وقفت لارا خلف نافذة مكتبها تتأمل بحقد أزهار وماجد. وتقول وهي تجز على أسنانها بغيظ:
-لا بقا لحد كده واظن كفايا قوي البنت دي مش سهلة. مش مجرد داده لبنته ولا حتى فراشة. في المكتب لا دي بتاخد مكان أكبر شكلها بترسم لبعيد. توصل لحد أن تخلي ماجد بجلاله قدره يهتم بيها بعد اللي حصله. ده انجاز قدرت عليه أنا بقالي أربع سنين بخطط له ومش عارفه وهي في شهرين بس لفتت نظري. أنا لازم كده أتصرف بسرعة أحسن اللي فضلت أخطط له السنين دي كلها ممكن يروح مني في غمضة عين.
دخل عليها لؤي المكتب. كان يود أن يسألها على ماجد وأين اختفى. وجدها في عالم أخري ولم تشعر بوجوده. وعلى ملامح وجهها غيرة وكره. نظر لها وقال بجدية: -خير يا لارا شكلك بيقول إنك مش ناوية على خير. ربنا يكفينا شرك يا شيخة وشر دماغك. التفتت له لارا: -ها كنت بتقول حاجة يا لؤي؟ رفع لؤي نظارته: -لا مكنتش بقول. ربنا يستر. وتركها وخرج وهو يبحث عن سر تغيب ماجد المفاجئ.
وعند ماجد. دخل المطعم بصحبة رقية التي كانت تتعلق في يد أزهار والإبتسامة تنير وجهها. جلست أزهار بجوار رقية. وفجأة تذكرت كلمة ماجد لها وارتجفت من الداخل ولكن ازدادت حمرة وجهها. لاحظ ماجد ارتجافها. ابتسم على طفوليتها فشعر كأنه مسؤول عنها مثل رقية. دق قلبه لها بشدة وأود أن يضمها لحضنه. حضر النادل البيتزا. ساعدت أزهار رقية في الطعام لحد أن انتهوا. ثم التفت ماجد نحو رقية وقال بحب:
-إيه رأيك يا روكا تقومي تلعبي في الألعاب اللي هناك دي؟ التفتت رقية وقامت تصفق من الفرح وجرت تلعب مسرعة. ازداد خفقات قلب أزهار. فهي تعلم أنه تعمد رحيل رقية عنهم. ابتسم ماجد واقترب منها وقال هامسا: -ممكن تهدي شوية. أنا مش هاكلك. أنا عاوز أتكلم معاكي بس. رفعت أزهار عينيها في خجل وخوف شديد. فهي خافت أن يسألها عن ما تخفيه. -حضرتك عاوز تتكلم في. أنا سمعاك. أجاب عليها: -تعرفي يا أزهار إنك صنعتي المستحيل.
نظرت له أزهار بتعجب. أكمل كلامه مسرعاً وقال:
-آه يا أزهار صنعتي المستحيل. أنتِ عملتي اللي محدش قدر عليه. ممكن تلاقي شبه الشكل أربعين زي ما بيقولوا. وممكن تلاقي حد يقلدك في كل حاجة. إنما مستحيل تلاقي حد يشبه روحك. يشبه حضورك. يشبه طلتك وضحكتك. الروح ماينفعش تتقلد. الحضور ماينفعش يكون مفتعل. الضحكة ماينفعش ييجي زيها. في ناس ربنا بيعطيها قبول من عنده سبحانه. وجايز أوي مايكونش شكلهم جميل أو ملامحهم حلوة. إنما ربنا عطاهم روح مافيش أحلى ولا أجمل منها. تخلي أي حد
يشوفهم يحبهم. ناس بتحلي أي قعدة تقعد فيها. ناس ليهم بصمة ووجود وأثر في نفس كل بني آدم بيتعاملو معاه وف كل مكان بيروحوا فيه. نعمة القبول من أحلى النعم اللي ممكن ربنا ينعم على أي حد بيها. وإن يخلي كل اللي يشوفك قلبه يتفتح ليك ويحبك ويدعيلك ويتعامل معاك كأنك حد من عيلته مثلاً مع إنه ممكن يكون أول مرة يشوفك فيها. وأنتِ فيكي قبول غريب وروح حلوة قوي بتخلي كل اللي يشوفك يتشد ليكي وكمان شكلك سبحان الخالق. تعرفي يا أزهار أنا
كنت فاكر إن حياتي خلاص خلصت على كده. كنت عايش بس عشان رقية أربيها وأشوفها أحسن واحدة. فكرة إني ممكن أحب أو قلبي يرجع للحياة تاني كانت فكرة مستحيلة. لكن أنتِ عملتي اللي متتعملش. أنتِ رجعتي الحياة تاني لقلبي. رجعتي له نبضة. أنا حاولت كتير أخبي مشاعري بس مقدرتش أتحكم فيها.
رفعت عينيها وتقابلت عيونهما في نظرة طويلة. نظرة تدل على مدى عشقها له. ثم قالت بصوت منخفض: -أستاذ ماجد أنا ظروفي متسمحش لا بحب ولا ارتباط. أنا مقدرش أوعد حضرتك بحاجة. قال مقاطعاً: -وأنا مطلبتش منك حاجة. أنا كل اللي طلبته ادي مشاعرك فرصة. قامت واقفة وكأنها بتنهي الحديث: -بعتذر منك. أنا مش مستعدة دلوقتي لأي ارتباط. نظر لها. ثم أخفض عينه وتجمدت ملامح وجهه:
-تمام يا آنسة أزهار. وأنا كمان بعتذر عن تسرعي. ويا ريت تنسي أي كلام حصل بينا. من فضلك هاتي رقيه وحصليني على عربية. علمت أزهار أنها جرحت كبرياءه. ولكن ما باليد حيلة. فهي غير قادرة على خوض أي علاقة في ظل ظروفها ووضعها الحالي. مر أسبوع على هذا الحدث وكل منهما يحاول تجنب الآخر بقدر ما يمكن. ولارا في كل لحظة تحاول أن تسفذ أزهار وتقلل من شأنها. وبالأخص أمام ماجد الذي كان يتجاهل أزهار بشدة.
لاحظ لؤي ما يدور بينهم من حرب وتجاهل. دخل لؤي على أزهار وهي تعد بنفاذ صبر خامس كوب نسكافيه لأجل لارا ولا يعجبها. نظر لها لؤي وقال: -مش هيعجبها برضوا. متتعبيش نفسك. نظرت له أزهار وهي تضع المعلق من يدها مصدرة صوت عالي: -ما هو لو معجبتهش المرة دي هلبسهالها في شعرها. وتبقي تعمل حمام كريم بالنسكافية بقا. علشان للصبر حدود وهي عدته. ضحك لؤي على شكلها الطفولي: -مالك بس يا زوزو. برضوا لارا اللي معصباكي ولا الكبير اللي معصبك؟
شايف أنا نظرات تحدي بينكم. مش مريحاني. وماتنسيش كمان إن كان في كلام بينا لسه مخلصش. هزت أزهار رأسها: -حاضر يا أستاذ لؤي. هحكيلك كل حاجة بس مش وقته. أنا عاوزة أعرف منك حاجة تخص أستاذ ماجد. ابتسم لؤي. فهو يعلم أنها تريد أن تعرف كل شيء يخصه: -خير يا زوزو. عاوزة تعرفي عن ماجد إيه؟ -عاوزة أعرف سر الحزن الكبير اللي في عينه. وليه كان قافل على قلبه كل سنين دي كلها. قال لها بمكر: -ليه هو حد قالك إنه فتح قلبه؟
وإنتي عرفتي منين إنه كان قافل وفتح؟ احمر وجه أزهار من كلامه. ولكنه أنقذ الموقف وقال: -عمتا يا ست زوزو. أنا مش هغصب عليكي. بس هقولك إيه سر حزن ماجد. بس بشرط. إنتي كمان تحكيلي سبب الحزن العميق اللي جوة عيونك. وإيه حكايتك بالظبط. لأن أنا مقتنعتش بأي حاجة حكيتيها. -بصي يا ستي. أنا أعرف ماجد من أيام الجامعة. كنا إحنا تلاته شلة واحدة. استعجبت أزهار وقالت: -إنتوا التلاته؟
-آه إحنا التلاته. أنا وماجد. وإنجي. كنا مش بنفارق بعض إلا عند النوم. كنا جيران. دخلنا الجامعة سوا. ارتبط ماجد ب قصة حب خرافية هو وإنجي. حاجة كده زي اللي بنسمع عنها في الروايات والأساطير. العشق. روحهم كانت متعلقة ببعض. بس ماجد لما جه يتقدم لإنجي أهلها موفقوش عليه. ما هو ساعتها ما كانش ماجد بتاع دلوقتي. كان لسه شاب متخرج وبيتدي حياته. وأهلها كانوا عاوزين حد جاهز. تعبوا كتير هما الاتنين علشان يحاولوا يقنعوا أهلها. ولكن كانوا مصممين على الرفض. غير إنهم كانوا عاوزين يجوزها غصب عنها. واقفت إنجي في وشهم لدرجة إنها فكرت في الانتحار. لولا ماجد وأنا وقفنها عن الفكرة.
ظل يقص عليها ذكرياتهم والحنين يقتله والدموع تحتبس في عينيه. حاول جاهداً أن يوصل لها الصورة كاملة. أكمل لها:
-ما كانش قدامنا غير إننا نحط أهلها قدام الأمر الواقع. وراحوا كتبوا كتابهم من غير علم حد. أهلها لما عرفوا قطعوها. عاشت مع ماجد أجمل أربع سنين من عمرهم. بس ربنا ما كانش رزقهم بالخلف. وظرفهم ما كانتش وقتها تسمح بعلاج. استحملوا سوا لحد ما ربنا بدأ يفتحها عليهم. وفتح ماجد المكتب ده. ودخلت أنا شريك معاه. وهي كمان باعت دهبها كله. ودخلت شريكة. والمكتب الحمد لله اشتغل. وقدروا يجمعوا حق طفل الأنابيب. والحمد لله العملية نجحت.
وكانت فرحتهم متتوصفش. كأنهم ماسكوا النجوم بإيدهم. وجه يوم الولادة. وكانت مبكرة. أخدها ماجد بسرعة على عربية وساق بسرعة رهيبة من كتر خوفه عليها. لأن كان عندها وجع شديد. لكن القدر كان له رأي تاني. عمل ماجد حادثة. وعربية انقلبت بيهم. ماجد كان عنده كسور كتير. وهي خدوه على غرفة العمليات بسرعة. للأسف فارقت الحياة قبل حتى ما تولد. بسرعة خرجوا البيبي من بطنها ودخل حضانة. فاق ماجد زي مجنون. مش عارف يقوم من كسور اللي عنده. ونفس
الوقت هيتجنن عليها. حاله كان يصعب. أنا ما كنتش عارف أعمل إيه. أعيط على صاحب عمري ولا صديقتي. غير بقى لما أهلها عرفوا. طبعاً حملوا الذنب كله لماجد. اللي فضل عايش بذنبها. وقافل على نفسه. لحد ما إنتي جبتي فتحتي قلبه تاني.
نظر لها وجدها منهارة في البكاء. اقترب منها وقال: -إيه يا زوزو. لدرجة دي اتأثرتي؟ قالت بصوت باكي: -وأنا جيت كملت عليه ورفضت حبه. رفع لؤي وجهها له وقال: -أزهار إنتي بتحبي ماجد صح؟ هزت أزهار رأسها موافقة. -أمال ليه رفضتي؟ -ظروفي متسمحش. والله غصب عني. أنا ظروفي صعبة قوي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!