دخل ماجد لكي يطمئن على ابنته كالمعتاد كل مساء لأنه يعلم أنها لم تستطع النوم دون أن يلقي عليها حكاية كل يوم. ولكنه فوجئ أنها نامت بالفعل، وأنها أيضاً تحتضن أزهار، وهذا في حد ذاته إعجاز، فهي لم تألف أي أحد مما سبق. تأمل ماجد وجه أزهار بدقة ثم ابتسم.
وقال في نفسه: "شكلك مطولة معانا وشكلك وراكي حكايات. ربنا يستر من اللي جاي. معرفتيش تقنعيني بأنك اشتغلتي قبل كده، لا شكلك ولا طريقتك بيقولوا إنك عملتي كده. كله هيبان بس يارب ميكونش وراكي مشاكل." ثم تركهم وأغلق الباب خلفه. وفي الصباح الباكر استيقظت أزهار ونظرت حولها تحاول تتذكر أين هي. بدأت تنظر حولها وهي تسترجع ما قد مرت به، إلا أن استوقفت فجأة عن التفكير وكأنها تذكرت شيئاً ما.
قامت جالسة تنظر بجانبها وهي تبتسم على منظر الطفلة النائمة بجوارها. تسللت أزهار بخفة من جوارها وخرجت لتبدأ عملها. جهزت البيت ثم دخلت على المطبخ وبدأت في تجهيز الفطار والقهوة. دخل عليها ماجد وهو يرتدي ملابس رياضية مريحة وقال وهو يجلس على إحدى المقاعد داخل المطبخ: "صباح الخير. نمتي كويس؟ أكتفت أزهار بهز رأسها. أكمل ماجد بجدية وهو ينظر لساعة يده:
"ممكن قهوتي بسرعة علشان يدوب ده وقت فتح المكتب. هنزل معاكي بس إنياردة علشان أفهمك هتعملي إيه. لكن من الطبيعي، إنتي بتكوني تحت، هتصحي بدري تطلعي هنا الأول تعملي الفطار وتشغلي ماكينة القهوة وتنزلِ تحت." أثناء حديثه معها، عينه متابعها بدقة ولاحظ أنها بتتعامل مع ماكينة القهوة بحرفية تامة وكأنه شيء معتاد عليه.
ثم وجدها بدون إرادة منها تفرغ لنفسها أيضاً كوب من القهوة المخلوط باللبن، فهي عاشقة للقهوة ولا تستطيع السيطرة على نفسها أمامها. ابتسم دون أن يلفت نظرها وكأنه مستمتع بكذبها وبالقصة التي اخترعتها، فأراد أن يستفزها لكي يخرج ما بداخلها. قال لها وهو يحاول أن يركز على تعبير وجهها: "صحيح إنتي مقولتليش اشتغلتي فين قبل كده. واضح شغل المطبخ مش جديد عليكي. عارفه بتعملي إيه."
ارتبكت أزهار وظهر على وجهها الارتباك رغم محاولاتها إخفاء ذلك، ثم قالت: "لاء مشتغلتش قبل كده. منا قلت لحضرتك امبارح إن أنا كنت في الصعيد ونزلت إسكندرية علشان أدور على شغل." قال بنفاذ صبر وبصوت فيه حدة: "أيوا يعني كنتي في الصعيد بتعملي إيه؟ شغلانتك كانت إيه؟ غير إن لهجتك مش لهجة واحدة عايشة في الصعيد طول عمرها." أجابت أزهار دون أن تفكر: "في الأرض. أه كنت بشتغل في الأرض مع أبويا."
قام ماجد واقفاً ونظر لها نظرة تفحصية مريبة وقال لها وهو يضع فنجان قهوة: "تمام. خلصي قهوتك ورتبي المطبخ وحصليني على تحت." وتركها دون أن يتفوه بأي كلمة. خفق قلب أزهار وشعرت أنه لم يصدقها وبدأت توبخ نفسها بصوت مسموع: "وأنتي خلاص يا غبية خلصت كل شغلانات؟ ملاقتيش غير الأرض اللي اشتغلتي فيها؟
ما هو لازم ميصدقش. غبية غبية. غير إن لهجتي فعلاً مش لهجة واحدة عاشت عمرها في الصعيد. يعني كان عاوزني أقوله إن طول عمري متربية في مدارس راهبات؟ كنا مش بنتكلم ولا كلمة عربي؟ ولا أقوله إني معيدة في كلية لغات وترجمة؟ وفجأة وجدت يد صغيرة تجذب ملابسها من الخلف وهي تبتسم. انخفضت أزهار لمستوى الطفلة، قبلتها بحب وقالت: "أميرتي صغننة صحيت؟ فين صباح الخير بتاعتي؟ ابتسمت الطفلة وقالت: "صباح الخير. إنتي كنتي بتكلمي نفسك يا زوزو."
ضحكت أزهار وقالت وهي تحملها وتتجه بها نحو الحمام: "آه يا روكا أنا بحب أكلم نفسي، أعمل إيه بقا؟ معنديش حد أتكلم معاه." قالت رقيه بمرح: "خلاص بقا إنتي بقيتي صحبتي يعني تتكلمي معايا أنا يا زوزو مش مع نفسك." ضحكت أزهار وقالت: "ماشي يا ست روكا. أتكلم معاكي إنتي بس دلوقتي. نغسل وشنا ونتوضأ علشان نصلي." قالت رقية بصوت منخفض: "بس أنا مش بعرف أصلي." أحتضنتها أزهار وقالت: "أنا هعلمك يا روكا."
علمتها أزهار كيفية الوضوء وبدلت لها ملابسها وبدأت تعلمها كيف تصلي. وفي الأسفل استشاط ماجد من تأخير أزهار عليه، فهي تأخرت بالفعل عليه. صعد لأعلى وبداخله غضب شديد. فتح الباب ولكنها وقف مكانه دون أي حركة عندما وجد أزهار وهي تعلم رقيه الصلاة. دخل دون أن يراه أحد منهما. وبعد أن فرغا من تأدية الصلاة حملت أزهار رقيه وقالت لها:
"يلا بقا علشان أفطرك وأنزل علشان اتأخرت قوي. تلاقي باباكِ دلوقتي بقى شبه التنين بيطلع نار من بوقه." ضحكت رقيه ضحكة رنت في كل أرجاء المكان. خفق معها قلب ماجد الذي لم يسمع ضحكة ابنه من زمن. نظر من طرف عينه وجد أزهار قد أجلسة رقيه فوق رخامة المطبخ وهي تتناولها كوب اللبن وتعد لنفسها كوب آخر من القهوة. أدرك أنها تعشق القهوة. انسحب بهدوء دون أن يشعر به أحد وتسلل لأسفل ووجد أن الموظفين بدأوا بالحضور.
دخلت لارا بتعاليها المعتاد ولكنها وقفت مكانها وهي تشهق باستغراب وقالت: "إيه ده يا ماجد؟ إنت مش واخد بالك إنك (Sportswear) ملابس رياضية؟ نظر ماجد لنفسه وكأنه نسي أصلاً أنه نزل بالتريننج على أساس أنه سوف يعلم أزهار ما ستفعل ثم يصعد يبدل ملابسه. التفت لها وقال وكأنه غير مبالي: "وإيه مشكلة في كده؟ مش فاهم. نزلت أجري شوية ورجعت على معاد المكتب. قلت أفتح وأطلع أغير. إيه مشكلة؟ قالت لارا بعجرفة:
"مشكلة طبعاً. افرض حد من العملاء جه بدري؟ بشوفك كده يقولوا علينا إيه؟ التفت لها ماجد وقال: "وإيه فيها؟ هما نفسهم بييجوا كده. إيه مشكلتك؟ أنا مش فاهم." وتركها وصعد لأعلى. دخل وجد رقيه مازالت جالسة على رخامة المطبخ وتأكل بنهم فطورها. دخل عليهم ووجه حديثه لأزهار بحدة مصطنعة: "كل ده بتشربي قهوتك؟ ده لو سافرتي البرازيل تجيبي بن كان زمانك نزلتِ." ارتبكت أزهار وقالت: "معلش كنت بفطر رقيه وخلاص خلصنا. هقعدها بس تلعب ونزلة."
ماجد وهو يتجه نحو غرفة النوم: "تمام. هغير على ما تجهزي." فتحت أزهار حقيبتها وأخرجت بنطال من الجينز وعليه بلوزة طويلة الأكمام، وللأسف كانت من أغلى الماركات، فهي ليس لديها ما تعمل به. وأخرجت طرحة بنفس درجة البلوزة وكانت في منتهى الجمال، فجمالها كان ساحر بدون أي مساحيق تجميل، فهي بيضاء اللون، صافية البشرة، عينها بلون البحر. خرج ماجد من غرفته وتوقف مكانه قد أبهرته بجمالها الهادئ. قال لها وهو يحاول ألا ينظر لها:
"ها جاهزة؟ يلا علشان ضيعنا وقت كتير قوي هنا." هزت رأسها ومشت أمامه. دخل ماجد المكتب ورآه أزهار. لفتت انتباه لارا دخول أزهار مع ماجد، قامت واقفة واتجهت نحوهم وعينها على أزهار وقالت بسخرية: "هي البت دي هنا بتعمل إيه؟ مش امبارح كانت عاملة فيها ميتة؟ ارتبكت أزهار وقالت: "بعتذر منك كنت مرهقة امبارح قوي." لارا وهي تفحصها من أعلى لأسفل بدقة: "ودلوقتي ارتحتي؟ قال ماجد مقاطعاً كلامها: "جري إيه يا لارا؟ هو تحقيق؟
أنا خلاص عينت أزهار مدبرة المكتب." قال لارا وهي تعبث بشعرها: "إممم والله كويس. طالما إنت شايف إنها تنفع يبقى خلاص. إنت أدرى." ثم التفتت نحو أزهار وقالت: "ولبسك الغالي قوي ده سارقاه من أنه بيت يا تري؟ وفجأة وجدت صوت هز أركان المكان لدرجة لفت نظر الموظفين: "لاراااااااااااااااااا!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!