رد عليها يزن تلقائيًا وبلهجة غاضبة: عشان أنا بحبك. تصنمت مريم موضعها فقد صُدمت حقًا من رده الصادم، فكيف له أن يحبها بتلك السرعة! لم تعرف بما تجيبه، فظلت حائرة تطالعه بضياع لم يخف عليه، حاولت مريم أن تتحدث ولكنها لم تقدر. فرفع يزن عنها الحرج وخلصها من ذلك الموقف عندما أردف بجمود: اعتبريني مقولتش حاجة، اتفضلي عشان نرجع البيت.
صعدت مريم إلى السيارة دون أن تتفوه بحرف واحد، بعد قليل من الوقت الذي مر عليهم بثقل وتشاحن، توقفت سيارة يزن أمام ذلك المبني الراقي الذي تقطن فيه عائلة الشرقاوي. ترجلت مريم من السيارة وانتظرت أن يفعل يزن مثلها ولكن فاجأها عندما قال: عرفي فاطمة إني رايح مشوار وهتأخر في الرجوع. لم يمهلها وقتًا لترد عليه، وإنما قاد سيارته سريعًا واتجه إلى شقة أمجد.
ضغط يزن على زر الجرس مرات متتالية ولكن لم يستجب له أحد، استخدم يزن هاتفه متصلًا على أمجد. بضع ثوانٍ وجاءه الرد بصوت رتيب: أيوه يا يزن، وصلت؟ تشدق يزن مردفًا بضيق: بقالي ربع ساعة برن الجرس وماحدش بيرد، اخلص تعال افتحلي عشان عايز أنام. ضحك أمجد وقال: مش هطول قصادك في الكلام عشان عارفك مش بتعرف أبوك وأنت نعسان. عندك جنب عتبة الباب في شتلة صبار. نظر يزن إلى تلك الشتلة مستغربًا وقال: مالها الصبارة؟ رد عليه أمجد موضحًا:
ارفع الشتلة، هتلاقي تحتها المفتاح، افتح وادخل. يلا سلام عشان رايح عند حسام. *** على صعيدٍ آخر كان هادي جالسًا على الأريكة بأريحية ويشاهد التلفاز وكالعادة كانت سالي بجانبه. وبينما هو كان منشغل بذلك الفيلم، كانت هي تحدق به مبتسمة، فهي باتت لا تشعر بالأمان إلا في وجوده.
رغم فقدانها لكل تفاصيل حياتها إلا أنها تتذكر شيء واحدًا، هو أنها قبل أن تفقد وعيها في ذلك اليوم، كانت بين ذراعيه، من بين كل تلك الأحداث الهائلة والتعيسة والخطرة. وبينما هادي يتابع الفيلم باهتمام إذا بتلك البطلة تلقي دعابة تلقائية من بين كلماتها مما جعل هادي ينفجر ضاحكًا، لتزيد ضحكته الرجولية من وسامته الجاذبة للأنظار.
التف هادي برأسه ناظرًا إلى سالي، كي يسألها عن رأيها في ذلك الفيلم، ولكن ما لبث ينطق بالكلمات من بين ضحكاته، حتى كف عن الضحك وتحولت نظرته إلى إعجاب عندما وجدها بتلك القرب منه وتحدق به بسعادة وقد افتر ثغرها عن ابتسامة تصل إلى عينيها.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يتمعن فيها هادي بملامح سالي، الجميلة والهادئة، بداية من عينيها ذي اللون الرمادي القاتم تحدهما رموش مرسومة بخفة، وأنفها الطويل الحاد، وشفتيها الحمراء المشابهة لقوس كيوبيد، إلى بشرتها البيضاء المُعكرة ببعض الكدمات. استطاع هادي أن يخطف من الزمن بضع لحظات، التقت فيهم بنيتيه برماديتيها، وانتهت بذلك الصوت الذي صدر من معدة سالي، احتجاجًا على عدم تناولها للطعام.
احمرت وجنتا سالي حرجًا، فوضعت يدها على بطنها سريعًا وكأنها بذلك ستكتم هذا الصوت، في حين ابتسم هادي بلطف وسألها: شكل رضوى هتتأخر على ما ترجع، إيه رأيك نطلب أكل من برا؟ امتعضت ملامح سالي، التي حركت رأسها مرات متتالية برفض، وحركت يدها أمامه بـ "لا"، ولكن هادي أصر على قوله وأضاف مبتسمًا: أنا كمان هاكل معاكي عشان جعان، اكتبيلي بقى تحبي نطلب إيه؟
ضمّت سالي شفتيها بحيرة قبل أن ترخيهما وترفع كتفيها بعدم معرفة، فتشدق هادي مردفًا: خلاص تعالي نفتح النت ونشوف المطاعم القريبة من حينا بتقدم إيه! بعد مرور وقت لا بأس به، وصل الطعام الذي طلبه هادي عبر الإنترنت، أعد هادي المائدة وأجلس سالي وقبع هو على المقعد المجاور لها وبدأ يراقبها في صمت وهي تتناول الطعام باستمتاع. فلاحظت سالي أنه لم يأكل، فباغتته بملعقة من الطعام أمام فمه. ابتسم لها هادي قائلًا:
كملي أكلك يا سالي وأنا هاكل دلوقتي. لم تعر سالي كلامه اهتمامًا، وإنما قربت الملعقة أكثر إلى فمها، فتنهد هادي باستسلام وأكل تلك الملعقة من يدها، فابتسمت سالي برضا، وجهزت له ملعقة أخرى. ***
على صعيدٍ آخر، دلف مازن إلى ذلك النادي، الذي يزوره للمرة الأولى، كان يتجول في تلك المساحة الخضراء واضعًا يديه الاثنتين في جيب سترته، مطالعًا هؤلاء الناس الذين يمارسون الأنشطة الرياضية باختلافها، فكان يتغنى ببعض الكلمات الأجنبية المنبثقة من سماعاته الأذنية، عندما رأى ثلاث شباب يقيدون شابًا ويبرحونه ضربًا. نزع مازن سماعاته سريعًا معلقًا إياها في رقبته، واتجه إليهم ليخلص ذلك الشاب من أيديهم، وبالفعل وقف أمامهم مردفًا
بهدوء: مينفعش كدا يا شباب، لو في مشكلة بينكم ممكن تحلوها بالكلام مش كدا. ضحك واحدٌ منهم وقال ساخرًا: حل المشاكل بالكلام، ده بتاع البنات الفافي اللي شبهك. تلوت شفاه مازن بتوعد وتشتق مشيرًا لنفسه: قصدك إني شبه البنات الفافي! رد عليه الشاب بعدم تهذيب: ليك رأي غير كدا يا روح أمك!
زفر مازن بغضب مكتوم، وابتعد عنهم قليلًا، نازعًا سماعاته، ثم وضعها جانبًا كي لا تنكسر، وعاد إليهم ثانية وهو يشمر عن ساعديه، في تلك اللحظة التي كاد أحد الشباب أن يضرب ذلك المقيد من قِبل الآخرين مجددًا، ولكن قبل أن يسدد قبضته كان مازن هو الأسرع إليه ومنعه عندما أمسك ذراعه، لاويًا إياه خلف ظهره. ومن هنا شارك مازن معهم في الاشتباك، فتركوا ذلك الشاب والتفوا ثلاثتهم حول مازن، التي كانت قوته الجسمانية تفوقهم جميعًا.
ونتيجة لذلك كان مازن كافيًا ليعلمهم درسًا في الملاكمة وبعض الحركات القتالية. وقف مازن يلتقط أنفاسه بعد مرور عشر دقائق من القتال، وكان الثلاث شباب واقعين أرضًا يتألمون من شدة الضربات. اقترب مازن من ذلك الشاب ضعيف البنية تحت أنظار الفتيات المعجبات بقوة مازن ورشاقته الرياضية، ربت على كتف الشاب وسأله باهتمام: انت كويس؟ أزال الشاب الدماء التي قد سالت من فمه وقال بامتنان: كويس، كويس. شكرًا لمساعدتك. ابتسم مازن وأردف:
مفيش داعي للشكر، ده واجبي. أنا مازن. نطق بجملته الأخيرة وهو يمد يده ليصافح الشاب الذي قال: وأنا تامر. اتشرفت بالمعرفة. *** كان هادي وسالي مازلا يتناولان الطعام، حينما وضعت سالي الملعقة من يدها وأمسكت معدتها بألم، وقد تغيرت قسمات وجهها إلى العبوس والإرهاق. تشدق هادي مردفًا باهتمام يخالطه القلق: في إيه يا سالي؟ مالك؟
نظرت إليه وقد أدمعت عينيها، ولم تجبه. فنهض هادي سريعًا وأحضر إليها الورقة والقلم وكرر عليها سؤاله مرة أخرى وهو يحثها على الكتابة. فرت من عينيها دمعة ساقطة على الورقة، وأمسكت سالي القلم وكتبت بخط مرتعش ومهزوز، أنها تشعر بشديد من الألم الحارق الذي قد غزا معدتها فجأة. شعر هادي بالقلق الشديد عليها، وتسبب دمعه في إصابته بالضعف، فلم يعرف ما الذي عليه فعله. وقف أمامها بارتباك وهو يحك مقدمة جبهته بتفكير، ثم أردف بتعجل:
قومي معايا خلينا نروح لدكتور. اقترب منها يساعدها على النهوض، وما إن وقفت حتى صدح هاتفه معلنًا عن اتصال من يزن، فاستقبل هادي ذلك سريعًا وقال: كويس إنك اتصلت يا يزن، تعرف مكان دكتور باطنة؟ انتبه يزن لما قيل وسأله قلقًا: دكتور باطنة! هي سالي تعبت؟ رمق هادي تلك التي تتألم بجانبه ونطق: أيوه يا يزن، كنا بنتغدى وفجأة مسكت بطنها وبتقول إنها حاسة بألم بيحرق في معدتها. ضيق يزن ما بين حاجبيه وسأله: هي أكلت إيه؟ هادي بجدية:
مكرونة بالسوسيس الحار، وسجق حار إيطالي. ضرب يزن على جبهته قائلًا بندم: ده غلطي، كان لازم أعرفك بحاجة زي كدا. سالي عندها قرحة في المعدة والمفروض ماكنتش تأكل الأكل ده. زفر هادي بضيق مكتوم وقال: طب قولي تعرف دكتور ولا إيه؟ أتصرف أنا إزاي دلوقتي؟ يزن باندفاع: لأ، لأ، بلاش دكاترة دلوقتي عشان محدش يشوفها، لو عندك لبن في البيت أو زبادي أعطيها منهم بس مش كتير، وأنا هاجي حالًا وهجيبلك الدواء. هادي برفض:
لأ، مش هستنى لما تيجي، ده هياخد وقت، ابعتلي اسم العلاج على الواتس وأنا هنزل أجيبه من الصيدلية اللي على أول الشارع، يلا هقفل. يزن باندفاع: طيب ماشي، بس استنى. لازم تعطيها الدواء ضروري عشان اللبن ممكن يزود الحموضة بعدين.
تحرك هادي سريعًا إلى المطبخ، ولحسن الحظ ظفر هادي بعبوة الزبادي الأخيرة في الثلاجة، ورجع إلى سالي سريعًا مجلسًا إياها وبدأ يطعمها بتتابع. وما إن انتهى حتى وضع العبوة فارغة ونظر إلى سالي باسمًا وهو يبعد تلك الدموع عن وجنتيها وقال بحنو: دلوقت هتبقى كويسة، خليكي هنا وأنا هنزل أجيب العلاج وأجي، اتفقنا؟ أومأت سالي في صمت، فأكمل هادي: دلوقت تدخلي أوضتك وتنامي ومتفتحيش لحد، أنا أصلًا مش هتأخر.
امتثلت سالي لطلب هادي الذي غادر لإحضار الدواء الذي أخبره به يزن على الواتساب. *** كانت فاطمة حبيسة غرفتها ولا تفعل شيئًا غير أنها تتحسر على حسام الذي خسرته بفعلتها تلك إلى الأبد، وكأنها على عهد مع البكاء الذي قطع وصلته رنين جرس الباب. أزالت دموعها سريعًا، فلا أحد سواها في المنزل وعليها أن تجيب الطارق. اتجهت إلى الباب وما إن فتحت حتى وجدت مريم أمامها، فألقت بنفسها بين ذراعيها تبكي وتشهق بمرارة.
تنهدت مريم بحزن مربتةً على ظهرها بمواساة وهي تقول: اهدّي يا فاطمة، كل حاجة هتبقى بخير إن شاء الله. ابتعدت عنها فاطمة وهزت رأسها برفض وعدم اقتناع لتلك الفكرة التي باتت تراها مستحيلة، وتشتق مردفة من بين دموعها: مبقاش في حاجة هتبقى بخير يا مريم، كل حاجة انتهت، كل شيء انتهى، أنا وحسام خلاص علاقتنا انتهت.
ضيقت مريم ما بين حاجبيها، فهي كانت تقصد بجملتها "كل حاجة هتبقى بخير" أنها ستصبح عازبة مرة أخرى ويمكنها أن تنتظر ذلك الشاب الذي لطالما كانت تحلم به وعشقته منذ النظرة الأولى، وأجبرت على التخلي عن حلمها بلقائه والزواج منه بسبب زواجها من حسام. جلست مريم بجانب فاطمة على طرف الفراش، وبادرت بالحديث عندما سألتها: فاطمة، هو إنتي زعلانة عشان في مشكلة بينك وبين حسام؟ رد عليها فاطمة بسؤال آخر، بلهجة استغراب وبصوت مختنق:
وهو المفروض مزعلش لما أتخانق مع زوجي وتكون المشكلة دي هتسبب طلاقي؟ قالت مريم سريعًا: أنا مش قصدي كدا، لو أي حد غيرك تمام، هكون متفهمة حزنها، لكن انتي مش فاهمة انتي زعلانة وبتعيطي ليه. ده أنا لما سمعت بابا وهو بيكلم حسام في الفون، قولت إنك هتكوني مبسوطة. لكن دلوقتي شايفة خلاف كدا! قالت فاطمة باستنكار: مبسوطة! هكون مبسوطة على خراب بيتي وخسارة أكتر شخص حبيته! مريم بحيرة: أكتر شخص حبيتيه! إنتي بتحبي حسام؟
طب والواد إياه، بتاع إسكندرية؟ ابتلعت فاطمة غصة مريرة في حلقها وقالت بهدوء: حسام هو الشاب اللي قابلته في إسكندرية. حدقتها مريم بنظرة اندهاش، ثم سألتها بعدم تصديق: حسام هو الشاب اللي كان بيزور حلمك كل يوم من لما رجعتي من إسكندرية؟ أومأت فاطمة برأسها تزامنًا مع نزول دموعها، فأكملت مريم استجوابها: طب ولما هو الشاب اللي حبيتيه، ليه كنتي عايزة تمنعي جوازك منه وكنتي زعلانة؟ وإيه اللي سبب المشاكل دلوقتي؟
وليه رفضتي تعملي فرح؟ أزالت فاطمة دموعها، وأخذت نفسًا عميقًا وأجابتها:
كنت رافضة لأن جوازنا دي لمجرد إن حسام يحميني من سعد الدمنهوري الرجل اللي جه وطلب إيدي لابن أخوه قبل كدا، كنت رافضة عشان مكنتش عايزة أتجوز أخوكي وأتعلق بيه أكتر وبعدين يطلقني بعد ما يتقبض على سعد، والموضوع ده كلهم عارفينوه ما عدا انتي وماما وطنط منال وأسيل، وعشان فقدت ثقتي في حسام بسبب البنات اللي كل يوم والتاني يبعتهم سعد. رفضت أعمل فرح وكنت مفكرة بكدا هفضل في إيد أهلي بعد كتب الكتاب، لكن حصل عكس اللي توقعته وبابا بعتني مع حسام في نفس يوم كتب الكتاب.
سكتت فاطمة لتبتلع ريقها وتأخذ نفسًا يزيل رغبتها في البكاء مجددًا، فسألتها مريم بترقب: وإيه اللي سبب مشاكل بعد تلت يوم من كتب الكتاب؟ تلفظت فاطمة بإجابتها بشرود وقالت: عشان أنا حامل من حد غير حسام. اتسعت حدقتا مريم بصدمة، وقالت بتقطع: فاطمة إنتي بتقولي إيه؟ ده وقت هزار! نظرت إليها فاطمة وقالت: بس ده مش هزار يا مريم! أنا اتخطفت تاني يوم كتب الكتاب و.
قصت عليها فاطمة ما حدث معها والحوار الدائر بينها وبين سعد قبل أن يسلمها إلى حسام. وما إن انتهت حتى قالت مريم بتهكم وغضب مكتوم: إنتي عبيطة! إزاي تعملي حاجة زي كدا؟ وإزاي أصلاً تسمعي كلام واحد زي سعد ده!! ده اسمه هبل! بكت فاطمة مرة أخرى وقالت بصوت متقطع: وأنا كان المفروض أعمل إيه؟ لم تجد فاطمة جوابًا لسؤال مريم التي أكملت وهي تنهض متجهة لخزانة الملابس الخاصة بفاطمة:
قومي عشان هنروح فورًا لحسام ونحكيله الحكاية دي كلها، هو لازم يعرف الموضوع ده، عشان ماتخسريش كل حاجة. بعد قليل من الوقت تجهزت فاطمة ونزلت من المبنى برفقة مريم التي كانت تدعمها وتلقي عليها بعض الكلمات المطمئنة، ولكن ما إن سارتا مبتعدتين عن مدخل العمارة حتى تناهى إلى سمعهما حديث بعض النسوة يقولن: اهي دي بقى العروسة اللي ينطبق عليها مثل راحت تودي الكحك رجعت بيه سخن.
أنهين تلك الجملة وصدرت منهن قهقهات ساخرة. نظرت فاطمة أرضًا بحرج وخذى، وما كادت تتخطاهن حتى نادتها إحداهن قائلة: تعالي يا فاطمة عرفينا رجعتي بالكحك سخن ولا ساقع منك في الطريق. خانتاها عيناها وفرت منهما دمعة هاربة، فربتت مريم على كتفيها وكادت أن ترد عليهن ولكن سبقها ذلك الصوت الذي جعل قلب فاطمة يتسارع في النبض، عندما قال بعنفوان: أول مرة أعرف إن الحي الراقي ده فيه ناس سفيهة ومتدنية كدا!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!