حسام باقتراح: تحبي أنام جنبك؟ فاطمة بحرج: لو مش هيكون فيه إزعاج ليك يعني. ابتسم حسام بخفة: لأ مفيش إزعاج ولا حاجة، عادي. أفسحت فاطمة وتركت مكانًا مناسبًا لحسام بعدما كانت تتوسط الفراش. اقترب حسام وجلس على طرف الفراش وسألها باهتمام: تحبي أشغل النور ولا أطفيه؟ فاطمة بجدية: لأ أطفيه أنا مش بعرف أنام في النور. أطفأ حسام الأنوار، واعتدل كلٌا منهما استعدادًا للنوم، تاركين بينهما مسافة مناسبة.
لم يستغرق الأمر وقتًا حتى ذهب كلٌا منهما في سبات عميق. *** في اليوم التالي، استيقظ هادي من نومه وهو يشعر بألم في رقبته نتيجة لنومته غير المريحة على ذلك المقعد الخشبي. اعتدل في جلسته فوقعت عيناه على سالي التي كانت مستيقظة ولكنها ما زالت تأخذ وضعية النوم وتطالعه بابتسامة لطيفة. ابتسم لها هادي واستطاع أن يسحب يده منها قائلاً: صباح الخير يا… هو انتي اسمك إيه؟ نهضت سالي من الفراش وتحركت في الغرفة وكأنها تبحث عن شيء ما.
وبينما يتابعها هادي بصمت، تحركت هي إلى مكتب صغير موجود في زاوية الغرفة، وأخذت من عليه قلمًا وورقة صغيرة من تلك الخاصة بالملاحظة. عادت سالي إلى حيث يجلس هادي وجلست أمامه على طرف الفراش وكتبت اسمها على الورقة، وأعطته إياها. نظر لها هادي بجدية وقال: اسمك سالي؟ أومأت برأسها، فسألها هادي باهتمام: قوليلي أي حاجة غير اسمك، زي انتي بنت مين مثلًا أو كنتي ساكنة فين قبل كده أو إيه اللي حصل معاكي في الماضي؟
أخذت سالي منه الورقة، وسكنت قليلاً وهي تفكر ثم كتبت: مش عارفة. قرأ هادي ما كتبته سالي، فسألها بيأس: طب اسمك سالي إيه؟ حركت سالي كتفيها بعدم معرفة وهي تزم شفتيها، فقال هادي: خلاص مش مشكلة. كانوا يجلسون ثلاثتهم على مائدة الطعام، فقال هادي وهو يضع باقي العيش من يده: أنا هخرج دلوقتي يا رضوى عشان هقابل يزن، وانتي خلي بالك من سالي. انتبهت سالي إلى اسم يزن، وقد راودها شعور غريب.
أما رضوى فقالت: في شيء جديد بخصوص البابا ولا شو؟ هادي بجدية: مش عارف والله يا رضوى، هو كلمني امبارح وطلب يشوفني. رضوى: خلص يا أخي ما تقلق، أنا هخلي بالي ع سالي. استعد هادي للخروج، وعندما هم أن يغادر، تحركت إليه سالي سريعًا وتعلقت بذراعه. فنظر هادي إليها وقال باسمًا: مش هينفع تيجي معايا يا سالي، خليكي مع رضوى أنا مش هتأخر. حركت سالي رأسها بالرفض وقد أدمعت عيناها.
نظر هادي إلى رضوى وقال: ما هي رضوى كمان هتفضل هنا معاكي، يعني مش هتكوني لوحدك. كررت سالي حركة رأسها بالرفض عدة مرات، ثم أشارت إلى قلبها تزامنًا مع نزول دموعها. أخذها هادي وأجلسها على الأريكة، وطلب من رضوى أن تحضر قلمًا وورقة، وأعطاهما إلى سالي قائلًا بترقب: زعلانة ليه دلوقتي؟ كتبت سالي: أنا خايفة، وعايزة أجي معاك. هادي بهدوء: بس مش هينفع يا سالي، أنا عندي شغل مهم. نزلت دموعها مرة أخرى،
فأزالها هادي بحنان وقال: طيب أنا عندي فكرة، إيه رأيك نتكلم ع الفون. نظرت إليه سالي منتظرة توضيحه فأكمل هادي: هكلمك فيديو، بصي زي كده. استخدم هادي هاتفه وهاتف رضوى لإجراء مكالمة فيديو، فاقتنعت سالي بفكرته نوعًا ما، وتركته يغادر تاركًا تلك المكالمة مستمرة. عندما وصل هادي إلى وجهته، وقبل أن يترجل من سيارته وجد يزن قد ركب بجانبه وقال باسمًا: متأخر تلت ساعة.
عندما سمعت سالي صوت يزن الذي لم يظهر في الفيديو، بدأت بعض المواقف من ذاكرتها تتردد على ذهنها بصورة غير واضحة. وبعد الحوارات بينهما ترن في أذنيها بصورة متداخلة تجعل الحديث غير واضحًا، وقع الهاتف أرضًا من يد سالي التي تركتها وأمسكت رأسها وهي تضغط عليها كمحاولة لتخفيف الألم الذي احتل رأسها. لاحظت رضوى التي كانت تشاهد التلفاز، ما يحدث مع سالي التي تتأوه بألم، فنهضت إليها سريعًا وهي تسألها بقلق ما الذي حل بها.
على الطرف الآخر، ابتسم هادي وقال: احمد ربنا إني جيت أصلاً. يزن باستغراب: ليه فيه حاجة ولا إيه؟ هادي بشرود: هحكيلك بعدين، بس الأول خلينا في موضوعنا… كل هذا ويزن لم يلحظ تلك المكالمة الهاتفية، ولكن قبل أن يبدأ يزن حديثه تناهى إلى سمعهما صوت رضوى التي تصرخ وتستغيث بأخيها. حمل هادي هاتفه سريعًا، وهنا انتبه له يزن. أردف هادي بقلق: فيه إيه يا رضوى، سالي بخير؟ ردد يزن الاسم بشك، في
حين جاءهما الرد من رضوى: ما بعرف يا أخي، فجأة صارت عم تبكي وتتوجع وعم تمسك رأسها بشدة… ما بعرف شو ساوي. هادي بقلق ولهفة: خليكي جنبها وأنا جاي حالًا، وحاولي تهديها. أنهى هادي المكالمة وسرعان ما أعاد تشغيل سيارته وانطلق بها عائدًا إلى المنزل. كان ليزن أسئلة كثيرة، ولكن حالة هادي القلق والمتوتر والخائف جعلته يؤخر أسئلته لوقت آخر.
دلف هادي إلى شقته ومن خلفه يزن، تحرك هادي سريعًا إلى سالي التي ما زالت على وضعها، تضغط على رأسها وتبكي وتتألم، بسبب ذلك فلم يكن وجهها واضحًا ليزن الذي وقف خلف هادي وبجانبه رضوى. اقترب منها هادي وجثا أمامها على ركبتيه وسألها بقلق ولهفة: سالي مالك؟ إيه اللي بيوجعك؟ عندما سمعت سالي صوته، تلقائيًا ألقت بنفسها بين أحضانه. تردد هادي في البداية ولكن حسم أمره وبادلها الاحتضان وبدأ يربت
على ظهرها بحنان وهو يقول: اهدي يا سالي أنا هنا معاكي مش هيحصلك حاجة. بالفعل بعد عدة دقائق هدأت سالي وكفت عن البكاء، فأخرجها هادي من بين أحضانه. وهنا تفاجأ يزن بسالي التي يبحث عنها والتي كان وجهها مليء بالكدمات. اقترب منها يزن هو والآخر، ولكن قبل أن يسألها شيئًا وجدها تبتعد عنه وتتعلق في ذراع هادي. لاحظ يزن نفورها منه فرجع خطوتين إلى الوراء ثم سألها باستغراب: سالي انتي هنا ليه؟ وإيه اللي حصل معاكي؟!
لم تجبه سالي، ولكن أردف هادي بدلاً عنها: انت تعرفها يا يزن؟ يزن بجدية: ما دي النقيب سالي اللي كلمتك عنها، دي اللي والدك اختارها عشان تساعدنا في المهمة… بس أنا مش عارف بقى وصلت هنا إزاي، أنا بدور عليها من يومين. أومأ هادي برأسه بتفهم وقال: أنا هفهمكم وأفهم منك بعدين بس بلاش تسألها حاجة… قوليلي يا رضوى إيه اللي حصل؟
أجابت رضوى بحيرة: أنا ما بعرف يا هادي، كنت قاعدة ع هديك الكنابة عم شوف فيلم، وهي كانت عم تتابع اتصالك معك وفجأة وقع الفون من إيدها وصارت بهي الحالة اللي كانت قبل شوي… تنهد هادي متفهمًا وقال: سالي ممكن تروحي مع رضوى تعملوا عصير؟ حركت سالي رأسها بالرفض. فقال هادي باسمًا: عشان خاطري أنا عايز أشرب عصير من تحت إيدك. نهضت سالي وأخذت القلم والورقة وكتبت: هادي يجي معايا.
هنا أدرك هادي أنها لن ترحل بدونه، فذهب معها إلى المطبخ ومعهما يزن ورضوى. بدأت رضوى تعد المكونات ومعها سالي تساعدها. وعندما لاحظ هادي أنها منشغلة همس إلى يزن قائلًا: قولي بقى إيه اللي حصل قبل ما تختفي؟
يزن بصوت منخفض: سالي كانت بتساعدنا وبتشتغل مع سعد الدمنهوري لصالحنا، وفي مرة سعد طلب منها تروح لحسام وفاطمة وتكرر موضوع الحمل اللي أنا حكيتلك عنه ده مرة تانية، وهي قبل ما تروح كلمتني عشان أعرف فاطمة وحسام يمثلوا ويعيشوا الموقف بجد، عشان سعد هيبعت معاها واحد من رجاله. هادي بترقب: وبعدين؟
يزن بتوضيح: اكتشفت إن اللي مثل الدور ده بنت تانية، ولما ضغطنا عليها قالت إنها جت بدل سالي، وإن سالي خيانتهم وعشان كده عذبوها لما كشفوا الحقيقة… ومن ساعتها وأنا بدور على سالي. هادي بهدوء: هي فعلاً كانت مخطوفة، واتعرضت للاعتداء. يزن بصدمة: نعم! أنت بتهزر؟
هادي بجدية: لأ مش بهزر، هي فعلاً اتعرضت للاعتداء ومع الأسف لحقتها بعد فوات الأوان، ساعتها فقدت الوعي على إيدي بعد ما طلبت مني إنها متروحش مستشفى، ولما فاقت طلعت فاقدة النطق والذاكرة، بسبب الضغط النفسي والضرب والعذاب اللي اتعرضت له. يزن بصدمة مخلوطة بحزن: سالي اتعرضت لكل ده!! زفر هادي بحزن قائلًا: مع الأسف، أنا مش عارفة حالتها دي هتنتهي بإيه!
قبل أن يتحدث يزن، جاءت إليهما سالي وهي تحمل معها كأس من العصير، قدمته إلى هادي وهي تبتسم بلطف. أخذه منها هادي وشكرها، وكان سيعطيه ليزن ولكن سالي اعترضت طريق يده، وأخذت منه الكأس وقربته من فمه راغبةً في أن تسقيه بنفسها. نظر لها يزن بحزن، وهو يتذكر بعض المواقف الطريفة التي كانت بينه وبين سالي عندما كانا يعملان معًا. قاطعت رضوى شروده وهي تمد إليه يدها بكأس العصير. ***
كان حسام جالسًا في حجرة الجلوس ويعمل على حاسوبه، وبجانبه فاطمة التي تمضي وقتها في أعمال التطريز. وبينما هي تعمل بتركيز شديد، غزا عقلها ذلك الحديث وتلك الكلمات التي قالها حسام يوم أمس. أصبحت تستخدم الإبرة في حركة عشوائية، وهي تبتسم ببلاهة لتلك الكلمات التي تتردد في أذنها. وعلى حين غرة منها تحركت الإبرة صوب إصبعها، مما جعلها تنهي شرودها وتصرخ بضعف.
انتبه لها حسام، وأبعد حاسوبه واقترب منها متلهفًا وهو يتفحص ذلك الجرح الصغير الذي لولا نقطة الدماء التي خرجت منه ما كان ليُلاحظ. أخذ حسام منديلًا ورقيًا من تلك الموضوعة على الطاولة، أزال قطرة الدماء وبدأ ينفخ بلطف على مقدمة إصبعها. في هذا الوقت كانت فاطمة تنظر إليه وتتأمله وهو بذلك القرب منها، فكانت تطالعه بهيام. وعندما رفع رأسه سائلًا إياها: بتوجعك؟
هنا تلاقت أعينهما سويًا، فكانت النظرات تبعث وتستقبل الإشارات بدلًا من الحديث. استغرق ذلك الحديث الصامت بضع دقائق، وأخيرًا قطعت فاطمة هذا الصمت عندما رمشت بعينيها عدة مرات قبل أن تبعد نظرها بعيدًا عنه وتقول: أنا كويسة، دي حاجة بسيطة متقلقش. سحبت فاطمة يدها منه بخجل وقالت بتوتر: أنا عايزة أقولك حاجة. –قولي! صمتت فاطمة ترتب حديثها ثم قالت: أنا لما كنت في إسكندرية من ست شهور، هناك قابلت واحد و…
توقفت فاطمة عن الحديث لأنها فكرت في التراجع. ولكن حسام سألها بترقب واهتمام: قابلتي مين؟ فاطمة بتلعثم: خلاص، متشغلش بالك. قبل أن يرد عليها حسام، تناهى إلى سمعهما جرس الباب، فذهب حسام ليفتحه، وهناك وجده حارس العمارة ومعه ظرف، أعطاه إلى حسام قائلًا: الظرف ده جاي لمدام فاطمة من المشفى. أخذه حسام وأغلق الباب، ولكنه شعر بالقلق فأي ظرف سيأتي من المشفى إلى فاطمة إلا إذا كانت حاملًا!
قرر أن يفتح هو الظرف ليطمئن عليها، وبالفعل فعل ذلك، ولكنه تفاجأ عندما وجده تقرير حمل باسم فاطمة، والصادم في الموضوع أن النتيجة كانت إيجابية. هنا تذكر حسام عندما قالت فاطمة منذ قليل أنها قابلت رجلًا في الإسكندرية، وتذكر وقوفها مع نادر، وعندما كانت مصرة بشدة على إفساد زواجهما.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!