مره على هذا الحدث شهر وأكثر والكل منهمك في عمله. أزهار ما بين العمل في منزل ماجد وتعلق رقية الشديد بها، وما بين العمل في المكتب، ومابين حيرة بهاء وتورطه في العمل الذي لا يعلم كيف سينجزه. انشغلت أزهار، ومن كثرة الضغط عليها في العمل، تناست بهاء ومتابعة الشغل المتكدس عليه. ولكن ما زالت حرب النظرات بينها وبين ماجد تعلن عن مولد عشق جديد.
في الصعيد، يجلس إسماعيل وقد تملك منه الغضب لأنه ما زال يبحث عن أزهار وقد مل من كثرة البحث عنها. الطمع عمى عينيه، والغضب تملك منه، وعدم مقدرته على الاستيلاء على ميراثها كاد أن يفقده عقله. ولكنه لم ييأس في محاولات البحث. فهو كرّس بحثه عنها في مدينة القاهرة لأنها كانت تقيم فيها فترة كبيرة طول مدتها في الجامعة، غير أنها تم اختيارها لكي تكون معيدة في نفس الجامعة. فخطرت في باله فكرة: لماذا لا يوجه بحثه لمدينة أخرى؟
وبالفعل، أمسك هاتفه وقام بالاتصال بصديق له وحدد معه موعدًا لاستقباله في الإسكندرية. في الإسكندرية، وداخل قسم الترجمة، يدخل لؤي المكتب كعادته بضوضاء يعلن عن وصوله. ولكن اليوم كان مختلفًا، فكان صوته أعلى ووقف في منتصف المكتب يهتف، مما جعل الكل يخرج من مكاتبه ليعرف سبب الصياح. اقترب ماجد عليه، فهو قد اعتاد جنانه، ولكن هذه المرة فاقت كل التوقعات. قال له ماجد وهو يضحك على حاله:
خير يا فنان، الڤولت عالي قوي النهارده ولا إيه؟ من ساعة ما جيت وأنت عامل قلبان في المكتب. ولكن صمت فجأة فور وقوع عينه على أزهار وهي تضحك بشدة على منظر لؤي. فهذه المرة الأولى التي يراها تضحك فيها، فكانت ضحكتها سارقة للعقول، فقد سلبت منه عقله وقلبه. لاحظت أزهار نظرات ماجد لها. احمر وجهها وخفق قلبها بشدة، تقسم لو اقترب لكان سمع صوت خفقاته. لاحظ لؤي حرب النظرات بينهم وابتسم.
أن رفيق عمره أخيرًا وجد من يعوض قلبه عن ما فقده، فقد عانى الكثير، وهو يعلم جيدًا أن أزهار هي العوض له، فقد التمس فيها حسن الأصل. تجاهل لؤي نظراتهم كي لا يلفت الانتباه، ولكن كانت أيضًا عيون مثل الصقر تلاحظ هذه النظرات وتلاحظ أيضًا مولد العشق، وتتوعد لأزهار. قال ماجد وهو يضحك: خير يا لولو، في إيه؟ ليه الهيصة دي كلها؟ إيه كسبت يا نصيب؟ فجأة، بدون مقدمات، قفز لؤي فوق المكتب وقال: أيها الناس، المكنة طلعت قماش!
ثم هبط على الأرض وقال وهو يلف حولين ماجد ويرقص فرحًا: ضحكة يعني قلبها مالي، وخلاص الحال بقى غير الحال. مستني إيه بعد الضحكة؟ قال ماجد متحمسًا وقد فهم مقصد صديقه: احلف بالله بتكلم جد؟ هز لؤي وجه فرحًا. اختطفه ماجد في حضنه، وقد علم أن صديق عمره نال أخيرًا حب عمره، فهو يعشقها منذ كانت صغيرة، فهي ابنة عمه وكان يعشقها حد النخاع. اقتربت منهم لارا وقالت بتهكم:
ما كفايا بقى هبل يا لؤي، إحنا في شغل مش في بيتكم. يا تقول في إيه يا تروح تشوف شغلك، الناس الإسبان مش هيصبروا. كفايا بهاء مش ظاهر. اقترب منها لؤي وقال: في إيه يا وش البومة؟ إنتي مش بتعرفي تفرحي؟ يا ساتر عليكي. اشربي شوية كلور يمكن تغسلي سواد اللي من جوا ده. يا باي، خايفة تضحك لو شقها هيشق. في ذلك، وأزهار تكاد تقع من الضحك على لؤي وكلامه. اقترب منها لؤي وقال:
أيوا بقى يا زوزو يا جامد، الله على ضحكتك وجمالها، الشمس بتنور. دبت الغيرة في قلب ماجد، ولكن حاول جاهدًا ألا يظهرها. ولكن صديقه تعمد أن يثير غيرته أكثر حتى يثبت لنفسه صحة توقعه. اقترب لؤي أكثر من أزهار وقال لها: يا زوز، باركيلي، أخيرًا الدنيا ضحكت لي. وأه يا دنيا. وأمسك يدها ولفها حولين نفسها. اقترب ماجد وقد احمر وجهه غضبًا. ابتسم لؤي بخبث واقترب من أزهار وقال بهمس:
اجري على جوه عشان مديرك قلبه تنين وحبه وهيبخ نار فينا. ازداد ضحك أزهار وأصدر صوتًا عاليًا مما زاد غضب ماجد. اقترب منها وأمسك يدها بحدة لدرجة أنه ألمها، وقال بحدة: اتفضلي على فوق، وركا كانت عاوزاكي تخلصي معاها الواجب. سحبت يدها منه بحدة، وادمعت عينيها من الألم، ونظرت له نظرة توعدية. ولاحظت نظرة شماتة في عيون لارا، وصعدت لأعلى دون أن تلتفت لهم، فقد أحرجها أمام الجميع. نظر له لؤي نظرة عتاب، ولكن في صمت. جرى وراءها لؤي
وقال بصوت لكي يسمع الجميع: بقولك إيه يا زوزو، اعملي حسابك، معزومة الأسبوع الجاي على خطوبتي، عاوزك أجمل بنت في حفلة. هزت رأسها وقد حبست دموعها. صعدت لأعلى وانهارت في البكاء، ولا تشعر غير بيد تسحبها لحضنه يمتص غضبها. انهارت أكثر داخل حضنه، فقد شعرت باليتم وأن والدها قد مات للمرة الثانية، وأن ظهرها قد انكسر وليس لها سند. استشف ماجد مدى حزنها، فقد كان انهيارها مبالغًا فيه. أخذ يربت عليها إلى أن استكانت وهدأت.
خرجت من حضنه مذعورة، فهي لم تشعر أنها بداخل حضنه إلا أن استعادت وعيها. نظرت له بخجل وقالت: انت إزاي تسمح لنفسك تلمسني؟ اوعى تعمل كده تاني، أنا مسمحلكش. وأكملت وقد تملك الغضب ريعانه: وآخر مرة اسمحلك إنك تهيني قدام حد، بعد كده هتجبرني أرد عليك قدامهم. ولكن قطع كلامها كلمة واحدة من ماجد قالها بهمس آخرستها ووقت لا تستطيع الرد أو التنفس. قال ماجد بهمس وهو ينظر في عينيها: بحبك.
مرت لحظات في صمت، وكلا منهم ينظر في عين الآخر، وضربات قلب أزهار تكاد تقف من سرعتها. وكان كل واحد منهم يرسل مشاعره عبر النظرات. قطع حبل الصمت صوت الملاك الصغير وهي تنادي على أزهار بكلمة رجت قلب ماجد من داخله. قالت رقية وكأنها كلمة معتادة نطقتها: ماما أزهار، إنتي طلعتي إمتى من تحت؟ أنا جعانة قوي. حملتها أزهار ووضعت قبلة على جبينها وقالت بحب: يا عيون ماما أزهار، دقيقة وتكون أميرتي بتاكل. تحبي تأكلي إيه؟
أجابت الصغيرة بحب: أنا عاوزة أكل بيتزا، نفسي فيها قوي. مسح ماجد دمعة كادت أن تسقط من عينه سريعًا ولاحظتها أزهار وقال: حلو قوي، اجري البسي وننزل كلنا نتغدى بيتزا بره. وقفت الصغيرة تصفق وتقول: وماما أزهار معانا كمان. اعترضت أزهار وقالت: لأ يا أميرتي، إنتي هتنزلي مع باباكِ، أنا عندي شغل تحت كتير. انقلب وجه الصغيرة وقالت: خلاص مش عاوزة بيتزا. ابتسم ماجد والتفت لأزهار وقال:
بعد إذنك، اخشي البسي إنتي وركا، وأنا هنزل أطلع العربية من الجراج، عشر دقائق تكونوا تحت. حاولت أزهار الاعتراض، ولكن بنظرة منه أسكتها. استسلمت أزهار وارتدت فستانًا كان قد اشترته من أكبر المولات في القاهرة، فهي معتادة على طريقة ملابسها. نزلت أزهار بصحبة رقية. نظر لهم ماجد بحب وكأنهم عائلة واحدة. ركبت أزهار بجواره وركبت رقية من خلف تحت أنظار حاقدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!