ظل ينظر إليها عاقدًا حاجبيه بشدة، إلا أن الذهول كان ظاهرًا بعينيه. عيناها تتحداه بكل قوة لم يرها من قبل، رغم أنه على ثقة بأنها ترتجف بداخلهـا ولو قليلًا. بملامح مغلقة إنما بعينين يتطاير منهما الشرر ونبرة تهتز لها أعتى الرجال قال: -مُتأكدة إنك أد الكلام ده؟
قال تلك الأخيرة بنبرة ساخرة سوداء وهو يكشر بقوة. ارتعدت أوصال «لينا» وهي تناظر ذاك الوحش البشري أمامه، والذي يبدو مستعدًا لالتهامها كل الاستعداد. ورغم ذلك هتفت بثقةٍ وقوة لا أحد يعلم مصدرها: -أنا مش بنطق بأي كلمة إلا لما بكون أدهـا، ولو تحب أثبتلك، مفيش مشكلة. تصلب فك «مراد» وارتجفت عضلة في خده إلا أنه لم يتحرك إنشًا. بينما «لينا» تكمل بكل هدوء: -ودلوقتي من الأفضل تدخل تستريح، العملية قربت أوي، ولازم نستعد.
وقبل أن تلتفت وجدتـه ينطق بصوتٍ غاضب مكتوم: -عاوزة تقوليلي إنك منمتيش مع حد قبل كدا؟! .. ولا هو بمزاجك؟ وقاحته تخطت الحدود. إبتسمت بمرارة قاسية قبل أن تُجيب دون أن تلتفت: -رغم أنها حاجة متخصكش، بس حاجة زي كدا، كله بيمشي على حسب رغبتي أنا.
دون كلمة أخرى، سارت بخطى هادئة تمامًا نحو الباب كي تلج إلى خارج الغُرفة، تاركة خلفهــا شخص على وشك الجنون من كلماتهـا اللعينة. تقوس فمـه بإبتسامة قاسية.. بها شيءٍ من التسلية وهو يضع يديه داخل جيوب بنطالـه متمتمًا بهدوءٍ ماكر كالصياد الذي رأى أخيرًا فريستـه: -إذا كان كدا بقى، أنتي لازم تتعاملي بأسلوب تاني خالص، كان لازم أعرف إنك مش سهلة أبدًا من أول يوم شوفتك فيه. ***
هبطت «جوان» باحثة عن «داود» بعينيهـا، فوجدته جالسًا بالشرفة الخاصة بمكتبه وأمامه العديد من الملفات لحسابات المطاعم الخاصة به يقوم لمراجعتها. غابت لعدة دقائق ثم عادت وهي تحمل كأسين من الخمـ..ر. دنت منه وهي تقول: -حبيبي أنت لسه قاعد؟ أشار بيده وهو يقول: -براجع بس على الحسابات.
جلست «جوان» على ذراع المقعد العريض الذي يجلس "داود" من فوقه وتمايلت عليه. بسط ذراعهـا نحوه بكأس الخمـ..ر الخاص به فتناوله منها دون أن ينظر نحوهـا. صمتت قليلًا قبل أن تقول فجأة بصوتٍ حانق: -داود، أنا مش مرتاحة لـهدوء لينا. أنتصب في جلسته وترك ما بيده وهو يسألها بإهتمام: -ليه يا جوان؟! .. وبعدين أنا وضحتلك لو فكرت تلعب نهايتهـا هبقى إيـه؟ الشغل إللي إحنا بنعمله ده ملوش غير طريق واحد، وأظن إنتي عارفة ده كويس.
التفكير يُقاتلها، فقالت بلهجة جادة: -ممكن نهايتك دي تبقى على إيد بنتك، هي معندهاش حاجة تخسرهـا خلاص. سكتت للحظةٍ قبل أن تقول بنبرة ذات مغزى: -ومتنساش إنهـا عمرهـا ما هتنسى إنك قاتل أمهـا. إبتسم بسخرية وهو يقول بنبرة حادة: -كانت هتبلغ عني، عوزاني أعمل إيه؟ هب واقفًا وهو يُضيف بعينين مظلمتين:
-وكان نفسي تخلف ولد يكمل مسيرتي، لكن هي أكتشفت ده، وأكتشفت شغلي الحقيقي، لو مكنتش قتلتهـا، كانوا هما إللي هيعملوا كدا، وساعتها كانت مكانتي إللي فضلت أبني فيها سنين هتتهز، وأنا لا يمكن أسمح بـ ده أبدًا. وثبت واقفة وهي تقول بجدية تامة: -وعشان كدا بحذرك، لأنها مش بس عارفة إنك قتلتهـا، دي عارفة إنك مش بتعتبرهـا بنتك، هي بالنسبالك مجرد سلعة، وده بيزود قساوة جوا قلبهـا، ويا ويل لو دوقت قسوة لينا.
أستدار نحوها وهو يدنو منهـا قائلًا بثقة: -ماتقلقيش يا حياتي، أنا عارف أنا بعمل إيه، ده أنا داود الصاوي! بادلتـه «جوان» إبتسامة وهي تطوق عنقه هامسة بنعومة: -طب إيه بقى موحشتكش؟ تبدلت نظراتــه إلى مكر وهو يقول: -طبعًا وحشاني، وتعالي أثبتلك. ضحكت بخفة وهو يسحبهـا إلى الأعلى حيث غرفتهمـا، وقضيا ليلتهمـا وسط خيوط الليل المُنسدلة على القصر. ***
في صباح اليوم التالي، هبط «مراد» إلى الأسفل فوجد كل من «داود» و«لينا» يجلسان معًا يتحدثان عن تلك الشحنة الضخمة التي يجب أن تدخل مصر في أقرب وقت ممكن. تحرك نحوهمــا وهو يحييهمـا مبتسمًا بسخرية لـ«لينا»، التي بادلتـه إبتسامة صفراء دون أن ترد على تحيته. جلس قبالتهــا وهو يستمع إلى لهجة «داود» المُهتمة قائلًا: -ها يا مراد، أتمنى تكون نمت كويس. أومئ برأسه وهو يقول بجدية: -جدًا، ها إيه الشغل إللي هنبدأ فيه؟
نظر «داود» لإبنتــه نظراتٍ غامضة ثم نظر نحوه مرة أخرى وهو يُجيب: -المعلومات إنت عارفهــا، ولكذلك الميعاد، المهم أنا عاوز حراسة على اشحنة إللي نازلة مصر، خلي الناس يتابعوهـا أول بأول. تعجب «مراد» من طلب رئيسـه ليهتف متسائلًا: -أعتبره حصل، بس إشمعنا المرة دي؟ تنهد بحرارة وهو يجيبـه بعدم إرتياح: -مش عارف، بس أنا مش مطمن الفترة دي، متنساش أن في قلق حوالينـا، ده غير البوليس مركز جامد. أومئ «مراد» رأسه إيجابيًا
وهو يقول بتفهم: -معاك حق يا بوص، أنا هظبط مع الرجالة وهبلغهم، وبعد كدا لازم أرجع مصر عشان أتابع بنفسي. هز «داود» رأسه برضا، ومازال بداخله بعض من القلق بشأن شحنة الأسلحة، والتي سيتم نقلها من مصر إنجلترا إلى مصر خلال أيام. أنتبـه إلى صوت إبنتـه الحاد وهي تسألــه: -أومال أنا دوري إيه؟ أنا معرفش أي حاجة عن الشحنة دي ولا ميعادهـا. نطر لهـا بحدة وهو يضرب بعصـاه قائلًا: -هتعرفي كل حاجة في وقتهـا. إبتسمت له بسخرية وهي تقول:
-إذا كان كدا يبقى إيه لازمتي يا داود باشا، على العموم إنت حُـر، إبقى شوف مين هيعرف يظبط الشغل إللي مفيش حد بيقدر يعمله غيري. قالت كلماتهـا الأخيرة وهي ترفع ذقنهـا بثقة، ثم نظرت في إتجاه «مراد» الذي تابع ما يحدث بنظرات غامضة.. حائرة. غادرت من أمامهم متوجهه نحو الدرج كي تصعد إلى الأعلى. أنتظر «داود» إلى أن أختفت عن أنظاره، فهتف بصرامة: -النهاردة يحصل التنفيذ في إللي يخص لينا، عاوزين نخلص.
هز «مراد» رأسه بالإيجاب، وعيناه تشردان بعيدًا، ومن نقطة ما، أشتدت لون عينيـه السوداء ظلامًا، من كثره ما يشعر به بداخلـه جهه تلك الفتاة. *** في المساء، كانت «لينا» تسير بخطى شاردة، وهي تنظر أمامهـا بمشاعر متخبطة. ألم غريب عادت تشعر بـه، فهي أصبحت تكره الوقت الذي تتأمل فيهـا ذاتهـا، فما أن تأتي تلك اللحظة، حتى تهاجم الذكريات والآلآم قلبهـا. سحبت نفسًا عميقًا وهي تقول بقسوة: -هانت، والكل هيدفع تمنـه.
أيًا كان سبب شرودهـا الآن فهو لا يشغل تفكير ذلك الرابض في الزاوية المظلمة القريبة منها، يستعد لتنفيذ الخطة. تحرك «مراد» نحوها بخطوات حذرة كالفهد، وحانت الفرصة، أنقضاضة واحدة من الخلف كانت كافية؛ ليشل حركتها بشماله، وباليمنى كمم فمها بقطعة قماش تحوي مخدرًا قويًا سريع المفعول. وقبل أن تفيق من صدمتها تخلى عقلها عن وعيه في لخظات، وبدت وكأنهـا تسمع صوت من بعيد يقول: -أنا آسف.
فــ تراخت ذراعهـا المتشبثتان بقبضتـه بذهول حول فمهـا، وتنازلت قدماها عن حملهـا ملقية بنفسهـا نحو صدره كهديةٍ ثمينةٍ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!