كانت قد أتم سليم وحياة زفافهما وودعا هنا وحازم. وما إن وصل إلى البيت حتى حملها سليم ودخل بها. ظل يدور ويدور وهو يقول لها إنه في منتهى السعادة. كان يفعل معها ما كان يتمناه في الواقع. كانت هي في منتهى الخجل وقلبها يدق من الفرحة. أخيرًا لن تكون وحيدة وأصبح معها حبيبها، نفسها الذي تتنفسه.
ظلا بعض الوقت يتسامران ويأكلان وهو يداعبها. كانت تشعر بالخجل الشديد ولا تعرف ماذا تفعل أمامه. قاما إلى حجرتهما ودخلت حياة لتغير ملابسها. لبست أسدالها فوق ملابس عرسها الحريرية. وكان هو قد انتهى من لبس ملابسه. عندما خرجت نظر إليها مندهشًا. كانت تفرك في يديها من الخجل وقالت: "هو إحنا مش هنصلي؟ ابتسم في نفسه بسخرية وقال: "آه طبعًا يا روح قلبي."
وشرعا معها في الصلاة. وما إن انتهى حتى اقترب منها وأزاح أسدالها. ظل ينظر إليها مسحورًا بجمالها بحسرة شديدة ولم ينطق. اتجه إليها مسرعًا فاحتضنها بشدة، يمني نفسه ولو للحظة أن حبيبته الخيالية معه. اقترب منها وكل شخصيتها في خياله أمامه. فقد أزاح الانتقام جانبًا وقرر أن يعيش الدنيا التي لن يدخلها أبدًا. قرر في تلك اللحظة أنها حياته التي يعرفها ونسي أي انتقام قادم. ليحملها ليبدأ معها حياتهما الزوجية التي تظن هي أنها بهذه ستدخل جنته وأنها أخيرًا لن تكون وحيدة.
أما هو فما زال يخطط كيف يطعنها ويزهق روحها. ولكنه في نفس الوقت يتخيل حبيبته التي اعتبرها ميتة ويضمها كحبيبته. فهو يستحق ذلك. يستحق أن ينعم بحبيبته التي ما زالت في خياله، حتى وإن كانت في الواقع أفعى غرزت أنيابها في خصمها وأردته قتيلًا.
قضيا معًا ليلة من ليالي العمر. سيتذكرها إلى الأبد وناما في وقت متأخر يبث كل منهما عشقه للآخر. نامت حياة على صدر سليم وهي تتنهد بحب شديد تدعو الله أن يدوم عليها حبيبها الذي تعلم أنه روحها، وأنه أخيرًا أصبح ظهرها وسندها في هذه الدنيا. أما هو، بعد أن أخذ حبيبته بين يديه، كان كأنه ملك الدنيا، ولكنه كان في عالم الخيال ملك حبيبته في خياله.
في الصباح، بدأت تستفيق حياة وهي تشعر بسعادة شديدة. مدت يدها لتبحث عن حبيبها وعشقها الأوحد فلم تجده. فتحت عينيها بتنهد وظلت تبحث في الغرفة عنه. لتراه يقف أمام المرآة عاري الصدر يلبس بنطاله. فقالت له بهمس: "صباح الخير يا حبيبي." لم يرد عليها سليم. فظنت أنه لم يسمعها. وكان يمسك قميصًا في يده. فقطبت جبينها وقامت ولبست روبها واتجهت إليه وحضنته من الخلف وظلت تقبله وتقول: "إيه ده بقى؟
هو أنت ما سمعتنيش وأنا بقول لك صباح الخير؟ " وظلت تمرغ وجهها في ظهره. وكان هو مشتعلًا من الداخل ولكنه من الخارج كان كأنه من حديد. أكملت قائلة: "حد يصحى من النوم ويسيب حبيبه كده؟ لا كمان ويلبس. رايح فين يا قلبي؟ هنا ضحك سليم ضحكة ساخرة وفك يديها من حوله. أخذ قميصه وظل يعدله. فقطبت حياة جبينها واتجهت إليه ومسكت ذراعه وقالت: "مالك يا حبيبي؟ في إيه؟ أنت مش طبيعي ليه؟ في حاجة أنا زعلتك في حاجة؟
حد يقابل مراته وحبيبته كده الصبح؟ فصدحت ضحكته وظل يضحك. ثم اقترب منها ساخرًا وظل يقول: "حلوة قوي حبيبته ومراته دي." حست بشيء غريب يحدث وحست بقبضة في قلبها. فاقتربت منه أكثر واحتضنته وقالت: "إيه يا حبيبي؟ بتكلمني كده ليه؟ حد يصحى الصبح يكلم حبيبته كده؟ بقي هي دي بداية جوازنا؟ زعلتني كده منك." أردف قائلًا: "تؤ تؤ تؤ. لا والله ماليش حق." ثم
زق يديها ودفعها وقال لها: "ما تبطلي بقى الشويتين دول. بلا بداية جوازنا. مش أما يبقى فيه جوازنا أصلًا. بلا قرف يا شيخة. أنت مالك مصدقة نفسك كده؟ " وظل يضحك. حست بقلبشة في صدرها وأن حبيبها يتلبسه شخص آخر. وقالت له: "قرف؟ جوازنا قرف؟ " بدأت تشهق بالبكاء. اقترب منها ومسكها من ذراعها وظل يهزها ويغرز أظافره في ذراعها وهي تصرخ في وجهه. مذبوحة غير مصدقة. فقال بعنف: "بطلي بقى. بطلي. أنت إنسانة مقرفة."
كانت الصدمة كبيرة وفظيعة ومؤلمة لقلبها. فقلبها النقي ونفسها السمحة لم تقدر أن تستوعب كل هذا. ظلت تنظر إليه وتحرك رأسها بعدم تصديق وصرخت: "أنت اتجننت؟ بتعمل كده ليه؟ أنت عقلك مات؟ ولا جراله حاجة؟ إحنا اتجوزنا امبارح. أنا مراتك اللي قلت لي عمرك اللي جاي. أنا حبيبتك يا سليم." كانت تشهق بعنف: "والله حبيبتك مش كده. والنبي رد عليا." ضحك سليم واقترب منها وقال لها: "أنت يا حلوة. أنت نسيتي أنا مين؟
أنا سليم الحديدي اللي ما بيقربش من الزبالة إلا مرة واحدة." كانت الخبطات تنزل عليها وتهوي على قلبها وهي على شفا حافة الجنون والشهقات ستزهق روحها. أهذا هو حبيبها؟ أهذا الذي وعدها بالأمان؟ ظل عقلها لا يستوعب تلبسه الغباء وقلبها يتمزق على حب عمرها. فهو الباقي لها كي يدق قلبها. ما هذا الجحيم الذي انغرست فيه؟ وأخذ قميصه وظل يلبس بهدوء. ثم أخرج دفترًا من الشيكات وكتب فيه مبلغ 100 ألف جنيه. اتجه إليها وفتح يديها ووضعهم بها.
وقال: "أظن ده أكتر من اللي كنتي بتحلمي بيه وده اللي بتخططي له من الأول مع عاصم بيه. وأكيد اداكي زيهم. وأنا سبتك بمزاجي. سليم الحديدي صاحب شركات الحديدي مش أي حد يضحك عليه يا قطة." لم تستوعب ما كان يقول. فضحكت بحرقة والدموع تسيل بغزارة على رفيق قلبها وقالت: "أنت بتتكلم عن مين؟ عاصم مين؟ أنت مجنون صح؟ وإيه الفلوس دي؟ وبتتكلم كده ليه؟ فصرخت: "أنت بتعمل كده ليه؟ أنت مين؟ أنت مش سليم حبيبي. أنت أنت.. أنا ما أعرفكش."
هنا أخرج تليفونه وقال لها: "بتكلم عن ده." ليريها صورته مع سوزي وتحتها كلام فحواه أن سليم الحديدي صاحب شركات النقل من أغنى أغنياء البلد، قد تمت خطبته على ابن عمه سوزي هانم الحديدي عن قصة حب شديدة وسيتم زواجهما قريباً. أحست بشيء من البلاهة والتجمد ونشفت دماؤها في عروقها وهي تنظر إلى الصورة. ثم تنظر إليه. ثم تنظر إلى الشيك في يديها. ثم تكرر ذلك ببلاهة وتهز رأسها بعدم تصديق. وكل ما صدر
عنها أنات اعتراض وقالت: "لا. أنت بتكذب. والله بتكذب. عشان خاطر ربنا بتكذب." كانت شهقاتها تمزقها. "أنت سليم حبيبي أنا. أنت اللي عايشة عشانه. أنت اللي قلبي هيموت وراه. أنت كل ما ليا. أنت اللي حياة موجودة بسببك. أنت أنت... " وتجهمت وظلت تهز رأسها وتئن وتهذي: "فلوس.. سليم مش سليم.. خطوبة.." كانت تشهق بشدة ويخرج الكلام بصعوبة وعيناها أصبحت كؤوسًا حمراء من البكاء. كان لا يلتفت إليها. يكمل لبس قميصه.
لتقترب منه وتقول: "لا مش حقيقي. مش حقيقي. مش ممكن تعمل فيا كده. أوعى تقول إنك عملت فيا كده؟ يعني إيه اللي أنت عملته ده؟ " كان وجعها في قلبها ثقيلًا على نفسها. وضعت يدها على صدرها ودموعها تنساب بشدة وتشهق. اقترب منها ويقول لها بفحيح شديد: "ليه؟ أنت فاكرة إن أنا ممكن أحب جربوعة زيك؟ متأجرة من شيطان مابيعرفش إلا الوساخة؟ واحدة جربوعة لا أهل ولا عيلة ولا ليها حد في الدنيا بتجيب الرجالة من الشوارع؟
لما تكوني فاكرة إنك ضحكتي عليا؟ لا يا ماما. أنا فضلت معاكي بمزاجي وأخذت مزاجي منك ورميتك. وأظن الفلوس دي ثمن ليلة قضيناها. أنا أصلًا مستكثرها. بس ما يهمش. هي كانت ليلة حلوة برضه. خدي خدي. ما تتكسفيش يا شيخة. هو أصلًا دا مقامك وهو ده اللي تستحقيه. ولا مش عاجبك الفلوس؟ فضحك بشدة وقال لها: "عادي. ممكن نبقى نكررها. وأديكي اللي فيه النصيب." اتجهت إليه تحاول أن تتلمسه لعلها تكون في خيالها.
ولكنه نهرها بشدة وقال: "يدك تتمد عليا؟ هقطعهالك." كان قد لبس قميصه وكاد يكمل غلقه. إلا أنه اقترب منها وقال: "آه صحيح. نسيت أقول لك حاجة مهمة." واقترب وهمس بصوت كالشياطين: "زي ما فرحتي أوي بجوازنا أنت وعاصم. فيه حاجة مهمة هتفرحه هو أكتر." فهمس بفحيح: "أنت طالق." واستدار ليكمل بقية ملابسه بجمود بعد أن أتم ذبحها بتفوق.
وفي تلك اللحظة ظلت تتراجع وتتراجع وهي في حالة من اللاوعي. إلى أن وصلت إلى طرف السرير ووقعت على الأرض ولم تحس بشيء. كانت تنظر إليه وبيدها الشيك. وكان كل كلامه يتردد في عقلها. وكلما سمعت كلامه تهز رأسها بجنون. وكان الألم أقصى ما يمكن أن تتحمله. كانت أصبحت في عالم آخر في دنيا أخرى. لم تعد تحس بشيء. كانت لم تعد تحس أنها موجودة. كان كل ما حولها أصبح لا وجود له. كانت غائبة تمامًا مع ذكرياتها معه ووعده لها أن يكون ظهرها. كانت تهيم بحبه لها وأحست أنها استيقظت في وسط كابوس. حبيبها مش حبيبها. واحد عجبته واحدة. وقضى معها ليلة بفلوس. كان كل ما تفعله تهز رأسها بهستيرية. يعني إيه مفيش سليم؟
مفيش روحي ونفسي؟ مفيش... وتستمر بهز رأسها والدموع تتساقط بهدوء. كانت قد بدأت تستكين وتنظر إلى الشيك في يديها. أما هو، فكان بين الحين والآخر ينظر إليها من المرآة. ليلاحظ أنها لا تتحرك وأصبحت ساكنة وعيناها تذرف الدموع من دون تعبير. قطب جبينه مستغربًا من فعلتها. فمثلها لابد سيكون سعيدًا بالمال حتى وإن كانت تطلب أكثر وتتوقع أكثر. إنها كانت ستكون زوجته. أو حتى تتبجح وتتطاول عليه.
أما تلك المتدمرة بالكامل، حالة من التوهان والانفصال عن الواقع التام. وفاق الألم احتمالها فسكنت. وإذ فجأة تأتي أمامها صورة جدتها وهي تبتسم لها. وظلت تغمض عينيها وتفتحها لتجد جدتها تفتح يديها إليها وتبتسم. وفي تلك اللحظة همست وقالت بحب وغلب شديد: "أنت أنت هنا يا تيته." كان كل ما يهمها أن ترمي في أحضان جدتها لتغيب عن هذا العالم. فهي لم تعد فيه من الأساس.
كان هو يغلق أزرار قميصه. ولكنه قطب جبينه عندما سمعها تردد استدعاءها لجدتها مستغربًا بشدة. ليستدير ببطء وتوجس. ليجد من ألهبت فؤاده في عالم آخر ودنيا أخرى. وعلى وجهها سكون الدنيا كله. وعلى فمها شبه ابتسامة رائعة تظهر نغرتيها الرائعتين. وتنادي جدتها وعيناها متسمرتان على مكان واحد كأنها تراها. والدموع تنساب دون أي تعابير على وجهها. فاستدارا وقال ساخرًا: "ما بلاش الحبتين دول. أظن إحنا فاهمين بعض كويس." وضحك بصوت عالٍ. ولكنها لم تسمعه أصلًا ولم تشعر به. ولم يصدر عنها أي إشارة أنها سمعته. كانت في عالمها تنادي على جدتها. فكانت تراها تفتح لها يديها. كانت حياة قد بدأت ترفع يديها لتمدها لتمسك يد جدتها.
وهنا شعر سليم ببعض القلق واقترب منها بهدوء شديد وجثا على ركبتيه وقال لها ساخرًا: "ما تتلمي في ليلتك دي بقى كفاية." أظن لو ما اتعدلتيش هاخذ الشيك من إيدك. فلم تحرك ساكنًا. وساعتها أخذ الشيك وهو يتفرس فيها قائلًا: "تبقى لا طولت الأرض ولا طولت السماء." وأخذ الشيك من يدها. فلم يصدر عنها أي إشارة. وكانت ما زالت تنادي جدتها وتبتسم وعلى وجهها بعض الهدوء ولانت ملامحها. وهنا أحس ببعض القلق والذعر عليها والخوف الشديد. فهي معشوقته بعد كل ذلك. ولكنه لا يعلم أهيا تمثل أم يوجد شيء بها. اقترب منها أكثر ومسك يديها الاثنين. وظل يهزها ويضغط
عليها ويقول ويصرخ بها: "بطلي بقى. أنت عايزة تجننيني." وهي على ما هي عليه. حالمة بهدوء شاخصة أمامها ناظرة إلى جدتها وتحاول أن تمد يدها إلى مكانها. فهي ترى جدتها تفتح لها ذراعيها. ولكنه في تلك الأثناء لم يتركها. وأحس بالرعب الشديد. فأراد أن يجعلها تتكلم. فإذا به يقوم بصفعها على وجهها. ولكنها لم تبدي أي إشارة. وظلت كما هي. ظل يصفعها على وجهها من الرعب عليها حتى سالت الدماء من فمها. وهي ما زالت كما هي تنادي جدتها وتبتسم بهدوء وتحاول أن ترفع يديها لتحتضن جدتها. كان يحركها يمينًا وشمالًا لعلها تصدر حركة. ولكن محال.
ليصرخ: "أنت عاملة كده ليه؟ حرام اللي بيجرالي ده. أنت هتموتيني. أنت مالك؟ " هنا أحس بالرعب وأن هناك شيئًا خاطئًا. وأحس بالذعر. ولم يعرف ماذا يفعل. فحبيبته يبدو أنها ترى أشباحًا ودموعها تنزل بهدوء وسكينة دون أي تفاعل منها. سكون وارتياح وهدوء تام. هنا تملكه الذعر. قام جاريًا يبحث عن شيء ليلبسه إياها فوق قميصها الحريري.
حملها ووضعها في عربته، وهي بنفس الحالة وابتسامتها الخفيفة الحالمه على وجهها. اتجه بها إلى مشفى صديقه، وقلبه ينهشه على حبيبته، فهي كانت تبدو في حالة غير طبيعية.
دخل حاملاً إياها وهي متدلية بين يديه، فاتحة عينيها. بدأ الطبيب يكشف عليها ليعرف ماذا بها ويحاول أن يفيقها، ولكن بلا جدوى. حياة لم تعد حياة، فهي تركت الحياة في هذه الدنيا. لقد انفصلت عن الواقع تمامًا ولم تعد تحس أو تعي أي شيء. كل ما كانت تراه هو جدتها وابتسامتها، وكان كل ما يصدر عنها كل حين وآخر ابتسامة خفيفة على وجهها، ولا يصدر عنها أي تعبير آخر. هنا خرج الطبيب إلى سليم الذي كان القلق ينهش قلبه، وقال له:
"الحالة تعرضت لصدمة شديدة أفقدتها وعيها وأصبحت منفصلة عن العالم، مكونة لنفسها عالم آخر لا نعرف متى ستعود منه. تعرضت لكم من الألم الذي لم تحتمله، والصدمة أثرت عليها. فكر عقلها لا إرادياً أن ينفصل عن هذا العالم لأن الألم لم يحتمله الجسم، ولا نعلم متى تستطيع أن تعود إلى ذلك العالم مرة أخرى." ظل سليم ينظر إليه بذهول قائلاً: "يعني إيه؟ أنت جاي وتقول إيه؟ أنا مراتي في دنيا تانية، يعني ده مش تمثيل؟ قال له صديقه:
"أنا مش عيل صغير، أنا دكتور كبير، وأظن أنت عارف أنا مين. المدام تعرضت لصدمة شديدة لم يتحملها الجسم أفقدتها القدرة على التعايش، فالألم كان لا يحتمل، فانفصلت بنفسها عن هذا الواقع لتدخل في عالم بالنسبة لها يسعدها، ولكننا لا نعرف ما هو. هناك الكثير من هذه الحالات ونحن لا نعلم متى ستعود وكيف ستعود. كل ما علينا أن نحاول أن نكون بجانبها وأن يكون بجانبها من يحبونها حتى يكون عندها هدف للرجوع للحياة."
ثم تركه وانصرف متصنماً، وفي عقله مئة ومئة سؤال. أحقاً كانت تتألم لهذه الدرجة؟ قطب جبينه: "معنى كده إنها... لا لا مش ممكن تكون بتحبني.. لا مش حقيقي.. يعني بتحبني فعلاً.. دانا أموت فيها.. آآآه يا قلبي". اتصل بصديقه حازم وطلب منهم أن يأتوا إليه، فهو على شفا الجنون، مستغرباً كيف تتألم كل هذا الألم لتصل إلى ما هي إليه، وكيف تكون مخادعة هكذا ولا تتحمل ثمن فعلتها، أم أنها لم تفعل شيئاً؟
كان سيجن، فهي أرادت المال وهو أعطاها المال بزيادة، فما الذي حدث؟ كان يدور حول نفسه كالمعتوه. وهنا أتى إليه حازم ليرى صديقه في حالة غريبة يرثى لها، مصعوقاً من منظره. كانت عيناه حمراوين، مشعث الشعر، وحالته شاحبة الوجه. اقترب منه قائلاً: "فيك إيه؟ مالك؟ إيه اللي حصل؟ أنت هنا ليه؟ وفين حياة؟ نزلت الدمعة من عينيه وقال: "حياة راحت خلاص.. حياة سابت الدنيا دي وراحت دنيا تانية." فنظر إليه حازم صارخاً في وجهه: "انت بتقول إيه؟
حياة ماتت؟ فرفع سليم رأسه ولم يعد يتحمل أكثر من ذلك، وأجش في البكاء: "حياة جوه شبه ميتة، لا هي عايشة ولا هي صاحية، عايشة في الدنيا اللي هي اختارتها." فهزه حازم وقال له: "فيه إيه؟ انطق قل لي عملت فيها إيه؟ إيه اللي حصل؟ ما تتكلم يا أخي." وهنا بدأ سليم يقص عليه كل شيء منذ أن بخت تلك الأفعى سمومها إليه، مروراً بما فعله بها حتى ما حدث لها في النهاية. ظل حازم ينظر إليه بعض الوقت وهو غير مصدق البشاعة التي فعلها بها صديقه،
فقال له: "انت عملت كده؟ كان مذهولاً. انت يا سليم.. مين دول أصلاً اللي كانوا بيتكلموا؟ وعرفت منين إنهم أصحابها؟ وعرفت منين إنهم عارفين عنكم كل حاجة. واتأكدت إزاي إنها تعرف عاصم؟ انت طول الوقت عمال تحكي لي عن الملاك، هو في ملاك بيقعد يمثل الفترة دي كلها؟ انت اتأكدت من اللي حصل؟ طب ما قلتلهاش ليه وصارحتها؟ واجهها حتى يا أخي لو كانت كده كنت سيبها وارميها. كنت رحت واجه أبوك.. حد يعمل في حد كده؟
لا انت مش سليم أخويا وصاحبي. مفيش بني آدم يعمل كده." كان سليم كأن على رأسه الطير: "طب افرض هي مظلومة وده اللي باين من اللي حصل، إن هي ما قدرتش تتحمل البشاعة اللي انت عملتها فيها، هتعمل إيه؟ أنا عن نفسي مش مصدق أي كلمة من اللي اتقالت." رفع سليم عينيه وهو يبكي من كلام صديقه: "دانا أموت ساعتها."
كان صديقه يتكلم معه وكل ما يتكلم كان قلبه يتمزق على فعلته البشعة، والذل الذي أذله لها. كان لا يفعل فعلته إلا المجرمون. لو كانت صادقة كما يقول حازم، فكيف سيعيش؟ كيف كسر قلبها؟ كيف فعل ذلك؟ وهنا اقترب منه حازم وقال له:
"انت لازم تفوق لنفسك وتتأكد من الكلام اللي انت بتقوله ده، مش أي حد يجي يقول لك كلمتين تقوم مصدقهم. أنا مش قادر أصدق، مش سليم الحديدي اللي أي حد يقدر بالسهولة دي يضحك عليه ويخليه يصدق أي كلام والسلام. روح يا سليم وتحقق بنفسك وشوف فعلاً الغلبانة اللي جوه دي، يا ترى هي وحشة ومتأجرة زي ما انت بتقول، وده أشُك فيه، ولا هي الملاك اللي ما قدرتش تستحمل اللي حصل لها فانفصلت عن الدنيا دي برغبتها، لأنها مقدرتش تستحمل الألم اللي انت عملته فيها."
ظل سليم محني الرأس، لا يعرف ماذا يقول ولا يعرف ماذا يفعل. فقرر أن يدخل على حبيبته ليراها، ليعرف ما هي الحالة التي وصلت إليها. دخل سليم ليجد زوجته، حبيبته، وروح قلبه، تجلس بهدوء تنظر إلى الفراغ، لا يوجد عليها أي تعبير. تركز عينيها في مكان واحد، وكل حين يأتِ على وجهها شبه ابتسامة، ثم تعود مرة أخرى إلى ما كانت عليه من الجمود وعدم الوعي. كان قد تذكر أنها كانت تنادي جدتها، اعتقد أنها الآن مع جدتها وتبتسم لها. فأحس بالوجع
في قلبه شديد. كانت لا حول لها ولا قوة. اقترب منها ومسد على شعرها وناداها، ولكن لم تستجب له. ثم اقترب وجلس بجوارها، هيا شاردة والدموع تنزل لا إرادياً، وتعابير وجهها حالمة. ليمد يده ليتلمس دموعها ببطء، متتبعاً تساقطهم حتى وصل لشفتيها وظل يلامسها، ولكنها في عالم آخر. وهنا خرج سريعاً وأجهش بالبكاء.
اقترب منه حازم وحضنه وقال:
"الأول انت أخويا وحبيبي ولازم تبقى قوي عشان اللي هي فيه مش سهل. انت آه سمعت كلام يوجعك، بس كان لازم تتحقق منه بأي طريقة. انت لازم تتحقق من الكلام ده يا سليم، شوف البنتين دول مين وهاتهم، انت تعرف كويس تقدر تخليهم يقولوا هي فعلاً الوحشة اللي انت عملت فيها كده، والا لأ. حتى لو كانت وحشة يا سليم، ما حدش أبداً يستحق اللي يتعمل فيه كده. ده ذبح بالبطيء. أتمنى يا صاحبي إنك تعرف توصل للحقيقة، لأنك بالشكل ده هتتجنن. أنا بصراحة
شاكك في الكلام اللي اتقال، وخصوصاً انت شايف حالتها لا حول لها ولا قوة. وكمان هنا مش لازم تعرف حاجة. مش هتسكت، قل لها أي حاجة، وقعت، اتخبطت، لأنها مش هتسيبك وأنت مش ناقص، وكمان عشان تساعدك في حالتها. أوعى يا سليم تنطق بالنصيبة اللي عملتها."
هنا خرج سليم من المشفى بسرعة والدموع تسيل من عينيه، وركب عربته. أيعقل أن تكون بريئة؟ كان لا يصدق أنه ذبح حبيبته وروح قلبه. ماذا لو كان هو الوحش الذي قتل الجميلة؟ كيف سيتعايش مع ذلك؟
أحس بهستيرية وظل يصرخ من الوجع. في تلك اللحظة تحول سليم إلى شخص آخر، يصرخ ويخبط حتى دمت يديه، وظل ينهج فترة من الجمود وتصلب وجهه. وهنا كانت حياته متوقفة على التحقق مما حدث، أن يعرف كل شيء. رفع تليفونه، اتصل بأحد حراسه وأخبرهم أن هناك فتاتين، وقال أوصافهم ومكان محلهم، وأنه يريدهم أن يأتوا بهم إليه ويذهبوا بهم إلى مخزن الشحن في المصنع من دون أن يدري أحد. ليبدأ سليم الحديدي أول خطوة في معرفة كم الطعنات التي وجهت لظهره،
ليستدير هو ويغرز أضعافها في قلب حبيبته. ليعرف أن سليم تحول إلى عاصم وانتزع قلب حبيبته نزعاً من مكانه، فأدماها وأردها هائمة في عالم ليس عالمنا. ليعرف ويدرك أنه بتربيته غير السوية صدق وفعل فعلته الشنعاء لتموت حبيبته حية. هنا توجه سليم وقد قرر أن ينتزع قلب من فعل به ذلك، وأن يعرف حقيقة تلك الأفعيين اللتين خططتا لنهش قلبه وقلب تلك المسكينة التي لم تعد في هذه الدنيا، مبتعدة عنها ببشاعتها وكم الغل الذي يبثه البشر لبعضهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!