اتعصبت من جملته وقالت بعصبية وصوت عالي: "واقرب بتاع إيه أصلًا، أنت شايفني إزاي؟"
بصلها بتركيز غريب وسأل: "دلوقتي ولا بعدين؟"
توترت أكتر: "هتفرق؟!"
قال بنبرة واضحة وصريحة: "آه طبعًا هتفرق، لاني دلوقتي شايفك تيا، بس قدام مش نفس تيا دي، هتكوني أقرب بكتير."
اتخضت من طريقته ومن ثقته الزايده فقالت وهي مش مستوعبه: "أيوه إيه بقا معني كلامك ده؟ يعني إيه قدام هكون أقرب؟"
هز راسه وقال بهدوء غريب: "أظن أنتي فاهمه معني كلامي بس مش عايزة تصدقيه."
ردت بعد لحظة صمت: "مش عايزة أصدق أي حاجة تخصنا، لاء قدام ولا في اللحظة دي."
شد نفسه وقال بمرارة: "بس ليه، أنتي عارفة كويس أوي أنتي عندي إيه، لو عايزاني أقولها صريحة هقولها يا تيا."
هزت راسها بسرعة وعينيها بتهرب منه: "مش هينفع يا معاذ، مش أنا البنت اللي لازم تفكر فيها."
نبرة صوته وطيت وهو بيسأل بنبرة مليانة خذلان وكسرة: "تيا؟ ليه رافضاني؟"
صوتها طلع ضعيف وهي بتقول: "عشان مينفعش، لمجرد إنه مينفعش وخلاص."
رفع صوته شوية وقال بقهر واضح: "وإيه السبب اللي يمنعنا نكون مع بعض دايما، مش معقول كل اللي فات ده ومكنتيش حاسة بيا، أنتي قاصدة تكسريني؟!"
اتلغبطت ووشها احمر من التوتر ونفت فورًا: "لأ لأ، بس مينفعش أبص على حاجة ملك لغيري، مينفعش أعمل نفسي هبلة أكتر من كده فعلًا."
اتجمد مكانه، صوته بقا أتقل واعمق: "أنا عمري ما كنت ملك لحد، مين ضحك عليكي وقالك كده، أنتي عمرك شوفتيني مهتم بغيرك أصلًا."
اتنهدت وقالت بصوت حزين: "حتى لو كلامك صح مينفعش أتجاهل مشاعر حد تاني."
قرب منها خطوة، نبرة صوته كانت واضحة ومباشرة: "مشاعر مين؟.. أنتي بتقولي إيه؟ أنا ميهمنيش مشاعر حد هو غِلط فيها أصلًا، المهم مشاعري أنا، ومشاعرك أنتي."
نزلت عينيها للأرض وقالت بخفوت: "بس دي أنانية."
رد بسرعة، بنبرة مفيهاش ولا ذرة ندم: "أنانية أنانية، المهم أنا وأنتي، أنا أناني لو دي الأنانية اللي بتتكلمي عنها، أنتي ليه عايزة تحسسيني بالذنب وأنا عمري ما عشمت حد بحاجة."
هزت راسها بعند ضعيف: "بس أنا لاء، أنا مش أنانية ولا عمري هكون."
هو سكت لحظة طويلة، أطول من اللازم وبعدين صوته خرج واطي... مخنوق... خايف: "يعني إيه يا تيا؟ يعني أنتي عايزة إيه دلوقتي؟!! عايزاني أبعد؟ حاضر هبعد لو ده اللي هيريحك، مش هتشوفي كمان وشي تاني لو ده هيبسطك ويخليكي مش أنانية زي ما بتقولي."
قال كلمته وكأنه كسر قلبها وقلبه في نفس اللحظة، مد إيده للباب وفتحه، وخرج من غير ما يبص وراه وقفل الباب وراه جامد...
تيا شهقت، حست إنها مش قادرة تتنفس، رجليها خانوها فقعدت على أقرب كرسي وهيا دموعها نازلة من غير ما تحس، حاطه إيديها على قلبها وهيا بتحاول تهدي رعشة قلبها اللي كان بيصرخ جوه، كانت إيديها بتترعش، مش قادرة تجمع أفكارها، كلامه لسه بيرن في دماغها: "عايزاني أبعد؟ حاضر... مش هتشوفي كمان وشي تاني لو ده هيبسطك."
الجملة دي بالذات... دمرتها.
حست إنها وهو ماشي خد قلبها معاه، مكانتش عارفة توقف دموعها، ومش عارفة أصلًا ليه وجعها بالشكل ده، رفعت إيدها تمسح دموعها بس إيديها كانت بتترعش، صوت نفسها عالي وهي بتحاول تهدى بس مفيش فايدة.....
رواية اذا أراد النصيب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم بتول عبد الرحمن
فارس كان قاعد على أعصابه من اللحظة اللي الخط فيها اتقطع. إيده كانت ماسكة الموبايل بعنف، وكل ثانية بتعدّي كانت بتعدي بعذاب عليه. كان متابع معاها كل اللي بيحصل عندها، بس لما الخط فصل كأن قلبه هو اللي وقف.
فضل ماشي في السويت رايح جاي، مش قادر يقعد. كل حاجة حواليه كانت خانقاه. لحد ما باب السويت خبط خبطة واحدة كسرت صمته. فتح الباب بسرعة، وساعتها الدنيا وقفت.
لارا كانت واقفة، ملامحها باين عليها الانهيار. عينيها حمره بشكل وجعه. أول ما فتح قالت بنبرة مكسورة:
"بابا طردني."
اتنفس براحه بمجرد ما شافها، وقال وهو بيحاول يطمنها:
"طب ادخلي يلا."
دخلت بخطوات تايهه وهو قفل الباب وراها بهدوء. لفلها ولقاها واقفة في نص السويت تايهه.
لارا قالت بصوت مبحوح:
"انا مش مستوعبة اللي حصل... ازاي..."
فارس قرب خطوة، صوته كان هادي ومليان قلق مكبوت:
"ده طبيعي، اهدي بس وقوليلي اللي حصل. أول ما الخط فصل كنت هتجنن."
مسحت دموعها وهيا بتحاول تتكلم:
"انا ملحقتش افتح الموضوع... مجرد ما لقاني بتكلم عن الإيمان كان حاسس. ماما كانت موجودة ومقدرتش تقول أي حاجة، بالعكس... قالتلي أمشي بسرعة قبل ما يتعصب عليّا. وهو قالي مش عايز أشوف وشك تاني."
فارس شد نفسه بالعافية عشان يحافظ على صوته هادي:
"كويس إنها جت على قد كده. استني شوية يكون الوضع هدي ومع الوقت أكيد هيتقبل."
لارا رفعت عينيها ليه، قالت بوضوح رغم التوتر اللي باين في كل ملامحها:
"فارس، أنا عايزه أأسلم دلوقتي."
ملامحه اتشدّت لثواني. وبعدين من غير ما يفكر، ومن غير ما يسأل، بص حوالين السويت بسرعة. مد إيده على أقرب مفرش، شده وقرب منها. وقف قدامها حط المفرش على راسها بحنان، حاول يحطه على شعرها كله. بصلها وقال بصوت هادي... واطي... دافي:
"يبقى تقولي ورايا."
لارا بصّتله، عينيها بتترعش بين خوف وراحة:
"الشهادة؟"
هز راسه، ابتسامة صغيرة جدًا كسرت صلابته للحظة... ابتسامة طمنتها. بدأ يقول الشهادة كلمة كلمة وهي بتردد وراه بصوت متردد وبيرجف لحد ما خلصوا.
صوتها جه مهزوز وهيا بتسأل بخوف واضح:
"بس كده؟!"
فارس رد بهدوء:
"بس كده."
سألت تاني وهيا مش مستوعبة:
"يعني خلاص أنا كده بقيت مسلمة؟"
فارس قال بنبرة ثابتة كأن الموضوع محسوم وواضح:
"بقيتي مسلمة."
ابتسامة واسعة طلعت غصب عنها، وبكل تلقائية اتقدمت حضنته. حضن مليان امتنان وخوف وارتباك وفرحة كلها متلغبطة في بعض.
فارس وقف مكانه متسمر، إيده مرفوعة نص رفعة ومش عارف يعمل بيها إيه. وبعدها أخد خطوة صغيرة لورا وهو بيقول:
"تعرفي إنك مينفعش تحضنيني."
لارا فتحت عنيها، وبعدت عنه بسرعة وقالت بإحراج:
"آه... بس مش متعودة لسه، أنا آسفة."
فارس هز راسه:
"المهم تتعودي."
رفعت عينها عليه، وبنظرة فيها ألف سؤال سألت:
"إمتى مسموحلي أقرب منك؟"
فارس اتنفس بعمق شوية قبل ما يجاوبها بصراحة:
"بعد كتب الكتاب، قبل كده المفروض مينفعش."
وبعدين كمل وهو بيشرح بحكمة هادية:
"وبرغم كده هتلاقي مسلمين كتير أوي بيحضنوا بعض عادي، وبيكون بينهم تلامس لدرجة إنها هتبهرِك من كتر التناقض. وبرضو هتلاقي ناس عفيفة جدًا مش بيسلموا حتى... ربنا يجعلنا منهم. وفي ناس بتعدي حدود التلامس بكتير وبتوصل لحاجات حرام جدا، فمش معنى إن الشخص مسلم إنه معفي من الغلط ولا إنك هتلاقيه بينفّذ كل اللي ربنا أمرنا بيه، عادي في ناس اتولدوا لقوا نفسهم مسلمين ومش مهتمين حتى يقروا عن دينهم، فبالتالي هتلاقيهم مسلمين بالإسم."
لارا كانت ساكتة، بس قلبها كان بيدق أسرع من الطبيعي. بصتله وقالت بهدوء:
"انا فاهمه كويس، قرأت كتير عن القرآن وعرفت حاجات كتير كنت جاهله عنها. هو انت بتقرأ قرآن؟"
فارس رد وهو عينه عليها بثبات دافي كأن الكلام خارج من قلبه مش من لسانه:
"الحمد لله انا خاتم للقرآن."
لارا استغربت وسألت:
"يعني ايه؟!"
فارس قال بنبرة بسيطة جدًا:
"يعني حافظه كله من وانا صغير، ومازلت محافظ على إني منسهوش."
الدهشة خطفت ملامحها، وبعدين قالت باندفاع صادق جدًا:
"وانا كمان عايزه احفظه."
ابتسامة خفيفة اترسمت على شفايف فارس وهو بيقول:
"طبعا، بس اكيد هيكون صعب شوية."
لارا هزت راسها بتصميم:
"عادي... انا مش مستعجلة، وكمان عايزه اتعلم لغتك."
ضحك فارس ضحكة صغيرة وقال:
"حاضر، من عنيا."
قعدت قصاده وقالت بصوت مخنوق شوية:
"عايزه انسى اللي حصل من شوية، مش هقدر افضل بعيدة عن اهلي."
فارس قال وهو بيحاول يطمنها، نبرته فيها صدق:
"متقلقيش... كل ده هيعدي ومش هتبعدي عنهم."
بصتله شوية، بصله طويله فيها شكر، او حاجة أكبر من الشكر بكتير. ردت بامتنان:
"انا بحب اوي اتكلم معاك يا فارس، بتحسسني ان الدنيا لسه بخير."
فارس رد ببساطة:
"انا موجود علشان اطمنك يا لارا اصلا."
لارا ضحكت ضحكة هادية وبعدين قالت:
"اقولك سر؟"
فارس سند بإيده على الكنبة ومال سنة كإنه مستعد يسمع حاجة مهمة:
"قولي سر."
قالت وهيا عينيها بتلمع:
"بحبك تنطق اسمي اوي."
ابتسامة فارس كبرت غصب عنه وقال:
"علشان اللدغه؟!"
لارا هزّت راسها وهي مركزة في ملامحه:
"حلوه عليك اوي."
ضحك فارس من قلبه المرة دي، ولارا لوهلة كانت سرحانة في ملامحه اللي خطفتها. فاقت من شرودها بسرعه وقالت بحماس طفولي:
"ايه رأيك ننزل نلف شوية واعرفك على البلد؟ انت عرفتني على بلدك ودلوقتي دوري."
فارس وقف، رفع حاجبه وهو مستغرب كم المواضيع اللي بتقدر تدخل فيها في نفس الدقيقه وقال بتأكيد:
"موافق طبعا... يلا بينا."
***
يوم الخميس كانوا قاعدين على السفرة بدري شوية على غير العادة. البيت شبه هادي والشباب كلهم غايبين. زيزو اعتذر، فارس أصلاً مسافر، وتيام خرج مع خطيبته.
تيا كانت قاعدة بتبص في طبقها وشكلها في حالة لا يرثى لها. وشها باهت والارهاق باين عليها وكأنها في دنيا تانية. سلمى مالت ناحية شيري وهمست:
"هيا تيا مالها؟ شكلها مش طبيعية."
شيري ردت ببرود وهيا مش باصة حتى ناحيتها:
"معرفش."
سلمي عضت شفايفها وقالت:
"متعرفش إيه؟! انتي مش شايفة شكلها عامل ازاي."
شيري ردت بفتور:
"فكك منها."
سلمي سألتها باستغراب:
"إنتي شادة معاها ولا إيه؟"
شيري هزت كتفها وقالت:
"لاء عادي متهيألك."
سلمى سألت بقلق:
"طيب في إيه؟ قولي."
شيري نفخت وقالت وهيا بتبص لطبقها:
"مش وقته دلوقتي."
تيا رفعت وشها لحظة وهيا سامعة همسهم بس طنشت تماما، وبدون ما تقول أي كلمة، حطت المعلقة اللي كانت بتلعب بيها اللحظات اللي فاتت وقامت من مكانها.
حنان لاحظت وسألت:
" مكلتيش ليه في ايه؟!"
تيا ردت بضيق:
" شبعت يا عمتو تسلم ايدك."
بعد ما غسلت ايديها خرجت وقالت:
" انا هطلع عشان عندي مذاكرة."
أشرف قال بأمر:
" استني شوية وبعد كده اطلعي."
تيا زمجرت:
" عندي مذاكرة كتير مش هعرف."
سمية اتدخلت:
" سيبها يا أسرف تطلع تشوف مذاكرتها."
أشؤف بص لتيا قال:
" اطلعي."
تيا ما صدقت قال الكلمة وانسحبت بسرعة، اختفت في لمح البصر كأنها كانت محبوسة وخرجت. كانت حاسة أن مجرد وجودها في المكان بيخنقها.
***
تيام كان قاعد قدام كارمن، شكله هادي زيادة عن اللزوم. كارمن كانت بتبصله بنظرات بتحاول تفهم منها أي حاجة، لحد ما كسرت الصمت وقالت بنبرة فيها زعل خفيف:
"انت مكنتش عايز تنزل معايا النهارده؟!"
رفع عينه ليها، ملامحه متغيرتش كتير، رد بهدوء:
"ليه بتقولي كده؟!"
كارمن أخدت نفس وردت:
"حسيت، يعني وكمان النهارده اليوم اللي عيلتك بيتجمعوا فيه."
تيام رجع بضهره على الكرسي وهو بيقول بثبات:
"متفكريش كتير، المهم إننا خرجنا زي ما كنتي عايزة."
كلامه مكانش مريح بالنسبالها، فيه فجوة واضحة وهيا حست بيها، فمالت لقدام شوية وقالت:
"بس أنا عايزاك مركز معايا أكتر، ليه بحسك دايمًا مشغول وبعيد؟"
مردش علطول، خد ثانية كأنه بيختار رد مناسب بس في الأخر رد:
"متهيألك."
قالت بابتسامة مجاملة:
"ياريت يكون فعلًا متهيألي، لأني بجد بحبك ومش عايزة يكون في فتور في العلاقة بينا."
تيام بصلّها أخيرًا وقال ببرود واضح وهو بيغير الموضوع تماما:
"لو خلصتي أكل علشان عايز أروح."
كارمن اتفاجئت من تغييره للموضوع، رمشت كذا مرة وقالت:
"بس إحنا ملحقناش..."
قاطعها بصوت مرهق:
"بس أنا تعبان، أنا لحد دلوقتي مروحتش البيت."
اتنهدت وقالت باستسلام:
"طيب حاضر، بس تعالى نتصور علشان ننزلها، إيه رأيك؟"
وافق من غير أي حماس:
"طيب بس بسرعة."
قالت وهيا مادة ايديها:
" هات فونك."
مدلها فونه وهيا قربت منه واتصوروا، صورة شكلها perfect بس مفيهاش روح للي يركز. بعتتها لنفسها وقالت وهيا بتضحك محاولة لتخفيف الحو:
"نزلها بقا ستوري على أغنية حلوة."
رد بضيق:
"نزليها انتي علشان منساش والاقيكي مصحياني بالليل وتساليني ليه منزلتهاش."
ضحكت وقالت:
"أوكي."
بدأت تجهّز الستوري ولما وصلت لإختيار الأغنية رفعت عينها ليه وقالت بابتسامة صغيرة:
"أحط أغنية إيه؟!"
كان رده جاف وهو بيشاور للويتر:
"أي حاجة."
***
شيري مدت كوباية الشاي لسلمي وقعدت جنبها. سلمي اخدت بوق وقالت بملل:
"انهارده كان يوم ممل أوي."
شيري ردت بنبرة روتينية:
"طبيعي."
عدت لحظة صمت قبل ما سلمي تسأل:
"هيا تيا مالها؟ أصلًا بقالها كام يوم مش بتنزل."
شيري ردت وهيا بتشرب من كوبايتها:
"مفيش... بس وقفتها عند حدها."
سلمي رفعت حواجبها وسألت باستغراب:
"إزاي يعني؟ هيا عملت إيه؟"
شيري قالت بغيرة وحدة:
"بتستهبل مع زيزو."
سلمي قالت بنبرة شبه ساخرة:
"اممم... وانتي لسه جاية تاخدي بالك دلوقتي؟"
شيري رمقتها بضيق:
"قولت أكيد في يوم هتعقل بس الظاهر مفيش فايدة، وأنا بصراحة أكتر من كده مش عارفة إيه ممكن يحصل."
سلمي هزت رجلها وقالت بمنتهى الواقعية:
"ولو حاجة هتحصل انتي هتقدري تمنعيها إزاي؟ انتي في الأول وفي الآخر حبك من طرف واحد، يعني مش هقول هو جوزك او حتى خطيبك وهيا سرقته، مهما عملتي مش معاكي حق توقفيها عند حدها."
شيري قالت بغيظ واضح:
"بس هي عارفة يا سلمى من زمان مشاعري ناحيته، وفوق كل ده مكملة في اللي بتعمله وبتخليه ياخد باله منها أكتر وولا هاممها."
سلمي قالت بجدية:
" قولتلك قبل كده خليكي زيها قولتي دي شخصيتي ومش هغيرها، فمتلوميهاش انها شدته، اتقبلي الأمر الواقع وسيبي نفسك تحبي حد تاني، جايز هو حب مراهقه أو قديم، شوفي اللي يحبك زي ما إنتي."
شيري سكتت وبدون ما تحس لقت صورة آسر في بالها. فضلت ساكتة لحظة وهيا بتفكر وسلمي لاحظت شرودها فكملت:
"وهو لو نصيبك هيكون ليكي، انهاري وازعلي بس بلاش تأذي غيرك على حاجة مش بايده."
شيري بصتلها وقالت بصوت واطي حزين:
"يمكن عندك حق، بس إزاي أتخطى إنها بصت للي أنا بصيتله؟"
سلمي ربتت على إيدها وقالت:
"يمكن انتي فاهمة غلط، يمكن مفيش حاجة برضو."
شيري قالت بشرود:
"أتمنى."
***
لارا كانت قاعدة قدّام فارس، هادية بس جواها دوشة. بصت لفارس وقالت بصوت مكسور ومعاه ابتسامة صغيرة:
"أصل أنا كده معطلاك ومعطلاني، بس أعمل إيه مفيش فايدة."
فارس بصّلها بثبات ورد بعد لحظة تفكير:
"يبقى نرجع مصر."
لارا بلعت ريقها، بصت بعيد وهيا بتقول بحزن:
"بس أنا مليش حاجة في مصر."
فارس بصلها وقال:
"وأنا إيه يا لارا؟"
لارا بصتله وردت بهدوء وحب:
"انت كل حاجة، بس هنزل معاك وبعدين إيه اللي هيحصل؟"
رد فارس بسرعة كأنه محضر للموضوع من زمان:
"هتقعدي معانا في البيت، أنا بكون في الشغل وبرجع المغرب مثلاً، هكون معاكي شوية وخليكي انتي في أوضتي وأنا هبيت مع تيام."
لارا بصتله بقلق وقالت برفض قاطع:
"لاء أكيد، انا لو نزلت هخليني في الأوتيل زي ما كنت."
فارس هز راسه بسرعة وقال:
"على الأقل كنتي بتبقي عارفة انتي نازلة قد إيه، بس دلوقتي إحنا مش عارفين في إيه، ومش هكون مرتاح وانتي بعيد اكيد."
لارا سكتت لحظة، كانت بتفكر في كل اللي بيحصل أو هيحصل وردت بعد فترة:
"بس أنا مش هعرف أتفاهم مع حد من عيلتك، محدش فيهم بيتكلم إنجليزي."
فارس ضحك بخفة وقال:
"سلمى شوية شوية ممكن هتتفاهمي معاها، وتيا مستواها كويس ومشتركة في كورس، أما شيري وماما فابعدي عنهم."
لارا ضحكت بخفة وقالت:
"شكل الموضوع هيكون كارثي."
ابتسم فارس وهو بيبصلها بحنان:
"مؤقتاً يعني لحد ما نشوف آخرته إيه اللي إحنا فيه ده."
لارا اتنهدت وسألت بخوف:
"هو العدد هيكون زي ما شوفته يوم الخميس اللي جيت فيه معاك؟"
ضحك فارس وقال:
"لاء طبعاً، اللي هتتعاملي معاهم يومياً هما اللي قولتلك عليهم، إنما الباقي دول ولاد خالي ومراتاته وولاده، هو خالي بس اللي مكترنا عشان عنده ١١ عيل، وفي واحد لسه جاي في السكة."
لارا شهقت وقالت:
"مش كتير شوية؟"
فارس هز أكتافه بضحكة خفيفة:
"ما هو مش من واحدة يعني، متجوز تلاتة وبيدور على الرابعة لسة."
لارا قالت بعدم تصديق:
"مش معقول!"
فارس ضحك:
"لاء متركزيش، متغركيش الدقن بتاعته، ده اللي عارفه في الدين حاجتين، الشرع حلّل أربعة وللذكر مثل حظ الأنثيين."
لارا ضحكت وقالت:
"دول في الدين الإسلامي؟!"
فارس اتنهد وقال:
"اه، بس هو مش عارف حاجة غير الاتنين دول."
لارا سكتت فجأة، وبصوت صادق وناعم قالت:
"بحسها حاجة غير عادلة إن الراجل يتجوز أكتر من واحدة، إيه شعور الزوجة الأولى؟"
فارس رد بهدوء، صوته جه جاد المرة دي:
"كل حاجة ليها حكمة أكيد."
لارا بصتله وقالت بحب:
"محتاجة أسمع عن الإسلام منك."
ابتسم فارس ابتسامة خفيفة وقال:
"بكل سرور."
***
كان تيام واقف في البلكونة مع سلمى، الهوا كان بارد وشكلهم مستمتعين ببرودة الجو. تيام بصلها وقال بصوت هادي فيه شوق مكتوم:
"بقالي كتير متكلمتش معاكي."
سلمى بصتله لحظة بس بسرعة رجعت تبص للشارع وردت:
"كل واحد مشغول في حياته، دي سنة الحياة."
تيّام اتنهد وقال بضيق:
"سمعت حاجة واتمنى تكون غلط."
قلبها اتقبض لحظة وقالت بحذر:
"إيه هيا؟"
بصلها بجدية واضحة:
"هتكملي ماجستير بعد الكلية؟ معني كده... انك... هتمشي؟"
سلمى ردت بهدوء تام:
"مظبوط، حاسة إني محتاجة أعمل كده."
رد بنبرة مزيج بين الخوف والخيبة:
"بس ليه؟! يعني ايه السبب؟ خليكي وبعد التخرج اشتغلي معايا، مش هتكوني وقتها تحت التدريب."
هزت راسها، ملامحها كلها كانت حزم وهيا بتقول:
"أنا أخدت قراري خلاص، الكلام سهل بس الفعل لاء، وأنا فكرت كتير وقررت إن البعد أحسن، على الأقل دلوقتي."
قرب منها خطوة، كأنه بيحاول يقنعها تبقى:
"ليه؟ حياتك كلها هنا، خطوة كويسة ماشي بس صعبة يا سلمى... ليه البعد؟"
بصتلة بخنقة وردت بضيق واضح:
"لإني محتاجاه، أنا بتخنق هنا، واصلا انا مستنية الكام شهر دول يعدوا بفارغ الصبر واخلص السنه."
سكت لحظة، سأل باستغراب:
"ليه؟ انتي للدرجادي عايزة تبعدي؟!"
بلعت ريقها وقالت بحزن:
"ده قراري النهائي، بعدي عن هنا هيريحني، من كل حاجة وأولها قلبي."
قلبه وقع وسأل بسرعة:
"ماله قلبك؟ في حد؟"
هزت راسها فورًا:
"لاء مفيش حد، بس أنا هرتاح أكتر يا تيام كده، محتاجة هدنة أوي."
بصلها بنظرة مهزومة:
"يعني... مفيش أمل تفضلي؟"
قالت بهدوء:
"أنا أخدت قراري، كلها الترم التاني يخلص وهمشي."
سكت ثواني قبل ما يقول بخفوت:
"يبقى ربنا يوفقك، ويارب أشوفك أشطر دكتورة."
ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة:
"شكراً يا تيام."
رواية اذا أراد النصيب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم بتول عبد الرحمن
كانت شيري بتقفل الباب وبتستعد تنزل السلم، بس لقت تيا نازله قدامها. عينيها مورمّة وباين إنها منامتش طول الليل.
وقفت قدام شيري، وقبل ما شيري تتكلم، اتكلمت هيا:
"كويس إني لحقتك، طول الليل بفكر هتواصل معاكي إمتى."
قالتها بصوت مبحوح وهيا بتبصلها بضيق واضح. شيري قربت خطوة صغيرة، خطوة مترددة، وقالت بقلق باين في ملامحها:
"مالك؟ في إيه؟"
تيا بصتلها وسكتت لحظة قبل ما تبدأ تتكلم وتطلع كل اللي في قلبها بقهر:
"آخر كلام قولتي ليا، لما كنت قاعدة معاكي، فضل يرن في دماغي وأنا بحاول أفهمه. وبالرغم إن ربنا وحده اللي يعلم إني فعلاً مكنتش فاهماه، لإن مش في دماغي كل أفكارك، إلا إني قلبته كذا مرة في دماغي لحد ما فهمته كويس. فهمت كل كلمة. عرفت إنتي شايفاني إزاي. عرفت سبب جفاف معاملتك ليا آخر فترة."
شيري شهقت بخفة وقالت بعدم تصديق:
"مش معقول كلامي اللي موصّلك للحالة دي."
تيا هزت راسها بسرعة، حركة عصبية كأنها بتقاوم موج جواها:
"لأ هو فعلاً. لإن في اللحظة اللي كنت بعامل فيها زيزو زي أخويا، وكنت بعامله من وأنا صغيرة بنفس الطريقة اللي إنتي مؤخراً بقيتي شايفاها حركات رخيصة عشان أشد انتباهه. مع إن والله ما قصدت، ولا كنت عمري بصيتله بالطريقة دي غير لما إنتي لفتتي انتباهي بكلامك الغير مباشر، اللي خلاني بقول يا ترى قصدها إيه؟ معقول شايفاني إزاي؟ أنا مكنتش غبية أو بتصنع الغباء، بس أنا بس كنت مش قادرة أعترف. لأ قادرة أعترف بكلامك عني، ولا بمشاعري، اللي فهمت في الآخر إنها للأسف راحت لنفس الشخص اللي إنتي حبيته."
شيري بصتلها بصدمة، بس تيا كملت بسرعة. صوتها اتشرخ ودمعة نزلت منها بدون ما تحاول تمسحها. إيديها كانت بتترعش وهيا بتكمل:
"والله ما كنت معترفة إطلاقاً بحاجة زي دي، بس معرفش إزاي بعده عني وصّلي للحالة دي. أنا مبقتش أنا، أنا مش عارفاني. إنتي كنتي خايفة مني لأنه مهتم بيا، خفتي يكون حبني أنا مش إنتي. بس بدل ما تعالجي ده، إنتي سممتيني بكلامك. مع إنك عارفة إني عمري ما هأذيكي. أنا مش ذنبي إنه شافني أنا مش إنتي. معقول مش فاكرة يا شيري كنت بقولك تعملي إيه عشان تشدي انتباهه؟!!! معقول نسيتي كل الحلو اللي حاولت أعمله معاكي عشان توصليله؟ بس إنتي كنتي بترفضى. كنتي محتاجاه يحبك زي ما إنتي، بس محصلش. هو أصلاً مشافكيش. هل ده بقى ذنبي أنا!!! هو محبكيش أنا مالي. قولتي كلام ومشيتي، ومكنتيش عارفة تأثير الكلام ده عليا عامل إزاي. مكانش بينيميني. والله بعدت عنه، بعدت عنه خالص، بس هو جه. جه سألني أنا ليه ببعد، قالي إنه عايز يقرب أكتر، لدرجة إنه كان عايز يبقى أقرب حد ليا طول العمر. بس أنا رفضت عشانك. قالي وقتها إني مش هشوف وشه تاني."
وقفت لحظة كأنها بتاخد نفس بعد غطسة طويلة، وبعدين قالت بانكسار:
"ومشفتوش لحد دلوقتي يا شيري. بقالي أكتر من أسبوعين مشوفتوش وأنا متعودة أشوفه طول الوقت."
كملت بقهر:
"شايفة وشي بقا عامل إزاي من الحزن. وشي اللي كنت بهتم بيه مبقيتش. اكتشفت إنه كان بيزين حياتي. اكتشفت قد إيه كنت متعلقة بيه. واكتشفت إني بحبه."
شيري بصتلها بصدمة للمرة التانية، وكل مدى كلام تيا بيصدمها. بس تيا تجاهلت صدمتها وكملت:
"آه والله بحبه أوي. حاسة إني هموت من غيره. مش عارفة إزاي. اكتشفت إني كنت بحبه معاكي من زمان، بس عمري ما اعترفت حتى لنفسي. يمكن إنتي اللي نبهتيني لحاجة زي دي. خلتيني أصدق إني ممكن أكون حبيته فعلاً، ليه لأ. بس عارفة اللي زاد وغطى إيه؟!"
مسحت دموعها وقالت:
"إن في عريس متقدملي. بابا قالي. محدش يعرف إني قررت أقابل الشخص ده وأقعد معاه. وبالرغم من إني عمري ما شفته."
بصتلها والدموع على وشك النزول وقالت بقهر واضح:
"بس هوافق مهما كان مين الشخص ده. عشان بس ترتاحي ومتفكريش إني بخطفه منك أو عايزة كده. بالرغم من إنك عارفة كويس أوي إن مفيش راجل بيتخطف."
شيري كانت هتتكلم، بس تيا قاطعتها:
"أنا مش مستنية أسمع منك أي حاجة. أنا بس جيت أقولك كل الحقيقة اللي في قلبي، عشان كان لازم أطلع كل اللي في قلبي. وأعرفك إن بمجرد ما أقول كلام وأمشي وأنا مش عارف تأثيره على الشخص اللي قدامي ده بيأذيه قد إيه. يارب يكون كلامي وصل."
وبدون ما تبص وراها تاني، وبخطوات مترددة، مشيت.
شيري وقفت مكانها... مبهوتة... مش مصدقة... كأن تيا أدتها 100 قلم على وشها ومشيت.
شيري كانت واقفة في المطبخ وسط دوشة المطعم. الطلبات داخلة خارجة، وهيا عندها طلبات كتير، بس عقلها كان في حتة تانية خالص. كانت بتحرك إيديها آليًّا. جسمها موجود، بس قلبها وعقلها مش موجودين.
فجأة سمعت صوت فوقها من شرودها:
"شيري؟ إنتي معايا؟!"
اتخضت وبصت على آسر اللي كان واقف جنبها من غير ما تحس. رمشت بسرعة وقالت بصوت هادي مرتبك:
"معاك يا شيف."
آسر ميل قدامها شوية وقال بنبرة فيها قلق واضح:
"بصي قدامك كده."
بصت واتخضت. اللي على النار اتحرق تمامًا، والدخان طالع منه كتير. شهقت ومدت إيديها بسرعة وهيا بتقفل النار بعصبية:
"أنا... أنا آسفة. أنا معرفش إزاي ده حصل. والله غصب عني. ممكن تخصم تمنه من مرتبي."
آسر رفع إيده يهديها:
"اهدي اهدي... مالك؟ شكلك مش مظبوط النهارده."
شيري هزت راسها وهيا بتحاول تخبي ارتباكها:
"مفيش حاجة... أنا هرجع تاني أعمل الـ..."
بس قبل ما تكمل آسر قطع كلامها بحزم هادي:
"مفيش داعي... إيه رأيك تاخدي بريك شوية وترجعي تكملي؟"
هزت راسها بسرعة:
"لأ لأ مفيش داعي، لازم أكمل الطلب."
بس آسر كان واخد قراره. نده بصوت عالي شوية:
"شريف، بعد إذنك شوف الطلب ده إيه واعمله."
شريف رد فورًا:
"تحت أمرك يا شيف."
شيري قالت بإصرار باهت:
"مكانش في داعي، أنا هعمله."
آسر بصّلها بحدة شوية وقال بحزم:
"تعالي معايا."
اضطرت تقلع المريلة وتخرج وراه. المطعم كان مليان دوشة، بس بالرغم كده كانت حاسة إن كل حاجة هادية تمامًا. أو يمكن صوت تفكيرها أعلى من كل الدوشة دي.
آسر قعد على ترابيزة فاضية وهيا قعدت قصاده، مضطربة، بتطرقع صوابعها من التوتر.
آسر بصلها وقال بنبرة هادية:
"مش عاجباني النهارده... في إيه؟"
رمشت كأنها بتدور على أي كلمة تهرب بيها:
"مش حاجة مهمة عادي."
آسر سند دراعه على الترابيزة وقال:
"يمكن أقدر أساعدك؟"
ردت بسرعة:
"مفيش، أنا بس سمعت خبر ضايقني."
رفع حواجبه وقال:
"للدرجادي؟"
شيري عضّت شفايفها بتردد وقالت بصوت مجروح:
"مزنوقة بين إني أعمل الصح... أو أعمل اللي يريحني."
آسر بصلها وسكت شوية ورد:
"في الحالة اللي زي دي بنشوف المناسب أكتر. بنبص قدام شوية نشوف قرارك لما يكبر ويواجه المستقبل هيبقى شكله إيه. ولو اخترتي المناسب، تبقي عملتي ميكس بين الصح وبين اللي يريحك."
شيري تمتمت:
"بس المناسب هو الصح."
هز راسه برفض:
"تؤ، الاتنين مختلفين. الصح بيمشي على كل الناس، لكن المناسب بيختلف من شخص للتاني."
سكتت، بصت للأرض وصدرها بيطلع وينزل بسرعة وهيا بتفكر في كلامه. وبصوت مكسور قالت:
"حاسة إني في كل الحالات مش هكون مرتاحة، هل الإحساس ده حقيقي ولا الشيطان؟"
آسر رد فورًا:
"المناسب يا شيري بيريّح. المناسب لكل الأطراف مش لطرف واحد. وإنتي من جواكي عارفة إنتي المفروض تعملي إيه، يبقى بلاش تسمعي كلام الشيطان واعملّي المناسب."
هزت راسها ببطء:
"وبعدين؟"
ابتسم ابتسامة صغيرة:
"هتحسي وقتها إنك مرتاحة."
سكتت تاني، والتفكير كان باين على وشها. آسر قال بنبرة حاسمة:
"مش محتاجة تفكير... إنتي النهارده دماغك مش موجودة."
قالت وهيا بتتنفس بعمق:
"أنا هسمع كلامك... بس لو ندمت...."
قاطعها بابتسامة واثقة:
"موافق."
رفعت حاجبها باستغراب:
"على إيه؟ أنا لسه مقولتش."
ويتر جه بفنجان قهوة. آسر وقف اخده منه وحطه قدامها وقال:
"أي حاجة منك مقبولة يا شيري."
مشي وهو بيقول بنبرة هادية بس ثابتة:
"افصلي شوية وبعدين ارجعي كملي."
وسابها مكانها. نصها تايه... ونصها بيلملم نفسه...
كان فارس واقف في نص الأوضة، بيقفل السحاب بتاع شنطته وهو بيبصلها بنظرة فيها استعجال ممزوج بقلق. وقال وهو بيعدل الإيد بتاعة الشنطة:
"كده كله تمام؟!"
لارا كانت واقفة قصاده، ملامحها فيها توتر بسيط بس ثابتة. ردت بثبات:
"بس فاضل مشوار صغير."
فارس رفع حاجبه وسأل بقلق:
"مشوار إيه ده؟!"
ردّت وهي بتلم شعرها وبتاخد نفس عميق:
"هروح لأهلي آخر مرة."
قرب خطوة وقال بقلق:
"تاني؟!"
قالت بهدوء مصطنع:
"آه، بس مش هتأخر متقلقش."
فارس عقد حواجبه، عينيه عليها كأنه بيحاول يلقط أي علامة تخليه يطمن. وقال بضيق مش قادر يخبيه:
"بس أنا مش عايزك تروحي."
ردت بثبات:
"متنساش إن دول أهلي يا فارس."
ردّ بسرعة:
"مش ناسي طبعًا، بس حاسس إنك هتروحي زي ما هتيجي."
شدّت نفس وابتسمت ابتسامة مش كاملة:
"لازم أعمل حاجة الأول."
فتحت شنطتها ببطء، طلّعت كتاب وخبته في هدومها. فارس لمح الحركة، قرب خطوة وقال باستغراب وقلق بيكبر:
"إيه ده؟!"
ردّت بهدوء تام:
"القرآن الكريم بالإسباني."
عقد حواجبه باستغراب وسأل:
"هتعملي بيه إيه؟!"
ردّت بنفس الهدوء:
"هحاول مرة."
كان لسه هيتكلم، بس هيا سبقته وقالت بسرعة:
"متقلقش أنا عارفة أنا بعمل إيه كويس."
فارس وقف مكانه بقلق، قال بصوت واطي مليان رهبة:
"مش عارف هقعد إزاي لحد ما ترجعي."
ابتسمت ابتسامة مطفية وهيا بتقول:
"متقلقش مش هتأخر."
وقبل ما يتكلم، فتحت الباب وخرجت بسرعة وسابته واقف مكانه. قعد على أول كرسي قدّامه، إيده على راسه، والقلق بدأ يتسربله ببطء...
لارا اخدت نفس عميق قبل ما تدوس على جرس البيت. بالرغم من إن معاها المفتاح، بس هيا اختارت متستخدمهوش. الباب اتفتح بعد ثواني ومامتها ظهرت. شهقت، نظراتها مابين لهفة وخوف وقلق. لكن قبل ما تمدّ إيديها تحضنها، ظهر باباها من وراها، واقف زي الجبل، أكتافه عريضة، ونظراته كانت أول سهم اتوجه لها. مش نظرة كره طبعًا، بس كانت نظرة صدمة مكبوتة، خوف مش عايز يبان، وطبقة قسوة كان مقتنع إنها هتمشي كل كلامه.
قال بصوت رخيم بس ناشف:
"إيه اللي جابك؟! رجعتي لعقلك؟!"
لارا غمضت عينيها ثواني قبل ما ترد. صوتها جه واطي بس ثابت:
"جيت اتطمن عليكوا، كوني بقيت مسلمة مش هيغير حقيقة إنكوا أهلي وإنك لسه بابايا."
باباها شد فكه وقال ببطء كأنه بيحاول يمسك نفسه:
"إنتي اتخليتي عن عيلتك دي لما قررتي تاخدي قرار زي ده. وجودك دلوقتي وسطنا خطر."
لارا حطت شنطتها على جنب وقربت بثبات برغم توترها:
"أنا عملت الصح، المقنع بالنسبالي. اكتشفت إن حياتي غلط وحبيت أصلحها. صدقني يا بابا إنتوا اللي غلط."
مامتها كانت واقفة بينهم تايهة، عينيها على لارا، وفي نفس الوقت بتملس دراع جوزها كأنها بتحاول تهدي بركان، لكن هو شال إيديها بهدوء ما قبل العاصفة. قرب من لارا خطوة... خطوة واحدة بس، بس كانت كفيلة ترعبها.
"إسلامك... قرار كبير، كبير أوي ومش سهل عليا أتقبله ولا أستوعبه. لما أشوف بنتي بتخرج عن طوعي وعن ملتي يبقى أنا بخسرك."
لارا رفعت عينيها ليه وقالت بهدوء يحرق:
"أنا لسه بنتك على فكرة، ومش هقدر أسيبكوا كده. بابا إحنا غلط صدقني، أنا جيت انهارده أحاول أرجعوا للطريق الصح."
نظرته بقت قاسية جدًا، كأن كلامها عصبه لدرجة كبيرة. قال بغضب:
"إنتي عملتي حاجة كبيرة وعايزانا نكون زيك، عايزاني أقتنع بالهبل ده، أكون مؤمن بحاجة ملهاش وجود وفوق كل ده أؤمن بإنسان زيه زيي، إيه التخريف ده."
لارا اخدت نفس وقالت:
"حضرتك مش فاهم حاجة، ده مش بني آدم عادي، ده مش زي البشر العاديين. قرأت عنه كتير أوي وعرفت قد إيه هو كان نبي عظيم، واللي خلقه أعظم."
رفع أيده يوقفها بحزم:
"متكمليش أحسن لك. أنا لما طردتك افتكرتك هتفهمي غلطك وترجعي عن اللي إنتي فيه، بس شكلك مش هتتعظي."
لارا فهمت إنه عمره ما هيقتنع منها. طلعت الكتاب، بصتله لحظة بحزن. أول مرة تشوفه بالجمود ده. حطت الكتاب قدامه وقالت:
"ده القرآن مترجم بالأسباني. امنيتي الأخيرة قبل ما أمشي تقرأه كله. اقرأه وافهم معناه يمكن تلاقي رد على كل الأسئلة اللي جواك، وهتكون أنقذت عيلة كاملة من الضلال."
وبدون من تسمع رد أو رفض خرجت بسرعة من البيت، وبرغم نداء والدتها ليها بس هيا انسحبت بسرعة، وكان كل أمنيتها باباها يفهمها ويفهم إنها صح، مش لأن كل واحد صح من وجهة نظره...
كانت شيري قاعدة في أوضتها بالليل، ضوء فونها موضح عيونها المجهدة من اليوم الطويل. يومها كله كان متلغبط، من تيا الصبح لحد كلام آسر اللي لسه صوته بيرن جوا دماغها "اعملي المناسب." الكلمة دي كانت بتقع على قلبها زي حجر... مش عشان سهلة، بالعكس، لأنها كانت صعبة وبتسحب وراها قرار أكبر من قدرتها.
حطّت الفون قدامها، صوابعها كانت بتترعش وهي بتدور على اسمه. فضلت تبص للشاشة دقيقة، اتنفست بعمق وهيا بتحاول تهدي ضربات قلبها اللي زادت بشكل ملحوظ. وقبل ما تفكر أكتر رنت. كان بيدي رنات، كل ثانية كانت بتزود ضربات قلبها أكتر. فضلت مستنيه لحد ما صوته جه، صوت هادي بس فيه تعب:
"الو؟!"
شيري بلعت ريقها وقالت بتوتر واضح:
"إزيك يا زيزو عامل إيه؟!"
كانت عاملة نفسها عادية وهيا بعيدة كل البعد عن العادي. رد عليها ببساطة:
"الحمد لله بخير... إنتي إيه أخبارك؟"
ردت بهدوء مزيف:
"الحمد لله تمام."
بعدها ساد صمت... صمت مرهق. هو سأل:
"في حاجة ولا إيه؟"
اخدت نفس بسرعة وقالا:
"آه... بصراحة في."
شد صوته وسأل:
"في إيه؟!"
سكتت لحظة وبعدين قالت:
"تيا؟!"
هنا حست بنبرة صوته اتبدلت. القلق ظهر فجأة وهو بيقول:
"هيا كويسة؟ طمنيني عنها."
هزت راسها وقالت بسرعة:
"هيا كويسة، بس متقدملها عريس وقررت توافق عليه."
رواية اذا أراد النصيب الفصل العشرون 20 - بقلم بتول عبد الرحمن
هيا كويسة، بس متقدملها عريس وقررت توافق عليه.
الجملة وقعت عليه صدمته، سكت خالص.
سكت لدرجة أن شيري بنفسها بدأت تشك لو هو لسه معاها على الخط.
شيري صححت بسرعة وكأنها بترميله حبل نجاة:
هيا مش عايزاه أصلاً... هيا عايزك انت، بس...
قاطعها بنبرة مش ثابتة تماما، فيها غضب مكتوم، فيها خضة، فيها غيره، فيها حب:
امتى؟
ارتبكت وسألت:
هو ايه اللي امتى؟
رد بحدة واضحة:
الزفت اللي جاي ده... جاي امتى؟
بعد بكرة بالليل... يمكن الساعة 8 مثلا.
تمام... شكراً يا شيري إنك عرفتيني.
سألت بخوف:
هتعمل ايه؟
رد بغموض:
اللي المفروض يتعمل.
حاولت توضح:
انا قولتلك علشان يكون عندك خبر وتتعامل بطريقة كويسة.
رد بنفاذ صبر:
شكراً يا شيري... سلام.
وقفل. الفون نزل من إيدها كأنه تقيل. وبالرغم من الجو الساكت بس جواها نفس الدوشة، نفس الدوشة بتاع الصبح. دموعها نزلت فجأة وهيا بتبص للشاشة، احساس بالوجع وتأنيب الضمير والخوف من اللي هيا نفسها ساهمت فيه. كانت عارفة إن اللي عملته صح... أو المفروض إنه الصح... بس قلبها؟ قلبها كان بيقول حاجة تانية.
مسحت دموعها وايديها بتترعش، وقالت لنفسها وهيا بتحاول تقنع نفسها:
ده المناسب... صح؟
وبدل ما تشكر آسر شتمته بهمس:
غبي...
هيا كانت عارفة إنها بتعلّق غلطها على شماعته، بس الحقيقة؟ إنها كانت محتاجة أي شماعة... أي حاجة تهون بيها الوجع اللي في قلبها.
قاطع كل تفكيرها ده بقا سلمى اللي دخلت بخطوات سريعة كأنها شايلة خبر مهم. قربت وقالت بصوت واطي:
فارس جه.
شيري رفعت راسها بسرعة، اتفاجئت وسألت:
بجد؟ امتى؟
سلمي قربت منها وقالت:
لسه جاي دلوقتي، ومعاه البنت اللي جابها معاه قبل كده.
شيري سألت بصدمة:
دلوقتي؟!
سلمي هزت راسها:
شكل الموضوع كبير... تعالي يلا.
قالت كلامها وخرجت وشيري وقالت وهيا بتقوم من مكانها:
جايه.
استنيني.
فارس كان قاعد، ملامحه فيها توتر ولارا قاعدة جمبه، قاعدة ثابتة لكن عينيها فيها رهبة خفيفة من الجو. حنان كانت قصادهم بتسمع فارس وملامحها واضحة انها سمعت كلام معجبهاش. سلمى وشيري كانوا واقفين بيتابعوا الكلام اللي داير بينهم.
حنان بدأت أول ضربة:
تقعد معانا ازاي يا فارس؟ دي واحدة غريبة ومش مننا، غريبة من كلو.
فارس مسك نفسه بالعافية ورد بهدوء محسوب:
ماما... مش هينفع اسيبها تقعد بره، هتفضل هنا كام يوم بس.
حنان ضربت كف وكف وقالت بتفكير أي أم مصرية:
يبني وافرض انها مش كويسه، تيجي تسرقنا وتمشي ولا تعمل حاجة فينا، هو اي حد يصعب علينا نجيبه يعيش معانا.
فارس اتنهد وبصلها بحدة خفيفة:
إيه يا ماما بس اللي بتقوليه ده، انتي متعرفيش أبعاد الموضوع أصلاً.
حنان قالت:
وإيه هي أبعاده يا ابن بطني؟
فارس قال مباشرة بدون لف ودوران:
أنا ولارا هنتجوز.
شهقة طلعت من سلمى وشيري في نفس اللحظة وحنان اتجمدت، بصت لفارس كأنه قال أكبر مصيبة في الدنيا.
إيه؟ تتجوزها؟ لبستك العِمّة؟
صوتها كان عالي ورافض ومصدوم.
انت مش قولت إنك معاها علشان هيا عايزة تسلم وبس كده؟!
فارس رد بسرعة:
هو حرام أتجوزها يعني؟
حنان اتنهدت بحرقة:
من قلة البنات؟ مش لاقي غير دي؟ لا نعرف نتعامل معاها ولا هيا تعرف.
فارس حاول يهدّي الوضع:
هيا بتتعلم عربي وكلها مسألة وقت وهتتعامل معاكي، مش شايف إن في مشكلة يعني.
حنان رفعت حاجبها وقالت وهيا مش قادرة تبلع الفكرة:
كل ده ومش مشكلة؟! عايز تتجوز خواجاية؟!
فارس غمض عينيه ثواني وقال:
ماما افهميني، هيا خلاص بقت مسلمة... وكمان هتلبس الحجاب قريب إن شاء الله.
حنان قالت بنبرة غضب مكبوت:
وهيا ملهاش أهل؟
ليهـا.
رد فارس بهدوء.
وإيه أخبارهم؟
سألت حنان وهيا شاكة ان في إنة.
وانا مالي بيهم يا ماما؟ هو أنا هتجوز مين؟
حنان ضربت كف بكف تاني وفهمت:
يبقى مش من المِلة!
فارس قال بسرعة:
مش مهم... المهم لارا.
حنان قالت بسخرية خفيفة:
لارا قال.
فارس رجع يبص على لارا وقال:
هيا مش عاجباكي؟
حنان قالت بصدق واقعي:
هو أنا أعرفها يا ابني؟! جايبلي واحدة تاني مرة أشوفها تعيش معانا؟! أتطمن إزاي؟
فارس قال بحزم:
متقلقيش بقا... والله هتحبيها.
حنان بصت للارا بتفحص وقالت بصوت أقل حدّة:
مش أما أعرف أكلمها الأول؟
فارس قال:
أنا هبقى وسيط بينكم... بس متضايقهاش علشان خاطري.
حنان قالت وهيا بتقوم من مكانها:
هضايقها بإيه يعني؟ ربنا يقدم اللي فيه الخير... اهي إرادتك.
فارس اتنفس وقال للارا:
انبسطت إنك هتقعدي معانا؟
لارا بصتله بقلق واضح:
مش باين... حساها مش طايقاني.
ضحك فارس ضحكة هادية وقال:
بالعكس... دي حبتك أوي.
حنان وقفت وقالت:
بتبرطم تقول إيه؟
فارس رد:
بحاول ألطف الجو... علشان تحس إنها مقبولة.
حنان قالت وهيا ماشية:
يارب يكون ظني فيها غلط.
فارس قال:
هيا هتبات في أوضتي وأنا هبات مع تيام.
حنان قالت بضيق:
جت شقلبت الدنيا يا الله.
انتي إيه مضايقك دلوقتي؟
ولا حاجة... أنا داخلة أنام.
وبصت لسلمي وشيري نظرة صارمة:
ابقوا خدوا بالكوا لتعمل حاجة كده ولا كده... انتوا فاهمين؟
فارس قال بتنهيدة:
ماما... كفاية بقا.
حنان قالت قبل ما تختفي:
يا خوفي يا ابن بطني يا خوفي.
لارا دخلت أوضة فارس على مهل، قفلت الباب وراها بهدوء، وقفت في نص الأوضة وبصّت حواليها، كل حاجة فيه كانت شبهه، الوان الاوضة، ترتيبها، كل حاجة بتدل على شخصيته. قربت خطوة ولمست طرف الملاية بأطراف صوابعها، مجرد فكرة انها هتنام مكانه خلت قلبها يرفرف. وبرغم أن سلمى قالتلها انها هتغيرلها الملاية بس هيا رفضت، حبت تنام على نفس الملاية، يمكن تحس بوجوده لما تشم ريحته. عينيها راحت للكومودينو، كان عليه كتب كتير، واضح أنه بيحب القراءة، كان في كتاب موجود قدام لوحده شكله بيقرأه. مدت إيديها وفتحته على الصفحة المتعلم عليها، كان بالعربي فطبيعي متفهمش منه اي حاجة. قفلته ورجعته مكانه. بصت حواليها وقربت من الدولاب فتحته وبصت على هدومه، قمصانه ألوانها هادية، كلها عملية، ستايل لبسه بيعجبها اوي. ريحته موجودة في الاوضة، اخدت نفس عميق وهيا بتحاول تستنشق اكبر قدر من ريحته الموجودة، وحسّت بقلبها بيدق أسرع. قربت من التسريحة ومسكت برفانه، فتحته ورشتها في الأوضه وبعدين رشت على نفسها وهيا عايزه تحس بوجوده اكتر.
قعدت على طرف السرير، الإحساس كان غريب عليها، سندت إيديها وراها وبصّت للسقف، ابتسامة صغيرة اترسمت على شفايفها، فكرت قد إيه الطريق اللي جابها هنا كان طويل، وقد إيه اللحظة دي بسيطة بس تقيلة.
تاني يوم...
جو الفطار كان تقيل شوية، لارا كانت حاسة نفسها دخيلة، قاعدة في مكان لسه مش متطمناله، كل حركة منها محسوبة. فارس لاحظ ده بسرعة، كان متابعها من البداية، بصلها وقال:
مالك؟
لارا رفعت عينيها عليه بسرعة كأنها اتقفشت وقالت بهدوء:
مفيش، عادي.
قرب شوية وقال بنبرة فيها اهتمام واضح:
الأكل مش عاجبك ولا ايه؟
هزت راسها بسرعة:
لاء طبعا حلو جدا انا باكل اهو.
فارس ابتسم ابتسامة خفيفة بس رد بعدم اقتناع:
مش باين.
اتنفست بعمق، صوتها طلع واطي شوية:
انا محرجة شوية يا فارس.
حنان كانت متابعاهم من غير ما تفوت اي تفصيلة، رفعت حاجبها وقالت:
ما تفهمنا بتقول ايه.
فارس لف وشه ليها وقال بضيق:
في ايه يا ماما بسألها مش بتاكل ليه.
حنان ردت بعدم اهتمام:
اللي ياكل على درسه ينفع نفسه.
فارس اتشد شوية من الجملة وقال بنبرة دفاع:
احنا لسه اول يوم، البنت معملتش حاجه علشان تحطيها في دماغك.
حنان رفعت عينيها وبصتلها بنظرة سريعة وقالت:
هحطها ليه، هو انا اصلا عارفه اتعامل معاها، اهي موجودة زي مش موجودة.
لارا اتلغبطت، بصت لفارس وسألته بتردد:
هو في مشكلة؟
فارس رد بسرعة:
لاء مفيش، كلي كويس.
سكتوا لحظة، لحظات صمت عدت قطعها هو تاني:
نم
تي كويس؟
هزت راسها بابتسامة خفيفة:
ايوه، سريرك مريح.
ضحك بهدوء:
طب كويس، انا قولت انك مش هتعرفي تنامي ولا هترتاحي.
بصت في الطبق قدامها، وبصوت صادق ردت:
كنت حاسة انك معايا طول الليل، ريحتك في الاوضه وده طمني وخلاني اعرف انام.
سلمى ابتسمت ابتسامة واسعة وقالت وهيا بتبصلهم:
حنينين اوي، يا روحي.
شيري قربت براسها شوية وسألت بفضول واضح:
بيقولوا ايه؟
فارس رد بضيق:
اخدها ونمشي يعني عشان ترتاحوا.
سلمى رفعت إيديها باستنكار:
هو انا قولت حاجه.
شيري سألت تاني:
ما تقولي بقا.
سلمى لفت وشها وقالت:
بعدين بعدين.
حنان اتدخلت وسألت بفضول اكبر:
لاء قولي دلوقتي.
سلمى ردت وهي بتضحك:
ايه يا ماما الفضول ده.
فارس وقف، عينيه راحت بينهم وهو بيقول بقلق ممزوج بهزار:
انا خايف امشي واسيبها معاكوا اقسم بالله، يارب عدي الايام دي على خير.
حنان بصتله ببرود:
وقفت ليه، كمل اكلك.
رد وهو بيشد الكرسي:
شبعت.
فارس انسحب وحنان وشيري بصوا للارا اللي كانت قاعدة مكانها مش فاهمة حاجة، وبصوا بعد كده لسلمى في نفس اللحظة وسألوا:
كان بيقولها ايه؟
شيري كانت غرقانة في الشغل من بدري، إيديها بتتحرك تلقائي ودماغها في حتة تانية خالص. كل شوية تقف لحظة وترجع تكمل تاني لحد ما حست انها محتاجة بريك شوية، سابت مكانها وطلعت بره، وقفت في مكان هادي بعيد عن العين، سندت ضهرها وغمضت عينيها ثانيتين، بتحاول تفصل من كل حاجة لحد ما سمعت صوته اللي جه هادي كالعادة:
ايه الاخبار؟
فتحت عينيها وبصتله، ملامحها باهتة شوية، بس حاولت تبين إنها تمام:
الحمد لله.
قال وهو مركز في وشها أكتر من كلامها:
عملتي ايه في موضوع امبارح؟
ردت من غير تردد، بس بنبرة فيها حسم:
عملت الصح.
آسر قطب حواحبه باستغراب:
الصح؟!
شيري أخدت نفس طويل قبل ما ترد:
اه، لانه مش مناسبني بس مناسب الكل، ابعاد الموضوع مختلفه وانا مش حابة اتكلم عن الموضوع ولا افكر فيه لانه بيرهقني نفسيا، ساعات بتضطر تعمل الصح حتى لو مش مناسبك لانك مش هتقدر تتجاهل وجع ناس تانية قصاد وجعك، دي أنانية وانا عمري ما كنت أنانية.
كلامها خرج تقيل، متراكم، فيه دفاع وفيه تعب وفيه محاولة إقناع قبل ما تكون تبرير. آسر رفع حواجبه شوية وقال بنبرة أخف:
ايه الهجوم ده انا سألت سؤال؟
اتلغبطت، حست إنها انفعلت أكتر من اللازم فوطت صوتها وقالت بسرعة:
اسفه بس انا مضغوطة شوية، وطلعت افصل من الضغط اللي حسيت بيه.
آسر هز راسه بهدوء ورد باعتذار:
لاء انا اللي اسف اني قطعت عليكي اللحظة، كنت بس حابب اتطمن عليكي علشان كنت قلقان شوية، انتي من الناس المهمه عندي.
الجملة نزلت عليها تقيلة شوية، يمكن لأنها صادقة زيادة عن اللزوم. بصت بعيد لحظة عشان تخبي الارتباك اللي في عينيها، وبعدين رجعتله بابتسامة خفيفة باهتة:
لا ولا يهمك.
انسحب بهدوء زي ما جه وهيا بصت لطيفه بحزن شوية، يمكن هو حاليا من ضمن أفكارها بس هيا في احساس واحد مراودها دلوقتي....الخوف.
الهوا كان شديد والجو برد في اليوم ده، زيزو كان واقف من بدري عند مدخل الشارع، أكتر من ساعة وهو ثابت مكانه، ملامحه متشنجة، وعينه مبتفارقش أول الطريق، مستني، ومصمم... ولما اخيرا لمح عربية داخلة الشارع، بدون ما يفكّر مد إيده شاور للسواق يقف. العربية وقفت مكانها وزيزو مشي ناحيتها بخطوات واثقة ومتقلقة، قرب من شباك السواق، خبط بإيده على الباب وقال بصوت بارد بس مرعب:
انزلي كده يا حبيب.
الراجل نزل وهو مش فاهم في ايه، ملامحه فيها توتر خفيف. زيزو سأل بسخرية وغضب:
على فين العزم كده إن شاء الله؟
الراجل سأله باستغراب:
وانت مالك انت؟
في ثواني زيزو طلع المطوة وحطها على وشه وقال بنبرة هادية زيادة عن اللزوم:
لاء اتعدل كده عشان مبوظش الوش الجميل ده.
الخوف بدأ يبان في عيون كل اللي في العربية، والراجل الكبير اللي كان قاعد قدام فتح بابه بالعافية بس زيزو شاورله من غير ما يبص حتى:
خليك مكانك يا عمو، انا مش هقلبكوا ولا حاجة، انا بس عايز اعرف البرنس ده ناوي يروح فين.
الراجل الكبير قال بسرعة وهو بيحاول يهدّي الجو:
يبني ده عريس جديد ميصحش كده، عندنا معاد هيشوف عروسته.
وش زيزو اتبدّل، بقا مفيهوش نقطة صبر، قرب أكتر وقال بحدة:
لاء مهو مفيش عرايس، يعني يرضيك يا عم الحاج تروحوا تشوفوا خطيبتي.
العريس اتصدم وقال بارتباك واضح:
خطيبتك؟ تيا خطيبتك انت؟
زيزو قرب خطوة وقال باختصار قاتل:
بالظبط، ولو سمعت اسمها على لسانك تاني هقطعهولك.
العريس سكت... سكت بجد وهو حاسس أن شكله بقا وحش. الراجل الكبير حاول يصلّح الموقف وقال:
احنا منعرفش يبني.
زيزو رد بنبرة مليانة غصب وغيرة:
واديكوا عرفتوا، شرفتوا.
مسك العريس من هدومه وشدّه خطوة، ثبت المطوة على وشه بمنتهى البرود وقال:
ولو شوفتك هنا تاني او قريب من هنا هقطعهولك.
قرب من ودنه وقال ببطء يخوّف:
المرادي مش لسانك.
العريس اترعب حرفيًا، ملامحه بقت بيضا، زيزو ساب هدومه فجأة وقفل المطوة، والاتنين رجعوا للعربية بسرعة وانسحبوا بسرعة البرق.
زيزو وقف مكانه لحد ما العربية اختفت، فتح فونه ورن عليها وهو ماشي ناحية البيت، رنه والتانيه مردتش بس هو كان مصمم لحد ما اخيرا ردت، اول ما ردت قال:
انزليلي.
تيا بلعت ريقها بخوف وقالت:
انزل ايه انت اتجننت.
رد بنفاذ صبر:
قسما بالله يا تيا خلال 3 دقايق لو ما كنتي قدامي هطلعلك انا، انتي عارفه اني مجنون واعملها.
تيا ردت بخفوت:
طب ثواني.
قفلت معاه وخلال دقايق كانت بتنزل السلم، أول ما ظهرت قدامه حس أنه اتشد لحظة، كانت لابسة طقم شيك، شعرها معمول بطريقة مخليه ملامحها ارق، وميكب بسيط جدا لايق مع شكلها. بصلها من فوق لتحت بغيظ وقلق وحسرة... خليط غريب مش قادر يخبيه، وقال بسخرية لازعة:
هه، شكلك موافقة فعلا.
تيا قربت منه، صوتها كان متوتر شوية وهيا بتسأل:
في ايه؟ انا مينفعش اتأخر.
صوته علي وهو حاسس بغيظ رهيب:
لابسة عشانة ومظبطة نفسك ليه؟
تيا ارتبكت وقالت:
هو مين؟
قال بقسوة وهو بيجز على سنانه:
العريس؟
بصتله وسألت بقلق:
انت مين قالك؟
رد وهو مش مهتم يشرح:
مش مهم.
تيا حاولت تسيطر على الموقف وقالت:
طب منزلني ليه، قول عايز ايه بسرعة قبل م...
قطع كلامها بجملة جمدت دمها:
محدش جاي، اللي مستنياه مش جاي.
تيا اتوترت:
قصدك ايه؟ انت عملت ايه؟
قال وهو بيبصلها بنظرة سوداوية:
لاء انا معملتش، انا لسه هعمل.
قربت خطوة غصب عنها وسألت بصوت واطي:
انت عملت ايه بجد؟
قال بعدم اهتمام:
فكك من اللي عملته، المهم دلوقتي أنا عايزك، هعتبر أن مفيش حاجة حصلت وهبدأ من جديد، انا عايزك.
اتنفست بعصبية وقالت:
احنا اتكلمنا قبل كده في الموضوع ده، انت عارف ردي.
قال بحدة:
نسيت، انهاردة غير.
قالت بثبات:
مش هينفع قولت مره.
هنا هو انفجر وشتم قبل ما يقول:
ليه مفكراني اخوكي؟
اتصدمت وتمتمت:
زيزو؟
قال بنفاذ صبر:
بلا زيزو بلا خرا.
وبحركة سريعة طلع المطوة من جيبه وفتحها، شهقت بخوف وبعدت بس هو مسك إيديها بعنف وحط المطوة فيها ووجهها ناحية صدره، ساب إيديها ثابتة رغم مقاومتها، مسكها بإحكام وبصلها وقال ولأول مرة تشوف في عيونه القهر ده:
اختيارين ملهومش تالت، يا امشي من هنا وانتي خطيبتي يا امشي ميت، وعلى ايدك.
تيا اتخضت... عينيها وسعت ورجليها تقلت، حاولت تشيل إيديها من بين إيديه بس هو كان ماسكها جامد، قالت بخوف:
انت مجنون؟ بطل جنان عشان خاطري.
لكن هو متهزش، كان مثبت ايديها جامد ومش سايبلها فرصة تهرب، وبالرغم انها كانت بتحاول ترجع لورا بس هو بحركة واحده شدها لحد ما بقت بينه وبين الحيطة، المسافة بقت شبه معدومة، حط عينه في عينها من غير ما يرمش وصوته خرج واطي بس حاد:
القرار في ايدك دلوقتي.
تيا كانت مخضوضة حرفيا، جسمها كله متخشب، إيديها سقعة وبترجف كأن الدم هرب منها، نفسها متلغبط ومش قادرة حتى تبلع ريقها، بصت للمطوة وبعدين لوشه، وشايفه في عينيه اصرار، الرعب مرسوم في عينيها وقالت بصوت مهزوز:
سيبني بقا، مش هقدر، مش بالسهولة دي.
هو قرب أكتر، خلى المطوة تلمس جلده أكتر، وقال وهو ضاغط على إيديها:
مش بالسهولة توافقي عليا ولا انك تحطي السكينة دي في قلبي!!
دموعها لمعت في عينيها، حاولت تشد إيديها منه بس قبضته كانت أقوى وقالت برجاء:
عشان خاطري سيبني، متعجزنيش.
ملامحه كانت قاسية، فيها تحدي وغضب ووجع متلغبط وقال ببرود يخوف:
انا مش شايف الموضوع صعب، ارشقي السكينة في قلبي ونخلص من الموضوع كله، لو انتي هتقرري تتجوزي حد تاني يبقى اعمليها يلا، بس لو مش هتقدري يبقى هطلع لابوكي دلوقتي واقوله اني عايزك.
قلبها وقع في رجلها، الخوف اتبدل بذعر حقيقي هزت راسها بسرعة وهي بتزقه بإيديها التانية، وصوتها طلع مكسور:
لا لا لا لا مش هينفع، والله مش هينفع، انت مش الشخص المناسب ليا والله، مش هينفع.
قرب وشه منها أكتر، عينيه بتدور في وشها كأنه بيقيس مدى صدق كلامها وقال بتحدي:
قولي سبب مقنع وهسيبك.
سكتت ثانية، وبعدين قالت وهيا بتحاول تجمع شجاعتها:
مينفعش نجرح حد ونطنشه، انا عمري ما هقبل بيك لانك في قلب حد تاني، هيكون احسن لو فكرت تدي قلبك للي معاك قلبها.
اتنفس بحدة، ونبرته بقت أسرع كأنه مستعد ينسف السبب:
لو قصدك عن شيري فهيا بنفسها اللي كلمتني وقالتلي اجي امنع اللي جاي انهاردة، هيا اللي عرفتني، وانا عارف مشاعرها بس عمري ما عشمتها بحاجة، انا مش بحبها ولا عمري كنت هبصلها اصلا.
الكلام نزل عليها صدمة، عينيها وسعت وصوتها طلع مبحوح:
شيري كلمتك؟ هيا اللي قالتلك؟
ايوه هيا اللي عرفتني، فبلاش تحطيها حجة.
في اللحظة دي، حاجة اتكسرت جواها، زقته بإيديها بكل اللي فاضل فيها من قوة، وبعدت خطوة وهيا بتبصله بقهر ووجع:
وعايزني بعد اللي عملته اتجاهلها؟! شكلي كنت غلطانه فعلا لما كنت بتعامل معاك بطريقتي وكان لازم احط حدود من الأول ومبصش لحد اختي بصتله، انت دلوقتي وريتني قد ايه انا وحشه.
قبل ما يلحق يرد أو يقرب حتى، كانت بالفعل اتحركت، لفت ضهرها وطلعت بسرعة، خطواتها سريعة، سايباه واقف مكانه، المطوة في إيده وهو بيبص لطيفها بحزن وبيضغط على المطوة بايده، نقط الدم اللي نزلت من ايده بسبب المطوة ومسببة وجع لايده مش مهمه قد وجع قلبه حاليا.