خرجت روقية وأغلقت الباب خلفها. ابتلعت أزهار ريقها بصوت مسموع. استشعر ماجد اضطرابها: "ممكن الآنسة تعرفني نفسها، هي مين؟ ومش غريبة إن الوقت ده كله محدش سأل على غيابك، أو إنتي حتى متلهفة إنك اتأخرتي، وإيه السبب اللي وصلك للحالة اللي كنتي عليها؟ وعارفة إنتي جاية هنا تشتغلي إيه بالظبط؟ تنهدت أزهار وابتسمت. رفع حاجبة الأيسر وقال بتعجب: "بعد إذنك، أعرف سبب ابتسامتك." قالت أزهار بهدوء بصوت يكاد مسموع:
"منا مش عارفة أجاوب على إيه، حضرتك سألت أسئلة كتير وأنا مش ملاحقة أجاوب على أنه سؤال فيهم." قال ماجد وهو يخفض نبرة صوته: "تمام، واحدة واحدة." وجلس خلف المكتب وأشار لها بالجلوس وقال وهو يمعن النظر فيها بدقة: "أول حاجة، إنتي اسمك إيه؟ "أزهار." "طيب، إنتي عرفتي إعلان الشغل ده إزاي؟ "كنت ماشية ولقيت الإعلان متعلق، لفت نظري لأنه كان مكتوب بطريقة فيها فكاهة، شد انتباهي وأنا محتاجة لشغل، قلت أتقدم."
"يعني إنتي عارفة طبيعة شغلك كويس إيه؟ هزت أزهار رأسها بالتأكيد على كلامه. ثم أكمل كلامه وقال:
"عارفة إنك المفروض هتباتي تحت في المكتب، وإنك الصبح بدري قبل ميعاد المكتب هتطلعي هنا تظبطي البيت وتفطري روكا، وبعدين هتنزلي تحت تنظفي المكتب اللي المفروض يكون نضيف قبل ما تنامي عشان الصبح مش هتلحقي، وهتكوني إنتي مسؤولة عن كل طلبات الموظفين وكمان طلبات العملاء اللي المفروض يكونوا متواجدين باستمرار، وآخر اليوم هتطلعي تعملي أكل وتعشي رقيه وتنزل تخلصي المكتب وتنامي." أجابت أزهار متسرعة في همس مسموع:
"لأ، إنت عاوز نينجا مش بني آدم." مر شبح ابتسامة على وجهه، ولكنه تظاهر بعدم السماع وقال: "بتقولي حاجة؟ ما سمعتش. عمتا ده مش موضوعنا، إنتي خلاص اتقبلتي في الشغل عشان رقيه ارتاحتلك، وده نادر ما بيحصل. رقيه لحد دلوقتي مغيرة عشر مدبرين منزل، يعني إنتي رقم ١١." ثم أكمل بتحفظ: "المهم، أنا عاوز أوراقك، يعني شهادة ميلادك، البطاقة، شهادة تخرج إن وجدت." ثم قال فجأة وكأن سؤالًا هبط عليه فجأة: "إلا إنتي صحيح خريجة إيه؟
ارتبكت أزهار محاولة إخفاء ارتباكها وقالت: "معهد فني صناعي." رفع ماجد حاجبيه مرة أخرى وتظاهر بالتصديق وقال: "وإنتي من فين يا أزهار؟ ما تنسيش إنك هتقعدي هنا مع بنتي، فلازم أكون مطمن مين اللي هيقعد معاها، بتكون مين." قالت أزهار متجلجة: "أنا اسمي أزهار، وكنت عايشة في الصعيد ووالدي ووالدتي توفوا، فاضطريت أسيب هناك وجيت قعدت هنا عشان أشتغل." قال ماجد وهو يحدق فيها ويحاول استكشافها:
"طيب، أنا ممكن أعرف ليه سبتي الصعيد وأهلك وجيتي هنا؟ تنهدت أزهار وقالت: "بصراحة، بعد موت أبويا وأمي حاولت أدور على شغل هناك معرفتش، وحضرتك عارف إن الصعيد ليه عادات وتقاليد اللي مش بتشجع عمل المرأة، فكنت مجبرة إني أسيب هناك وأنزل أشوف شغل في أي بلد، وخصوصًا إني معنديش أهل أعتمد عليهم." قال ماجد وهو يهرش في رأسه: "طيب، اشمعنى إسكندرية؟ ليه مثلًا ما نزلتيش على القاهرة؟ اشمعنى إسكندرية بالذات اللي اخترتي إنك تيجيها؟
قامت أزهار واقفة وقالت بنوع من الحدة القليلة: "أستاذ، حضرتك لو مش عايزني قول، أنا ممكن أمشي، لكن كفاية استجوابات لحد كده، أنا حاسة إني قاعدة في اسم شرطة مش قدام مديري في الشغل." ابتسم ماجد على طريقتها وقال: "أولًا، أنا اسمي ماجد، واضح إنك لسه ما عرفتيش اسمي لحد دلوقتي. لا، هو مش استجواب ولا حاجة يا آنسة. مش آنسة برضه؟ أنا بس عايز أتعرف على اللي هتقعد في بيتي." أجابت أزهار عليه وهي تجلس مرة أخرى بهدوء:
"تمام، أستاذ ماجد. أيوه آنسة، واطمن حضرتك أنا ما ورايش أي مشاكل، وحضرتك لو ما عجبكش شغلي ممكن حضرتك تمشيني في أي وقت. أنا اللي لفت نظري للشغل إن في مكان هقعد فيه. أنا نازلة من الصعيد، ما عنديش لا مكان ولا عندي حتة أقع فيها. وبالنسبة لأوراقي، أنا شنطتي انسرقت مني في القطر وكمان فيها البطاقة وكل حاجة تخصني." قام ماجد واقفًا وقال وهو يستعد للخروج من المكتب:
"تمام يا آنسة، انهاردة بس ممكن تقعدي مع روكا، ومن بكرة إن شاء الله اعملي حسابك هتباتي تحت في المكتب بس بعد ما تخلصي شغلك هنا. وتقدري دلوقتي تتفضلي لو سمحتي. أنا مأكلتش حاجة طول النهار، ممكن بس أي حاجة خفيفة، وشوفي المطبخ ناقصه إيه واكتبي طلباتك كلها. وبكرة في عندنا واحد تحت اسمه صلاح، هو متخصص إنه يجيب طلبات، أديله بس إنتي الورقة وهو عارف هيعمل إيه وهي تصرف وهيطلع الحاجة لحد فوق. وكمان بالمرة خشي مطبخ المكتب وشوفي ناقصه إيه وقولي له على طلباتك كلها."
هزت أزهار رأسها موافقة ثم تركته واتجهت نحو المطبخ تعد له طعامًا. دخلت أزهار المطبخ وكانت معجبة بتصميمه جدًا، فهي عاشقة للمطبخ. بدأت أزهار تتعرف على أنواع الطعام الموجودة، وأخيرًا قررت ماذا ستفعل، وبدأت بالفعل تعمل بحرفية وسرعة.
أغمضت أزهار عينيها تتذكر مرحها مع أخواتها عند تحضير العشاء، وكيف كانت تتهرب منهم حتى لا تقوم بعمل أي شيء، وإصرار والدتها على تعليمها شؤون المطبخ كاملة، وكيف كانت أزهار تصنع لهم أشهى الأكلات، وكانت تتفنن في ذلك بإتقانها فن المطبخ الإيطالي والروسي بحكم عشقها للغات، فكانت تدرس عادات وتقاليد كل بلد ولهجتهم.
نزلت الدموع من عينيها دون أن تشعر، ولا تشعر أيضًا بدخول ماجد عليها، فكانت في عالم آخر، عالم مليء بالدفء والحب والحياة. كانت حياة أزهار كلها حياة. تظاهر ماجد بعدم رؤية دموعها، فكان على يقين تام أن وراها حكاية كبيرة، ولكن لا يريد أن يضغط عليها. حاول أن يخرجها من شرودها بهدوء، طرق على الباب بصوت منخفض. فتحت أزهار عينيها ومسحت دموعها بظهر يدها محاولة إخفاءها. قال وهو لا يحاول النظر لها: "ها، قررتي؟ هتعشيني؟
أنا بجد مأكلتش طول النهار، وريحة الأكل اللي بتعملي أثارت فضولي أعرف بتعملي إيه." التفتت له أزهار وقالت: "عملت لحضرتك نجرسكو في برام في الفرن، خلاص زمنها استوت." أطلق ماجد صافرة إعجاب وعدم تصديق. أخرجت أزهار البرام من الفرن، ووضعته أمامه، وحاولت جاهدة الفرار من أمامه لأنها استشعرت السؤال في عينيه. خرجت أزهار من المطبخ وتوجهت نحو غرفة رقيه، وجدتها تحتضن عروستها في صمت. اقتربت منها وهي تبتسم وقالت لها: "إيه يا روكا؟
ساكتة كده ليه؟ أنا قلت زمانك نمتي." رفعت رقية عينها وقالت: "لأ، منا مش بنام غير لما بسمع حكاية، وبابا اتأخر قوي عليا." ابتسمت أزهار وقالت: "طيب، ينفع تجربيني أنا النهاردة؟ يمكن أعجبك." هزت رقية رأسها. ضمتها أزهار إلى أحضانها، وبدأت تلعب في شعرها، وبدأت تقص عليها حكاية، وكانت رقية مستمتعة جدًا بطريقة أزهار المشوقة. إلى أن غفا هما الاثنين في أحضان بعض، وكل منهما يحاول أن يختبئ من حزنه في الآخر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!