الفصل 19 | من 20 فصل

رواية أزهار الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نرمين قدري

المشاهدات
28
كلمة
2,317
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

قطعت كلامه أزهار بحده لإنهاء الحوار وقالت: مبروك يا باشمهندس، مش ده اللي كنت عايز تسمعه؟ أديني قلتها لك. ثم حاولت جاهدة أن تخفي دموعها وتأثرها بكلامه، وتصنعت القسوة: بس أنا كمان اتغيرت، ما عدتش أزهار اللي عرفتها. أزهار البنت البريئة الساذجة اللي لسه جاية من بلدهم هربانة بتتحامى في إيد تطبطب عليها. أنا اتغيرت كتير.

أزهار اللي أنت ذبحتها، ماتت في نفس الليلة اللي انذبحت فيها اللي قدامك دي. أزهار أستاذ الأدب الإسباني في كلية اللغات والترجمة، إنسانة كل حياتها كتب ومراجع ومحاضرات، حبر على ورق وبس. إنسانة ممكن تقراها لو وصلت للمستوى المكتوب جواها، لكن ما تقدرش تتعامل معاها بالمشاعر، مهما كانت المشاعر دي: ندم، حب، غفران. ثم انسابت الدموع من عينيها، فلم تقدر على التماسك أكثر من ذلك، وقالت بصوت مصحوب بالبكاء:

خلاص، أزهار القديمة ماتت واتدفنت زمان، وأنت بنفسك اللي اشتريت ليها الكفن اللي دفنتها بيها. الكفن كان فستان الفرح اللي لبسته علشان الكل يضحك عليها. ثم ارتفعت حدة صوتها: أي مشاعر هتقدمها لي دلوقتي مش هتنفع. عارف ليه؟ الحاجة بسيطة جداً، لأن اللي ميت ما بيصحاش. اللي مات خلاص راح. عمرك شفت ميت قام من قبره وصحى؟ أنا كده خلاص، مشاعري ماتت، كل حاجة فيا حلوة ماتت، والبركة فيك. قال ماجد بعصبية مفتعلة وهو يحاول جاهداً إقناعها:

ما تضحكيش على نفسك يا أزهار، أنت لسه جواكي مشاعر ليا. نظرة عينيك أول ما دخلت، الدموع المتعلقة في عينيك وخايفة تنزل قدامي، رعشة إيدك، نظرة الخجل اللي في عينيك اللي أنا حافظها كويس. بس الإنسان اللي من حبر على ورق زي ما أنت بتقولي، مش هيكون جواه كل المشاعر دي. ثم يحاول جاهداً إثبات صدق كلامه فيقول مؤكداً: أزهار، بصي لنفسك في المراية، هتعرفي إنك لسه بتحبيني. كل حاجة، كل حاجة جواكي بتصرخ وبتقول: بحبك. ثم التفت لينظر لها

ويضع يده على كتفها ويقول: أزهار، أنا بجد بحبك وندمان إني ضيعتك من إيدي. صرخت أزهار ودفعته، وبدأت الدموع تنهمر من عينيها، وبدأت تنهار وتقول له بحده: اوع إيدك دي تلمسني تاني، إياك تتجرأ وتحط إيدك عليا تاني. أنا بكرهك، اطلع بره، اطلع بره. أنا بكرهك، بكرهك وبكره نفسي معاك على سخافتي. وكل ما افتكر قد إيه كنت هبلة وصدقتك، أظن كده أنت انتقمت مني كويس قوي وأخذت تارك كمان. يقول لها وهو يحاول إخفاء دموعه:

اهدي يا حبيبتي، أنا مقدرش أستحمل أشوفك كده، حقك عليا يا نور عيوني. أنا جاي أبلغك إن مكانك في الشغل محفوظ بينا، وكلنا في انتظارك. أنت ناسي إن خلاص مابقاش ليا مكان بينكم. قطع كلامها: لا، أزهار، مكانك محفوظ في الشغل، وكلنا بجد. قالت له بحده: من فضلك ما تجمعنيش معاكم. أنا كلها يومين وسايبة البلد كلها وراجعة إسبانيا، مستنية بس أحول الفلوس وأرجع تاني. وهسافر على طول. التفت لها ماجد وقال بحده وقد بدأ ينفذ صبره:

بس أنا همنعك من السفر، همنعك إنك تسافري، وأظن ده حقي. أي حق ده اللي يخليك تمنعني ويخليك بتتكلم بثقة دي كلها؟ آه يا أزهار، بتكلم بثقة إنك لسه على ذمتي، وإن أنا جوزك. من حقي أمنعك. تضحك أزهار وتقول: وهي دي حاجة تتنسي؟ حد ينسى اليوم اللي اتذبح فيه؟ صدمتي فيك كانت فوق احتمالي، كانت كبيرة قوي، بس الحمد لله، صدمة فوقتني وعلمتني. تأخذ أزهار أنفاسها وتكمل كأنها بقهر:

لا يا باشمهندس، لا. ما حدش بينسى اليوم اللي اتذبح فيه. صدمتي فيك كانت فوق احتمالي، كانت كبيرة قوي. بس ما تقلقش يا باشمهندس، أنا دلوقتي بجري في إجراءات الطلاق، وأقل محامي هيعرف يطلقني منك. أصلها بسيطة جداً يا باشمهندس، ورقة بسيطة تثبت إن أنا لسه آنسة، وإحنا داخلين تقريباً على سنة متجوزين عادي. يعني بسيطة، مش هتاخد في المحاكم أسبوع، وهطلق للضرر وهسافر وأعيش حياتي وأقفل صفحة الماضي دي خالص، وأنسالك وأنسى أي حاجة تربطني من البلد دي.

يضحك ماجد بشدة، ثم يكشر فجأة ويقول: لا يا أزهار، أي خطأ في الدنيا دي مهما كان حجمه، مش ممكن يقضي على الحب الكبير اللي بينا. وأنا مش هسمح لك تسافري. وعادي يا ستي، لو على جوازنا، أنا مستعد أتمامه. ودلوقتي خلي بالك، يا زهرة، أنا ممكن أعمل أي حاجة في سبيل إنك ما تضيعيش مني تاني. وخدي بالك، أنا مجنون وممكن أعمل أي حاجة اللي ما تخلينيش إني أنا أخسرك تاني. تضحك أزهار وتقول بحسرة: خطأ ولا جريمة؟ أنت بتسمي اللي أنت عملته خطأ؟

لا دي جريمة يا باشمهندس. سميها زي ما تسميها، أي جريمة بنت خطأ. صح، أي جريمة بنت خطأ، بس أي جريمة ممكن تتنسي، إلا قتل الروح يا باشمهندس. وأنت قتلت روحي بسكينته لمه. ثم تنهار قواها وتجلس على أقرب كرسي، وكأن روحها بتنسحب منها، فقتل الروح أكبر من قتل الجسد، وتكمل كلامها:

قتلتني وقتلت كل حاجة جوايا، ما راعيتش أي حاجة، ولا حتى إن أنا بنت يتيمة وحيدة فقدت أهلي كلهم، وكنت أنت ليها الأهل والسند والصحبة، بس أنت خذلتني. خذ بالك يا باشمهندس، البت اللي تبقى لوحدها وتستحمل فقدان أبوها وأمها وإخواتها في ثانية، وتقاوم وتعافر وتحفر بضوافرها في الصخر علشان تعمل نفسها كيان، تقدر تنساك بجرّة قلم. علشان مشاعري بقت إزاز. آه يا باشمهندس، بقت إزاز، قابل للتهشيم في أي وقت. قلبي بقى بلاستيك، كل حاجة بقى

بلاستيك. كل حاجة فيا بقت بلاستيك، قلبي وروحي ومشاعري، كل حاجة بقت صناعية. أنا زي ما تحديت ظروفي لوحدي، هقدر كمان أتحدى إني أنساك. عادي، زي ما قلت على أبويا الله يرحمه، هقول عليك كمان الله يرحمك. ومع الوقت جرحك ليا هيهدى. أنت مش آخر حد في الدنيا.

ثم قامت واقفة ولفت ذراعها حول بعضها تحاول احتواء نفسها، وقد ارتجف قلبها وقالت:

هقدر أقوم بعدها وهعافر وهعمل نفسي من جديد. زي ما عملت أزهار، أستاذة الأدب الإسباني، بعد ما كانت ولا حاجة، بنت عادية جاية من الصعيد، فلوسها وقعت منها، اشتغلت كل حاجة لحد ما ثبتت نفسها. مع إن أبويا كان معودني على عزة النفس، صحيح كان معانا فلوس كتير، بس كان مخليني أعتمد على نفسي. الله يرحمه، هو اللي خلاني كده قوية لنفسي، مش بفلوسي، عشان أنا اللي كنت بعملها، مش هي اللي عملتني. لكن أنا طز في الفلوس، أنا كنت مستعدة أتنازل عن كل حاجة لعمّتي وابنها، وأعيش معاك. أنا اخترتك أنت ورميت كل حاجة ورا ظهري.

ثم تنهدت وأغمضت عيونها وكأنها تواسي روحها المفقودة وتقول بقهر: بس أنت مقصّرتش، كسرتني قدامهم قوي، حتى لو أنت بريء، بس أنت اتأخرت عليا قوي. ثم تتنهد وقد رق قلبها فتقول بهدوء: الحب اللي حبيته لك كله يا ماجد، أنا ما عدتش بحبك. وضع يده على فمها وقال:

لا يا أزهار، مش انتي بس اللي قاستي، أنا قاست أكتر منك. أيوه يا أزهار، مفيش ألم في الدنيا أصعب من الإحساس بالندم. إحساس مر كئيب بيخنق أي فرحة أو أمل. إحساس ملازمني ليل نهار بيفكرني قد إيه أنا كنت حقير. إحساس الذنب ده صعب جداً. كل ما افتكر لحظاتنا الحلوة مع بعض، بصرخ جوايا وأقول: أنا اللي ضيعتها من إيدي. بحس جوايا بصراع، بحس جوه صدري بحاجة خنقاني. كان نفسي

أريح ضميري وأطلقك وأقول: مرحلة وعدت. لكن ما قدرتش، ما قدرتش يا أزهار، حبك كان محتل كل كياني، محفور جوايا. حبك بيصرخ جوايا: أنا بحبك يا أزهار. كل حتة فيا بتصرخ وتقول: بحبك يا أزهار. قطعت أزهار كلامه بصراخ: كذاب، كذاب! أنا مش مصدقاك وعمري في حياتي ما هصدقك. اللي باعني مرة ممكن يبيعني ألف مرة. إزاي هستأمن نفسي عليك؟ إزاي؟ هنام وأنا مأمنالك؟ تفتكر يا باشمهندس إني هعرف أنام؟

هعرف أحط راسي على المخدة كده جنبك وأبقى حاسة بالأمان؟ بالعكس، أنا هبقى كل شوية صاحية خايفة الغدر يجي لي منك في أي لحظة. صدقني، مش قادرة، مش قادرة أسامح، مش قادرة أنسى اللي حصل فيا. حتى لو بحبك، هدوس على قلبي. يصرخ بصوت عالي:

أنا ما بعتش، والله ما بعتك يا أزهار، مش ذنبي، ده ملعوب اتلعب عليا ومليش يد فيه. ما كنتش عاوز أأذيكي، ما كنتيش مقصودة. اللي حصل خارج عن إرادتي. فجأة لقيت حياتي كلها بتتهد، شركتي بتضيع، حياتي مهددة بالإفلاس. وأنت ما تعرفيش أنا تعبت قد إيه وحاربت قد إيه عشان أوصل للمركز اللي أنا فيه ده. الضغوطات كانت أكبر من احتمالي. عارف إن أنا غلطت، إن مرحتلكيش بعدها علطول أطلب منك السماح وأشرحلك اللي حصل، بس الدنيا اتلخبطت كلها فوق دماغي، والمكتب كان مهدد بالإفلاس.

ثم يجلس يحاول التقاط أنفاسه ويقول بندم: معترف بدا، ندمان. بس أنا عمري ما كذبت في مشاعري معاكي في يوم. كل اللي عملته معاكي وانت بتسميه كذب وخداع، كان بعيد عن حبي ليكي. والله كان بعيد عن حبي ليكي. أنا حبيتك، وقلبي دق ليكي. تصرخ أزهار بعنف وتقول: إيه المنطق الجديد ده اللي اخترعته؟ المشاعر ما بتتجزاش؟ حلو قوي منطقك الجديد. أعمل كل حاجة باسم الحب؟ أكذب باسم الحب؟ أضرب باسم الحب؟ أقتل باسم الحب؟ أضيع ناس باسم الحب؟

لا يا باشمهندس، المشاعر ما لهاش تجزئة. يا بحب يا بكره. وعمري اللي بيحب بيعرف يؤذي؟ لكن أنت آذيت، يبقى أنت عمرك ما حبيت. ترفع نبرة صوته أكثر موضحاً لها:

أنا ما آذيتكيش، افهمي بقى. أنا مش بكذب عليك، والله ما بكذب عليك. أنا فعلاً حبيتك، وكل لحظة مشاعر عشتها معاكي كانت بجد، عمرها ما كانت خدعة. اتعمل علينا إحنا الاتنين مؤامرة، وكنا إحنا الاتنين ضحايا. كل غلطتي إن تأخرت عليكي، وسبتك تواجهي أهلك لوحدك. كل ده عشان كنت عاوز أرجع وفي إيدي دليل براءتي إني ما خليتش بيكي. تقطع كلامه بصوت باكي: وإيه اللي يخليني أصدقك؟

إيه اللي يخليني أرجع لك تاني وأستأمنك على نفسي بعد ما طعنتني وغدرت بيا؟ طعنتني وأنا جنبك وفي حضنك وغدرت بيا. إيه اللي يخليني أصدقك؟ بتهيأ لي صعبة، صعبة قوي يا باشمهندس إني أصدقك تاني وأرجع آمن. لحظة واحدة بس يا أزهار، لحظة. راجع كل تاريخك معايا. لو لقيتي نقطة واحدة بيضاء، تبقى بداية أمل جديد لينا ونحاول عشانه. ندي نفسنا فرصة ثانية. يمكن بريق النور، النقطة البيضاء، تكون شعاع أمل لينا وبداية جديدة لينا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...