الفصل 18 | من 20 فصل

رواية أزهار الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نرمين قدري

المشاهدات
22
كلمة
2,167
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

جلس ماجد ولؤي يتفحصوا الصور، وعقل ماجد كاد أن يتوقف. كيف لهذة التقنية العالية التي تجعله يجلس على عقد زواج وهو لم يفعل ذلك؟ كاد يجن، كأنه هو فعلاً الذي يمضي العقد، ولكن كيف؟ واقترب أن يصدق أنه فعل ذلك وهو دون وعي منه. إلى أنه فاق على صوت لؤي وهو يصيح كعادته: -أيها الناس! الماكنة طلعت قماش! وبدأ يصعد فوق المنضدة ويهتف: -لقد وجدتها! لقد وجدتها! اقترب منه ماجد وهو يقول:

-اهدأ بقا يا لؤي وبطل شغل العيال وانزل من على ترابيزة، وفهمني بقالك أسبوع شغال ومش عارف تطلع غلطة. -تمام، هنزل بس بشرط. -هتعزمني على بيتزا حجم كبير. -يوووه يا لؤي! محل بيتزا بحاله! بس خلصني أنا هتجنن عليها وموبايلها مقفول من ساعتها وأنا مش عايز أروح لها غير ودليل براءتي معايا. استشعر لؤي قلق وحزن صديقه، فنزل وقال: -تعالي وهدهشك. فتح لؤي الصور وقال: -أولاً، خد بالك من كف اللي ماسك القلم بيمضي. -مش أنت خالص.

-ده إيده سمرا عنك. ثم عمل زوم للصورة وأشار: -وده لابس خاتم وأنت عمرك ما لبست خاتم. -غير إن لون كم البدلة اللي لابسها كحلي غامق مش أسود، وباقي الصورة البدلة سودة. -عايز كمان؟ ماجد بفرح: -باااااس! كمان إيه؟ أنت كده أستاذ بجد. شابووووووووووو. برافوا يا لولو يا جااااااااامد. حبيبي يا صاحبي. أخذ ماجد الموبايل وجرى يركب سيارته، وساق على سرعة عالية ليرى معشوقته ومعه دليل براءته. وصل بعد عدة ساعات ليطرق بابها، ولكن لا مجيب.

خفق قلبه بشدة، حاول أن يسأل أحداً عنها. فطرق باباً بجانب السرايا يسأل عنها. قالت إحدى الفتيات: -الآنسة أزهار سافرت بلاد برا تكمل علمها. قال ماجد بتعجب: -متعرفيش سافرت فين؟ هزت البنت رأسها نافية. رحل ماجد وهو يجر أذيال الخيبة. ولكن أحياناً شعاع ضوء خفيف ينقذ حياتك. لقد وجد أمام سيارته الشيخ الكبير يقف بهيبته المعتادة متكئاً على عصاه. قال ماجد بلهفة وكأنه وجد طوق النجاة: -إزيك يا حج؟

أنا بجد مش عارف أقولك إيه على وقفتك اللي وقفتها معايا. بس أنا يشهد الله غصب عني اللي حصل. أنا ما كنتش عايز أكسرها كده. هز الشيخ رأسه، فهو له نظرة في الناس، ثم قال: -كنت فين يا ولدي؟ كل ده غياب؟ في حاجات لو متتاخدتش في وقتها بتضيع يا ولدي، وأنت سبت الحكاية تبرد زيادة عن اللزوم. -كنت بجيب دليل براءتي. -وهي ما كنتش عايزة دليل يا ولدي؟

قلبها كان دليلها. هي كانت محتاجاك أنت. هي كانت هتصدق أي حاجة تقولها. هي عشقاق يا ابني، بس أنت غبت عليها قوي. هي كانت محتاجة السند أكتر ما كانت محتاجة الدليل. أنت كنت مصدر الأمان ليها، فكانت عايزة تحتمي بيك. قطع ماجد كلامه وقال بحزن وصوت باكي: -هي فين يا بابا الحج؟ أنا هتجنن عليها. تليفونها مقفول. -سافرت يا ولدي تكمل علمها. فتح ماجد عينيه على وسعهما وقال بغضب يحاول إخفاءه: -على فين وإزاي؟

هي نست إنها مراتي وأنا لازم أديها الإذن للسفر. -إذن يا ولدي؟ وأنت كسرتها قدام أهلها كلهم. عموماً أنا راجل علامي على قدي، معرفش سافرت على وين. عموماً سيبلي رقم تليفونك وأنا أول ما أعرف حاجة هتصل بيك يا ولدي. استسلم ماجد للأمر الواقع وظل ينتظر مكالمة الشيخ. مرت ستة أشهر وكل يوم يتصل ويسأل عنها. إلى أن جاء تليفون من الشيخ. نظر ماجد على هاوِية المتصل وقام واقفاً. -لو أيوا يا عم الشيخ. قال الشيخ بهدوء معتاد:

-أزهار مستحملتش الغربة أكتر من كده وعاودت يا ولدي واستلمت شغلها في الكلية. ابتسم ماجد وخفق قلبه وقال بفرح: -تسلم يا حج. متقلقش، أنا هصلح كل حاجة. متقلقش، أنا بحبها. ابتسم ماجد وخفق قلبه بشدة، فمعشوقته لم تتحمل البعد. ركب سيارته وذهب حيث تعمل. سأل أحد العاملين الذي دله على مكان مكتبها. دخل ماجد عليها دون استئذان وهي تجلس على مكتبها في الكلية. يتقدم منها ويقول بهمس: -وحشتي قلبي يا زهرتي.

ترفع أزهار عينيها فور سماع صوته وتنظر له بعينين دامعتين غير مصدقة وهي صامتة وقلبها يخفق بشدة. يبتسم ماجد شبه ابتسامة ويخفض عينيه للأسفل ويقول: -مبروك يا زهرة قلبي. تستغرب أزهار وترفع عينيها ثانية وتقول باستهزاء: -مبروك على إيه؟ معلش. يجلس ماجد ويضع ساقه فوق الأخرى ويقول مازحاً: -ببارك لنفسي نيابة عنك. ترفع أزهار حاجبها مستغربة: -أنا معرفش عنك حاجة يا باشمهندس تخليني أبارك لك. خير. كملت عقد جوازك ولا إيه؟

منا آخر حاجة شفتها ليك كنت قاعد بتمضي على عقد الجواز. -أزهار، أنتِ عارفة إنه ده مفبرك. -وأنا هعرف منين؟ أنا ليا الظاهر. قدامي عريس مجاش يوم فرحه وصور ليك وأنت قاعد بتمضي عقد جواز. وصور وأنت مع لارا. هعرف إيه تاني عنك يا باشمهندس. -لازم تعرفي أنه محصلش أصلاً. المهم إن مكتبنا أخد شهادة دولية وبقى من أشهر مكاتب الترجمة واسمي نزل في مجالات علمية. تقول أزهار باستخفاف: -حصل محصلش مش فارقة. اعرف بقا إيه المطلوب مني.

يقف ماجد يقول وهو ينظر داخل عينيها التي افتقدها، يشدها وهو يكمل كلامه، وتعمد يتجاهل نبرة السخرية: -ومش أنا بس. لؤي كمان وتقريباً كل الموظفين في المكتب. كلنا بصراحة عملنا مجهود جبار. تضحك وتقول بسخرية متعمدة: -طيب ليه عايزني أبارك لك أنت بشكل خاص؟ ما موظفين المكتب كلهم معاك يعني حاجة عادية. وأكيد ده حصل بفضلهم كلهم مش اجتهاد شخصي منك. زفر أنفاسه وقد علم أنها لن تلين بسهولة. قال محاولاً احتواء قلبها الذي يعلم جيداً

أنه السبب في تهشيمه: -ما أنتِ لو كنتي شفتي الرسائل اللي بعتها لك ما كنتيش قلتي الكلام ده. كنت عرفتي أنا تعبت قد إيه وإيه اللي حصل لي عشان أقدر أوصل لكده، وإزاي غيابك المفاجئ أثر عليا، وإزاي قدرت أقنع الشركة الإسبانية بسبب غيابك المفاجئ. وأنا اللي سلمتهم شغلك. صحيح أنتِ خلصتي الجزء الأكبر منه، بس هما ليهم الظاهر. قطعت كلامه أزهار بحدة:

-أستاذ ماجد، لو سمحت. أنا مقرتش ولا رسالة من رسائلك. أو بمعنى أصح، ما كنتش بكمل أول سطر من الرسالة وبمسحها. كان أول سطر فيها كفاية عشان أكرهك وأكره اللي فيها. كانت تحاول جاهدة أن تصد أي مشاعر يحاول أن يرسلها لها، فاهي أعلم الناس بقلبها، فاهي تخشى أن يحن له. فقالت بحدة لإنهاء الحوار:

-بص بقى يا باشمهندس. اختصار لأي كلام عايز تقوله. يوفر وقتي ووقتك. عشان أنا أصلاً ما عنديش وقت أضيعه معاك. وجودك دلوقتي ما بيعنيش ليا. وجودك هنا بيخنقني. بيفكرني بمرحلة تافهة سقطت من حياتي. مرحلة كنت بندم فيها على سذاجتي وعلى هبلي. ينظر لها ماجد بحدة ويقول وهو يأخذ نفساً عميقاً، فهو يعلم أنه في حرب صعبة:

-أنا مش جاي أعتذر أو أطلب الصفح. أنا معترف إني ارتكبت في حقك جُرم. عارف إنه أكبر من أي محاولة للغفران. أنا جاي أقول لك متشكر. تضحك نصف ضحكة: -أنا ما عملتش أي حاجة ممكن تشكرني عليها. -دلوقتي جايز، لكن زمان عملتي. وعملتي كتير قوي. علاجك ليا. كفايا إنك غيرتي نظرتي للحياة. تضحك أزهار بشدة حتى تدمع عينيها وتقوله وهي تنظر له بعين ممتلئة بالدموع: -ياااه! أنت لسه فاكر اللعبة البايخة دي. يقطع ماجد كلامها مسرعاً ويقول بلهفة:

-ما كانتش لعبة يا أزهار. ما كانتش لعبة. عمر اللي عملتيه معايا أو مع رقية ما كان أبداً. تقطع أزهار كلامه بصرامة وتقول: -لا، كانت لعبة زي لعبة الاستغماية، وأنت بصراحة لعبتها معايا بمنتهى الحقارة وما قصرتش. عملت معايا كل حاجة وما قصرتش يا باشمهندس. يقول ماجد بصوت نادم:

-مش هقول لك حاجة أو هعرضك. عشان معترف بغلطتي. مع أن اللي حصل غصب عني خارج عن إرادتي. لو كنتي صبرتي أو شوفتي رسائل كنتي عرفتي إن مليش يد في اللي حصل. أنا كنت زمان حاطط شروط لقلبي في الحب، لكن أنتِ كسرتي كل القواعد والشروط. تضحك أزهار بشدة وتقول بسخرية:

-مافيش حب مشروط. الحب باكدج على بعضه. يا أحبك زي ما أنت يا ملهوش لازمة. الحب من الآخر لازم أحبك بعيوبك كده. لو حطيت شروط يبقى حتجمل عشان أعجب. وده مش حب. ده إعجاب. مافيش شروط في الحب يا باشمهندس. -بس أنا اتغيرت. وأنتِ اللي غيرتيني. صحيح أنتِ دفعتي ده ودفعتي ثمنه غالي جداً، بس أنا كمان دفعته زيي زيك بالظبط. ثم ترتفع نبرة صوته دون إرادة منه، محاولاً أن يجعلها تصدق ما يقول:

-ندمي على اللي إني صبرت كل ده لحد ما ثبت برأتي ومجرتش عليكي على طول عشان أردلك كرامتك قدام أهلك. حسرتي على ضياعك مني خلتني أراجع نفسي كويس قوي. اكتشفت إن كنت أناني، مش بفكر غير في نفسي بس. أقسم لك يا أزهار، أنا اتغيرت وندمان على كل لحظة ضيعتك من إيديا. ندمان على كل حاجة عملتها معاكي. ثم اختنق صوته فجأة وهو يحاول جاهداً أن ينال رضاها ويحاول يستسمحها قائلاً:

-وجاي دلوقتي أستسمحك وأقول لك يا ريت تسامحيني على غيابي عنك. أنا عارف إن المفروض أجلك من أول يوم وأشرحلك سبب عدم حضوري الفرح. أنا عمري ما هنسى فضلك عليا. أنا كنت معيش نفسي جوه صدفة حاجبة عني أي نور. الصدفة دي أنتِ كسرتيها. صحيح جرحتي إيدك وسيحتي دمك، لكن ألمك ما راحش هدر. ده. ثم نظر في عينيها محاولاً اكتساب عطفها وقال بنفس نبرة الصوت:

-أنتي صنعتي مني إنسان جديد. إنسان بقى يحس بكل اللي حواليه. بقيت إنسان بمعنى الكلمة، بيحس بالناس وبقدر. كنت ظالم نفسي وظلمت رقية لما كنت معيشها داخل القوقعة، قافل على نفسي ووادفنها مع ذكرياتي. وجبتي أنتِ كسرتي القوقعة وخرجتيني أنا وهي منها. ثم اقترب منها أكثر وقال برعشة: -تعرفي؟ أنا شلت كل صور المرحومة من أوضة النوم. خليت بس صورة واحدة في برواز في أوضة روكا تخليداً لذكري أمها. أنتي صنعتي المستحيل يا حبيبتي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...