فجأة، لارا بطريقة ماجد في الدفاع عنها. التفتت له وقالت بغضب: "إيه يا ماجد مالك؟ أنا قلت إيه غلط؟ أنت مش شايف اللبس بتاعها؟ أنت عارف الماركة اللي هي لابساها دي بكام؟ قال ماجد مندفعًا دون تفكير: "آه عارف، علشان أنا اللي شاريهم." اتفاجئت أزهار بكلامه وفتحت عينيها بدهشة. قالت لارا باستغراب: "وأنت تجيب لها طقم غالي قوي كده ليه؟
زفر ماجد أنفاسه وقال بملل: "أنا مشترتش حاجة يا لارا، ده لبس من دولاب المرحومة مامت رقيه، مكنش عندها حاجة تلبسها، عطيتها الطقم ده لحد ما تجيب لنفسها حاجة تلبسها، والهدوم كده ولا كده مركونة بقالها سنين، ثوابها أحسن من ركنها، ولا إنتي إيه رأيك؟ لارا بتهكم: "هو في رأي بعد رأيك برضوا يا ميجو." ونظرت لأزهار نظرة أخيرة وتركتها ومشيت. حاولت أزهار تبرير الموقف، ولكنه لم يعطها
فرصة وقال بأسلوب أمر: "المطبخ عندك هنا، اتفضلي يلا شوفي المطلوب إيه واعمليه، علشان العملاء على وصول وشغلك هيكون كتير." خفضت أزهار عينيها وذهبت دون أن تتكلم. دخلت المطبخ وعقلها شارد مما فعله ماجد، ولكنها لم تجد تفسيرًا أو إجابة على سؤالها. التفتت حولها وبدأت تستكشف المكان. شغلت ماكينة القهوة وبدأت تعد بعض الفطائر والمعجنات الخفيفة، ورائحتها ملأت المكان.
بدأ الموظفون يتوافدون عليها ليستكشفوا ما سبب الرائحة الذكية، وبدأت أزهار تتعرف عليهم. وكان أظرفهم لؤي، كسب صداقتها من أول كلمة، وهي استطلعت خفة دمه وروحه المرحة. قالت له بمرح: "أكيد أنت اللي كتبت الإعلان صح؟ ضحك لؤي وقال: "تدفعي كام وأنا أقولك، وكمان أعرفك على شخصية كل واحد في مكتب هنا." ضحكت أزهار بطريقة طفولية وقالت بمكر: "إيه رأيك في مج قهوة أمريكانو كبير وفطرتين من دول؟
شهق لؤي وقال: "لا، إذا كان كده ده أنا أجيب لك تاريخ أجدادهم كمان مش شخصيتهم بس، ده أنا ميت هنا مش طالع من المطبخ، أيوا كده أول مرة ماجد يحسسني إنه بيفهم، ده كان منشفها علينا قوي." وفجأة انتفض من مكانه على صوت ماجد وهو يقول له: "لا وهوريك كمان إن بعرف أضرب مش بفهم بس." التفت له لؤي وكان الأمر طبيعي وقال بنفس نبرة صوته الساخرة: "أيوا يا ميجو، بدأتو تقدروا المواهب صح، بذمتك مش الآنسة أحسن حد جه لحد دلوقتي؟
قال ماجد بتهكم: "يأبني، هي لحقت؟ دي مابقالهاش غير ساعتين بس لحقت تحدد إنها أحسن حد." سند لؤي عليه وقال بثقة: "بص يا ميجو، أنا بكلمك بحسي الفني، وحسي بيقول إن الآنسة دي هتعمل جو مختلف غير اللي سبوقوها، غير كده، أنا لؤي، عمري شكرت لك في حد قبل كده؟ تحرك ماجد من مكانه وكاد لؤي أن يسقط واقعًا.
وقال ماجد وهو ينظر لأزهار: "بصراحة يا لؤي، عمرك ما شكرت في حد، أول مرة تشكر بصراحة، بس عمومًا خلينا نشوف. المهم أنا عاوز أدوق أي حاجة من اللي ريحتها طالعة دي، ويلا اتفضل قدامي علشان في شغل كتير متعطل." تناول ماجد قطعة من الفطائر ولم يبدِ رأيه أو يلتفت لها. وقال بجدية: "يلا يا لؤي ورانا شغل." أجاب
لؤي عليه دون أن يلتفت له: "هخلص القهوة وأحصلك، الدنيا مش هتطير، روح أنت اقعد مع الساحرة الشريرة اللي أنت مزهقنا بيها، يلا بقا روح خليني أستمتع بالقهوة والوجه الحسن." خرج ماجد وتركهم دون أي التفاتة. ابتسمت أزهار وقالت بمرح: "تسمحلي أشغل فراستي وأقولك مين الساحرة الشريرة؟ ابتسم لؤي وقال: "مش محتاجة فراسة يا قمر، المكتب كله عارفها، شرها طايل الكل." وفجأة سمعوا صوت ماجد عاليًا
ويقول بغضب شديد: "لأ ما دي مش طريقة شغل، إحنا كل يوم مش هنقعد تحت رحمة الأستاذ بهاء وتحت مزاجه، يجي الشغل يشرفنا، ملهوش مزاج يسبنا نخبط دماغنا في الحيط كده كتير." قالت أزهار للؤي: "مين بهاء ده وليه أستاذ ماجد متعصب قوي كده؟ قال لؤي وهو يلتهم الفطائر وكأنه اعتاد على صوت ماجد: "ما تاخديش في بالك، خدي من ده كل يوم، حكاوي بهاء مش بتخلص." نظرت له أزهار باستعجاب على هدوئه المبالغ وقالت: "أيوا، يعني يطلع مين بهاء؟
أجاب لؤي وهو يستعد للقيام: "بهاء ده يا ستي مدير قسم الترجمة، وهو اللي متخصص في شغل العملاء الإسبان، لأنه الوحيد اللي هنا بيعرف إسباني، وشغل كتير متعطل بسبب غيابه كتير، وده غلط على سمعة المكتب، وكلام في سرك، هو بهاء مزودها قوي علشان عارف إن مفيش غيره وإن مترجمين الإسباني قليلين، فا بيدلع علينا." هزت أزهار رأسها دون مبالاة وقالت بعدم
اهتمام لكي لا تلفت النظر: "و بهاء ده مكتبه فين يعني، بيقعد فين وسط كمية المكاتب دي كلها؟ رفع لؤي نظارته ونظر لها من تحتها وقال وهو يرفع حاجبه: "كل موظف على مكتبه يافطة عليها اسمه، سلام بقا يا سكر علشان ماجد شكله كده هيعمل مني حلقات صغيرة."
أكملت أزهار يومها في العمل مابين مكاتب الموظفين وطلبات العملاء تحت كلمات الثناء والمدح على طعم المعجنات والفطائر، وطبعًا إلا لارا اللي اعتبرت أن هذه الأشياء لا تنفع أن تكون في مكتب، والحاجات دي بلدي قوي، والمفروض نرتقي شوية. انتهى اليوم وانتهت طاقة أزهار معها، فكان يوم مرهق جدًا عليها، غير أنها أصلًا غير معتادة على العمل.
بدأت أزهار ترتب المكان بدقة، إلى أن وصلت لمكتب بهاء. حب فضولها خلاها تستكشف الشغل المركون على المكتب، وبدأت تشتغل بدقة متناهية، وكان شيء سهل لها، أتقنت الشغل بحرفية تامة، وتركته على مكتبه كما هو. ولكنها غفلت عن شيء مهم، أن يوجد بالمكتب كاميرات تراقب حتى النفس. أغلقت أزهار أنوار المكتب وبدأت في الصعود لأعلى لكي تكمل عملها، ولكن التعب قد أنهكها.
دخلت أزهار الشقة وكانت تعم بهدوء تام، دخلت المطبخ وبدأت في تجهيز الطعام، ثم دخلت غرفة رقيه، وجدتها تلعب. أول ما لمحتها رقيه جرت عليها تحتضنها. انخفضت أزهار لمستواها وقالت: "ممكن بقى أميرتي تقولي عملت إيه في غيابي؟ كل حاجة احكي لي." ثم حملتها ودخلت بها المطبخ ووضعتها فوق الرخامة، ورقيه فضلت تتكلم وتحكي كيف عدى يومها، وأزهار بدأت تتصنع الاهتمام بأنها تسمع حديثها وهي تعد الطعام.
دخل ماجد عليهم وبدأ يسمع كلام رقيه ويشاهد انصات أزهار لها وضحكها على مواقف رقيه وردود فعلها على كلامها. ابتسم ماجد وقال: "أنا جعان قوي، هو الأكل لسه عليه كتير؟ هزت أزهار رأسها بالنفي وقالت: "لأ خلاص عشر دقايق بس، أعمل سلطة تكون مكرونة بالبشاميل استوت." أطلق ماجد صافرة إعجاب وقال: "واووو مكرونة بالبشاميل! لأ أكيد بحلم." ابتسمت أزهار وقالت: "وكمان معاها استيك مشوي وبطاطس محمرة وسلطة."
قال ماجد بعدم تصديق: "لأ، قلبي مش هيتحمل كل ده، أنا أكيد بحلم." وضعت أزهار لهم الطعام واستأذنت أن تنزل. احترامًا لماجد، واقفا وقال: "على فين يا آنسة أزهار؟ التفتت له أزهار: "هنزل تحت خلاص، خلصت شغلي هنا، والصبح إن شاء الله هطلع أخلص المطبخ." قال ماجد: "لأ، أنتِ هتقعدي تاكلي معانا، واعملي حسابك إن ده كل يوم هيحصل، علشان مش بحب كلام كتير ووجع القلب، وده أمر مافيش فيه اعتراض."
ارتبكت أزهار: "بس ميصحش كده حضرتك، أنا ممكن أستنى لحد ما تخلصوا أكل وأشطب المطبخ وأنزلق." قال ماجد بنفاد صبر: "أزهار اتفضلي اقعدي، بلاش وجع قلب، أنتِ كمان طول نهار واقفة وما أكلتيش، يلا اتفضلي اقعدي، على الأقل علشان روكا تاكل." أحضرت أزهار لها طبقًا وشوكة وسكينًا، وكأنها معتادة، وبدأت تأكل بالشوكة والسكين وتقطع الطعام لقطع صغيرة لرقيه.
كل هذا تحت أنظار ماجد المتفحصة والملاحظة طريقة تناولها للطعام، وكل يوم شكه بيتأكد أن وراها حكاية كبيرة وأنها ليست مجرد عاملة نظافة أو مدبرة منزل فقط. انتهى ماجد من طعامه وأثنى عليها، أعجابه بالطعام، وتركها ودخل غرفة المكتب وبدأ يشغل الكمبيوتر المتصل بكاميرات المكتب حتى يشاهد ماذا كانت تفعل تحت. ولكنه قام واقفًا مندهشًا حين وجدها تقوم بعمل بهاء. أغلق الكمبيوتر وهو في حالة ذهول تام، غير مصدق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!