الفصل 8 | من 20 فصل

رواية أزهار الفصل الثامن 8 - بقلم نرمين قدري

المشاهدات
26
كلمة
1,494
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

ظل ماجد واقفًا يفكر مكانه بضع دقائق، وهو ما زال في حالة من الزهول، ولكن فضوله سيطر عليه. ماذا كانت تفعل في أوراق بهاء؟ هل هي عميلة لمكتب ترجمة آخر وتود أن تنقل له عملنا؟ أخذ عقله يأخذ ويعطي، ولكن دون جدوى. لم يلق ردًا أو إجابة، ولكنه حسم الأمر وقرر أن ينزل إلى أسفل ليكتشف بنفسه ماذا كانت تفعل.

انتهز ماجد انشغال أزهار في المطبخ ونزل مسرعًا للمكتب، وبدأ يتفحص الأوراق من على مكتب بهاء، ولكنه وقف مرة أخرى، ولكن هذه المرة أكثر زهولًا ودهشة. لقد تم تخليص كل العمل المتأخر وبحرفية تامة. ومن هنا ازداد يقينه أنها ليست مجرد مدبرة مكتب، بل أن وراءها حكاية كبيرة. وعلى الجانب الآخر، في صعيد مصر الجواني، وداخل إحدى السريات، يقف إسماعيل يشيط من الغيظ، وقد احمر وجهه من شدة الغضب، ويقول بحقد:

"بقي حتة عيلة تلبسنا كلاتنا طرح؟ والله واللي خلق الخلق لآدفنها مطرح ما ألاقيها. أنا إسماعيل القناوي، تسبني حتة بت عيلة ومتتجوزنيش؟ ترد عليه عمت البنات وبنفس نبرة الغل: "هو ده كل اللي همك إنك متجوزتهاش؟ ومش همك ورثها اللي بملالين اللي المجلس الحسبي جامده عنده، وأننا طلعنا من المولد بلا حمص؟ يلتفت إسماعيل لها ويقول بنفس الغضب: "جرا إيه يا أمي؟

ما أنا كنت لما أتجاوزها هاكوش على ده وهيكون بتاعي. بس برضك البت ذي حتة الملبن، مش شبه جوز الغفر اللي حداي في الدوار. على الأقل كنت هعيش وياها هنا في سرايا بدل الخرابة اللي عايش فيها." ثم رفع رأسه كأنه تذكر شيئًا، ثم قال بعين يلمع فيها بريق الطمع: "إلا قولي بالحق يا ما، هي السرايا دي إيه مصيرها؟ تنهدت العمة وقالت بشماته: "انهد ومتحلمش. السرايا اتحطت تحت الحراثة وهتنقلب من بكرة." هرش إسماعيل في رأسه وقال بمكر:

"بقولك إيه، ما تقومي أكده تدعبي في أوض البنات يمكن تلاقي حتة دهب كده ولا كده. ده أبوهم الله يجحمه كان مغرقهم دهب، تقول إيه برنسيسات." عوجت العمة فاها وقالت: "مش مستنياك تقولي. البت قبل ما تهرب نفضت البيت من الدهب والفلوس كمان. طالعة واعية شبه أمها، تربية نوال. حتطلع إيه يعني؟ أهم غاروا وريحونا."

في الإسكندرية، فاق ماجد من ذهوله، ورتب الأوراق كما كانت، وأغلق المكتب وصعد لأعلى. كانت أزهار قد انتهت من شغل البيت وذهبت إلى غرفة رقيه تساعدها في النوم، ولكن غلب عليها النعاس من شدة التعب. دخل ماجد عليهم لكي يطمئن على رقيه، مثل المعتاد، ووجد أزهار في ثبات عميق من النوم، ووجد رقيه تراقبها وتتفحص ملامح وجهها وهي مبتسمة.

دخل ماجد وسوف يتحدث، أشارت له رقيه أن يصمت كي لا يوقظ أزهار. انسحبت رقيه بخفة من بين يدي أزهار وخرجت مع والدها، وقالت بابتسامة: "خير يا بابي، كنت عاوز حاجة؟ ابتسم ماجد وحملها وقال: "هو أنا لازم أخش عندك لما أعوز حاجة؟ أنا كنت داخل أطمئن عليكي زي كل يوم، بس إيه اللي نيم أزهار هنا؟ المفروض كانت تنام تحت." قالت رقيه: "هي دخلت معايا، غيرت ليا هدومي، وأخذتني في حضنها تحكي ليا حدوته. يادوب لسه هتحكي، هي اللي نامت."

ضحك ماجد بشدة على طريقة رقيه في الحكي، وقال لها: "طيب يا لمضة هانم، هاتي بوسة وخشي براحة نامي جمب أزهار وخلي بالك تصحيها، شكلها تعبانة قوي." هزت رقيه رأسها وذهبت لتغفو بجوار أزهار. استيقظت أزهار وقد حل التعب على جميع أجزاء جسمها، فهي غير معتادة على العمل الشاق. قامت بتكاسل وبطء، وبدأ يومها كالمعتاد. أنهت عملها فوق ونزلت لتستكمل عملها في المكتب. بدأت تعد القهوة والفطائر حتى بدأ يتوافد الموظفون. دخل لؤي

عليها وقال بمرحه المعتاد: "صباح جميل على ست البنات. صباحك سكر يا مسكر." ابتسمت أزهار على طريقته وروحه الجميلة، واقتربت منها وقالت بنفس نبرة المرح: "صباح الكريم كراميل بالشوكولاتة." ثم مدت يدها بفنجان قهوة وقالت: "والقهوة دي مني ليك يا كبير، عشان الصباح اللي يفتح النفس ده."

دخل عليهم ماجد، ولكنه انتابه شعور غريب. شعر أنه قد اختنق من قرب لؤي من أزهار، وكأن نارًا هبت بداخله. لأول مرة يشعر هذا الشعور ولا يعلم من أين أتى، وتحولت معالم وجهه لغضب غير مسبب، وبدأ يوجه كلامه لأزهار في حدة وغضب: "هو في إيه يا آنسة؟ انتي فتحتيها هنا كافتيريا للعشاق ولا إيه؟

اتفضلي روحي شوفي الموظفين لو عاوزين حاجة. هي شركة مش كلها لؤي. انتي هنا جاية تخدمي على كل الموظفين مش موظف واحد بس. اتفضلي يلا روحي شوفي طلباتهم." شعرت أزهار بالإهانة لأول مرة. حد يتحدث معها بهذا الأسلوب؟ حبست دموعها وتذكرت كيف كان يدللها والدها، وترحمت عليه في سرها، وذهبت في صمت دون أن ترفع رأسها له أو تدافع عن نفسها خوفًا من أن يرى دموعها. نظر له لؤي نظرة طويلة، وقال وهو يغمز بعينه، فهو صديق ماجد من سنوات

طويلة ويعرفه حق المعرفة: "خير يا عم الشبح؟ إيه اللي أنت عملته في البت الغلبانة دي؟ شكلها مش بتاعة بهدلة، شكلها بنت ناس والزمن جار عليها. أنا ليا نظرة بردو في الناس، ما أنت عارف إن مش بقرب ولا بتكلم مع حد، بس البنت دي معدنها بيقول إنها بنت أصول، وأنت عارفني بفهم الناس بسرعة. لكن طريقتك دي، ماجد، محيراني لأنك أنت أصلًا مش كده. بجد مستغربك قوي." تلجلج ماجد وبدأ يعدل نظارة القراءة بحركة لا إرادية وقال:

"هيكون في إيه يعني يا لؤي؟ أنا كل ما أخش ألاقيك هنا وسايب شغلك وقاعد تضحك وتهزر معاها، وهي فاتحاها على بحري. متنساش أن إحنا بيخش لينا عملاء كتير، منظرنا هيكون إيه قدامهم؟ هز لؤي رأسه وقال بنبرة سخرية وقال: "آه، قلت لي العملاء. أه عندك حق، ما أخدتش بالي. معلش." قطعه ماجد وقالت وهو ينظر لساعته: "يلا بقا عندنا شغل كتير. غير أن بهاء باشا شرف، تعالي نشوف عمل إيه في الشغل المتعطل."

وعلى الجانب الآخر، يقف بهاء ويفتح فاه في حالة زهو غير طبيعي، لدرجة عدم شعوره بدخول ماجد ولؤي عليه. قال لؤي بضحك: "أه يا بني، فاتح بوقك كده؟ اقفله أحسن تخش دبانة معدية وانت فاتحة كده." انتبه بهاء على صوت لؤي وقال: "صباح الخير، معلش كنت سرحان شوية." رفع ماجد عينيه وقال بمكر: "ها، عملت إيه في الشغل المتأخر؟ العميل جاي كمان ساعة تقريبًا." قال بهاء بثقة: "تمام، الشغل كله خالص وعلى التسليم." أطلق لؤي صافرة إعجاب وقال:

"وعملتها إزاي دي يا قرد؟ أنت بتغيب أكتر ما بتيجي، لحقت تخلص كل ده؟ التفت بهاء له وقال بثقة: "أنت ليك أكل ولا بحلقة؟ المهم أن الشغل خلص." ولكن عقل بهاء هيقف من كثرة التفكير في الشخص الغامض الذي أنهى الشغل عنه. لا أحد في المكتب يعرف أمره غيره.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...