تحميل رواية «بالإجبار» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عصاة عبد العظيم منحنية العنق بالأرض وهو يقف بعنجهية في صحن الدار، مرتدياً جلباباً أزرق، كرمش كمّه، ثم أطلق صرخة: "البنت اتأخرت ليه يا وليه؟" خرجت امرأة أربعينية تركض من المطبخ: "مش عارفة يا حج، تلاقي البنات لسه بيزوقها، دي ليلة العمر يا حج." يحب عبد العظيم أن يُلقب بالحج، رغم أنه لم يزر بيت الله الحرام ولا يعرف أين تقع السعودية أصلاً، إنه لا يصلي ولا يركع إلا في الجنازات. "أجري يا وليه استعجليها، العريس وصل، هي فاكرة نفسها السفيرة عزيزة بت الرفضي؟" ورفع عصاه محذراً: "والله وبالله أطلع أجيبها ضرب...
رواية بالإجبار الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
عصاة عبد العظيم منحنية العنق بالأرض وهو يقف بعنجهية في صحن الدار، مرتدياً جلباباً أزرق، كرمش كمّه، ثم أطلق صرخة:
"البنت اتأخرت ليه يا وليه؟"
خرجت امرأة أربعينية تركض من المطبخ:
"مش عارفة يا حج، تلاقي البنات لسه بيزوقها، دي ليلة العمر يا حج."
يحب عبد العظيم أن يُلقب بالحج، رغم أنه لم يزر بيت الله الحرام ولا يعرف أين تقع السعودية أصلاً، إنه لا يصلي ولا يركع إلا في الجنازات.
"أجري يا وليه استعجليها، العريس وصل، هي فاكرة نفسها السفيرة عزيزة بت الرفضي؟"
ورفع عصاه محذراً:
"والله وبالله أطلع أجيبها ضرب."
ركضت المرأة فوق درج السلم. المنزل صاخب، معازيم من كل مكان، حتى الأقرباء من بلدان بعيدة حضروا لحضور العرس.
"فريدة؟"
صرخت عندما رأت ابنتها:
"فين اختك؟ لسه مجهزتش؟"
صرخت فريدة:
"معرفش يا أمي، كانت قافلة على نفسها الأوضة بدري."
همست المرأة بقلق:
"البت دي مش هتجيبها لبر، دا مهما كان ابن عمها وأولى من الغريب."
خبطت ضلفة الباب بقبضتها:
"افتحي يا هند، أبوكي تحت مستنيكي."
ودار الصوت المتعب على جدران المنزل القديم وعاد إلى أذنها دون رد.
"هند؟ أفتحي يا بتي حرام عليكي اللي بتعمليه فيا ده."
"يووووه."
دفعت الباب المخلع، انفتح الباب ودخلت.
مسحت الغرفة بعينيها، ثم وضعت رأسها بين يديها، دارت بها الدنيا وترنح جسدها. شباك مفتوح على الحقول الزراعية ولا أثر لهند.
"مرارك الطافح يا بدرية، البت راحت فين؟ هربت؟"
أسقطها جسدها على الأرض.
"يا أدي الفضيحة، يا أدي الفضيحة، فضيحة البنت، فضيحة أمها."
أغلقت الباب بسرعة، نزلت السلم.
"يا حج، يا حج؟ تعالى هنا."
رمقه عبد العظيم بنظرة قاتلة:
"فيه إيه يا مرة؟"
"بقولك تعالى يا عبد العظيم."
رفع الألقاب، أشعر عبد العظيم أنه هناك مصيبة، أسرع ناحيتها.
"البت قتلت نفسها؟"
"لا يا حج."
"امال إيه، انطقي نشفتي دمي!"
همست بدرية بخجل مميت:
"البت هربت يا عبد العظيم."
"هربت؟ هربت إزاي؟"
ارتفع الزمر بالخارج ومعه صياح الرجال، أحس عبد العظيم أن صدره تقلص، يسحب النفس بصعوبة، اصطبغ وجهه بالأصفر. كيف يرفع رأسه بين الرجال؟ العار، العار، ابنته هربت، هذا لم يحدث من قبل داخل القرية. الناس تنتظر بالخارج. العريس ينتظر. كبار العائلات، الأعيان والعمده ومأمور المركز، وا...
أطلقت بدرية دموعها وراحت تندب:
"يا مرارك الطافح يا بدرية، يا مرارك يا بدرية."
"اصمتي!" صرخ عبد العظيم، "لا تفتحي فمك، حسابك معايا بعدين."
الأولاد، أولاده في الخارج يوزعون السجائر والحشيش على المعازيم، يشعرون بالفخار، ينشرون الابتسامات على الناس.
"تعالى ورايا."
صعد عبد العظيم الدرج وهو يخبط بعصاه، قاصد غرفة هند.
"نادي لي فريدة."
نطق بصعوبة.
في لمح البصر وصلت فريدة. تفحصها عبد العظيم بغل، رمق الفستان المرمي على السرير.
"البسي الفستان يا بت، أنتي هتتجوزي ولد عمك."
"لكن؟"
"مفيش لكن."
وقعت الصفعة على وجه فريدة.
"البسي الفستان حالاً، أنتي هتتجوزي زين النادي، أنتو توأم محدش هيعرف يفرق بينكم."
همست بدرية:
"كتب الكتاب والمأذون والبطاقة وشهادة الميلاد؟"
رفع عبد العظيم يده:
"فريدة هي هند، خلص الكلام."
"بهمس خافت قالت بدرية: "دا حرام يا حج."
"اخرصي!" شخط الرجل.
"كتب الكتاب انكتب، من النهرده أنتي اسمك هند، فريدة ملهاش وجود."
رواية بالإجبار الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
تعاونت الفتيات على تنظيفها. فلا أحد منهن يعرف يقينًا يفرق بين هند وفريدة. ثم إن فريدة رفضت الكلام، فكانت بالنسبة لهم هند التي رفضت الزواج من ابن عمها زين أكثر من مرة.
دعكن كواعب قدمها بالليفة، نتفن الشعر، رششن الروائح، وبدت البنت جاهزة تحت الخمار والفستان.
عبد العظيم لم يكن قلق. زين لم يتحدث مع هند ولا يعرف نبرة صوتها، كما أنه لم ير وجهها منذ كانت صغيرة. أراد زين ولد أخيه امرأة وهو سيمنحه امرأة.
سرعان ما أثيرت شائعة، فريدة مريضة في حجرتها ولن تحضر العرس. مرض عضال بعد الشر علينا، فجأة ظهرت بها حبوب بشعة، التوى فمها وسقطت أرضًا، يقولون مرض معدٍ، ربنا يحفظنا.
لم يترك عبد العظيم شيئًا للصدفة. سيقتل هند وعليه أن يقنع القرية أن فريدة، التي مرضت، ستختفي إلى الأبد.
نزلت فريدة درجات السلم، داخلها مشاعر متضاربة. خلال ساعة واحدة ستتزوج من رجل، ابن عمها لكنها لا تعرفه. ستعيش في شخصية أخرى بقية حياتها. قال لها والدها: "أنقذي شرفي". وهي ستنقذ شرفه حيث تزف لابن عمها. الدعوات والزغاريد تحيط بها من كل مكان.
تم العرس كما خطط له. نقلت العروس للمنزل الجديد وقامت بواجباتها كزوجة صالحة ومزيفة.
قبل الليل ما يخلص، عبد العظيم جمع أولاده.
"اسمعوا يا أوغاد يا حثالة، اختكم هربت وجابت راسنا في الأرض."
رفع الأخ الأكبر دماغه.
"هربت إزاي والعرس تم؟"
صرخ عبد العظيم.
"أتشكك في كلامي يا كلب؟ اسحب بندقيتك، كلكم اسحبوا البنادق، اختكم لسه مروحتش بعيد. فتشوا الحقول والزرع والبيوت، مش عايز حد يعرف أي حاجة. أنتوا بتدوروا على عجل هرب من البيت في زحمة العرس، مترجعوش البيت غير لما تجيبوا خبرها."
فتشوا الزرع والحقول والسواقي والبيوت المهجورة، حتى وصلوا الموقف. موقف السيارات، أختهم ركبت عربية وغادرت البلد.
مين اللي شافها؟ واحد من القرية شغال في مطعم في الموقف. مكنش عارف يقينًا دي هند ولا فريدة، لكنها فضيحة بكل حال. لا يختلف هرب فريدة عن هرب هند. كلهم حريم وكلهم عار.
مواصلة البحث، عرفوا أن محدش شاف أختهم غير الشاب ده.
في ظهر اليوم التالي، في حقل ذرة وجد جسد شاب ميت. خرم جسده بالرصاص وسط الشامي.
تحركت الشرطة. الثأر منتشر بين عائلات القرية. التهمة ألصقت بعائلة معادية دون دليل.
"هننزل ندور عليها في القاهرة يا أبوي، حتى لو قضينا العمر كله مش هنرجع غير ورأسها معانا."
غادر المنزل الأخ الأصغر والذي يكبره. كان على الحياة أن تمضي بصورة طبيعية منعًا لإثارة الشكوك.
القاهرة كبيرة وليست مثل القرية. الحافلات والسيارات وعربات الكارو، خلق كثير.
همس منعم عندما نزلوا في محطة مصر.
"كل دي ناس يا أخوي؟ دول أكتر من اللي كانوا في عزاء ابن العمدة."
وكان الأخ الأصغر يفكر، كيف سيعثر على أخته وسط هذا العالم؟ المهمة مستحيلة، لكن الوالد ألا يسمح لهم بالعودة قبل أن يعثروا عليها.
خارج المحطة سأل عن سكن رخيص، غرفة ينامون فيها معًا. عثروا على شقة صغيرة في الحسين، شقة لا تشبه دارهم، لكنها قريبة من المسجد. قريبة من الحسين سيد الشهداء.
رواية بالإجبار الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
كان عبد العظيم ينتظر الخبر بفارغ الصبر، خبر قتل ابنته وإلقاء جثتها في النهر. وكان لا يغادر منزله إلا نادرًا، والعار يسكنه. رغم أنه من شخص يعرف الحقيقة، غيروه هو وأولاده.
بعد شهر من تلك المصيبة، أعلن عبد العظيم بحزن وفاة ابنته فريدة جراء مرضها المعدي، ذلك المرض الذي دفع أهل القرية للابتعاد عن الجثة. الوالدة هي التي غسلت الجثة غير الموجودة، وتحت جنح الليل دفن خروف داخل المقبرة، دفنه عبد العظيم بنفسه بعد أن ابتعدت الناس عنه.
كان عليه أن يقضي على الشكوك ويفرغ نفسه للعثور على ابنته الهاربة. حضر الأولاد من القاهرة، وبعد انتهاء الدفن والعزاء الذي استمر ثلاثة أيام، قرأ فيه مشاهير القراء، رحلوا مرة أخرى، وكان له ما أراد. مر كل شيء كما خطط.
عندما وصلت هند الإسكندرية، لم تعرف ما عليها فعله. كان معها نقود، وفي حقيبتها تحمل كل الأوراق الخاصة بها. ستكمل دراستها ولن يجبرها أحد على الزواج من شخص تكرهه.
اقتربت منها امرأة في محطة الإسكندرية، امرأة بدت أنيقة وعطوفة، كانت هانم في هيئتها، وعرضت على هند المساعدة. الفتاة التي لا تملك خبرة في الحياة، بحسن نية قبلت المساعدة، لكنها اكتشفت ما ينتظرها، العمل في الدعارة، وكان هناك من يراقبها، رجل غشيم الملامح، سعيد بصيده الجديد.
"سنمنحك بيت يا فتاة، ونقود، نقود كثيرة."
انتظرت هند حتى اقتربت السيارة. ركبت الفتاة، وظلت هند واقفة في الخارج، ثم بدأت في الصراخ وطلب النجدة. هرب القواد وعاهرته خوفًا من تجمع الناس.
أما هند، فما كان منها إلا أن هربت إلى أقصى الغرب، حيث منطقة العجمي الجديدة. هناك استأجرت غرفة في بيت، وسلمت أوراقها لمدرسة حكومية، وبحثت عن عمل تعيل به نفسها. عملت في وكالة أقمشة. كان الأمل صعبًا، فهي فتاة لم تعتد العمل، وكانت صغيرة، وكل من ينظر إليها يطمع بها. العمال، الزبائن، أصحاب المحلات المجاورة. لكن هند قابلت كل ذلك بقلب صلب. دخلت في صراعات، حتى اتضح لصاحب الوكالة أنها فتاة شريفة، فما كان منه إلا أن مد لها يده وأعلن حمايته لها.
عندما بدأت الدراسة، منحها صاحب الوكالة نصف يوم عمل. كانت تذهب إلى المدرسة ثم تعود من أجل العمل. وكانت تنتظر نتيجة الثانوية العامة، وكلها أمل أن تتحصل على درجات تؤهلها لارتياد جامعة مناسبة. ولاحظ صاحب الوكالة شرودها وارتباكها، حيث نشب بينها وبين أحد المشترين نزاع كبير. حل صاحب الوكالة المشكلة، أخذ هند على جانب، وبدأ يحفظها مثل أبنائه.
"فيه إيه يا هند، بقالك كام يوم مش على بعضك؟"
بكت الفتاة، اعتذرت. "أنا آسفة يا حج، لا تطردني من فضلك."
ربت الرجل على كتفها. "فيه إيه يا بنتي؟"
"النتيجة، أنتظر نتيجة الثانوية العامة."
ابتسم الرجل. "بقى كده؟"
"متقلقيش، الوكالة مفتوحة ليكي على طول. نجحتي، سقطتي، متخفيش. إن شاء الله هتبقى دكتورة قد الدنيا."
ابتسمت هند. أقصى أحلامها أن تقبلها كلية التجارة لتصبح محاسبة وتعمل خلف مكتب محترم.
وكانت أبواب السماء مفتوحة، والأم هناك في أقاصي الصعيد تدعو لها. وتحصلت هند على درجات عالية تمكنها من دخول كلية الطب. لم تسعها الفرحة، ركضت في الشارع تشعر بالسعادة، تفرح بمفردها، فما من أحد تشاركه انتصارها.
التفتت إلى الوكالة راكضة، لكنها لم تجد الرجل الذي توقع نجاحها. وجدت ابنه، وكان شابًا وقحًا قاسٍ. قابلها بوجه متبرم.
"فين الحج ده؟"
سخر الولد منها. "اتأخرتي ليه عن الشغل؟"
"كنت بجيب النتيجة."
"الحج فين؟"
"أبويا تعب ونقلناه على البيت من النهاردة، أنا المسؤول عن الوكالة."
رواية بالإجبار الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
جلس المعلم صابر على المقعد يدخن الشيشة التي أحضرها النادل من المقهى.
ادخلي شوفي شغلك يلا، يكون في علمك أنا مش أبويا، أبويا راجل طيب وعلى نياته.
أي تأخير فيه خصم، ولو تكرر هطردك برا الوكالة.
آخر كلمات كانت هند ترغب في سماعها، الوكالة كل حياتها، دون الوكالة هي لا شيء.
لن تدفع إيجار الغرفة، لن تذهب للجامعة، لن تجد ما تأكله.
حاضر يا معلم صابر.
بعد رحيلها، همست إحدى العاملات:
برافو عليك يا معلم صابر، هو دا الشغل ولا بلاش.
وكانت امرأة ثلاثينية تعمل داخل الوكالة منذ شهور قليلة.
نفس المعلم صابر دخان الشيشة وأطلق ابتسامة لفتحية، والتي ردتها بإيماءة دالعة.
كانت شارده وهي تبيع الأقمشة وتعرضها على الزبائن.
كيف تتصرف أمام تلك المصيبة التي وقعت على رأسها؟
وظلت تعمل حتى انتصف الليل ثم ذهبت لغرفتها.
كلية الطب تحتاج مصاريف باهظة وطالها الهم فبكت بكاء مرير.
لما استيقظت قصدت منزل الحج دهشان.
كان الرجل راقد على سريره يتنفس بصعوبة.
رحب بها:
أهلاً يا دكتورة.
كيف عرفت؟ وابتسمت هند.
أنا المعلم دهشان سيد الحي يا هند، أعرف كل شيء، وأحس بهمها وغمها.
فطلب منها أن تقترب.
أنتي بقيتي دكتورة دلوقتي، ومينفعش تبيعي هدوم في الوكالة زي الستات الجاهلين.
أنتي هتمسكي حسابات الوكالة مع صابر، الولد صغير وطايش، أنا عايزك تساعديه.
عمك عبد الواحد سنة كبر ومبقاش بيعرف يفرق بين الأرقام.
وأدركت هند بالتعاسة.
صابر لن يرضيه ذلك.
طبعت قبلة على رأس الرجل ورحلت.
أيه يا معلم صابر؟
أنا شايفه هند قاعدة في المكتب، هو أنت رضيت عنها ولا إيه؟
غمغم المعلم صابر:
بت الـ_ـلب راحت عندنا البيت وقعدت تعيط وتبوس على دماغ الحج دهشان لحد ما وافق يمسكها الحسابات.
همست فتحية:
البت دي تعبان كبير يا معلم، ومش بعيد بعدين المعلم دهشان يمسكها الوكالة وأنت تطلع من المولد من غير حمص.
آخرسي يا مرة، انتي هتتكلمي معايا في أمور الشغل ولا إيه.
هند دي موظفة عندي زيك وزي غيرك.
ثم أطلق صرخة مروعة.
بت يا هند؟
مثلت هند أمام المعلم ناصر الذي تبوأ مكانه على مقعد الرياسة.
اعمليلي شاي يا بت.
وكانت تعرف هند أنه ليس وقت الصدام.
فأحنت رأسها قائلة:
حاضر.
شفتي يا بت يا فتحية؟
قالت فتحية بمياعة:
شفت يا سيد الناس، شفت.
همس المعلم صابر:
أمشي انجري على شغلك، مش كل شوية تنطيلي زي العمل الردي.
أعمل إيه يا معلم، انت إلى طولت الغيبة.
همس المعلم صابر:
هجيلك الليلة يابت، يلا انجري من هنا.
في اليوم الأول في الجامعة، أدركت هند أن الأمر لن يكون سهلاً.
كانت أيام بدرية وكل من يدرس داخل الجامعة أولاد ناس من الطبقة الراقية.
وكانت تجلس في آخر مقعد وتنصرف قبل انتهاء المحاضرات.
كان المعلم صابر لا يرحمها من تعليقاته، فهو لا يفرق بين دكتورة أو حاصلة على دبلوم، الكل بالنسبة له عمال تحت يده.
وكانت علاقته مع هند تسوء في كل مرة.
بعد أن استقر على كرسي الرياسة وبات من المستبعد رجوع الحج دهشان إلى الوكالة، وأصبح ينفق بلا حساب ويطلب من هند أن تزور دفاتر الحسابات إذا كانت ترغب الاحتفاظ بوظيفته.
لكن هند لم تتحمل ذلك الوضع.
كانت الأمانة التي وضعها الحج دهشان في رقبتها تؤرقها وتنغص عليها حياتها.
فما كان منها إلا أن حملت الدفاتر وقصدت منزل الحج دهشان.
رواية بالإجبار الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
شرحت هند للحج دهشان التلاعبات اللي بتحصل في الحسابات.
أنا جيت هنا يا حج عشان الأمانة اللي كلفتني بيها.
صابر بيهددني بقطع عيشي لو ما طاوعتوش، وإن لحم كتافي من خيره.
سعل الحج دهشان.
الواد ده عايز يقضي عليّ وأنا حي.
التجار كمان بيشتكوا منه، وكل شوية أصبّرهم وأقول بكرة يعقل، لكن مفيش فايدة.
دخلت أم صابر، امرأة بدينة متخمة بالدهون.
جوزه يا حج، يمكن حاله ينصلح؟
اسكتي انتي، صرخ دهشان.
هو فيه حد دلله غيرك انتي؟
دا ابنك الوحيد يا حج، حسك في الدنيا.
جوزه يا حج.
غمغم دهشان.
أجوزه مين بس، دا كل ليلة سارح على هواه.
ما تزعليش يا بنتي، ارجعي انتي شغلك، وأنا هحاول أعقله.
دخل وكالة القماش، صرخ المعلم صابر.
فين البت هند؟
ركضت فتحية، عميلته السرية.
خدت الدفاتر وطلعت على أبوك الحج دهشان.
همهم المعلم صابر.
بت الكل، هو وصلت كده؟
ورحمة أمي لأربيها.
هتعمل إيه يا معلم؟
الحج دهشان هيسلخك.
صرخ المعلم صابر.
اسكتي يا مرة، أنا مفيش حد يهمني.
همست فتحية بمكر.
ولا حتى الحج دهشان؟
قلتلك مفيش حد يهمني، الوكالة وكل حاجة ملكي أنا، والبنت دي هوريكي أعمل فيها إيه.
الهانم وصلت أهي.
وأشارت فتحية بيدها.
وصلت هند.
السلام عليكم.
كنت فين يا زفت؟
كنت عند الحج دهشان.
بتعملي إيه عند أبويا، ومين سمحلك تخرجي بالدفاتر؟
مش يمكن زورته؟
حرام عليك يا معلم صابر، انت عارف إن الحج دهشان بيراجع الدفاتر كل شهر.
صمت المعلم صابر.
بعد كده الدفاتر مش هتطلع من هنا.
أنا المسؤول وأنا اللي أقرر يحصل إيه.
همست هند.
والحج دهشان؟
صرخ صابر.
قلتلك أنا المسؤول.
وجز على أسنانه.
غوري سجلي البضاعة اللي هتدخل المخزن.
برافو عليك يا معلم صابر، أهو كده الكلام.
خليها تعرف قيمتها، أصلها شايفة نفسها وعمالة تبرطم في الرايحة والجاية إنها متعلمة، وإنك يعني، آسفة يعني يا معلم، جاهل متعرفش حاجة.
نفس صابر الدخان بعيون مشتعلة.
يبقى جابته لنفسها.
بت الرفضي.
دخل مثل الوحش على المكتب.
مخصوم منك نص شهر، ولا خرجتي من الوكالة من غير إذني، هطردك زي الكلاب.
فاهماه يا دكتورة؟
فاهماه يا معلم صابر.
وأرادت هند أن تخفف الأزمة وتحل المشكلة، فصابر ينسى كل حرف يقوله بخصوص الحسابات، فهي الوحيدة التي توزع الرواتب على العاملين في الوكالة.
وسمع صابر العاملين يتهامسون.
هند تتحدى المعلم صابر، وقريباً ستتولى إدارة الوكالة.
ستكون أول امرأة تمسك وكالة كبيرة، الحج دهشان يثق بها ويعرف أن ابنه فاشل.
وكان بإمكانه أن يصرخ ويطردهم، لكنه أراد غير ذلك.
سيتحصل على احترامهم رغم عنهم.
وراح يصرخ في العمال ويطالبهم بالجد والكدح في العمل، وأنه لن يسمح بأي تقصير.
ثم تحت جنح الليل، قصد حانة، شرب البوظة والخمر، وتفرج على الراقصة، وعاد إلى منزله ثمل.
كان والده في انتظاره، رغم أن الليل انتصف.
صابر؟
صرخ الحج دهشان.
تعالى هنا.
ولما استقر الولد أمام والده، صرخ الرجل.
انت مش ناوي تبطل الهباب اللي بتشربه؟
الوكالة هتضيع مني.
همس صابر.
إنها وكالتي مثلما هي وكالتك.
فتح الحج دهشان فمه بصدمة.
بتقول إيه يا كلب؟
الوكالة ملكي مثلما هي ملكي.
كنت عايز تورثني وأنا حي يا صابر؟
ترنح صابر من السكر.
لقد كبرت وخرفت، حان الوقت أن تترك أمر الإدارة لي.
شعر الحج دهشان بسكين يقطع صدره.
أنا هحرمك من كل حاجة، انت، انت، اطلع، اطلع بره.
ابتسم صابر.
قول الحقيقة يا حج، قول إنك عايز ترجع شباب وتتجوز البت المسهوكة هند، قول يا حج.
الوقت وقت طرب ومزاج، والبت حلوة وملفوفة.
انحشر لسان دهشان داخل فمه.
واطي، قذر، سافل، حقير، داعر، اطلع.
لكن هذه المرة لسانه لم يطاوعه، انحشر تماماً، تجبس داخل بلعومه.
انهار الرجل على سريره غير قادر على الكلام أو الحركة.
قصد صابر غرفته، كان مقتنعاً أن والده أنهى وصلة التقريع الفجرية، وترك والده يتلوى من الألم.
قبل الفجر، استيقظت أم صابر تطعم الدجاجات وتوقظ دهشان للصلاة.
وجدت الرجل يئن من الوجع بفم ملتوي ويد مرتخية.
أطلقت المرأة صرخة أيقظت كلاب الشارع.
حضر الحكيم بعد شروق الشمس، فحص المريض ببرود.
أزمة قلبية.
لن يستطيع الحركة، تعطل نصف جسده، لن يقدر على الكلام.
لو حضرت أبكر كان من الممكن إنقاذه.
تحول البيت لمناحة، بنات الحج دهشان يبكين، وصابر يشعر بالحزن ويروح ويجيء خلف الطبيب.
انتشر الخبر داخل الحارة، الحج دهشان شُل، وتحول المنزل لمزار لكل رفقاء الحج دهشان.
وكانت ملامح الأسى وتأنيب الضمير تخنق المعلم صابر، لكنه سرعان ما شعر بالقوة التي جاءت إليه، لقد أصبح بالفعل رئيس الوكالة وصاحب كل شيء، ولم يعد من قد يشكك في رئاسته.
وكان يقول بهم: لم أسع لذلك، لكن مرض الحج دهشان والدي لم يترك أمامي أي حل.
يتبع.
رواية بالإجبار الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
كان المعلم صابر يسهر في حاناته كل ليلة ولا يستيقظ إلا عندما ينتصف النهار، ويترك رياسة الوكالة لأحد أتباعه يدعى مراد بخيت.
كان شخصًا خبيثًا ولئيمًا يفرق بين العمال ويستدرج ضعاف النفوس لمصلحته الخاصة. كان عليه أن يتخلص من هند، فهو لا يمكنه التلاعب بالحسابات وهذه الفتاة تراجعها كل ليلة.
كان حتى تلك اللحظة لا يعلم أحد لماذا استبقى المعلم صابر هند في مكانها محاسبة الوكالة بعد أن أظهر العداء لها وكان يوجه لها الاتهامات والسباب في كل فرصة تسنح له. لكنه لم يفكر في طردها أبداً.
حتى أن فتحية، بعد مرض الحج دهشان، استفردت به في إحدى الليالي الحميمية وسألته:
"مش عارفة ليه يا معلم، سايب البت دي في الوكالة لحد دلوقتي؟"
هرش المعلم صابر كرشه الذي تمدد من شرب البوظة والخمر.
"إنها فتاة لعينة، لكنها أمينة."
وكأن ذلك لا يرضيه، يقول مرغماً:
"الحسابات ماشية زي الفل. عبد العليم نفسه كانت تسقط منه أشياء، لكن تلك الفتاة عقلها نادر ولا أريد أن أخسرها. مش كفاية اللي بخسره في الحانات. إنها تصفعني بالحقيقة ولا تخاف أن تصرخ في وجهي: 'توقف، الوكالة هتضيع'."
كان المعلم صابر يحتاج ذلك الصوت المنير في حياته المظلمة ولا يمكنه التخلي عنه. فهو رغم فساده وحماقته، يثق في رأي والده للحج دهشان.
لكن إبليس البشر لم يتركوه في حاله. والزن على الودان أقوى من العقل. وكان المعلم صابر وصل لمرحلة اعتقد فيها قدرته على إدارة الوكالة بمفرده. فتخلى عن هند وأرجعها للعمل كبائعة للأقمشة، وترك الحسابات لمراد بخيت.
وكان من الصعب على هند أن توفق بين عملها ودراستها. فقام بطردها من الوكالة كلها. وكان انقشاعها من الوكالة فتح عليها باب الجحيم. خرجت من تحت حماية الحج دهشان، وبات الكل ينظر إليها كفتاة هاربة من أهلها. والكل يأكلها بنظراته، فالقاذورات تسكن عقول الرجال.
وكانت هند تستيقظ بعد الفجر وتقطع معظم الطريق سيراً على الأقدام حتى تصل إلى جامعتها. وكانت حتى تلك اللحظة لا أحد يعرف عنها شيء. لكن أنوثتها التي نبتت فجأة جعلتها ملحوظة ومحط عيون متطفلة كثيرة.
في تلك الأيام، كان العثور على عمل صعب للغاية، خاصة وظيفة محترمة. وظلت هند تنفق من مدخراتها حتى نفذت، رغم اقتصادها للحد الأدنى. وكان عليها أن ترتدي زي خادمة وتعمل داخل البيوت نظير لقمة عيشها، مخفية حقيقتها المرة.
وكانت في كل بيت تدخله تتوقع أن يتعرف عليها شخص من قريتها ويوشي بها عند أهلها. وتضع يدها على قلبها حتى تغادر. لكن كل ذلك لم يكن كافياً لمصاريف الجامعة، فالجامعة في تلك الأيام كان لا يدخلها إلا أولاد الذوات.
توقفت عن حضور معظم المحاضرات. وبنهاية العام الدراسي الثالث، أيقنت أن حياتها التعليمية قد انتهت وأن حلمها تبخر مثل غيره من الأشياء.
لقد تمكنت من احتمال الوحدة والعزلة وفراق الوالدة والأهل. لكن الجوع كافر لا يرحم. وهي مجرد فتاة وحيدة ومنكسرة. تركت الغرفة التي تسكنها وارتحلت لأخرى لتعيش رفقة الدجاج والجرذان في غرفة غير آدمية.
ربما كان بمقدورها تحمل كل ذلك. لكن النظرات التي تنهشها والتي تحولت لتحرشات سمعية لم يمكنها احتماله.
بطردها من الوكالة، توقفت عن زيارة الحج دهشان، حيث كانت تمارس معه العلاج الطبيعي لتساعده على الشفاء. وكان الرجل لاحظ تأخرها وانقطاعها عن زيارته. لكنه لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولا يستطيع التحدث.
وكان حال الوكالة لا يرضي عدو ولا حبيب. مراد بخيت تلاعب بالحسابات وسرق نقود كثيرة. والمعلم صابر غارق في سكره وضياعه.
حتى استيقظ يوم على طبل وزمر. مثله مثل أي رجل في الحارة، طلع ناحية الصوان المنصوب. كان المعلم مراد بخيت أنشأ وكالته الخاصة بالأقمشة. وقع قلب المعلم صابر في قدمه.
ركض على الوكالة وطلب الدفاتر وتبين ما كان يتوقعه. الوكالة أفلس ولا يوجد حل لإنقاذها.
سرعان ما انتشر الخبر في الحارة، الوكالة ستعرض للبيع. لكن المعلم مراد بخيت أقسم أنه سوف يشتريها ولن يسمح لرجل آخر يأخذ وكالة المعلم صابر.
وكان الرجل بحث عن هند حتى عثر عليها وعرض عليها توظيفها في الوكالة لتدون الحسابات وتراجعها. لكن هند رفضت، فقد كانت نظرات الرجل تشي بدوافعه الآثمة.
حينها أقسم المعلم مراد أن يعرف أصلها وفصلها، من أي قرية وكيف هربت. أقسم أن يجعلها تركض نحوه وتقبل قدميه.
رواية بالإجبار الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
كان المعلم بخيت يقطع الطريق مرتديًا جلبابه الفضفاض، عباءته بنية، وطرق بعصاه الأرض يوزع الابتسامات على أهل الحارة الذين يرمقونه بوجل.
إنه يعذرهم لأنهم أغبياء لا يملكون أدنى رؤية. بالأمس القريب كان واحدًا منهم، لكنه الآن من أكبر أعيان الحارة، يرتقي عربة الكارو، ويحرص على صلاة العصر في مسجد الحسين ويتضرع. وكل من ينظر إليه لا يشكك في نزاهته. إنه يوزع العطيات والهبات على الفقراء أمام وكالة الأقمشة ويقول: "هذا من فضل ربي".
وكان المعلم صابر هائمًا على وجهه. ضياع الوكالة أفقده عقله، يسعر في الحانات ويشرب البوظة حتى يسكر، يتشاجر مع الناس فيضرب ويضرب. ما عادت له قيمة بعد أن فقد الوكالة. يصرخ أن من الأعيان والمال لا يغير ذلك، لكنه يدرك أنه انتهى، وأنه دون والده لا شيء. والده الذي قضى عليه بجحوده.
وكان الحج دهشان قد رق قلبه على ابنه ويأخذه في حضنه كل ليلة ويدعو له بالصلاح. وصابر رغم سكره يقبل يده وقدمه ويهمس: "سامحني يا حج، سامح ابنك العاق الذي أضاع حق أخواته البنات".
كانوا لا يجدون ما يأكلونه والجيران يمنحونهم بقايا طعامهم.
وبعد أسابيع، استطاع الحج دهشان أن يتحدث وطلب من ابنه أن يتطهر ويغتسل ويرجع إلى الله.
توضأ صابر، صلى وبكى. كان يشعر بالضياع. بعد أن أنهى صلاته قال لوالده: "أنا لا أستحق أن أكون ابنك، ضيعت كل شيء. سوف أرحل ولن أعود مرة أخرى".
همس الحج دهشان: "إحنا اللي بنعمل الفلوس يا صابر. الفلوس مش بتعمل رجالة، وأنا ربيتك تكون راجل".
لكن صابر كان قد اتخذ قراره. نزل درجات السلم يحمل نبوته وقصد وكالة المعلم مراد بخيت. كان مصممًا أن يدفع ثمن أفعاله.
وكان مراد بخيت يجلس بين أعوانه، العمال الذين كانوا يعملون تحت أمرته منذ أسابيع قليلة.
وراح صابر يحطم المقاعد ويهجم على رجال مراد بخيت كالوحش.
مراد بخيت كان تحت حماية الفتوة، وعيون الفتوة في كل مكان. حضر الفتوة وسط رجاله وصرخ: "انت يا كلب؟ نسيت نفسك يا صابر ولا إيه؟"
حمل صابر نبوته: "خلص الكلام يا برعوم. النبوت هو اللي هيحكم. الحكم للنبوت، أنا أتحدّاك".
احتشد الناس. صابر يتحدى فتوة الحارة المعلم برعوم.
حتى هند نفسها كانت تشاهد ما يحدث.
وراحت العيال تصرخ وتصفق: "صابر دهشان يتحدى المعلم برعوم".
تدافع الرجلان وتلاقت النبابيت. حماس صابر أمام خبرة برعوم ووحشيته.
وكاد صابر أن يلمس برعوم، لكن الرجل بكل رشاقة تفادى الضربة في اللحظة الأخيرة وهجم على صابر وطرحه أرضًا.
ثم أوسعه ضربًا بالنبوت والناس تصرخ: "المعلم برعوم اصمله عليه، اصمله عليه".
ربط صابر في حمار وجر داخل شوارع الحارة والخلق تشاهده بشماتة، فلم يكن له في قلوبهم أي حب.
والأطفال تصرخ وتهيص وتزغرد. ثم ربط في ظهر الحمار أمام الحانة حتى تبول الحمار فوق رأسه.
ولم ينقذه من قبضة برعوم إلا شيخ الزاوية. وكان حكم برعوم الفتوة أن يترك صابر وأهله الحارة. وحكم الفتوة لا مرد له.
هجم رجال المعلم برعوم على منزل الحج دهشان والبنات تصرخ وألقوا كل شيء في الشارع، حتى الرجل المريض لم يرحموه.
ترك الحج دهشان الحارة والعار فوق رأسه، واستولى الفتوة برعوم على منزله.
كان مشهدًا مهيبًا والناس تقف صفين تودع الرجل الشهم، ولم يتجرأ أي إنسان لمد يد العون.
وكان المعلم مراد بخيت توصل لأحد الصعايدة المقيمين في الحارة المجاورة وطلب منه أن يعرف أصل وفصل تلك الفتاة هند التي هربت من بلدها.
وكان الرجل غادر الصعيد من زمن طويل بعد أن ارتكب جريمة قتل، هربًا من الثأر عندما كانت هند مجرد طفلة صغيرة.
لكنه تعرف عليها.
ابنة عبد العظيم.
رواية بالإجبار الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
ابنة عبد العظيم.
ابنة عدو الذي طرده من بيته، من القرية ومن العالم كله.
ابتسم له حظه الذي لطالما أدار له ظهره.
عمل في أول حضوره حمالاً، ثم عمل على حمار، ثم فرنسفح الحنضل حتى عثر على غرفة بعد أن كان ينام في مخزن الفرن على الأرض.
وتزوج خديجة وله منها ثلاثة أولاد.
وكان يعرف أنه من المستحيل أن تتعرف عليه ابنة عبد العظيم، فقد كانت طفلة عندما اتهمه والدها ظلماً أنه قتل مغاوري واضطره للهرب وترك والدته وزرعه وأرضه.
راقبها حتى عرف أنها تدرس في الجامعة وأنها تعيش وحيدة في غرفة مستأجرة على سطح منزل.
وكان المعلم مراد بخيت يستعجله في الأخبار، وأيقن الرجل أنه يريد بها شروانها، حتى لو كانت ابنة عدو، فأنه لا يرضى أن يستباح عرضها على يد قاهري قذر.
درس كل شيء في عقله.
الحارة لها فتوة المعلم برعوم، ولا يمكنه أن يتصرف قبل أن يأخذ إذن فتوة الحارة.
كان يعرف أن الأمر محفوف بالمخاطر، لذا استوقف هند على جانب أثناء رجوعها من الجامعة.
وكانت الفتاة مرعوبة عندما عرفت أنه من قريتها.
لكنه طمأنها، إنه مطرود مثلها، لكنه لم يذكر السبب.
إن مراد بخيت يبحث خلفك، وإذا تمكن من الوصول سيصل لغيري.
عليك أن تتركي الحارة.
لكن هند رفضت.
إلى أين قد تذهب؟
في كل مكان سيظهر لها عدو جديد.
وإن مراد بخيت أو غيره ليس له عليها كلمة أو أمر.
يا بنت الناس تعالي معي، سيسمح لنا الفتوة بمغادرة الحارة، سأدعي أنك ابنة عمي.
رفضت هند.
لا مراد بخيت ولا غيره سيكون قادرًا على قتل حلمها.
ستصبح طبيبة وتعود مرفوعة الرأس لقريتها.
وكانت هند قلقة جداً.
إن الخطر بالنسبة لها هو هذا الرجل وليس مراد بخيت.
ستعيشين في بيتي مع زوجتي، سيكون بمقدورك الذهاب للجامعة ولن يتعرض لك أي شخص.
ورحل الرجل بعد أن منح هند عنوانه.
غادر الحارة وقال لمراد بخيت إنه لا يعرف عنها شيئاً.
إن انتقامه من عبد العظيم ليس له علاقة بابنته، رغم رغبته الملحة للقصاص منه.
ولم يتأخر مراد بخيت، عرض على هند الزواج.
وعندما رفضت قصد فتوة الحارة المعلم برعوم وطلب منه بعد أن وضع رزمة نقود في حجره أن يخطب له هند.
ابتسم الفتوة برعوم.
اعتبرها مراتك يا مراد.
أجرِ الاستعدادات ثم أحضر هند وأخبرها أن عرسها على المعلم مراد بخيت بعد أسبوع.
رفضت هند.
لم تخشى الفتوة ولا رجاله.
صرخت: أنا حرة.
صفعها برعوم على وجهها.
الكلمة كلمتي يا مرة.
عندما يقول الفتوة كلمة الكل يسمع ويطيع لها.
وأمر رجاله أن يحتجزوها في أحد بيوته.
وابتسم المعلم برعوم الفتوة بعد رحيل هند.
إنها امرأة جميلة ومتمرّدة، نوع جديد لم يجربه من قبل.
نوع يخضع للترويض، يحرك مجرى حياته الراكده.
وعاد المعلم مراد بخيت يوزع الابتسامات في القهوة وجلس إلى جوار المعلم برعوم.
كل شيء جاهز يا معلم، الصوان وفرقة الموسيقى، الطباخ جيد.
بعد يومين الشيخ عبد المتعال سيكتب الكتاب.
همس المعلم مراد بخيت: لكن العرس بعد أسبوع يا سيد الناس.
لماذا أكتب كتابي بعد يومين؟
كتب كتابي أنا يا غبي، أنا خطبت هند لنفسي، عندك اعتراض؟
ابتلع المعلم مراد بخيت ريقه.
لطمته الصدمة، لكنه فتوة الحارة ولا يمكن لأي شخص معارضته.
لازالت ذكرى صابر دهشان حاضرة في عيون وعقول أهل الحارة.
سحب الفتوة برعوم من البوري: عايز كل الترتيبات زي الفل يا مراد؟
الطبل والزمر والطعام، ستعيش الحارة ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة.
قلت إن الصوان جاهز والطباخ والفرقة الموسيقية؟
صح يا معلم.
طيب، وأنا سأقوم بدعوة فتوة الجمالية والوايلي والزاوية.
أريد كل شيء تمام!!
غادر المعلم مراد بخيت يشعر بالمرارة.
لا يمكنه أن يتذمر.
علم أن رجال المعلم برعوم يراقبونه، لكنه مطيع.
من يومه مطيع.
مطيع للفتوة وشيخ الحارة والمأمور.
واستدعى أحد الرجال وأمره أن يسرح على حمار وينادي بعرس برعوم الفتوة الجديد لتعرف الحارة كلها هذا الخبر.
احتجزت هند داخل البيت يحرسها رجال الفتوة برعوم.
لم تتخيل أبداً أن يحدث لها ذلك.
أن تهرب من سجن لسجن.
وكانت تخدمها امرأة مسنة.
ابطلي يا بنتي صراخ وعويل؟
هو فيه حد يطول يجوز فتوة حارتنا؟
ده الأربعة إلى قبلك يتمنوا ييوسوا التراب اللي بيمشي عليه المعلم برعوم.
أنا لست امرأة، أنا دكتورة ولست من حريمه، سأقتل نفسي قبل أن أسمح له بلمسي.
كله بيقول كده يا بنتي، لكن المعلم برعوم له هيبة بتخلي الواحدة تتخبل في هدومها.
هذا لن يحدث.
كيف؟
ولم تتمكن هند من تخيل أنها من الممكن أن تتزوج هذا الرجل القبيح الذي يندلق كرشه إلى ما لا نهاية.
الرجل الذي في عمر والدها، سيكون هذا اغتصاب.
ستصرخ أمام المأذون أنها غير موافقة.
وفكرك، قالت المرأة المأذون هيقدر يرفض للفتوة طلب؟
إنتي عبيطة.
سيبك من نشفان الدماغ ده وجهزي نفسك.
رواية بالإجبار الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
وجرت الاستعدادات على أكمل وجه، إنه فرح فتوة الحارة، حاميها وواجهتها والكل يؤدي الواجب، رغبة أو رهبة، رضا الفتوة يفتح الأبواب المغلقة وتسارع الأعيان في تقديم الهدايا.
وتزينت منازل الحارة بالكلوبات وفوانيس الورق.
وجاء اليوم الموعود، الحارة كلها في فرح والغلمان تتراقص في الشارع ورجال المعلم برعوم منتشرون في كل ناحية يستقبلون معازيم فتوتهم.
وداخل المنزل، أجبرت امرأتان جاحدتان هند على التزين والتكحل، فقد تلقت هند من الضرب ما لم يتلقاه حمار يعمل في نقل الناس.
جلس المعلم برعوم على الدكة يحيط به فتوات الحارات المجاورة، والطبل والزمر يصدح.
وتذكرت هند يوم عرسها الذي هربت منه، نفس الأجواء، كأنها هربت من جحيم لجحيم.
ولم تكن هناك شرطة لتتدخل لتنقذها تلك الأيام، الكلمة كانت كلمة الفتوات والقرار قرارهم.
تركت هند داخل المنزل بمفردها تبكي وتنوح ضياع حلمها، فقد انكتب الكتاب دون حضورها وأصبحت زوجة المعلم برعوم رسميًا.
لم يزعج المأذون نفسه بسؤالها، فقد أخبره الفتوة برعوم بموافقتها.
والحقيقة أن المأذون معذور، فهو لم يتخيل أن إنسانًا من الممكن أن يعارض كلمة الفتوة برعوم.
وراح الفقراء يأكلون وينهشون الطعام، وأمام النصب يلعب التحطيب ويصفق الناس.
في محاولة يائسة، خرجت هند إلى الشرفة وصرخت: "أنا لا أريد هذا الرجل، لقد أجبرني على الزواج، إن زواجي باطل."
وسمع صوتها فتوات الحارات ونظروا إلى بعضهم، لكن المعلم برعوم أخبرهم أنها الآن زوجته وأنه سيؤدبها على طريقته الخاصة.
"كده يبقى الجواز باطل يا معلم؟" قال أحد المدعوين بصوت يشبه الصراخ.
"مش عيب يا معلم تجبر بنت غلبانة على الجواز؟"
وكان يمكن للمعلم برعوم في وقت آخر أن يأمر بقتله، لكن الفتوات حاضرين وعليه أن يراعي الأصول.
"ومين سيمنعني؟" صرخ المعلم برعوم، وأشار بسخرية.
"أنت؟"
وكان الرجل هو بلديات هند الذي طالبها بالرحيل لكنها رفضت.
"تعرف الآن أنها كانت مخطئة."
واستقرت العيون على الرجل الغريب ذو الشارب الضخم والعتلة الحمراء الذي يقف في منتصف العرس يحمل نبوته.
وفجأة ظهر من خلف ظهر الرجل شاب تعرفه هند جعل قلبها يقع في قدميها.
"أنا أمنعك يا معلم برعوم."
نهض المعلم برعوم وفي يده نبوته وصرخ رجاله: "المعلم برعوم، صمِّل عليه، صمِّل عليه."
ووقف فتوات الحارات يرقبون النزال ويحرصون على تنفيذ القوانين.
"أنت تمنعني؟" صرخ الفتوة برعوم بسخرية وهو يرمق الشاب الأسمر حاد الملامح.
كان الشاب طويلًا وبنيته لا بأس بها، لكن المعلم برعوم يعول على خبرته، إن نبوته حطمت الكثير من الجماجم ولن يكون هذا الوغد استثناءً.
الحارة تشهد على ذلك، فتوات الحارات يشهدون على قوته وسطوته، فقد هزمهم جميعًا وأجبرهم على احترامه.
كرمش فهد كم جلبابه وحرك النبوت في يده، جسد رشيق وشعر أسود فاحم لامع يغذي شارب مشذب.
ثم حرك العصا في يده: "إحنا بنتعلم ضرب العصا قبل المشي يا معلم برعوم."
يعلم برعوم أن كل هذا هراء، لطالما سمع الكثير من الكلمات الشجاعة قبل أن ينحنوا كلهم أمام قدميه.
والتقى النبوت بالنبوت وأدرك برعوم قوة الشاب.
هجم الفتوة برعوم على فهد، تلقى الولد الضربات ولم تلمسه أي ضربة، كان يقفز ويتراجع ثم هجم وكتد أن يصيب برعوم لكنه أحنى ظهره في لحظة.
المعركة التي كان من المتوقع أن لا تستمر أكثر من دقائق، وصلت نصف الساعة وكل واحد يصرخ والعرق يتصبب من الرجلين.
برعوم، الفتوة أكبر سنًا ويعرف أن طول النزال ليس من صالحه.
حمل على فهد بكل قوته والولد يتصدى للضربات ثم هوى برعوم بضربه حملها كل قوته.
تنحى فهد من أمام الضربة وقبل أن يفلح برعوم في عدل ظهره، ضربه فهد بالنبوت على رأسه.
ضربه مركزة أسقطته أرضًا.
بهتت العيون، انتصر فهد، ولم يصرخ أحد.
"صمِّل عليه!"
لأن رجال برعوم قاموا بمهاجمته وتدخل الفتوات في القتال لحفظ القانون.
صرخ فهد: "طلقها!"
وهوى بضربه أخرى على ظهر برعوم: "طلقها!"
وصرخ برعوم مرغمًا: "إنها طالق بالثلاثة!"
وانطلق شغب كبير وسط الصخب.
هرب فهد للمنزل الذي تحتجز فيه أخته، وصل عندها وجذبها من يده: "سوف نهرب."
وكانت هند بين نارين، إن ما ينتظرها عذاب لا آخر له، لكنها لم تقاوم أخيها.
هربا من الباب الخلفي وركضا تجاه عربة الكارو التي تنتظرهم على ناصية الشارع.
أخيرًا تمكنت هند من فتح فمها: "هنروح بيتنا؟"
قال فهد: "أنا مبقاش لي بيت أرجعله يا أختي، أبوكي تبرا مني بعد ما فشلت في العثور عليكي، أنا هارب زيك."
رواية بالإجبار الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
تحت غطاء الليل وصل فهد إلى منزله، منزل صغير وقديم.
استقبلته زوجته وابنه.
علم الدين ألقى بنفسه في حضنه.
ثم نظر إلى الغريبة التي ترتدى فستان عرس وتساءلت بدرية: أمن الممكن أن يكون فهد تزوج عليها؟
"ادخلي يا هند، حضري العشاء يابدرية!!"
انطلقت المرأة نحو المطبخ تحمل همها وداخلها يصرخ: من تكون تلك المرأة؟
أن زوجها لا يفتح فمه منذ وصوله إلى المنزل وترتسم على وجهه نظرة غائمة.
"سلم على عمتك يا عماد الدين؟"
سار الولد بتردد وسلم على المرأة الغريبة التي تدعى عمته.
منحته هند قبلة ناعمة وهي لم تتخلص من توترها بعد.
أشار فهد إلى الغرفة الوحيدة: "بدلي ملابسك يا أختي".
ثم نادى على بدرية: " امنحيها أحد جلابيبك".
ارتاح قلب بدرية عندما قالت هند: "أنت زوجة أخي؟"
تحرك لسانها الذي كان توقف عن العمل: "أهلاً وسهلاً، بيتك ومطرحك".
وبعد أن تناولوا طعامهم، جلس فهد مع أخته هند يسترجعون الماضي.
لقد رفض والده عبد العظيم عودته للقرية بعدما تزوج فهد دون إذنه، تزوج المرأة التي أحبها قلبه.
وبعدما فقد كل أمل في العثور على هند.
"كيف حالك يا أختي؟"
ولاحظت هند أن نبرة أخيها تحمل من الهم والفضول الشيء الكثير.
"أنا أدرس في الجامعة!!"
فتحت بدرية فمها: "الجامعة مرة واحدة؟ إن الذين يذهبون إلى الجامعة هم الرجال وليس أي رجال. كل الذين تعرفهم يدوبك يفكوا الخط، زوجها نفسه لا يعرف القراءة."
"أدرس الطب في الجامعة يا أخي."
يعرف فهد الأطباء الذين يحضرون أحيانًا في الحالات المستعصية لكبار القوم.
"أنت طبيبة؟ تعالجين الناس؟"
"نعمل."
لكن عقله الصغير لم يستوعب كل ذلك.
"تحملين سماعة وتعرفين موطن الداء؟"
"تكتبين الدواء الذي نشتريه من الصيدلية؟"
"لا يزال لدي عامين متبقيين لكن نعم أعرف الداء."
شعر فهد بالفخر لكن كان لديه سؤال ملح، سؤال أهم من الطب والعلم.
"كيف حالك؟"
وكانت هند تعرف ما يعنيه أخيها: "أنا أختك يا فهد ولسه أختك."
"لا زلت شريفة عفيفة."
تنهد فهد بارتياح: "المعلم برعوم لن يتركنا في حالنا. الفتوات لم يتركونا في حالنا."
"لكنك انتصرت، أنت الفتوة يا فهد."
"الفتوة لا يهرب، كان علي أن أطالب بحقي والعودة مستحيلة."
"علينا أن نرحل من هنا، نقصد مكان بعيد ونختفي عن عيون الناس."
"الصباح رباح يا معلم."
"فتوة الجمالية لن يتركنا حتى الصباح، ليس احتراما للفتوة برعوم بل خوفًا على مركزه."
"سنرحل الآن، اجمعوا ملابسنا."
حمل فهد الأغراض فوق ظهره.
"سنغادر الآن."
وما إن وصلوا الشارع حتى أحاط بهم رجال المعلم فتح الله.
"على فين يا معلم فهد؟"
وكل واحد منهم يحمل نبوته فوق كتفه.
"لن تغادر الحارة وأنت حي."
وتحت مصابيح السماء ركض رجال الفتوة فتح الله وقبضوا على بدرية وعلم الدين وهند.
أدار فهد عينيه، أنه لا يستطيع تحمل تلك الخسارة ولا سند له.
"الرحمة يا معلم!!"
صرخ الفتوة فتح الله: "طلق امرأتك، سيتزوجها أحد رجالي. واختك سأضمها لحريمي."
لكنه لا يعرف أن الصعيدي لا يتخلى عن عرضه وأنه يفضل الموت على الذل.
وأدرك فهد أنه ليس لديه ما يخسره.
فمال على أحد رجال الفتوة فتح الله وسحب منه نبوته.
"أنا أطالب بحقي في الريادة، والفتوة لابد أن يهزم الكل."
توجه نظر رجال الفتوة فتح الله نحوه.
"لا يمكن للفتوة أن يتقهقر، الفتوة يغلب كل خصومه."
وكان منهم اثنان يكرهون فتح الله ولا يعترفون بأحقيته في الفتونه.
فانفتحت الدائرة وغمز فتح الله لرجاله، نظرة يفهمها الرجال.
"إذا غلبت، اقضوا عليه."
وكان فهد الرجل الوحيد الذي يواجه فتوتين في ليلة واحدة وجسده لازال يوجعه من ضربات برعوم.
لكن الحماس داخل صدره، الحافز ورؤية زوجته أسيرة وأخته وطفله جعلت صدره يشتعل بالنار.
وكان بعض المتسولين تجمع على صوت الصراخ وبدأ الناس يفتحون نوافذهم وينظرون من خلالها.
ومرة أخرى دار الصراع الدامي، صراع البقاء للأقوى والأكثر توحشًا.
وكان يد فهد متصلبة مثل الحديد وضرباته أقوى من دانة المدفع.
فكل ضربة تحمل رغبة وغاية، تحمل شرف وعرضي.