هز إسماعيل رأسه تأكيدًا، وترك صديقه يقف مع العريس، وذهب يجلس في مكان قريب، وهو يقول في نفسه: "خبر إيه يا إسماعيل؟ شكلك اتجننت عاد. كل ما تلمح بنته تقول عليها أزهار. إياك شكل البت لحسة مخك على الآخر. لاء، فوق إكده علشان تعرف تدور عليها مليح." وفجأة فاق من شروده على صوت واحدة بتقول له: "شيفاك كنت بتشبه على حد يا بلدينا." رفع عينه متعجبًا:
"سلامتك يا ست. لاء، خلاص عاد. مطلعتش هي. كنت فاكر المدام اللي مشت، واحدة بلدياتي أعرفها. لكن مش هي عاد. دوكها مش متجوزة، لكن دي متجوزة وحدها بنته كمان." ضحكت لارا ضحكة بصوت عالي، مما لفت انتباه كل الحاضرين، وانتباه لؤي الذي استشاط غضبًا عندما لمح لارا واقفة مع الشخص المجهول. التفت لؤي لصديقه يسأله عن إسماعيل، الذي أجاب:
"أبدًا يا لؤي، ده واحد معرفه من بعيد. بنت عمه هربت منه يوم الفرح. هو نازل إسكندرية يدور عليها. وتقريبًا كده لمح واحدة شبهها. علشان كده كان بيسألك عن الآنسة اللي كانت واقفة هنا." وقف إسماعيل، وعلى وجهه علامات الغضب، وهو يقول لها: "أباي عاد! هو أنا قلت نكتة إياك ولا إيه؟ خير يا آنسة؟ بتضحكي على إيه عاد؟ قالت لارا وهي مازالت تضحك: "بضحك على طبيتك الزيادة يا بلدينا." تملك الغضب إسماعيل، وقال بغضب صعيدي: "واه واه واه!
وبعدهالك عاد يا حرمة؟ ما كفياكي ضحك بالمنظر ده؟ يا تقولي إيه اللي بيضحكك، يا تاخدي بعضك وتقومي. أنا منقصاكيش عاد." قالت لارا باستخفاف ونفس نبرة الضحك، وكأنها لا تسمع كلامه: "اسمها إيه اللي أنت بتدور عليها؟ قال إسماعيل بتأفف: "اسمها أزهار عاد." قامت لارا واقفة، وتبدلت معالم وجهها الجدية، وقالت: "وأنت عاوز منها إيه اللي اسمها أزهار دي؟ جاب بعفوية:
"مرتي. أقصد اللي هتكون مرتي عاد. أنا قايل عليها، وكلمتنا في صعيد كتب كتاب عاد. يعني تقدري تقولي في حكم مرتي عاد." ابتسمت بمكر وقالت: "واللي يدلك على مكانها؟ قام إسماعيل واقفًا، وبدا على وجهه الاهتمام، وقال بحده: "انتي تعرفي طريقها إياك؟ انطقي يا حرمة بسرعة، لاء أخرج روحك من جسمك! الله في سماه، لكون دفنك هنا مكانك، لو ما نطقتي فين مكان أزهار." زقت لارا يده وقالت: "حيلك حيلك يا بلدينا. في إيه؟
براحة. على نفسك كده، ليطق ليك عرق وتروح فيها. هقولك على مكانها، وخليه تغور من هنا وتريحنا." "انطقي عاد." أخرجت لارا ورقة وقلم، وكتبت عنوان المكتب، وقالت: "هتلاقيها في العنوان ده. بس اهدي كده يومين، تكون اطمنت إنك ما شوفتهاش." وصلت أزهار المنزل. عند ماجد، نظر لها ماجد نظرة طويلة، ثم وجه نظره إلى رقيه وقال: "روكا، يلا يا قلبي، بوسة بابي وخشي نامي." نظرت رقيه إلى أزهار. سبق ماجد وقال:
"معلش يا روكا، سيبي ماما أزهار علشان عاوزها في موضوع مهم. خشي غيري ونامي." قالت أزهار متسرعة: "هروح أساعدها وأغير، وأبقى أجي لحضرتك." استشعر خوفها، وهز رأسه موافقًا. وكأن أزهار وجدت طوق نجاة في الهرب. صحيح بضعة دقائق، ولكن ستستنشق أنفاسها فيهم. فهي تعلم أن ماجد لن يهدأ دون أن يعرف قصتها كاملة.
بالفعل ساعدت أزهار رقيه، وذهبت رقيه في سباق مع النوم. بدلت ملابسها، وارتدت ترنج بيتي، وارتدت طرحة، وذهبت إليه. وجدته يعد القهوة في المطبخ. جلست على المقعد أمامه، وهو يعد القهوة. ألقى نظرة عليها وقال بحده: "متهيقلي أنا صممت على كتب الكتاب علشان تكوني براحتك، وما يكنش فيه حرمانية إنك تقعدي براحتك. اتفضلي، اقلعي الطرحة. مافيش واحدة بتقعد بطرحة في بيتها."
كلمة "بيتها" لمست قلبها قوي، مما جعلها تهتز. فشعور الأمان التي تشعر به هي نفسها، لا تعلم من أين أتى لها. فهي تشعر كأنها في بيتها من سنوات طويلة. سمعت أزهار كلامي، وفعلاً قامت بخلع طرحتها. ولكنه وقع من يده قدح القهوة دون إرادة منه. فلم يعد يسيطر على مشاعر أزهار. كانت جميلة لدرجة أنه فقد السيطرة على نفسه. لقد كان شعرها يصل إلى بعد منتصف ظهرها، وكان سلاسل مختلطة من البني والأصفر، لونهم كأنه مصبوغ. فردته على ظهرها.
احمر وجه ماجد، وحاول أن يستنشق هواء، وكان الأكسجين اختفى فجأة. فجمالها هزته من الداخل بقوة. قامت أزهار بعفوية تنظف القهوة، وغير مبالية بحالته. فهو جلس على مقعد دون أن يتفوه، وكأنه فقد النطق. يحاول أن يسيطر على مشاعره التي خرجت عن السيطرة. أعدت أزهار كوب آخر من القهوة، وقدمته له. أخذه منها، وقال بصوت مبحوح: "مافيش عندنا أي حاجة تتاكل معاها. أنا جعان قوي." قامت أزهار، أحضرت له بعض الفطائر، وجلست.
نظر لها وهو يلتقط إحدى الفطائر، وقال بهدوء تام: "أنا سامعك، وعاوز أسمع كل حاجة بهدوء وبصراحة. وعاوز أعرف سر خوفك الشديد اللي ظهر عليكي واحنا في الفرح." بلعت أزهار ريقها بصوت مسموع، وقالت بصوت مخنوق: "تخيل حياتك كلها تتغير في لحظة، بعد ما كنت أسعد حد على وش الأرض. فجأة تلاقي نفسك لوحدك من غير سند ولا ظهر، وأقرب حد ليكي بينهش فيك، وكأنه لما صدق إنك وقعت."
وبدأت أزهار تقص عليه حكايتها، والدموع سبقتها، وهو يسمع والتأثير على معالم وجهه. فجأة خطفها لحضنه بدون مقدمات. دخلت أزهار وكأنها كانت منتظرة هذا الاحتواء. ارتمت داخل أحضانه وكأنها وجدت أمانها، وظلت تخرج ما كتمته طول هذه المدة. انهارت في البكاء بشدة، إلى أن استكانت. أخرجها ماجد برفق شديد من أحضانه، وهو ينظر لعيونها، وقال لها بحنان: "ممكن بقي تهدي؟ كفايا دموع لحد كده." رفعت أزهار عينيها، والدموع تملأها، والتقطت نظراتهم.
همس لها ماجد بحنان وقال: "بحبك يا زهرة قلبي. تصدقني يا أزهار لو قلتلك إن حاسس إن عمري ما حبيت قبل كده." نظرت له أزهار نظرة غير مصدقة، فكل الدلائل تقول إنه كان عاشق لزوجته السابقة. قال لها:
"عارف إنك مش مصدقاني، بس حبي لإنجي ده كان حب مراهق. كبر على حبها، وماكنش شايف غيرها. لكن حبي ليكي انتي، حب راجل ناضج. عشق أجمل بنت من أول نظرة. أنا بجد بحبك قوي يا أزهار، ومن أول نظرة دقت نبضه في قلبي. أنا نفسي كنت مستغرب إيه اللي بيحصل ده، وإزاي مع إني كنت واخد عهد على قلبي ميتفتحش بعديها." "إنجي ضحت علشاني كتير، وأنا مش خاين للعهد. لكن اتضح إن القلب معلهوش سلطان، والحب قدر. إحنا مش بنختار نحب مين، ومنحبش مين."
قالت أزهار متسرعة: "ولارا؟ كشر وقال: "مالها لارا؟ مش فاهم؟ ضحكت أزهار: "مش معقول، مش واخد بالك منها؟ دي هتموت عليك." شدها مرة أخرى لحضنه، واستشعر هواء نفسها في وجهه، وهمس بحب: "وأنا هموت على واحدة تانية خالص، وقلبي أصدر قرار خلاص." احمر وجهها خجلًا، وخفق قلبها بشده، فهي تنجذب له هي الأخرى، وبشدة. لمس شعرها بحنان، واستنشق رائحته، وأخبئها داخله، وقال لها وهو يحاول أن يخرجها من أحضانه برفق، وكأنها قطعة زجاج رقيقة
يخشي عليها من التهشيم: "خشي نامي، الوقت اتأخر، وعندنا شغل كتير متعطل، ولا إيه يا ميس الإسباني؟ رفعت رأسها، وشهقت في دهشة. ضحك على منظرها، وقال وهو يعبث في شعرها: "أنا بس سايبك تلعبي بمزاجي. أنا عارف إنك إنتي اللي خلصتي شغل بهاء." خبطت على رأسها فجأة، وكأنها تذكرت شيئًا، وقالت: "خد بالك، بهاء مشتغلش خالص، وأنا جبت أخلص الشغل، ملقتش كراسة الملاحظات اللي هشتغل عليها." ظفر ماجد أنفاسه، وقال لها:
"خشي نامي دلوقتي، وربنا يحلها الصبح. يلا، تصبحي على خير يا زهرة قلبي." ابتسمت أزهار، وذهبت على غرفة رقيه، أخذتها في أحضانها، ونامت دون أن تفكر. وفي الصباح، بدأ العمل كالمعتاد في المكتب، دون أدنى تغير، غير تورّد لون أزهار. فالحب لمعة تظهر على عيون لا يمكن إخفاؤها، فكانت نفس اللامعة في عيون ماجد. وقف لؤي ينظر لهم، وقد لمس لمعة عيون صديقه، فالحب لا يمكن أن يخفي. فكانت نظرات الحب بينهم فاضحة.
نظرت لهم لارا بسخرية، وابتسمت بخبث. حضر وفد من الشركة الإسبانية، يتساءل عن سبب التأخير، مما تسبب في ارتباك ماجد. ظل يبحث بعيونه عن بهاء، وهو يدعوهم إلى حجرة الاجتماعات، يشير إلى أزهار أن تعد قهوة. دخلت أزهار حجرة الاجتماعات، وكان الجميع مشدودًا. ماجد ولارا ولؤي، وبعض رؤساء الأقسام، وكان يوجد مترجم يترجم ما يقوله الوفد.
سمعت أزهار شخصًا يقول للمترجم إنه يود أن يفسخ العقد ويطالب بالشرط الجزائي. لم تنتظر أزهار المترجم، وأجابت دون أن تستأذن من ماجد، بلغة إسبانية صحيحة. وقالت لهم: "إنها تود مهلة يوم واحد فقط، وهي سوف تنجز العمل بنفسها، وبتعتذر عن إهمال الموظف الآخر، فهو قد وضعهم في مأزق، واستسمحته أن يلقي عليها ملاحظته." وبالفعل رضخ الوفد لها، وابتسم لها.
نظرت أزهار لماجد، الذي غمز لها بعينه. احمر وجهها، وقالت بفرح وهي تنظر لماجد بحب، وكأنها تود أن تقول له "بحبك": "الحمد لله، الوفد وافق يدينا مهلة نخلص الشغل، ومش هيفسخ العقد." قام لؤي من مكانه، يصرخ: "يا زوزو يا جااااااامد! أيوا بقاااااااااااا! نظر لهم ماجد بحذر، أنه ما زال الوفد موجود. جلس لؤي مكانه، وهو يرفع إصبعه بعلامة النصر لأزهار، التي احمر وجهها أكثر من الحلق. قالت لارا، وقد اتفاجئت هي الأخرى بما فعلته أزهار:
"وهي جناب البرنسيسة إيه دخلها في شغلنا؟ إنتي هنا جاية فراشة؟ إن شلت، لو تعرفي ١٠٠ لغة، إنتي هنا فراشة وبس." احمر وجه لؤي وماجد غضبًا، بعد أن لاحظوا أن المترجم يترجم للوفد ماذا تقول. ولكن حدث غير المتوقع، فقد قام مندوب الوفد الإسباني، يقف احترامًا لأزهار، ويقول لها إنه يحترم من يسعى وراء عمله مهما كان مركزه، وزاد في وقت المدة المقدمة لديهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!