تقف هي أمام منزلها. وضعت يدها في حقيبتها لتخرج مفتاح المنزل دون النظر إليه، فكانت شاردة، لم تدري من حولها. وبعد أن أخرجت مفاتيحها، سقطت من يدها. فانتبهت من شرودها وانحنت قليلاً لتلتقطها، ولكنها لم تتمكن من وضعهم في الباب، فكانت يدها مفككة وأعصابها متراخية. فطرقّت الجرس. وبعد وهلة فتحت لها هدى: "رغد... اتأخرتي كدة ليه؟ ومفتحتش بالمفتاح ليه؟ ثم نظرت بجانبها وأردفت: "وفين أحمد؟ مطلعش معاكي ليه؟
لم تجبها، بل لم تسمعها بالأساس. فتركتها وتوجهت لغرفتها بهدوء وتثاقل شديد. قلقت عليها هدى ودخلت خلفها واقتربت منها بقلق وأردفت: "مالك يا رغد... في حاجة يا حبيبتي؟ نظرت لها رغد في صمت مريب. فتابعت هدى: "مالك يا بنتي عاملة كدة ليه... وفين أحمد؟ ثم تابعت: "انتوا زعلانين مع بعض.... طب هو قالك حاجة ضايقتك؟ وأخيراً نظرت لها بضياع ثم أردفت: "هدى!! هدى: "إيه يا حبيبتي... في إيه بس؟ رغد بذهول: "مش هتصدقني! هدى بقلق من هيئتها:
"مالك يا حبيبتي... وإيه هو اللي أنا مش هصدقه؟ رغد بضحك وبكاء في آن واحد: "أنا حامل يا هدى!! هدى بصدمة: "إيه!!!! يعني إيه حامل..... أنا مش فاهمة!!!! رغد ببكاء مرير وضحكة مرتعشة: "لو فهمتي ابقي فهميني.... أصل أنا كمان مش فاهمة." ثم تابعت ببكاء ومرارة: "خلاص مبقتش فاهمة حاجة." نهضت هدى واقتربت منها تحتضنها: "طب اهدي عشان خاطري... اهدي." فجأة دفعتها رغد بعنف وأردفت: "سبيني.... سبيني واطلعي بره." هدى برجاء:
"يا رغد طب خليني م....... رغد بقوة: "قولتلك اطلعي بره..... مش عايزة حد.... اطلعي بره." خرجت هدى من الغرفة، تركتها في حالتها تلك. *** بينما هو، فبعد مكثه في العيادة وقت ليس بالقليل على تلك الحالة، نهض واستلقى سيارته وسار دون أن يعلم أين يتجه. ظل يسير في الشوارع دون وجهة معينة، لعل ذلك يهدئ من الثورة التي نشبت بداخله من جديد. لم يعلم ماذا يفعل بتلك المصيبة التي لم تكن بالحسبان.
ظل يسير بالسيارة هنا وهناك حتى توقف أمام مكان عمل صديقه الذي ما دوماً يساندة ويساعده. لعله لديه ما يهدئ تلك النيران التي ازدادت اشتعالاً عن ذي قبل. وبعد أن دخل وتوجه لمكتبه، قابله الضابط كريم مساعد فارس: "دكتور أحمد... إزيك حضرتك." أحمد بعد أن توقف ونظر له بإرهاق: "فارس في مكتبه؟ كريم: "لأ فارس باشا مش هنا.... لسه ماشي من شوية." التفت أحمد ليغادر، ولكن أوقفه كريم: "دكتور أحمد! نظر له أحمد وملامحه ما زالت حزينة ضائعة،
فأضاف كريم باهتمام: "مش عايز حضرتك تقلق بخصوص القضية... أنا شغال عليها مع فارس باشا... وبنعمل فيها كل جهدنا وقريب قوي هتسمع أخبار كويسة." نظر له أحمد بيأس وعدم فائدة، ثم أومأ له وتركه وغادر. *** يدخل فارس من باب المنزل ومعه منه بعد أن أتيا من عند الطبيب. فارس بعد أن دخلا المنزل: "المهم تسمعي كلام الدكتور وتقعدي وتهدي كدة عشان الشهور الأولى دي تعدي على خير." منه وهي تجلس بتعب: "أنا مش عارفة في إيه بس...
أنا كنت كويسة." فارس وهو يجلس بجانبها: "الدكتور بيقول إن الخطر كله في اليومين دول... فترتاحي خالص عشان يعدوا على خير، وبعد كدة إن شاء الله الوضع يستقر." ثم دق جرس باب المنزل. فارس بعد أن نهض ووجد أحمد فتحدث بترحاب: "أهلاًااا.... تعالي ادخل." دخل أحمد وهيئته تدل على حزنه، ثم رأى منه الجالسة، فتوجه إليها وأردف وهو يراها تحاول أن تنهض: "خليكي يا حبيبتي مرتاحة." ثم تابع وهو يصافحها ويقبل رأسها: "طمنيني عليكي...
عاملة إيه؟ منه بابتسامة: "الحمد لله يا حبيبي كويسة.... يعني تعب الحمل العادي." وهنا وعندما أتت سيرة الحمل.... صمت بشرود حزين وعبس وجهه أكثر، ثم أخفض رأسه وأغمض عينيه بألم. نظر له فارس ثم نظر لمنه باندهاش. فارس وهو يربت على كتفه: "مالك يا أحمد؟! ما زال صامت ينظر أمامه بحزن وعبوس. فأردفت منه بقلق: "أحمد.... مالك يا حبيبي." فارس باهتمام: "لو بخصوص القضية.... أنا عايزك تطمن... أنا.... قاطعه أحمد وهو ينظر أمامه بجمود:
"رغد حامل!!! نظر له فارس بذهول وعيون جاحظة. بينما منه أردفت بتفاجؤ: "حامل!!! ثم تابعت بذهول: "إمتى... وإزاي بس؟! أحمد وما زال ينظر أمامه بحزن دفين: "لسه عارف النهاردة.... وقعت في العيادة وكشفت عليها وعرفت." فارس بعدم استيعاب: "طيب... طيب ما يمكن تشخيص غلط... وهو انت يعني دكتور نسا يا أخي!! أحمد: "يا فارس الحمل مش محتاج دكتور نسا عشان يعرفه.... ده بدائيات الطب." بعد برهة من الصمت تحدث فارس بصوت حنون يتخلله
الحزن على حال صديقه: "طب اهدى... وإن شاء الله هتتحل." ثم تابع بترقب: "انت ناوي تعمل إيه دلوقتي؟ أحمد بحزن: "مش عارف.... مش عارف يا فارس! منه برجاء: "أوعى تسبها يا أحمد." نظر لها أحمد فتابعت: "أوعى تسيب رغد... هي ملهاش ذنب في كل ده." فارس بتساؤل: "ليه... هو انت ممكن تسيبها؟ صمت أحمد قليلاً بحيرة ثم تحدث بصوت حزين: "المشكلة إني حتى مش قادر أسيبها.... حاسس إنها مش مجرد مراتي وواحدة حبيتها وبس." ثم تابع بشرود بها:
"حاسس إنها حتة مني أو بنتي اللي ببقى قلقان عليها لمجرد إني أسيبها لوحدها شوية.... لما بييجي على بالي بس إني أسيبها بفكر في مليون حاجة قبلها... هتعمل إيه لوحدها... هتتصرف إزاي وأنا مش معاها... طب هتعدي كل ده إزاي وهي بطولها." "بحس بخوف عليها لمجرد إنها مش قدام عيني.... لما بتغيب عني لحظة أو تبقى مش معايا مبطمنش عليها غير لما أشوفها وتبقى في حضني." نظر لهم بحزن وأردف بحيرة: "قولولي أعمل إيه...
أنا والله ما قادر حتى أسيبها... أخاف عليها تبقى لوحدها... عمري ما هبقى مرتاح." "قولي يا فارس أعمل إيه... أنا تعبت... تعبت قوي." صمتوا قليلاً ثم أردف فارس قائلاً بمواساة: "اهدئ بس كدة وأكيد هتعدي زي ما أي حاجة عديتوها سوا قبل كدة." ثم تابع بتأكيد: "يا أحمد انتوا مريتوا بظروف صعبة قوي... هو في أصعب من إنها يحصلها اللي حصلها ده وبردو عديتوا سوا وحبك ليها ووقوفك جنبها كان أكبر من اللي حصلها." أحمد بيأس:
"خلاص مبقتش قادر... ولا بقيت عارف أعمل إيه! منه بحزن: "روحيلها... وخليك جنبها زي العادة وإن شاء الله تعدوا كل ده سوا... المهم متسبهاش لوحدها يا أحمد... حرام." أغمض عينيه بتعب ثم أردف: "يا ريتني ما كنت قابلتها ولا عرفتها ولا حتى حبيتها كدة." فارس وهو يربت عليه بحنان: "بالعكس بقى... ده من رحمة ربنا عليها إنك تقابلها وتعرفها وتحبها... تخيل معايا كدة لو ماكنتش روحت الصيدلية في اليوم ده وكان حصلها اللي حصل في اليوم ده...
وكل ده حصلها وانت مش معاها... شوف كانت هتعدي كل ده لوحدها إزاي... أكيد ماكنتش هتقدر وتقع..... وجودك معاها طول الفترة دي مش صدفة أبداً." ثم تابع بتأكيد: "رغد إنسانة جميلة قوي ومن الناس النادرة إنك تقابلهم، وأكيد كل اللي بيحصلها ده اختبار من ربنا... وده عند ربنا كبير قوي... وارجع وأقولك إن مع العسر يسر يعني ربنا جعلك يسر ليها وسط كل ده." ثم تابع: "وانت كمان كنت محتاجها...
انت من واحنا صغيرين وانت حياتك ناشفة قوي خصوصاً بعد وفاة أبوك.... رغد هي اللي ادت لحياتك معنى بتفاصيلها ومشاكلها وحبها اللي غير فيك كتير قوي." "روحيلها يا أحمد... روحيلها وخليك جنبها... وأنا متأكد إنكم هتعدوها زي ما عديتوا قبل كدة حاجات كتير." *** باليوم التالي يقف هو أمام منزلها ثم يدق جرس باب المنزل. وبعد برهة تفتح له هدى: "أحمد!! ثم تابعت بحرج وتوتر: "اتفضل." دخل أحمد وجد والدتها جالسة هي الأخرى بهم كبير.
فاقترب منها وأردف: "هي فين؟ مديحة بخفوت حزين غير مسموع: "جوا يا ابني في أوضتها." تقدم أحمد من باب غرفتها وفتحه دون أن يطرق عليه، وجدها جالسة على فراشها تنظر أمامها بشرود عميق وتضم ركبتيها لصدرها تحاوطها بيدها... لم تبكِ مثل ذي قبل، ولكنها تكتفي بشرودها وملامحها المتجمدة... فأشد أنواع الوجع هو ذلك الذي لا يُحكى... ويكون وقتها الرفيق هو الصمت. فتقدم منها ووقف أمام الفراش مباشرة وأردف: "رغد إحنا...
فاقت هي من شرودها على صوته، فنظرت له. ولكنها قاطعته عندما رفعت يدها بوجهه دلالة على الصمت. فصمت ونظر لها، وجدها تخلع دبلتها من يدها وتضعها على الكومود بجانب الفراش دلالة على رغبتها في انتهاء ما بينهم. ثم استلقت على الفراش وسحبت الغطاء عليها ببطء حتى أعلى رأسها دلالة على النوم. وأخيراً نطقت ولكنها كلمة واحدة من أسفل الغطاء: "لو سمحت اقفل الباب وراك."
وقف ينظر لها قليلاً، ثم حول نظره للدبلة الموضوعة بجانب الفراش وأمسكها بيده ونظر لها، ثم أغمض عينيه بألم، ثم وضعها بمكانها وخرج غالقا باب الغرفة خلفه. وبعد أن خرج من الغرفة قابلته هدى بلهفة: "ها يا أحمد اتكلمت معاها... أنا قلقانة عليها قوي وهي مش راضية تتكلم مع حد فينا." أحمد وهو ينظر أمامه بشرود حزين: "لأ..... بتقول إنها هتنام." مديحة بوجع بداخلها على ابنتها: "من ساعة ما جت امبارح وهي في أوضتها وبتقول هتنام....
وهي يا ضنايا ما داقتش طعم النوم. أنا حاسة بيها." ثم رفعت يدها ودعت بحرقة بداخلها: "منه لله اللي كان السبب في كل ده... حسبي الله ونعم الوكيل." أحمد وهو يجلس بإرهاق وتعب بداخله: "أنا عارف إنها مش هتنام.... عشان كدة هستنى شوية تهدى وبعدين أدخلها." ثم تابع بإصرار: "أنا لازم أتكلم معاها." وأثناء حديثهم وجدوها تخرج من الغرفة، وقد ارتدت ملابس خروج وتضع حجابها وبيدها حقيبتها.
هب أحمد واقفا واتجه إليها وأردف وهو ينظر لهيئتها التي تشير أنها تهم للخروج من المنزل: "رغد..... انتي رايحة فين؟ رغد بعنف: "انت إيه اللي مقعدك هنا.... ممشيتش ليه؟ تجاهل أحمد طريقتها في الرد عليه، فهو دائماً يلتمس لها الأعذار. فأردف بهدوء: "رغد إحنا لازم نتكلم." رغد بقوة وصوت مرتفع: "تاني!!!! ... هنعيده تاني!!! ... هو إنت إيه مبتزهقش... مبتملش... بلاااش.... كرامتك دي مبتوجعكش إن مراتك اللي على ذمتك بيحصل فيها كل ده."
ثم ضحكت بسخرية وتابعت: "ده أنا لو مكانك كان زماني طلقتني من زمان.... ونسيت أصلاً إني أعرف واحدة اسمها رغد.... إنت بقى إيه ظروفك! أحمد بثقل من كلماتها: "بتلوميني يا رغد.... بتلوميني على حبي ليكي ووقوفي جنبك." ثم تابع بوجع: "أنا مدوستش بس على كرامتي اللي بتجرحي فيها زيادة دي دلوقتي.... أنا دوست على كل حاجة عشانك وعشان عارف إنك ملكيش ذنب في كل اللي بيحصل ده..... ده أنا عشت كل حاجة معاكي من الأول....
ومقدرش أشوفك بتتوجعي وبتواجهي كل ده لوحدك من غير ما أكون جنبك." رغد بقوة: "وأنا مش عايزة حد جنبي فاهم... مش عايزة حد." ثم تابعت بعصبية: "إنت ليه مش عايز تفهم.... ليه مش عايز تفهم إن أنا مبقتش طايقاكوا ولا عايزة أكون مع أي راجل فيكم حتى لو كنت انت.... ابعد عني وكفاية لحد كدة." ثم أكملت بسخرية ومرارة: "أنا يا ابني خايفة عليك... يا عالم هتلاقي مصايب إيه تاني من علاقتك بيا... ابعد... ابعد خالص." ثم تابعت بعيون دامعة:
"ومتقلقش هتنساني بسرعة... عارف ليه؟! ... عشان انت مشفتش معايا غير كل ألم ووجع، فأطمن ما هتصدق إنك تبعد وتنسى كل الهم ده." ثم ابتلعت غصة في حلقها وأكملت بخنقة: "انساني عشان أنا أصلاً نسيتك من كتر اللي بيحصلي ده نسيتك.... ومبقتش عايزاك..... فاهم.... مبقتش عايزاك."
كان يستمع لها بصدمة بداخله من كلماتها ومما تفوهت به، ثم حول نظره لوالدتها واختها، فأخفضوا نظرهم بحزن وحرج منه، فتوجه لباب المنزل وخرج منه وأغلقه خلفه في هدوء ثقيل. بينما هي، وبعد خروجه، أغمضت عينيها بألم، فهبطت دمعة من عينها كانت حبيسة خوفاً من أن تسقط أمامه وتعبر عن ما بداخلها... فتلك الكلمات مرت على قلبها تمزقه قبل مرورها على مسامعه. "كنت كل ما أريده من تلك الحياة أن تبقى معي... في حياتي للأبد.....
وأن أكون سبب في رسم ابتسامة على وجهك عندما تتذكرني..... لكني أحببتك لدرجة أن يمكنني أن أضحي بحبك من أجل سلامتك من ذلك الوجع" *** بمنزل أمجد، خصيصاً بغرفة محمد. يجلسون معه بغرفته يتحدثون حيناً ويدرسون حيناً آخر، بينما وكالعادة يتعمدوا دائماً أن يحدثوه عن كافة شيء يخصه ويخص عائلته، وبالطبع..... بالأخص والده. واليوم، وفي أثناء الحديث الذي تطرق لما حدث مؤخراً من حريق الصيدلية واختفاء والده.
"يااه يا محمد على كدة بقى انت اللي شايل الهم بعد اختفاء أبوك ده." محمد بتنهيدة: "ماما قالتلي إن لازم غياب بابا ميأثرش علينا في حاجة، وإن أنا لازم أذاكر وأنجح، وإني دلوقتي راجل البيت." عادل بترقب: "هو انتوا لسه متعرفوش هو فين؟! محمد بتلعثم وتردد: "لأ... منعرفش." نظر عادل لفاطمة الناظرة للآخر. ثم أردفت بغضب: "إلا قولي يا محمد... إنت إيه رأيك في اللي عمله باباك؟ محمد بثقة: "هو بابا عمل حاجة يا سيد....
ده هي البت رغد اللي كانت بتشتغل عنده في الصيدلية..... بابا قالنا إن هي اللي كانت بتتمايص عليه في الصيدلية طول الوقت، ولما زهق منها طردها، وهي عشان كدة اتبلت عليه ولبسته مصيبتها." نظر عادل لفاطمة أثناء تلك الكلمات، ووجد وجهها يشع بالغضب وعيونها تنظر لتلك المتحدث بشرف. فاطمة بعصبية حارقة ولم تعِ انتباه لصوتها: "طب اسمع بقى يا اسمك إيه انت.... قاطعها عادل بنبرة تحذيرية: "إيه يا أبو السيد مالك متعصب ليه... ما تهدى كدة."
فاطمة بغضب أعمى: "استنى دلوقتي انت يا عادل." محمد وهو يقطب حاجبيه باندهاش منها ومن صوتها: "وانت مالك يا سيد.... إيه اللي مضايقك كدة!! همت فاطمة بالرد عليه وتوبيخه من شدة غضبها على ما تفوه به عن أختها.... وقد تجاهلت تماماً هيئتها وما تفعله. ولكن قاطعها فتح باب الغرفة ودخول والدته. نهال بتوتر بعض الشيء: "محمد... تعالي يا حبيبي ثواني عايزةك." محمد وهو يهم بالخروج خلفها: "حاضر يا ماما.. أنا جاي اهو."
وبعد خروج محمد غالق الباب خلفه، اقترب منها عادل ونظر لوجهها الناظر في الفراغ، وجدها تستشيط غضباً، فتحدث محاولاً تهدئتها: "ما تهدى يا فاطمة شوية... كنتي هتكشفينا وتودينا في داهية." نظرت فاطمه للباب أثر خروجهم المتوتر وارتباكهم، ثم اتجهت ناحيته وأردفت بهمس لعادل: "استنى كدة يا عادل." ووضعت أذنها على الباب حتى تستطيع أن تستمع. فوصل لمسامعها صوت يتحدث بخفوت ولكنه يصل إليها وبعجالة وكأنه يريد أن يهم بالخروج سريعاً:
"أيوا سي أمجد قالي أجي أقولكم إنه هيستناكوا بكرة عند الست الحاجة أمه عشان عايز يشوفكوا ويكلمكم في موضوع السفر." نهال باندهاش يتخلله الغضب: "سفر!!! سفر إيه ده؟! محمود بخفوت: "ومالي أنا... هو لما يشوفكم بكرة هيقولكم كل حاجة." نهال بتنهيدة: "ماشي يا.... ": محسوبك محمود.:" "كتر خيرك يا محمود... بلغوا إن أنا هروحله بكرة أنا وابنه لما نشوف آخرتها معاه إيه." داخل الغرفة تهمس فاطمة لعادل: "سمعت اللي أنا سمعته؟ عادل بذهول:
"يعني أمجد هيكون موجود بكرة عند أمه!! وهنا استمعوا لصوت خطوات، فأردفت فاطمة بهمس وعجالة: "ارجع مكانك بسرعة." وبعد أن دخل محمد غالق الباب خلفه. أردف عادل بتساؤل: "خير يا محمد في حاجة ولا إيه... ده أنا كنت هقوم أنا وسيد أمشي." محمد وهو يجلس: "لأ أبداً مفيش أنا بس كنت عايز أقولكم إني مش هقدر آجي معاكوا الدرس بكرة عشان عندي مشوار مع ماما بعد المدرسة." فاطمة وهي تضغط على الحروف للتأكيد: "امممم .... مشوار بعد المدرسة ...
في معاد الدرس يعني." ثم تابعت بابتسامة مطمئنة: "طيب يا محمد متقلقش هنحضر إحنا الدروس ونعملك نسخة منها كمان." *** تنزل من التاكسي أمام تلك العيادة.... فهي منذ أن عرفت وبعد أن فاقت من صدمتها وهي تبحث حتى حصلت على عيادة تعمل ذلك النوع من العمليات. وبعد أن دخلت وجلست بانتظار دورها، فأذنت لها المساعدة أخيراً بالدخول. فدخلت بتوتر وقلق تحاول مداراته، وجلست أمام الطبيب. الطبيب بعملية:
"طيب قبل ما نعمل أي حاجة محتاج بس أسألك شوية أسئلة كده." أومأت له رغد بعبوس. فتابع هو: "دي أول مرة ولا كان في مرات قبل كده؟ رغد بتعب وحزن: "لأ.... دي أول مرة." تمعن الدكتور النظر بها، فأحس بأنه رآها من قبل، فأردف بتركيز بها: "هو أنا شفتك قبل كده؟ رغد بحزن: "يا دكتور قولتلك دي أول مرة... هشوفك أنا فين بس." صمت برهة يتمعن النظر إليها، ثم هب واقفا قائلاً: "طب بعد إذنك ثواني وراجعلك." رغد بتنهيدة: "اتفضل يا دكتور."
خرج لشرفة الغرفة وأخذ هاتفه معه وقام بالاتصال بزميله، ثم رفع الهاتف بانتظار الرد. *** بمنزل أحمد: منال بغضب وضيق: "لأ يا أحمد... لأ كدة كتير يا ابني... يعني إحنا قولنا اغتصاب وبتاع وعديناها، قولت بردو أعتبر إنها زي منه وأنا زي أمها مديحة الله يكون في عونهم... ومرضتش أقف قصادك في وقوفك جنبهم وتمسكك بيها... لكن جاي كمان وتقولي حمل... إيه يا ابني عليك من ده كله بايه بس." أحمد وهو جالس وواضع رأسه بالأسفل
بحزن ويتحدث بنفاذ صبر: "خلاص يا أمي خلاص.... هي أصلاً نهت كل حاجة." منال: "يعني إيه هي نهت كل حاجة؟! أحمد بحزن: "يعني خلاص هطلقها... وأنسى إني عرفتها في يوم من الأيام." نظرت له والدته بحزن على حزنه، ثم جلست بجانبه تربت عليه بحنان: "متزعلش يا أحمد يا ابني... وبكرة ربنا يعوضك باللي أحسن منها." ثم أضافت بتلعثم دلالة على تأنيب ضميرها وعدم ارتياحها: "وهي ربنا يتولاها بقى." ظل صامت ينظر أمامه بحزن وعبوس...
حتى أصدر هاتفه صوت رنين للمرة الثالثة، فأردفت والدته: "ما ترد يا ابني عالتليفون ده ليكون حاجة مهمة ده بيرن من بدري." التقط أحمد الهاتف من أمامه ونظر به، ثم قام بالرد عليه دون اهتمام وهو يزفر بضيق: "الو.. أيوا يا طارق." طارق بغضب: "إيه يا ابني برن عليك من الصبح مبتردش ليه؟! أحمد بنفاذ صبر: "عايز إيه يا طارق... أنا مش فايقلك." طارق بخفوت حتى لا تسمعه الجالسة بالداخل: "في مصيبة عندي هنا في العيادة." أحمد بضيق:
"مصيبة إيه انت كمان هو أنا ناقصك... وبعدين أنا مليش دعوة بحوارات عيادتك المشبوهة دي أنا ياما نصحتك وانت اللي مبتسمعش الكلام." طارق بعجالة: "يا ابني اسمعني الأول... المصيبة اللي عندي في العيادة تخصك انت متخصنيش أنا." أحمد بقلق: "تخصني أنا... قصدك إيه؟! طارق بخفوت: "خطيبتك دي ولا مراتك اللي كنت جبتها المستشفى قبل كدة وهي يعني.... قاطعه أحمد بقلق وهو يهب واقفا: "مالها يا طارق!! ": عندي في العيادة جيالي في عملية إجهاض."
أحمد بفزع: "إيه!! اوعي يا طارق تعمل كدة دي ضعيفة وممكن تموت فيها." طارق بنفس الخفوت: "طب أعمل إيه دلوقتي... دي قاعدة عندي جوه وكانت حاجزَة وده معاد العملية." أحمد وهو يلتقط مفاتيحه في عجالة ويهم بالخروج من المنزل: "أوعى تعمل أي حاجة وأنا مسافة السكة وهكون عندك." ثم خرج من باب المنزل سريعاً. منال وهي تسرع باتجاه الباب خلفه: "رايح فين يا أحمد... ومالها رغد؟! هتفت بها بصياح ولكنه كان نزل سريعاً أخذ سيارته وغادر.
ثم أردفت وهي تدخل وتغلق الباب: "لا حول ولا قوة إلا بالله... والنبي يا ابني انت صعبان عليا." ثم تنهدت وأردفت: "والبت الغلبانة دي كمان صعبانة عليا قوي..... ربنا يحلها على خير." *** كانت جالسة شاردة بحزن، تعلم جيداً أنه من الممكن أن تفقد حياتها بتلك العيادة، ولكن هذا أفضل لها من ما تملكه بداخلها، فهي تكره ذاتها وتريد أن تتقيأ لمجرد إحساسها به. قطع شرودها دخول طارق جالساً بكرسيه خلف مكتبه، فأردفت
هي بضعف وحزن يتخلله القلق: "خلاص يا دكتور العمليات جهزت وهنبدء؟! طارق وهو يتحدث بعملية: "لأ احنا مش هنقدر نعمل العملية على الأقل دلوقتي." رغد بذهول: "ليه يا دكتور... مش حضرتك قولتلي إن هما بيجهزوا أوضة العمليات وهنبدء بعد شوية." طارق: "ليه فعشان حضرتك ضعيفة وممكن تموتي وتجيبيلي مصيبة وأنا بقى مش هضحي بنفسي ومستقبلي بسببك." نهضت رغد وأردفت بعصبية: "وانت مالك انت أموت ولا ماموتش... أنا يا سيدي راضية." طارق بغضب:
"وأنا مش هودي نفسي في داهية.... واتفضلي بقى من هنا لو سمحتي." نظرت له رغد في غضب عارم وزهول من رفضه المفاجئ، ثم نظرت بأرجاء الغرفة بتوتر وغضب، وثبتت نظرها على مكتبه. انتشلت من عليه علبة ثقيلة مدمجة محاطة بإطارات من حديد يوضع بها الأقلام، فأمسكتها وأردفت بغضب وعصبية كالمجنونة: "لو معملتليش الزفت العملية دلوقتي أنا هعملك مصيبة هنا في العيادة وأسيح دمك النهاردة." طارق بغضب وانفعال:
"سيبي اللي في إيدك ده يا مجنونة واهدي وبطلي جنان." رغد بجنون: "كده.... يعني مش هتعمل العملية... طيب." نظرت له ورفعت ما بيدها باتجاهه. نظر هو لها في خوف ورفع يده على وجهه يتحاشى ما تريد أن تقذفه به. ولكنها بعد أن رفعتها باتجاهه أخفضتها بعنف على بطنها وكررتها عدة مرات وهي تتابع بوجع: "أنا اللي هموته... هموته وأموت نفسي." توجه إليها طارق في زهول من فعلتها وأردف بعصبية وهو ينظر لهيئتها المتعبة:
"انتي عملتي إيه الله يخربيتك." نظرت له في ألم ووجع، ثم سقطت مغشياً عليها. اقترب منها طارق في هلع يفحصها، وجد الدماء تسيل منها وبدأت في نزيف حاد. فأمسك بهاتفه وهاتف الإسعاف حتى يُخلي مسؤوليته تماماً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!