وعلى الجانب الآخر، في أحد مكاتب الترجمة والسياحة الكبرى، التي يمتد عملها لجميع الدول ويتعامل معها جميع الجنسيات، يجلس فريق عمل في اجتماع مغلق. يقف رئيس مجلس الإدارة وهو في حالة لا يرثى لها بسبب اعتذار مترجم لهم عن العمل. وقف ماجد وهو في قمة غضبه يقول:
لا دي مش طريقة شغل، دي رابع مرة بهاء يغيب ومن غير عذر. لو حتى اتصل يبلغنا، أنا جبت آخري. هو عارف مكانه مهم إزاي في المكتب وعارف إن المكتب مفتوح علشان سياح كتير عاوزين يخلصوا أوراق كتير ليهم تبع السفارة. بصراحة ده اسمه تهريج مش شغل. ثم التفت ماجد فجأة نحو فتاة تجلس تسجل كل الملاحظات وقال لها بجدية: هالة، عملتي إيه في إعلان طلب مدبرة للمكتب؟
وخذي بالك إنها كمان حتخلص شغل البيت عندي، وإنتي أكيد عارفة طلباتي وعارفة إن مينفعش نقبل أي واحدة علشان دي حتخش البيت عندي، وأكيد فاهميني. أومأت هالة برأسها وقالت مؤكدة لكلامه:
حصل يا فندم، والإعلان نزل على كل مواقع التواصل. ومش كده بس، أنا كمان طبعته وعلقته في أماكن كتير. ومن امبارح التليفون مسكتش، وانهارده إن شاء الله أنا حددت لحضرتك ساعة علشان نشوف فيها كل المتقدمين وتختار حضرتك بنفسك واحدة من اللي اتقدموا تكون أنسب للشغل. قال ماجد بجدية: تمام، بس حددتي في الإعلان إنها لازم تبات في المكتب علشان زي ما إنتي عارفة إنها اللي حتفتح الصبح، غير إنها هي اللي حتحضر الفطور الصبح عندي.
ابتسمت هالة وقالت: أكيد يا فندم، ده حصل. أنا عارفة طلب سعادتك. ركز ماجد مع ابتسامتها وقال: في إيه يا هالة؟ إيه سر الابتسامة الغريبة دي؟ قالت هالة ضاحكة: أصل الإعلان نزل بطريقة جديدة تلفت نظر أي حد. إنت عارف أفكار الفنان اللي عندنا لؤي، بصراحة دماغه جبارة. رفع ماجد حاجبيه بتستياء وقال: آه، لؤي. قولتيلي لؤي اللي كاتب الإعلان. ربنا يستر ونلاقي واحدة تشتغل.
وعلى الجانب الآخر، جلست أزهار وعلى وجهها علامات الحيرة، لا تدري أين تذهب. جلست تفكر وشردت لدرجة أنها لم تشعر بهطول المطر عليها. وفجأة انتبهت أن ملابسها قد بلت بالكامل. جرت مسرعة تبحث عن مكان تختبئ منه من المطر. وأثناء اختبائها، لفت نظرها إعلان معلق يبحث عن مدبرة مكتب ومدبرة منزل، ولكن طريقة الإعلان لفتت نظرها. فكان مكتوب في بداية الإعلان بين قوسين: (فطور وفوطة) جذبتها الكلمتان فابتسمت، ولكن
كان تحت الكلمتين إعلان: مطلوب مدبرة منزل ومدبرة مكتب بنفس البناية، ولا ندفع أجر، ولكن الشخص المناسب يحظى بإقامة جيدة. تعجبت أزهار من طريقة كتابة الإعلان الساخرة، وأكدت أن كاتب الإعلان مفرط في التفاؤل وعنده حس فكاهي عالي. ولكن على أي حال، ما شأنها هي بحالته؟ كل ما يهمها في الأمر إيجاد غرفة لو لبضعة أيام وعمل حتى تختبئ فيه عن الأعين لحين ما تقرر خلالها هذه الأيام خطواتها المقبلة. ظلت أزهار تنظر
للإعلان وتقول في نفسها: إن مشكلتها الحالية تحتم عليها التفكير جدياً. رغم توقف المطر، لم تتحرك وظلت مكانها تحدق في الإعلان وكأنها تحفظه، وقالت بصوت يكاد مسموع: يا ترى، واحدة في نفس ظروفي عندها رفاهية الاختيار؟ ما عنديش مكان أبِيت فيه ولا فلوس، ولسه واقفة بفكر. أقبل اشتغل مدبرة منزل ومكتب، يعني ببلدي كده خدامة وفراشة؟ أنا ما عنديش الرفاهية إني أقبل أو أرفض.
وجدت نفسها تمسك هاتفها وتطلب الرقم الموجود في الإعلان. وبالفعل تحدثت وأخذت موعدًا للذهاب للمقابلة. أغلقت الهاتف وتنهدت بقلق وانزعاج وهي تنزل حقيبتها من على ظهرها. فالعاصفة كانت قوية والمطر بدأ في الانهيار مرة أخرى بغزارة والسماء ملبدة بالغيوم. تأملت أزهار نفسها لحظة، فلاحظت أنها ليست أقل تعاسة وبؤسًا من الجو المغيم. لم يعد يهمها أنها سوف تعمل مدبرة منزل أو خادمة، كل ما يهمها أنها تريد مأوى من العاصفة الباردة.
نظرت مرة أخيرة على الإعلان. ثم شعرت برعشة البرد القوية وشعرت أيضًا بالجوع وأصوات معدتها تعلن الاحتجاج عليها. فهي لم تأكل منذ علمها بوقوع الحادث الأليم، فقد أنهكت لدرجة عدم التحمل.
نظرت أزهار لساعات يدها ووجدت أن ما زال وقت على موعد مقابلتها للعمل. جلست على إحدى مقاعد الطريق فتأمل نفسها كم كانت غبية وجاهلة عندما لم تصدق أن العالم يعج بالقسوة وعدم الرحمة، وكيف استغل أهلها أقرب الناس إليها ظروفها وأنها وحيدة وطمع في ورثها الذي يعد ثروة كبيرة. ولكن سُمّ شيء إيجابي واحد نجم عن تلك الأحداث الأليمة السلبية، وهو أنها فتحت عينيها على حقائق الحياة وبدأت تشعر أن ليس كل الناس بنفس طيبتها. قد تعرضت لأذى وضرر حقيقي. ألمها تصرف عائلتها وشعورها باليتم إلى درجة كبيرة، ولكنها أحست أن المواقف علمتها درسًا قاسيًا لن تنساه.
تنهدت أزهار ونظرت لساعتها ووجدت أنه قد اقترب ميعاد مقابلتها للعمل. بدأت على الاستعداد. وبالفعل، وصلت أزهار لمكان العمل. وجدت مكتبًا فخمًا كبيرًا ومكتوبًا عليه باللغة الإنجليزية التي تتقنها جيدا: مكتب الإبهار للسياحة واللغات والترجمة وكتابة الرسائل العلمية بجميع اللغات. دخلت مبهورة بالدقة العالية في التصميم. المكان. وجدت السكرتيرة تجلس أمام شاشة الكمبيوتر تنهي أعمالها.
قدمت لها نفسها وسبب حضورها. وطلبت منها السكرتيرة الانتظار. جلست أزهار على إحدى المقاعد وقد أنهكها التعب. أجبرت على السير على قدميها تبحث عن مكان المكتب، فهي لا تحمل نقودًا كي تستقل أي وسيلة مواصلات. انتظرت أزهار حوالي نصف ساعة إلا أن جاء موعد دخولها للقاء. ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان. دخلت أزهار وجدت 3 أشخاص
منتظرين في مكتب المقابلة: رجل وسيدتان. منهم سيدة تحمل قلمًا وورقة تسجل جميع ملاحظاتها، وسيدة أخرى على قدر كبير من الأناقة تحدق في المتقدمين بدقة وتنظر لهم نظرة طبقية.
أما الرجل، فكان دقيقًا في كل شيء في نظراته لها، وكأنه عيناه غير مصدقة أنها تنفع أن تكون مدبرة مكتب أو منزل. كان دقيقًا لدرجة أنه لاحظ نعومة يدها. فالعاملون في هذه المهنة يدهم لها شكل خاص، ولكن يدها كانت من الواضح ليس لها علاقة بالشغل من أصله. أظافرها منحوتة ونظيفة بطريقة منظمة. وجهها رغم الإجهاد الواضح عليه صافٍ.
ولكن استوقفه بريق الحزن الذي يطل من عينيها. ولكنه لاحظ أيضًا أن في نظرتها شموخ وليست نظرة خادمة أو نظرة واحدة عملت في مجال خدمة البيوت أو المكاتب. ابتسم في صمت وقد علم أن وراءها حكاية. ظل يدقق فيها بتتمعن ولم يتفوه بكلمة، وترك السيدة التي معه هي التي تلقي عليها الأسئلة وهو فضل المراقبة في صمت. ولكن فور تلقيها الأسئلة، حاولت جاهدة أن تجاوب عليها، ولكن غلبها الإجهاد ووقعت مغشي عليها أمامهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!