مؤمن: بس أنا ما أعرفش أي حاجة عنها، لا أهلها ولا حتى هي. دي أول مرة أشوفها فيها، كانت امبارح. الطبيب بسخرية: ابقى اتعرف عليها بعد ما تتجوزها وتصلح غلطك ده، إذا رضيت تتعرف عليك أصلاً. أنت عملت كارثة وشكلك مش حاسس، أو حاسس بس مش مستوعب لسه. ما إن أنهى الطبيب جملته حتى وجد الممرضة تدلف إلى الغرفة وتقول بصوت خائف ومضطرب: الحق يادكتور، البنت اللي كانت جاية مع الأستاذ ده فاقت وعمالة تعيط وتصرخ.
نهض الطبيب من مكانه مسرعاً إلى غرفتها، ويتبعه مؤمن. وما إن دلفوا إلى الداخل، ووقعت عينيها على مؤمن حتى احمرت عينيها بقوة وامتلأتها الدموع، وبدأت تصرخ بشدة. ونظرت لمؤمن نظرة جعلته يخاف بشدة مما فعله بها. ولم يخف صريخها إلا بعد ما رحل مؤمن من غرفتها. فأعطاها الطبيب مهدئاً وغاصت في نومها مرة أخرى حتى تستريح ويخف ألمها.
ظل مؤمن أمام غرفتها الكثير من الوقت يسترجع ذكريات الليلة الماضية، وبدأ يشعر بعض الشيء بما فعله بها وهو غير واعٍ وغير مستوعب لما يفعله. وبدأت الدموع تترقرق في عينيه. ثم نهض من مكانه وغادر المشفى بأكملها، وقاد سيارته إلى فيلته. وما إن دلف إلى الداخل حتى وجد أخته التي تصغره سناً بانتظاره. هنا بلهفة وهي تنهض من مكانها: أنت كنت فين يامؤمن من امبارح؟
الشركة مقلوبة عليك من الصبح وعمالين يتصلوا يسألوا عليك وموبايلك مقفول، وفيه ورق أدي كده في الشركة لازم تمضيه و... كادت أن تكمل حديثها إلا أنها لم تسمع أي رد من أخيها، وإنما وجدته يصعد إلى غرفته، فلحقت به. ما إن دلف مؤمن إلى حجرته حتى ألقى بكامل جسده على الفراش بكل قوته، وبدأ يتنهد بخنقة وضيق شديد. هنا بقلق: في إيه يامؤمن؟ مالك؟ شكلك تعبان، وكنت فين من امبارح؟ ومارحتش الشركة ليه؟ ومبتردش على موبايلك ليه؟
ظل مؤمن ينظر لها بعض الوقت وهو مسطح على فراشه، ويبدو عليه التعب والإرهاق. ثم نهض من مكانه وأمسك بيديها وأجلسها أمامه. مؤمن وهو ينظر بقوة في عيون أخته: أنا عاوزك تسمعي الكلام اللي هقولهولك ده كلمة كلمة، ومش عاوز حرف منه يطلع بره الأوضة دي، سمعاني؟ أومأت هنا برأسها في استغراب وقلق وصمتت لتسمعه.
مؤمن: امبارح كان فيه صفقة هتمها مع شركة منافسة لينا، والمفروض الاجتماع كان في الشركة عندنا، بس هما أصروا إنهم يخلّوه في شقة أنور منير، واحد من أصحاب الشركة اللي هنعمل معاها الصفقة. روحت هناك وفضلنا نتكلم عن الشغل والشركة وكل حاجة بخصوص العقود. وفي وسط ما إحنا بنمضي العقود، شربت حاجة المفروض إنها عصير، بس للأسف طلع جواها مادة بتسكرني، بس متخدرنيش، بتخليني أعمل حاجات زي الزفت من غير ما أحس. وبعدين...
ثم صمت ووضع عينيه أرضاً، وكانت هنا تستمع له ولا تتفوه بحرف. أكمل مؤمن: كلهم مشيوا وسابوني، ولقيت بنت داخلة الشقة. ومش فاكر إيه اللي حصل بالظبط بعدها، بس صحيت لقيت نفسي نايم جنبها على الأرض وكل هدومها متقطعة، وهي كانت في غيبوبة. ثم صمت قليلاً وأكمل: ووديتها المستشفى و و و و... لم يستطع أن يتحدث. فهمت هنا ما يريد قوله، فشهقت بشدة وبدأت الدموع تترقرق في عيونها، ونظرت له ولم تتحدث.
ظلوا على هذا الحال بعض الوقت حتى نهضت هنا من مكانها وهي تبكي، وقالت بصوت متحشرج: أنت يامؤمن؟ أنت اللي كل الناس بيحلفوا بعقلك وأدبك واحترامك ورجولتك؟ أنت تعمل كده؟ أنا مصدومة فيك. مؤمن وعيونه تلمع بالدموع: بقولك كنت سكران ومش حاسس بنفسي ولا بأي حاجة بعملها. والله ما كنت فايق وواعي للي بعمله. هو ابن الـ... اللي عمل فيا كل ده، مش عارف بيكرهني كده ليه. وبعدين هي إيه اللي جابها هناك أصلاً؟
هنا ومازالت على حالتها: وهي فين دلوقتي؟ مؤمن: في المستشفى. هنا: وهتعمل إيه؟ هتسيبها ولا إيه؟ مؤمن وهو يضغط على رأسه بقوة: مش عارف أفكر من الصبح، بس أكيد يستحيل إني أسيبها. هنا بسخرية: لا والله، كتر خير حضرتك إنك مش هتسيبها. بس برضو هتعمل إيه؟ أنت لازم تتجوزها أول ما تطلع من المستشفى، حتى لو مش هتعيش معاها، بس هتتجوزها وخلاص. نظر لها مؤمن وتنهد بحزن ولم يتحدث. هنا وهي
تغادر غرفته قالت بقسوة: وابقى روح الشركة الصبح شوف شغلك والورق اللي واقف على إمضتك، وبعدين تفضل قاعد جنبها في المستشفى لحد ما تقوم بالسلامة وتنفذ اللي اتفقنا عليه. كادت أن تخرج من الغرفة حتى سمعت صوت أخيها من خلفها. نظرت له فقال: أوعي تقسي عليا ياهنا، إنتي عارفة أخوكي عمره ما يعمل حاجة غلط، وصدقيني اللي حصل ده حد بينتقم مني ومن البنت دي. ظلت تنظر له بعض الوقت بعيون حزينة تملأها الدموع، ثم غادرت الغرفة.
ظل مؤمن طول الليل سارح، غير مطمئن. عقله سيتوقف من كثرة التفكير. وبدأ يغلق عينيه بشدة وهو يتذكر نظرة هذه الفتاة التي جعلته يشعر بالخوف. ظلت هذه الفتاة في المستشفى شهر كامل. كان مؤمن يتردد عليها كل يوم، وكلما حاول أن يدلف إلى غرفتها كي يتحدث معها، كانت تصرخ بشدة ما إن تراه، ولا تهدأ حتى يأتي الطبيب ويعطيها المهدئ الذي يجعلها تغوص في نوم عميق.
وفي يوم، وأثناء وجود مؤمن بغرفة الطبيب بالمستشفى، أخبره الطبيب بحمل هذه الفتاة. مؤمن بصدمة: حامل!! الطبيب: أيوه، حامل بقالها شهر. مؤمن: طب وهي عرفت؟ الطبيب: للأسف عرفت من كام يوم، ومن ساعتها وهي منهارة من العياط وحالتها بتسوء عن الأول. مؤمن: هو في حد بيجي يسأل عليها؟ أصلي مشوفتش حد خالص بيجي يسأل عليها أو حتى حد بيدور عليها.
الطبيب: ولا إحنا شوفنا حد تقريباً. أهلها ما يعرفوش عنها حاجة، ولا يعرفوا حاجة عن اللي حصلها. وعلى فكرة، النهاردة هي هتخرج من المستشفى. مؤمن: النهاردة! طب هتروح فين؟ الطبيب: مش عارف، بس ياريت تنفذ وعدك بقى. أنت ماسبتهاش يوم من ساعة مادخلت المستشفى، كمل مشوارك للآخر وصلح اللي عملته.
خرج مؤمن من حجرة الطبيب وذهب إلى حجرتها، ولكنه تراجع للخلف حينما وجد باب غرفتها مفتوحاً. كانت تقف بجانب الممرضة ترتدي عباءة سوداء طويلة وتلف حجابها، وهي تنظر للممرضة وتستمع لما تقوله. ابتسم مؤمن لا إرادياً على جمالها، بالرغم من أنها متعبة وحزينة، إلا أن ملامحها تبدو رقيقة وجذابة للغاية.
فجأة وجدها تخرج من غرفتها، بل تخرج من المشفى بأكملها. أسرع مؤمن خطواته ورائها دون أن تشعر به، فوجدها متعبة وهلكانة وتسير ببطء شديد، حتى أوقفت سيارة أجرة. فاسرع مؤمن وقاد سيارته ورائها. دلفت هذه الفتاة إلى أحد القصور الفخمة، ووقفت أمام القصر بعض الوقت وهي تتنهد بشدة. كل هذا ومؤمن يراقبها من سيارته، حتى وجدها تدلف إلى الداخل. ما إن دلفت هذه الفتاة إلى داخل القصر حتى استقبلتها إحدى السيدات بوجه غاضب وعينيها تشع شراراً.
السيدة بغضب وصوت جهوري: يا أهلاً وسهلاً ياملك هانم! شهر غايبة عننا حضرتك؟ كنتي فين بقى؟ وإيه اللي حدفك علينا تاني؟ ملك بصوت مبحوح من التعب والألم والبكاء: كنت في المستشفى يا طنط، محدش كان بيسأل عليا ولا حتى حد فكر يدور عليا ويشوفني فين. سعاد بسخرية: لا والله! كمان ندور عليكي؟ واحدة وطفشت وسابت بيت عمها، عاوزانا نعمل معاها إيه يعني؟
ملك ببكاء: والله ما طفشت، أنا اتعرضت لحادثة دمرت لي حياتي ورحت المستشفى وكنت في غيبوبة. سعاد بابتسامة شماتة: آآآه، الحادثة اللي خلتك تبقي حامل يامدام ملك. ملك بصدمة: هو حضرتك عرفتي؟ قبل أن تنطق سعاد، نظرت ملك لأعلى فوجدت ابنة عمها تقف وتنظر لها وعيونها تطل منها نظرة خوف. ملك ببكاء هستيري: قولي لهم يانيفين، قولي لهم أنا رحت هناك ليه، انتي عارفة اللي حصل، احكي، الله يخليكي.
سعاد بصرامة: إنتي عاوزة تدخلي بنتي في مواضيعك الزبالة دي؟ أمال بقى عايشة لنا في دور المحترمة اللي محافظة على نفسها وطول اليوم بتصلي وبتِقرأ قرآن وكل يوم في جمعية خيرية شكل؟ لا وايه كمان محجبة! إيييييه! كل ده كان كذب؟ إحنا مش عاوزين نشوف وشك تاني. ملك بصدمة: إنتي بتطرديني من بيتي؟ سعاد بسخرية: بيت إيه يا أم بيت؟ إنتي مش مضيتي لعمك تنازل عن القصر والشركة؟
ملك: أنا مش مضيت تنازل، أنا مضيت إنه يفضل يباشر شغل في الشركة ويمضي ورق بالنيابة عني بس، لإن مش بفهم حاجة فيها. سعاد بضحكة استهزاء: لا ياحبيبتي، الورق اللي إنتي مضيتيه بحسن نية ده كان ورق تنازل عن القصر والشركة، يعني إنتي مالكيش حاجة هنا، يللا بقى بالسلامة. في نفس الوقت خرج عمها من المكتب. ملك وهي تسرع إليه: عمي، أنا مظلومة والله، أنا مجني عليها، معملتش حاجة. ياعمي، متظلمنيش. نظر لها نظرة قاسية لم تعتاد عليها منه.
كان هناك من يستمع لكل هذا الحوار من خلف الباب، حتى دلف إلى الداخل وقال: وأنا مش هسيب... انتبه الجميع إلى مصدر الصوت، فاسرعت ملك إليه وقالت بصريخ وهي تضربه بكلتا يديها: منك لله! ضمرتني وذلتني وضيعت لي مستقبلي. مؤمن وهو يحاول تهدئتها، أمسك بيديها الاثنين وقال وهو يوجه حديثه للجميع: أنا طلبت المأذون وهو جاي حالا وهتجوزها. سعاد بغيظ شديد: طب كويس إنك جيت لحد هنا ومهربتش وسبتها. ثم قالت بصوت عالٍ: أم حسين!
جاءت الخادمة إليها مسرعة، فقالت سعاد: اطلعي فوق أوضة الآنسة... قصدي مدام ملك، وهاتي لها كل حاجتها عشان تاخدها وهي رايحة بيت جوزها. نظرت لهم وقالت باستخفاف: مش بردو هتوديها بيتك ولا هتقعدها في فندق؟ ابتعدت ملك عن مؤمن بعض الشيء ونظرت لها بألم وقهر ولم تنطق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!