تحميل رواية «بالإجبار» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عصاة عبد العظيم منحنية العنق بالأرض وهو يقف بعنجهية في صحن الدار، مرتدياً جلباباً أزرق، كرمش كمّه، ثم أطلق صرخة: "البنت اتأخرت ليه يا وليه؟" خرجت امرأة أربعينية تركض من المطبخ: "مش عارفة يا حج، تلاقي البنات لسه بيزوقها، دي ليلة العمر يا حج." يحب عبد العظيم أن يُلقب بالحج، رغم أنه لم يزر بيت الله الحرام ولا يعرف أين تقع السعودية أصلاً، إنه لا يصلي ولا يركع إلا في الجنازات. "أجري يا وليه استعجليها، العريس وصل، هي فاكرة نفسها السفيرة عزيزة بت الرفضي؟" ورفع عصاه محذراً: "والله وبالله أطلع أجيبها ضرب...
رواية بالإجبار الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
كان الفتوة يطلق نظراته على فهد ثم ينظر بسخرية نحو زوجته وأخته، كأنه يخبره كل ذلك سيكون ملكي.
وفى كل ذلك ينتظر هفوة من الولد حتى يلمسه بنبوته وينتصر عليه.
والأوباش يصرخون: فتح الله! فتح الله!
اسم الله عليه. وفتح يوزع ابتساماته، فهو واثق من النصر.
ذاق فهد عرف مواطن ضعفه عندما هاجم الفتوة برأسه وأخذ يضربه على الناحية اليسرى.
وفهد يصد الضربات، ثم بدل يده بسرعة وضربه في الناحية اليمنى.
ومن حسن حظ فهد أن الضربة أخطأته. فقد كانت طلقة تحذيرية جانبت الهدف.
وجد فهد نفسه في موقف لا يحسد عليه، فهو محاط بالأوغاد والخونة يحارب بمفرده. ويعرف أنه حتى لو انتصر سيقومون بقتله.
وكانت زوجته تنتحب بضعف وابنه يصرخ وأخته ترمقه بروح مكسورة. والليل بكل ظلامه يحيط بذاته المهزومة.
فصاح كالمجنون: سأقتلك يا فتح الله، أنت رجل ميت. قتلت عشرة قبلك.
وكان صوته يرن في جوف الليل ورجال فتح الله يضحكون بسخرية.
لكن نبرته تحولت لنبرة قاسية ويده كأنها قدت من حديد.
والولد يصرخ: هي يا الله! هي يا الله! ويضرب فتح الله بنبوته.
فتدحرج الفتوة فتح الله على الأرض ثم نهض. وكانت تفصله عن فهد شجرة.
وفهد يصرخ: أوي أوي! وضرب شجرة الصفصاف مرتين بغباء.
ارتجت الشجرة وسقطت على الأرض وسط ذهول رجال فتح الله. لقد أسقط شجرة، إنه يحارب مثل مارد.
وتوالى الضرب بين الرجلين وفهد يحطم كل ما في طريقه. يرفع دكة ويلقيها على الأرض، يضرب فخارة أو كانون.
ثم توقف فهد فجأة عن الضرب وصرخ في رجال فتح الله: الفتوة لا يهرب من الضرب. الفتوة يقابل النبوة بالنبوة.
وتوجهت أنظار رجال فتح الله نحوه. الولد محق، الفتوة لا يتراجع، الفتوة يواجه.
ولم يجد فتح الله بد فتقدم نحو فهد وهو يصرخ: لقد حكمت على نفسك بالفناء يا ولد!
كانت خطته أن يستدرج فهد حتى تخور قوته ثم يقضي عليه. وقد كانت خطة ناجحة. إن المجهود الذي بذله فهد في الصراخ استنفذ جل طاقته.
وهجم فتح الله وتراجع فهد، وفتح الله يهجم وفهد يتراجع.
والكل ينتظر ضربة فهد التي أوقعت الشجرة. إنهم ينتظرون أن يرفع نبوته ويهوي به على رأس فتح الله فيدهسه أو يشرخه. ينتظرون الضربة العملاقة.
وفهد يؤجل ويؤجل ويكتفي بصد الضربات.
لم يفهم أحد أن فتح الله يضرب بقوة أكبر. إن فتح الله هو الفتوة الخبير. لم يفهموا أن فهد مجبر على صد الضربات، أن يدافع.
ارفع نبوتك يا معلم فهد، أنهِ المهزلة! لقد أسقطت شجرة. ارتفع صوت الرجل الصعيدي ببهاء.
وبدأ فهد يصدق نفسه، يصدق الخدعة التي اخترعها عن طريق الصدفة. فراجع خطوات سمحت له برفع نبوته.
تشبثت العيون بنبوة فهد تتابعه بالبطيء. حتى الفتوة فتح الله نفسه صدق الصوت الخارق. وهوى به على فتح الله فكسر نبوته وشق رأسه.
تكوم الرجل على الأرض ورفع يده. يعرف أن ضربة أخرى ستشقه نصفين.
حتى رجال فتح الله لم يتجرأوا على الدفاع عنه. انحنوا أمام الفتوة الجديد وأعلنوا الطاعة. حمل فتح الله إلى منزله. ثم طرد خارج الحارة بعد أن عفا عنه الفتوة.
ارتقى فهد كرسي الريادة، انتقل لمنزل جديد وقدم له أعيان الحارة فروض الطاعة. وانتشرت أسطورته بسرعة الريح. لقد أسقط شجرة بنبوته.
وكان من المعتاد أن يواجه كل فتوة جديد معارضة من فتووات الحارات المجاورة، لكن ذلك لم يحدث.
أصبحت الشجرة التي أسقطها فهد بنبوته مزار. تعهد عندها النساء ويلعب الأطفال عندها. بل إن الأمور تطورت بشكل مبالغ فيه. وكان بعض الدراويش يبجلونها. إنها علامة على كسر الظلم، ضريح ولي يعيش بينهم.
عادت هند إلى الجامعة. أصبح لديها كابريوليه بسائق توصلها إلى الجامعة وتعيدها إلى المنزل. وفرض فهد سيطرته. فراح يأخذ من مال الأغنياء ويمنح الفقراء الأتوات التي يجمعها. وعمل داخل دكان البقالة الذي أنشأه. واستقرت الأحوال في الحارة.
توصلت هند لعنوان الحاج دهشان ونقلته إلى الحارة تحت حماية الفتوة آدم. وراحت تعالجه. لم تنس أبداً له فضله.
وكان الأعيان يقومون بدعوة فهد إلى أفراحهم. إنه الرجل الأسطورة الحية الذي أسقط شجرة. ويتفاخرون بأنه يتواجد في أعراسهم. حتى رجال الحارات البعيدة كانوا يدعون الفتوة فهد. إن حضوره لأي منطقة أصبح حدث تاريخي.
يصرخ المعلم عبد العظيم في زوجته: أسرعي يا امرأة سنتأخر على القطار.
وألقى سلال الزيارة وأكياس الغلة داخل القطار. سيحضر عرس أحد الأعيان في القاهرة. الرجل الذي يشتري منه القطن وكان سبب في ثروته الفاحشة.
ووصل العرس متأخراً بعد استقر بغرفة في منزل الرجل الكبير من المحلة.
وكان هناك رجل يحيط به الناس، يرحبون به ويحنون رؤوسهم ويبجلونه.
همس صاحب العرس إلى عبد العظيم: تعالى سأقدمك لفتوة الجمالية. الرجل الذي أخضع كل فتووات الحارات دون نزال أو حرب.
تقدم عبد العظيم وسار خلف الرجل حتى وصل القعدة التي انتصب فهد في منتصفها يدخن الجوزة.
رواية بالإجبار الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
كان الرجال يوقرون الفتوة فهد، منتبهين لكل كلمة ينطقها كأنها قانون. إنهم يجلسون في حضرة أسطورة حية. ورغم أن المأمون يجلس بين عساكره، ورغم مركزه في الداخلية، إلا أن مجلس الفتوة كان مزدحمًا للغاية، مما اضطر صاحب العرس وعبد العظيم شق طريقهما بصعوبة.
"اسمح لي يا فتوة فهد أن أقدم لك أحد أعيان الصعيد، المعلم عبد العظيم زاهر."
رفع عبد العظيم عينه، والتقت بعين ابنه الذي طرده ذليلًا مكسورًا من قريته، تحت عيون الناس. لكن عبد العظيم يمتلك قلبًا ميتًا.
قال الرجل: "أهلًا وسهلًا بالفتوة."
نهض الفتوة فهد وأفسح مقعدًا لعبد العظيم.
"تعالى اجلس يا والدي."
اشرأبت الأعناق، إنه والد الفتوة، والد الأسطورة الحية. ارتفعت الصيحات: "أهلًا وسهلًا بوالد الفتوة."
ولم يجرِ كلام كثير. تجاهل فهد وجود والده، وراح يحدث رجاله وفتوات الحارات المجاورة، والكل يسمع له. أراد فهد أن يرى والده مركز ابنه الجديد، ابنه الذي تبرأ منه وطرده من منزله.
وانتهى العرس، وسار فهد وسط رجاله ليقابل والدته، وطلب من رجاله أن ينتظروا بالخارج.
ولم تصدق المرأة عينيها، ابنها الصغير أصبح فتوه والناس تبجله. انحنى فهد على يد والدته وقبلها.
ووجد عبد العظيم الفرصة سانحة ليتحدث مع ولده.
"أصبحت فتوه؟"
"فتوه كبير."
"أخبرني أنك عثرت على أختك وقتلتها؟"
قال الفتوة: "نعم، وجدتها."
ابتسم عبد العظيم.
"أكل جسدها الدود؟"
همس الفتوة: "بل حية ترزق، تعالج المرضى الفقراء."
اتسعت عين عبد العظيم.
"يا للعَار! ووضع رأسه بين يديه."
"تركتها تعيش؟ تتنفس؟ لابد أن تقتلها الليلة."
"أنا لا أتلقى أوامري منك يا عبد العظيم."
"احمد الله أنني لم أقتلك وسط الرجال."
"تحدث والدك هكذا؟ أين الأدب يا ولد؟"
صرخ الفتوة فهد: "والدي طردني من جنته، سحلني في الطريق مثل صعلوك، والدي مات."
ابتسم عبد العظيم بسخرية.
"هل يعرف رجال الفتوة العظيم أن أخته عاهرة، سافلة؟"
"اصمت."
ورفع فهد نبوته.
"تلك الكلمات لو صدرت من فم رجل غيرك لشققته بنبوّتي جزائين، إنك ممتلئ من الشر، وفي قلبك لا توجد رحمة."
صرخ عبد العظيم بتحدٍ: "هند ماتت في عقول أهل القرية، سأعثر عليها وأقتلها بنفسي."
"هند تحت حمايتي، ولن يتجرأ أي مخلوق مسها بسوء."
توقف الكلام عندما دخل صاحب العرس يدعوهم للمائدة التي أعدت على شرف الفتوة. لكن فهد اعتذر ورحل مع رجاله.
قضى عبد العظيم ليلته، وفي الصباح أخبر صديقه صاحب العرس برحيله نحو قريته.
وعندما وصل الرجل المحطة، بدل طريقه وقصد الحسين، وهناك التقى فتوةها المعلم برعوم. ووجد الرجلان نفس الغاية: التخلص من فتوة الجمالية. وتعهد عبد العظيم بالمال الكثير والرجال.
ولم يذهب لقريته، بل أرسل من يحضر رجالًا من الصعيد ينفذون غايته ويقفون في صف الفتوة برعوم.
"لا أريدك أن تقتله، بل إذلاله. إنه ليس أسطورة ولا شيء، بل مجرد رجل."
ورأى الفتوة فهد أن لا يخبر أخته بوجود والدها في القاهرة، فقد عرف من رجاله رحيل والده إلى الصعيد، ولم يكتشف أنه غيّر وجهته في آخر لحظة وذهب إلى الحسين.
أطلق عبد العظيم رجاله مندسين في أزقة الجمالية يراقبون ابنته. وبعد أسبوع، قام الرجال بخطفها.
استيقظ الفتوة فهد على خبر اختفاء أخته، وبحث عنها في كل مكان. بعد الظهر، وصله مبعوث الفتوة برعوم.
"أختك محتجزة عندي، أحضر بمفردك دون رجال."
رواية بالإجبار الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
مش معقول يا معلم تروح لوحدك، دا فخ يا فتوتنا.
أمرنا دلوقتي واحنا نكسر الحسين ونجيبلك برعوم الفتوه تحت رجليك.
همس فهد: ستكون مذبحة، سيسحق الفقراء وسط المعمعة.
صرخ الأعور، أحد رجال فهد الأوفياء: ورحمة أمك يا معلم ما تروح لوحدك.
فكر فهد، إذا لم يذهب فأن سمعته ستتلطخ.
إنه برعوم شيطان، إنه يعرف أن هذا اللعين وجه الدعوة لفتوات الحارات ليكونوا شاهدين على إذلالي.
الرؤوس التي طالما خضعت لي ستنهشني، لكنه اخت، والاخت عرض.
ربما أخطأت إذا لم أقضِ على برعوم عندما سنحت الفرصة!!
فهناك أناس لا تفلح معهم محاولة أخرى ولا يجوز منحهم أكثر من فرصة!!
إن أصلهم دساس، الشر تغلغل داخلهم والخير رحل بعيداً عنهما.
ماذا كان برعوم يرغب بي بمفردي؟ سأذهب إليه بمفردي.
وأمر الفتوه فهد رجاله أن يتركوه بمفرده حتى يتمكن من أن يدير الموضوع في مخه.
نعم، إنه سيذهب نحو حتفه إذا كان بمفرده، لكنهم ينتظرون الفتوه فهد يرون ما سوف يفعل.
يريدون نهاية أسطورته.
بعد ساعة خرج فهد يحمل نبوته، احتضن ولده فتح الله وارتقى الكنترول.
ثم صرخ على الأعور فجأة راكضاً:
العربية الكارو جاهزة؟
جاهزة يا معلم.
صرخ الأعور وسط الشارع.
وضعت البضاعة فيها؟
أجل يا معلم، حملت الأجولة داخل العربة، حبوب قمح وذرة وفريك، كل ما أمرت به يا معلم.
وكان فهد محاطاً ببعض رجاله وهم ينظرون إلى بعضهم بلا فهم.
جر العربية ورايا يا أعور.
شيع ها.
ضرب الأعور الحصان بالسوط، وصر خشب عربة الكارو تحت ثقل الوزن.
على باب حارة الحسين استقبل رجال الفتوه برعوم فهد.
حضرت بمفردك؟
نعم.
ماذا أحضرت عربتين معك؟
إنها هدية للفتوه برعوم، غلال ولحوم ونقود، بادرة حسن نية.
انزل على رجليك، أوامر المعلم برعوم أن تسير وسط الحارة على قدميك.
سار الفتوه فهد بين رجال برعوم وهم يرمقونه بهيبة وخوف.
الكل يعرف من هو الفتوه فهد، حتى لو لم يكن رجاله معه، فأنه وحش يستطيع أن يصرع عشرة رجال بمفرده.
ابتسم الفتوه برعوم بسخرية عندما لمح فهد يسير على قدميه محاطاً برجاله.
ثم صرخ في رجاله: ماذا تحمل تلك العربة؟
صرخ رجل: هدية من الفتوه فهد.
سار الفتوه برعوم وصفع رجله على وجهه: لا يوجد إلا فتوه واحد يا حمار! خذ العربة على منزلي.
وكان الناس حاضرين يشاهدون فتوتهم يذل فتوة حارة الجمالية.
اجث على قدميك، صرخ الفتوه برعوم، انحني أمامي وقبل قدمي.
ابتسم فهد: هو خطف النساء أصبح رجولة الآن يا برعوم؟
تسرقون بنات الناس وتسمون أنفسكم رجال؟
صرخ برعوم: أغلق فمك اللعين، لم أخطف أختك، إنما أرجعتها لمن هو أحق بها.
ومن هو أحق بها من أخيها يا برعوم؟
صرخ برعوم: إنما هو والدك الذي انحنى أمامي وطلب مساعدتي.
وظهر عبد العظيم في جلابيبه البلدي والصديري والأثه الزرقاء.
وصاح برعوم: إذا لم يحسن والدك تربيتك أنا أربيك.
اجث على قدميك يا ولد!!
بنبرة ثابتة صاح فهد: ومن يجرؤ على إجباري يا برعوم؟
قفز برعوم من على مقعده: أنا أجبرك.
رفع رجال برعوم النبابيت وأحاطوا بفهد، برعوم يتوسطهم في مواجهة فهد.
والله عيب يا رجاله، أترضون ذلك؟ تحاصرون رجل أعزل جاء من أجل الصلح؟
وتنازع الشك صدور رجال برعوم، لكن برعوم لم يهملهم للتفكير.
اضرب يا ولد منك له.
تلقى فهد أول نبوت على ساعده ثم جزبه فأسقط الرجل أرضاً.
كان في تلك اللحظة تلقى نبوت على ظهره لكنه استعاد وضعيته الدفاعية بسرعة.
تراجع خطوتين: الذي يرغب في الموت يتقدم، أنا أرحب بتيتيم عيالكم يا من لا شرف لكم.
ارتفع الضرب والصياح وفهد برشاقة يصد ويضرب.
إنه يواجه خمسة عشر رجل بمفرده وبرعوم يصرخ: اقضوا عليه.
وسقط رجلين، ضربهم فهد بنبوته فكسر أقدامهم.
برعوم، وأشار فهد بنبوته: أريدك أنت.
صرخ برعوم: أنت بمفردك، ما الذي يجبرني على مواجهتك؟
بعد دقيقة أو دقيقتين ستسقط على الأرض وأدوسك بنعالي.
حمى الضرب والصراخ وارتفع الغبار وكانت بعض الضربات تصل إلى جسد فهد لكنها غير مؤثرة، ضربات مرتعشة خائفة.
وأسقط فهد خمسة رجال لكن الدائرة ضاقت عليها.
غمض فهد عينيه وصرخ: يا حي، يا حي، يا حي.
وتعجب الناس لما يصرخ الفتوه، أحقيقي شعر بالهزيمة؟
لكن الذي حدث غير ذلك، من داخل منزل الفتوه برعوم خرج رجال الفتوه فهد، سبعة رجال يحمل كل واحد منهم نبوته، كانوا متكومين داخل الأجولة التي أحضرها معه على عربة الكارو.
قبل أن يفكر برعوم في الهرب سد عليه فهد الطريق وترك رجاله يتعاملون مع رجال برعوم.
واشتم الفتوه فهد الخوف في أنفاس برعوم، كان مثل الكلب الذي رأى ذئباً.
رفع فهد نبوته وضربه بقوة، بلطة، ضربة تلو الأخرى حتى نخر برعوم على الأرض.
ركل الفتوه فهد نبوت برعوم بعيداً عنه ثم ركله بقدمه أمامه مثل الكرة.
تكوم الرجل على الأرض وفهد يركله بقدمه ويلسعه بنبوته، كسر كلا قدميه فراح يحبو على يديه مثل البهيمة.
تخطف بنات الناس، تجرأت يا برعوم حتى وصلت لأخت الفتوه فهد؟
قيد رجال الفتوه برعوم، أما برعوم نفسه فشقت ملابسه وجر إلى الاصطبل وهناك أمر أن يحمل الروث فوق رأسه ويلطخ به وجهه وجسمه، ثم قيد فوق عربة كارو مصلوب الأطراف إلى خارج الحارة.
وحاول عبد العظيم الهرب، لكن رجال فهد المرابطين خارج حدود الحارة قبضوا عليه وجروه نحو منزل الفتوه فهد، فتوة الجمالية.
رواية بالإجبار الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
تقبض على والدك يا فهد؟
تسمح أن يجر والدك مثل البهائم؟ أهكذا تكون أخلاق الفتوة؟
لا تحدثني عن الأخلاق يا والدي، فأنت بعيد عنها. لم أكن أنا الذي وضعت يدي بيد برعوم للتخلص منك؟ أين كان شرفك عندما سمحت لذلك الكلب بخطف ابنتك؟
ليست ابنتي، لا تقل ذلك. بنتي ماتت وقت دفنها.
حاول فهد أن يداري سخريته. لقد دفنت خروفين في مقبرة الرجال؟ أتعد ذلك شرفًا؟
صرخ الوالد: وأنت ألم تكن حاضرًا بشحمك ولحمك؟
أدار فهد وجهه للناحية الأخرى. كنت حاضرًا ولا أفتخر بذلك.
اقتلها يا فهد، اقتلها وارجع لحضن والدك. سأعترف بزوجتك وأولادك. خلصني من عاري يا ولدي.
أنا لا أرى أي عار هنا يا والدي، العار داخل عقلك.
هند دكتورة، أتعرف ما يعني أن تكون طبيبة؟ إن الأطباء في البلد يعدون على أصابع اليد. هند حققت ما لا يمكن لأحدنا أن يحلم به.
أنت وغد، جبان يا فهد. سوف أقتلها بيدي.
وضع عبد العظيم يده فوق صدره، وبدا أن هناك مرضًا يهاجمه. لا أستطيع أن أتنفس، أنا أختنق يا ولد.
ترنح الرجل الصلب وسقط على الأرض بفوضوية.
صرخ فهد: هند، النجدة! والدك يموت.
ركضت هند نحو والدها.
حاولت أن تفحصه.
ابتعدي عني، صرخ الرجل بآخر ما يمتلكه من قوة.
ابتعدي يا نجس.
تسابقت دموع هند.
فهد، نطقت أخيرًا. والدنا يعاني من أزمة قلبية، انقله للمشفى.
أحضرت الكابينة وكوم جسد عبد العظيم داخلها ونقل للمشفى البعيد. كان المرض قد تمكن منه. التوى فمه وغطاه اللعاب الأبيض ويده لا تتحرك.
داخل المشفى تحدثت هند مع الأطباء. إنه يعاني من أزمة قلبية. تدافع الأطباء لعلاج عبد العظيم، لكن الوقت كان قد تأخر.
شخصت حالته بشلل نصفي ووضعت له المحاليل.
جلست هند مع والدتها خارج الغرفة تحاول أن تطمئنها. لن أتركه هكذا، أقسم أن أعالجه حتى يعود أفضل مما كان.
ومضت الأيام داخل المشفى وعبد العظيم لا يتحسن. وكلما لمح ابنته زأر وامتعض حتى يجبرها الأطباء على ترك الغرفة.
في منتصف الليلة الثانية، شعر عبد العظيم بحاجة ملحة للتبول. حاول أن ينهض جسده لكنه سقط وتكوم. مقدمته عاندته وتحول الغضب المكبوت بداخله للعاب أغرق ملابسه.
سألته الممرضة ماذا يريد؟
بخجل أشار لبطنه واعتقد الرجل أن الممرضة ستجد حلًا له. لكنها أمرته أن يتبول في مكانها.
غمض عبد العظيم عينيه وبصق ولعن وسب. إنها لا تعرف من أكون.
تلك الحمقاء اللعينة. أنا عبد العظيم زهران أتبول على نفسي؟
ولم تمض الليلة حتى بال عبد العظيم على نفسه والخزي يتملكه. شعر أن روحه تتقلص. وكتم الرجل دموعه، فالرجال لا تبكي.
لكن في الصباح عندما عاينه الطبيب واشم رائحة البول، همس للممرضة: نظفيه.
وجد عبد العظيم نفسه يرفع ويدحرج بلا اهتمام. غيرت الملاءات والوسائد.
اسمع، قالت الممرضة. لا توسخ نفسك مرة أخرى. عندما ترغب بالتبول لوح لي سأجد حلًا.
غطى الرجل وجهه في الوسادة غير مصدق أن عبد العظيم زهران بال على نفسه.
ماذا سيقول الأعيان والعمده عندما يعرفون الخبر؟ إنه لن يرفع رأسه مرة أخرى. سيرمقه الخلق بسخرية وهو يجر قدمه. إن هذه حياة لا يمكنه تحملها والموت أفضل منها.
وسمح لزوجته أن تدخل غرفته في اليوم الثالث. ولم تسلم من نظراته الغاضبة الأعنة. لقد صب كل حماقة الدنيا فوق رأسها وكان يرفصها بقدمه السليمة كلما اقتربت منه. استحملت المرأة كل ذلك. كان متفهمًا لما يمر به زوجها ويعرف أن من حقه أن ينفث عن غضبه. ثم هاجمه ما يهاجم الناس. الرجل يحتاج لقضاء حاجته.
فعل كل شيء حتى أخرج زوجته من الغرفة. إذا كان مصيره الموت لن يسمح لزوجته أن تمسح برازه. ستحتفظ بالصورة المثالية عنه في عقلها، كيف ينظر إليها مرة أخرى إذا حدث ذلك أمامها. وكان كبرياؤه لا حد له.
ذلك الكبرياء الذي راح يضمحل بمرور الوقت. فقد زهق الممرضين والممرضات من خدمته. إن غسل البول ومسح البراز ليس عملهم. وكانوا يفعلون ذلك إكرامًا لابنته الطبيبة هند التي لا يسمح لها بدخول غرفته.
كانت المرة الأولى قاسية عندما حممته وغسلته زوجته. بدأ صارمًا يحلق بالخواء ولا يأتي بأي حركة حتى انتهت. لكنه في نفس الليلة انتحب مثل طفل صغير حتى الفجر.
إن الإنسان مهما بلغت قوته فإن أصغر الأشياء يمكنها أن تقضي عليه. أحس الرجل بالرخص والمهانة. إن التي فعلت به كل ذلك تقف خارج الغرفة ليل نهار. إنه يتمنى أن تعود له عافيته دقيقة واحدة.
دقيقة تسمح له بقتلها ثم بعدها فليحدث ما يحدث. إنه غير مبال بما يحمله له المستقبل بعد ذلك. لطالما فكر في أول مرضه كيف يقضي عليه.
بطلقة بندقية؟ سكين؟ أو خنقها حتى يخرج لسانها ويسيل لعابها مثلما يسيل لعابه.
هذه اللعينة التي تمرح خارج الغرفة. مؤكد أنها تسخر منه. ولن يسمح لها أبدًا برؤيته في تلك الحالة.
وقرر الأطباء أن لا فائدة من بقائه في المشفى. علاجه يحتاج وقتًا طويلًا وهناك مرضى ينتظرون.
تعلق عبد العظيم بفهد ابنه وعيونه تقول: لا تنقلني للبلدة هكذا. اقتلني قبل أن يحدث ذلك.
ولم تكن نية فهد أن يتخلى عن والده. فقد أعد له مطرحًا مريحًا في بيته واستأجر له خادمة. فكل إنسان يفعل بما يمليه عليه ضميره مهما كانت أفعال الآخرين.
وكانت هند توجه التعليمات والرجل لا يسمح لها بالاقتراب منه أبدًا. وكان يسمعها تخبر والدتها: افعلي كذا وكذا. وكان يرفض إطاعة التعليمات.
وفي ليلة اشتد عليه المرض اضطر لتلقي علاج ابنته. بعدها شعر بالراحة.
وكان دون أن يطلب كلما هاجمته الأوجاع طلب مساعدتها بعيونه الواسعة.
وكانت هند تتابع طبيب العلاج الطبيعي وتستمع لتعليماته وتنقلها لوالدتها.
ولما طال مرضه راح عبد العظيم يفقد كبرياءه. كان يبدو صامتًا عندما تدخل هند الغرفة أو تساعد الخادمة. وكان يسمح لها بقياس ضغطه وغرز الحقن في جلده بوجه متبرم وقسمات متغضنة. ويلعن الحياة التي اضطرته للجوء إليها. إن هذه الحياة تعيسة ولا يمكنك تخيل ما تحمله لك من ألاعيب ومكر.
وأصبحت هند طبيبته الرئيسية. هي التي تحضر الدواء وتحقنه به وتهمس له: ستكون بخير إذا تلقيت العلاج في موعده. وتسنده مع والدتها للذهاب للحمام وهو متكوم مثل شيكارة خيش.