أجاب لؤي يتهكم وهو غير مصدق: -ليا اكل وبس. المهم الشغل يكون خالص. نظر ماجد له نظرة تفحصية وقال بمكر: -الا صحيح بجد يا بهاء لحقت خلصت الشغل أمتي؟ مع انك سايب كل شغلك هنا وأنا مانع شغل يطلع برا المكتب. ولا انت خالفت القواعد وأخدت الشغل معاك البيت؟ احمر وجه بهاء وبدأ يعرق ويتلجلج في الكلام، ولكن نقذ الموقف دخول العميل المنتظر. نظر ماجد لبهاء وقال: -عمتا مش وقته. اتفضل معايا علشان نسلمهم الشغل.
دخل ماجد وبهاء غرفة الاجتماعات وقاموا بالترحيب بالعميل. بدأ بهاء بعرض الشغل على العميل الذي أبدى انبهاره بالشغل وبالدقة المتناهية.
تعمد ماجد أن يستدعي أزهار بحجة معرفة ماذا سيشرب العميل. دخلت أزهار بعد أن استأذنت، ولكنها فوجئت بمدح العميل لشغلها. ترقب ماجد نظرتها ولاحظ الاهتمام واضح عليها، فكان العميل يتكلم بلغة الأسبانية التي تجيدها جيداً وكان يشكر بهاء على ما أتقنه من عمل. ألقت نظرة سريعة على بهاء وقدمت القهوة وبعض الفطائر وخرجت بدون أن تتفوه بكلمة.
انتهى الاجتماع وتم تسليم العمل واستأذن العميل. خرج ماجد من غرفة الاجتماعات وعلى وجهه ابتسامة تحدي ووقف في منتصف بهو المكتب يبحث بعينه عليها، وقال بصوت عالٍ مما جعل الجميع يلتفت له: -أنا النهارده اكتشفت عبقري شغال معانا في المكتب وكلنا ما كناش واخدين بالنا منه. وبسبب اجتهاده مضينا عقد مع شركة إسبانية كبيرة لمدة سنة. مكتبنا هو اللي هيمسك كل تعاملاتها وفضله المكتب هيتنقل نقلة تانية خالص.
وقفت أزهار مكانها تستمع إلى حديث ماجد وقلبها يخفق بشدة. تخشى أن يكون قد افتضح أمرها ويكون علم من الذي قام بإنهاء العمل المتأخر، ولكن قد خاب ظنها بعد أن سمعت المتبقي من حديث ماجد. أكمل ماجد حديثه والتفت لبهاء الذي كان يقف بدوره وعلامات الذهول والاستفهام على وجه، فهو غير مصدق ما حدث حتى الآن وفي داخله العديد من الأسئلة التي ليس لها إجابة. قال ماجد:
-أحب أشكر بهاء على مجهوده، لأن بفضله ما كنا حققنا كل ده. وأحب أقدم له شهر مكافأة نتيجة مجهوده. ثم التفت نحو أزهار وقال بسخرية: -وانتي يا آنسة أزهار شوفي المكتب كله يشرب إيه والحساب كله عندي النهارده. ثم رفع حاجبيه وأكمل: ماهو كل واحد لازم يقوم بشغله ولا إيه.
هزت رأسها وتركته وذهبت تكمل عملها وقد احمر وجهها من الغضب. لم يكن حال بهاء أفضل منها، فكان مرعوباً من القادم، فهو لا يعلم من الذي أتم العمل ولا يعلم ماذا سيفعل، وقد كثر الشغل أكثر على عاتقه، فهو ليس لديه الخبرة الكافية لكي يقوم بعمل بهذا الحجم. دخلت أزهار تعد القهوة والشاي والعصائر مثلما طلب منها ماجد وهي تكاد تنفطر غيظاً. دخل ورائها لؤي وهو ينظر لها بريبة وقال بأسلوب ماكر وهو يدور حولها:
-الا قوليلي انتي كنتي بتسالي عن مكتب بهاء ليه؟ احمر وجه أزهار وقالت بزعر: -لا عادي يعني حب فضول بعد ما سمعت بشمهندس ماجد بيزعق علشان الشغل المتأخر. رفع لؤي حاجبه وقال وهو يعبث بنظارته:
-صدفة غريبة بصراحة. بهاء اللي بقاله معانا أكتر من سنتين ينزل عليه الوحي فجأة ويخلص شغل أسبوع فجأة وكمان بدقة غريبة. اتصدقي مش عارف أقتنع. بصي يا أزهار وتسمحيلي طبعاً أقولك أزهار بدون ألقاب. أنا قديم قوي في الشغل هنا وخبرتي بتقول إن مش بهاء اللي عمل شغل ده. وخبرتي كمان بتقول انتي مش مجرد مدبرة مكتب، لا شكلك ولا أسلوبك ولا حتى طريقة لبسك بتقول كده. انتي إيه حكايتك بالظبط. ابتسمت أزهار ابتسامة قهر وقالت بعد
تنهيدة وهي تنظر للا شيء:
-تعرف يا أستاذ لؤي فيه فترة كده في حياتك هتمر بيها هتربيك قوي، هتخليك تكبر سنين قدام، هتعلمك إن مش كل الناس أصحاب وحبايب وولاد أصول ومتربيين ومش اللي هيأكل معاك في طبق هيصونه. ومش كل اللي يقولك كلمة حلوة يبقى حبيبك، وساعات بتبقى شايف وعارف بس ملكش نفس تعاتب. فيه فترة هتمر بيها وتطلع منها واحد غيرك، واحد أنضج وأقوى وقادر يكمل لوحده. هتتعلم فيها إن أقرب حد ليك هو نفسه عدوك. دمه هو نفس دمك بس بس غريب بيكون أحن عليك منه. فيه شدة هتيجي تحول حياتك وتبقى حد تاني غيرك وتصحي مش عارف انت مين ولا بتعمل إيه وتكون مجبور إنك تعيش مع شخص ده اللي هو مش انت.
وفجأة دخل ماجد عليهم وعلى وجه علامات الغضب، فهو لاحظ التقارب السريع بينهم. نظرت أزهار إلى لؤي تسترجاه بعيونها أن يصمت عن الكلام. أدرك لؤي أن فعلاً وراها حكاية كبيرة فالتزم الصمت لحين المعرفة بقصتها. نظر لهم ماجد وقال بغضب مفتعل:
-انسة أزهار هو أنا مش قلتلك تشوفي طلبات الموظفين كل واحد عاوز يشرب إيه ولا أجى أنا أخلص شغلك مكاني حتى أتعلمي من اللي حصل مع بهاء. شخص مخلص في شغله وجاب عقد كبير للشركة بصراحة ونعمة الموظف الملتزم. ما هو لو كل واحد يشوف الشغل اللي عليه المكتب حيبقى حاجة تانية بس نقول إيه. اندفعت أزهار في الرد وكأنها قد أنهت ما تبقى لها من صبر، وبدأ العرق الصعيدي يظهر عليها وقالت بعصبية:
-أستاذ ماجد حضرتك اعتبرني مستقيلة لو شايف إن مقصرة في حق شغلي، لكن حضرتك متكلمنيش بطريقة دي. مش أول مرة حضرتك تجرحني كده وتحسسني بوضعي ومكاني بطريقة غير مباشرة. أجاب صوت خلف ماجد بسخرية: -أمال جناب البرنسيسة تحب نكلمها بأنه طريقة يعني مثلاً قبل ما أطلب منك نسكافيه أقوم أضربلك تعظيم سلام ولا أعمل إيه؟ قوليلنا بس على طريقة اللي ممكن نتعامل بيها مع فراشة شغالة في مكتب كله مهندسينا.
احمر وجه أزهار أكثر لشعورها بالإهانة وكان أحد صفعها على وجهها، ولكن أوقف ماجد هذه المهزلة وجه كلامه إلى التي تقف خلفه وقال بغضب: -لارااااااااااااااااااا في إيه ومين سمحلك تخشي في الكلام أصلاً؛ غير أن أزهار مش فراشة هنا، أزهار هنا زيها زي أي موظف شغال في المكتب، كلكم زي بعض هنا وكل واحد بيقوم بشغله. ثم التفت إلى أزهار وقد لمح دمعة عالقة تهدد بالانهيار، تجاوز وكأنه لم يراها وقال يتهكم:
-وانتي يا آنسة أزهار اتفضلي على شغلك وانسى أصلاً موضوع الاستقالة. حضرتك ماضية معانا عقد وفي شرط جزائي، احنا مش بنلعب هنا. ثم تركهم وخرج وعلامات الغضب على وجه وشعور غريب داخل قلبه يكاد ينفطر عليها. فقد تكلم القلب وسكت العقل عن الكلام، فتحدث العشق بداخله يعلن الاحتجاج. نعم إنه العشق يا سادة إذا تحدث أخرس الألسن عن الكلام.
بدأت مشاعر ماجد تتحرك نحوها دون أن يشعر، فكانت مشاعره صادقة. وهي أيضاً أول مرة قلبها ينجذب لأحد، فهي الأخرى لم يكن حالها أفضل منه فقد دق قلبها لأول مرة. ولكن شعورها بالإهانة وأنه يتعمد في كل مرة يذكرها بوضعها جعل كرامة النفس تعلو رغبات القلب وكبرياؤها يتغلب على قلبها. تعلق ماجد بها يزداد يوماً تلو الآخر، ولكن ما تخفيه عنه جعله يزداد حرصاً وخشي أن يظهر مشاعره تجاهها قبل أن يتأكد ما رآه من حكاية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!