نزلت أزهار للأسفل وعلى وجهها علامات استفهام كثيرة وتفكيرها فيما حدث. هل كانت على صواب عندما وافقت؟ أم أنها تسرعت بالموافقة! ولكن الرد الصحيح الذي أجابته لنفسها أن في المنتصف حياة طفلة صغيرة ليس لها يد في أنها خلقت بدون أم. رضخت أزهار لعاطفة الأمومة بداخلها وحزمت القرار أنها تسير في الطريق الصحيح.
ذهبت أزهار نحو مكتب بهاء لكي تشاهد ما أتمه من عمل، ولكنها تفاجئت أن بهاء لم يبدأ أصلاً في الشغل وهو كما هو. وضعت أزهار يدها على فمها من هول المفاجأة. بهاء لم يبدأ أصلاً في الشغل وهو متغيب من أربع أيام والكل مشغول في ضغط الشغل الجديد ولم ينتبهوا لغيابه وتأخر تسليم الشغل الذي من المفترض أن يقوم بتسليمه بعد غد.
حاولت أزهار أن تبدأ تنجز العمل ولكنها بحثت عن كراسة الملاحظات التي ألقوها على بهاء فلم تجدها. وقفت في حيرة، فوضع المكتب مهدد لأن يوجد شرط جزائي كبير في حاله عدم تسليم الشغل في معاده. وقفت أزهار محتارة ماذا تفعل؟ هل تتصل بلؤي وتقص عليه حكايتها وتفضح نفسها أمامه؟ أم تلتزم الصمت وتعرض المكتب الذي تعب ماجد ولؤي من أجله؟ فهي في موقف لا تحسد عليه. ولكنها حسمت الأمر واتصلت بلؤي ولكن كان هاتفه مغلق.
عدى اليوم وأزهار تحاول الاتصال بلؤي. وفي الصباح الباكر كان المكتب إجازة. سمعت صوت باب المكتب يرن. فتحت وجدت لؤي وماجد ومعهما اثنين كمان. تعجبت أزهار ونقلت نظرها لماجد مستفهمة، ولكنه تجاهل النظر إليها وقال دون أن ينظر لها: "اتفضلي هاتي بطاقتك علشان نكتب الكتاب." تنحت أزهار ونظرت للؤي لكي ينقذها من الموقف كله. ولكن لؤي ليس بيده حل. رفع حاجبه أنه ليس بيده شيء. أجابت أزهار متلجلجة:
"أنا قلت لحضرتك أن اتسرقت في القطر وأنا نازلة اسكندريه وبطاقتي ضاعت." نظر ماجد للمأذون وقال: "والعمل دلوقتي؟ قال المأذون: "استاذ ماجد حضرتك جاري من زمان وأنت محل ثقة. لو الآنسة حافظة الرقم القومي ممكن أحلهالك بس بشرط لازم تكون البيانات مؤكده لصحة الزواج وحتى لا يكون باطل." نظر ماجد لأزهار التي هزت رأسها موافقة: "بس أنا معايا صور من شهادة الميلاد والبطاقة." قال لؤي وهو يبتسم فهو يعلم أنها تخفي أوراقها عنه:
"على خيرة الله اتفضلوا نكتب الكتاب." وتم عقد قرانها على ماجد. وصل ماجد المأذون ولؤي والشهود إلى الباب، ثم تركها وصعد لأعلى دون أن يقول لها أي شيء. جلست أزهار وهي تنظر للفراغ ولا تعلم ماذا فعلت وهل هي على صواب، ولكنها حقاً عشقته حد الجنون.
حل المساء وصعدت أزهار لتجهز لحضور فرح لؤي. ساعدت رقية في لبسها، ثم دخلت تبحث في ملابسها ووجدت فستان تخرجها ما زال في حقيبتها. ابتسمت ابتسامة شاحبة لأن والدها أحضر لها هذا الفستان من الخارج وكان مصمم خصيصاً لها وعليه أول حرف من اسمها. نزلت دمعة من عينيها دون قصد. مسحتها بظهر يدها وبدأت تجهز كما تعودت وغير مبالية أنها من المفترض أنها مدبرة منزل بنت عامل بسيط، ولكن الطبع يغلب التطبع.
ارتدت فستانها وظهرت بمظهر الأميرات، فكان الفستان مرصع ببعض الفصوص الفيروزي باهظة الثمن وكان من أغلى الماركات العالمية وكان الحذاء أيضاً نفس ماركة ومرصع بنفس الأحجار. خرجت أزهار من الحجرة وكأنها أميرة هربانة من الروايات. رفع ماجد عينيه وقام واقفاً مذهولاً من هول المفاجأة، فكانت حقاً أميرة رائعة الجمال. حاول ماجد أن يداري إعجابه الشديد بها، ولكن نظرات عينيه غلبته وقال وهو يحاول التماسك أمامها:
"تمام جاهزين كده يلا بينا." وتقدم أمامهم، ولكن وقف مرة واحدة ورجع بظهره وهمس لها: "أظن أن ده مش لبس واحدة كانت شغالة في أرض وأبوها مزارع بسيط. احترمي عقول الناس. اللي يسألك قولي أن أنا اللي جبته ليكي. عمتا لسة بينا كلام كتير لحد ما أعرف إيه حكايتك بالظبط." تنهدت أزهار وخفق قلبها. لقد حان موعد افتضاح أمرها. هي لا يوجد عندها ما تخفيه، ولكن خشية أن يعلم أحد من أهلها مكانها، فهي في مقام الميتة بالنسبة له.
تنهدت وقالت في نفسها: "يلا بقا اللي يحصل يحصل. هي موتة ولا أكتر." وعلى الجانب الآخر وصل إسماعيل إلى الإسكندرية ليقابل صديقه الذي حدثه عبر الهاتف. وجده يستعد للذهاب لفرح أحد أصدقائه، فقال له: "تعالى معايا عندي فرح واحد صاحبي. انبسط لك ساعة وبعد كده نشوف حكايتك إيه."
دخلت أزهار الفرح بصحبة رقية وماجد، وكانت تتمسك برقية وكأنها أمها فعلاً، فكانت مهتمة بها حقاً. لفتت أزهار بجمالها كل الأنظار مما جعل ماجد يستشاط من الغيرة عليها، فكان جمالها آخذاً للعقول. مال عليها وقال بحده: "ياريت حضرتك تحترمي أنك على ذمة راجل وتفضلي اقعدي هنا ومتتحركيش." نظرت له بتعجب وأجابت بتحدي:
"ياريت أنت اللي متنساش أن جوزنا سوري، ومحدش من اللي هنا يعرف أننا متجوزين أصلاً، غير أن أنا معملتش حاجة أصلاً علشان تقولي الكلام اللي ملهوش لازمة ده." رفع عينه واستعجب من طريقة كلامها. نظرت له وأخذت يد رقية وتركته وجلست بعيداً عنه. لمحتهم لارا وبحلقَت بعينيها من الدهشة. ذهبت إليهم والغيرة واضحة عليها وقالت بقرف وهي توجه كلامها نحو أزهار: "خير؟ هي جانب البرنسيسة وقعت على كنز ولا إيه؟
ولا كان عندها حاجة أغلى من تمن الفستان وباعتها؟ نظرت لها أزهار من أعلى لأسفل وتركتها تأكل في نفسها ومشَت. ذهبت تسلم على لؤي الذي فور أن رآها أطلق صافرة إعجاب وقام من جانب عروسته ويقول: "يخربيت عقلك إيه يا زوزو الحلاوة دي؟ هو في كده؟ ضحكت على كلامه ثم التفتت إلى عروسه تبارك لها. قالت لها العروسة: "أنتي أكيد آنسة أزهار صح؟ لؤي ملهوش كلام غير عنك بس بصراحة عنده حق." ابتسمت لها أزهار وفكت قلادة كانت لبسها وقالت:
"أنا مكنتش أعرف بخطوبتك، ممكن تقبلي مني الهدية دي؟ ابتسمت العروسة وقالت وهي تنظر للقلادة: "تحفة، بس دي شكلها غالي قوي." ابتسمت أزهار وقالت: "مفيش حاجة تغلى عليكي." نظر لؤي لماجد نظرة ذات مغزى، الذي كان يشاهد ويسمع كل حديثهم. فهم ماجد نظرة لؤي وأشار برأسه. وفجأة تغيرت ملامح أزهار واحمر وجهها وبدأ الذعر على معالم وجهها وذهبت مسرعة تتحمى وراء ظهر ماجد. استغرب ماجد منها ولكنه استشعر خوفها. استدار لها وقال لها:
"تحبي نمشي يا أزهار؟ هزت رأسها وهي ترتعش خوفاً. ضمها بيده وأخذ رقية وذهب مسرعاً من الفرح. اقترب صديق لؤي يهنئه وعين لؤي على ماجد وأزهار. ولاحظ من يصطحب صديقه عينه على أزهار وكاد أن يذهب وراءهم لولا تدخل لؤي يعطله عنهم. فقد شعر أن هذا الشخص هو الذي سبب ذعر لأزهار. حاول سحب حديث منه، ولكن الآخر كان يريد أن يتأكد إذا كانت هي أزهار أو لا. حاول لؤي تشتيت تفكيره. سأله إسماعيل وهو يحاول أن يدقق النظر:
"هي مين الآنسة اللي مشيت دي؟ تجاهل لؤي كلامه ووجه كلامه لصديقه يسأل عن حاله. كرر إسماعيل السؤال عن أزهار. التفت لؤي له بنفاذ صبر: "نعم حضرتك خير؟ مش فاهم أنت بتسأل عن مين؟ مافيش حد مشي غير صاحبي ومراته وبنتهم هما اللي استأذنوا ومشوا علشان بنتهم مريضة. لكن أنا معرفش آنسة مشت." ولكن على الطرف الآخر عيون تلاحقهم وهي تبتسم بخبث وقد وجدت طريقها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!