جاء الماذون وتم عقد قرانهم. وملك تعتصر الألم وتبكى بغير دموع، فدموع القلب أشد وجعاً من دموع العين. أما مؤمن كان لا يعرف ما الذي أوصله إلى ما هو فيه الآن، ولكنه كان يشعر بأنه فعل الصواب ولم يتخلَ عنها. خرج مؤمن من هذا القصر وهو يحمل حقائب ملك التي تتبعه في صمت وخوف والم، لا تعرف ما الذي سيفعله معها هذا الزمان بعدما باعها أهلها وخرجت مع من أذاها أشد الإيذاء. كان مؤمن ينظر لها في صمت،
لا يعرف ماذا عليه أن يفعل والى أين يجب أن يأخذها، ولكن كل ما كان يعرفه وقتها أن بداخله شعور قوي أن هذه المخلوقة مسئولة منه. مؤمن وهو يفتح باب سيارته لتركب: -اتفضلي اركبي. ظلت ملك مكانها الكثير من الوقت، لا تنظر له وإنما تنظر أرضاً وتفرك يديها بخوف شديد، ثم أخذت قرارها وفتحت باب السيارة الخلفي وركبت دون أن تعطيه أي اهتمام. نظر لها مؤمن بدهشة على فعلتها، ثم تنهد بشدة وركب سيارته وقادها إلى حيث الحياة التي ستجمعه بملك.
طوال الطريق لم ترفع ملك عينيها من الأرض وتفرك يديها بقوة حتى احمرتا بشدة، وكلما فرت دمعة هاربة من عينيها كانت تمسحها بسرعة حتى لا يراها مؤمن، لم تكن تريد أن يراها بهذا الضعف. كل هذا ومؤمن مركز معاها تركيز شديد أكثر من تركيزه في سواقته، وكان يريد أن ترفع عينيها ليقرأ ما تخبئه بداخلهما، ولكنها لم تفعل ذلك أبداً. فجأة أوقف مؤمن سيارته في إحدى الأماكن ونزل وحمل حقائبها من سيارته، واتجه ليفتح باب السيارة لها لتخرج منها،
ولكنه وجدها تفتحه وتخرج ولم تنظر له ولم تعطيه أي اهتمام. دلف مؤمن إلى إحدى العمارات الكبيرة والراقية والهادئة، وصعد إلى إحدى الشقق وهو ما زال يحمل حقائبها، كل هذا وملك تتبعه دون أن تتفوه بحرف ولا تبدي أي رأي بما يفعله، فقط تسير ورائه إلى حيث يذهب. أخرج مؤمن مفاتيح الشقة من جيبه وفتحها ودلف إلى الداخل، وأشار إليها أن تدخل هي الأخرى. ما إن دَلَفتْ ملك إلى الداخل حتى أغلق مؤمن باب الشقة،
فارتعبت ملك ورجعت للخلف وبدأت ترتجف بشدة وتفرك يديها بقوة، كانت في حالة لا إرثى لها. صُدِمَ مؤمن من منظرها وأحس أن قلبه يتمزق ألماً على ما سببَه لها من خوف وألم، وشعر أنه يريد أن ينتزع كل ما تشعر به بداخلها ويرجع إليها السكينة والطمأنينة. مؤمن وهو حزين على حالها: -ما تخافيش مني، أنا يستحيل أذيكي، أنتي هنا في أمان.
-وأنا والله ما أعرف اللي عملته دا كان إزاي ولا ليه، بس صدقيني أنا عمري ما سببَتْ إيذاء لحد، واللي حصل دا غصب عني مش بإرادتي. -الشقة دي ملكك أنتي، اعملي فيها اللي أنتي عاوزاه، وبما إننا اتجوزنا رسمي خلاص هبقى عايش معاكي بس، والله ما هتحسي بيا. -هعيش معاكي بس عشان أنتي مينفعش تعيشي لوحدك. -أنا دلوقتي همشي عشان عندي شغل. كان يتحدث وملك تستمع له بصمت رهيب، وما إن استدار ليذهب حتى سمع صوتها تقول: -ما تطمنش أوي كده.
استدار لها مؤمن مرة أخرى وصُدِمَ بشدة من منظر عينيها الحمراوين ووجهها الشاحب اللون. ملك وكأن بداخلها شخص آخر يتحدث: -أوعي تبقى مطمئن وتحس إنك بكدا تبقى خلاص صلحت غلطتك اللي عملتها، اتجوزتني رسمي وجبتلي شقة أعيش فيها بعد ما أهلي طردوني ومفكرني هقولك كتر خيرك.. انسي.. -أنت حيوان، أنت ولا شيء اللي يعمل كدا في بنت غصب عنها، وحجته إنه ماكنش قاصد أو إنه ماكنش حاسس باللي بيعمله يبقى بيكدب على نفسه ويبرر لنفسه حرام ارتكبه.
-أنا عمري ما هسامحك، وهاخد حقي منك في الدنيا وربنا هياخده منك في الآخرة، وابنك ولا بنتك اللي في بطني دا مش هموته وأغضب ربنا، بس هجيبه للدنيا عشان تفضل فاكر طول عمرك إنك غضبت ربنا وعصيته، ودي نتيجة عصيانك ليه. ثم حملت حقائبها الثقيلة وذهبت من أمامه قبل أن يرى دموعها التي أوشكت على الهبوط على وجنتيها. كان مؤمن يقف ويستمع لها بصدمة وذهول، ولم يجد أي كلام بداخله ليرد عليها به،
فَهِيَ لا تعرف ما الذي دَفَعَهُ ليفعل ذلك وأنه بالفعل لم يكن يشعر بما يفعله. ظل مكانه الكثير من الوقت يحاول أن يستوعب كلامها، ثم سحَبَ نفسه بهدوء وخرج من الشقة وأغلق الباب وراءه. دَلَفتْ ملك إلى إحدى الغرف وأغلقتها عليها من الداخل، وزلت واقفة مكانها، وعندما سمعت صوت الباب يغلق ذهبت كل القوة التي كانت تحتمي بها، فوقعت على الأرض وبدأت تبكي بشدة حتى علا صوتُ شهقاتِها،
ظلت على هذا الحال الكثير من الوقت حتى تعبت وخارت قواها ونامت على الأرض مكانها. أما في ذلك القصر، كانت نيفين ابنة عم ملك في غرفتها تجري بقوة وبسرعة على إحدى أجهزة الرياضة التي تستعملها فقط وقت غضبها وحزنها، كان بداخلها قوة حزن مكبوتة تريد أن تفجرها حتى لا تموت بسببها. كانت تضع في أذنيها موسيقى صاخبة ولم تسمع صوت باب غرفتها الذي كانت تدقّه إحدى الخادمات. أم حسين:
-نيفين هانم مش بترد عليا يا سعاد هانم، وفي صوت حاجة بتخبط جامد في أوضتها. سعاد بغيظ نهضت من مكانها وذهبت إلى غرفة ابنتها، وما إن فتحتها حتى وجدت ابنتها في أكثر حالات غضبها. فجأة انتزعت السماعات من أذنيها وقالت بصوت غاضب: -إيه يا نيفين هانم، الشغالة بقالها ساعة بتخبط على باب أوضتك سنة عشان تتكرمي وتردي علينا. نزلت نيفين من على الجهاز ولم تعطِ لوالدتها أي اهتمام، وأمسكت بإحدى المناشف وبدأت تمسح العرق الذي يتصبّب منها.
سعاد بغيظ: -أنتي مش بتردي عليا ليييييه يا بنت، أنتي هتفضلي قالبة لي وشك كده كتير ولا إيه؟ نيفين بسخرية: -المفروض أبقى فرحانة ومزقططة بعد اللي حصل النهاردة واللي احنا عارفين سببه، سيبني في حالي بقى. سعاد بزعيق: -أنتي تحترمي نفسك وتتعلمي إزاي تتكلمي مع أمك بأسلوب محترم، شكلي دلعتك يا هانم وكله هيتقلب عليّ. نيفين بضحكة استهزاء: -بالظبط كده تربيتك بقى يا سعاد هانم. سعاد: -ماشي يا نيفين، الظاهر إني ما عرفتش أربيكي.
-وبعدين مالك زعلانة أووووى كده ليه، مش دي ملك اللي كنتي غيرانة من كل الفلوس اللي معاها، دلوقتي زعلانة عليها؟ نيفين بعيون حزينة: -كنت غيرانة من الفلوس اللي أنتو خدتوها خلاص، بس أنتو بقى خدتوا الفلوس وخدتوا حياتها معاها، أنتي عمرك ما هتحسي باللي أنا حسّيته، صدقيني الفلوس بتعمي العين والقلب. نظرت لها سعاد بغيظ وغضب شديد ثم تركتها ورحلت بعدما أغلقت الباب ورائها بكل قوتها.
ألْقَتْ نيفين جسدها على الفراش بكل قوتها وبدأت تبكي بانِهِيَارٍ تَامٍ وهي تردّد: -أنا آسفة يا ملك. ما إن غادر مؤمن الشقة بعد ما سمعَهُ من ملك، حتى قاد سيارته باتجاه شركته، وطوال الطريق غير منتبه للسواقة، فقط صورة ملك أمامه ولا تذهب أبداً، ملامحها عيونها كل شيء بها ظل أمامه ويتردد في عقله كلام ملك الذي جعله يشعر أن ما فعله بها جعلها تبدو شخصاً مخيفاً،
هو لا يعرفها من قبل ولكن كان بداخله شعور أنها لم تكن سيئة في يوم من الأيام، ولكن ما حدث هو الذي غيَّر الكثير بداخلها. أحمد إحدى العاملين بشركة مؤمن وأيضاً صديقه المقرَّب: -إيه يا ابني كنت فين، أنت بقالك مدة كدا الدنيا واخداك من شغلك، والشركة داخلة على عروض وصفقات جديدة الأيام دي، ممكن أعرف في إيه بقى؟ مؤمن بتنهيدة: -أديني جيت اهو. أحمد: -في إيه يا مؤمن، مالك شكلك مش عاجبني. مؤمن بدون مقدمات: -أنا اتجوزت. أحمد بدهشة:
-نعم..! دا اللي هو إزاي وإمتى؟ مؤمن: -إيه يا عم أحمد عادي يعني، اتجوزت النهاردة زي الناس. أحمد: -فجأة كدا من غير ما تقول لحد ولا حتى أنا، يبقى الموضوع فيه أن. مؤمن: -ولا أن ولا كأن، دا موضوع يطول شرحه، بعدين بقى هبقى أحكيلك، المهم دلوقتي ورّيني الملفات والشغل اللي عاوز يخلص عشان عاوز أمشي بدري. كان مؤمن مشغول بالعمل الذي كان بانتظاره في الشركة، ورغم ذلك عقله وباله وتفكيره مع ملك.
ما إن أنهى مؤمن عمله في الشركة بعد وقت طويل، حتى قاد سيارته باتجاه فيلته. هنا وهي تنهض من مكانها: -أخيرااااااا جيت، دا أنا مستنياك من الصبح، هااا عملت إيه؟ جلس مؤمن على إحدى الأرائك وقال وهو متعب للغاية: -اتجوزتها خلاص وودّتها الشقة اللي كنت شاريها وناوي أعيش فيها لوحدي، أديني مبقتش لوحدي. هنا براحة: -ياااااااه الحمد لله تمام كدا. مؤمن باستغراب: -أنتي مالك فرحانة كده ليه؟ هنا:
-عشان أنا بنت وحاسة بيها أكتر منك، واللي هي فيه ربنا يكون في عونها وتقتدر تستحمله، وكويس إن ربنا وقّعها فيك، أنت وطلعت راجل واتجوزتها. تنهد مؤمن بشدة وتذكّر كلام ملك فصمت ولم يتحدث. هنا: -هااا هتودّيني عندها إمتى؟ مؤمن بدهشة: -وأنتي عاوزة تروحي لها ليييييه؟ هنا: -مش مراة أخويا ولازم أتعرف عليها وأصاحبها. مؤمن بسخرية: -هنا مش وقت هبلك، على فكرة أنا في مصيبة وأنتي عاوزة تتصاحبي عليها، مش لما أعرف هعمل إيه معاها الأول.
هنا بزعل طفولي: -أنا مش هبلة يا مؤمن، أنا كبيرة وواعية. -وأنت خلاص اتجوزتها وشكلها كده هتبقى قدرك، فَارْضَى بقدرك بقى. -وبكرا هي تنسي وتعيش حياتها معاك عادي، وخصوصاً بعد ما عرفت إنها حامل يعني خلاص مالكوش غير بعض. صَمَتَ مؤمن وهو يفكر في كلام أخته. هنا: -طيب يلا روح عشان تبات هناك. مؤمن: -أنا كنت لسه بفكر في كدا، إزاي هبات هناك وأسيبك هنا لوحدك؟ هنا: -لوحدي إزاي ودادة أنعام بتبات معايا كل يوم.
-قوم أنت بس يلا، خد شنطتك، أنا خليت دادة أنعام تحضّرَلَك. -وروح هناك متسَبْهَاشْ لوحدها. نهض مؤمن من مكانه وقبّل رأسَها وحدَّثَها قائلاً: -خدي بالك من نفسك، ولو حصل حاجة كلّميني في التليفون. كاد مؤمن أن يخرج من الفيلا حتى سمع أخته تقول بقلق: -على فكرة يا مؤمن ماما راجعة أول الشهر. مؤمن بتنهيدة: -ربنا يستر.. يلا سلام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!