في يوم جديد.. استيقظت نور، وأدت روتينها اليومي. ثم ذهبت باتجاه الفيلا، حتى ترى الجدة، فمنذ يومين لم تراها، حيث انهمكت في العمل كثيراً. دَلَفَت إلى الداخل فوجدت الجدة تشاهد التلفاز. فأردفت بمرح: "القمر اللي واحشني." الجدة بتمثيل العبوس: "لسه فاكرة؟ بقالك يومين متصبحيش عليا." جلست نور بجانبها وعانقتها بحنان، فتلك العجوز ساعدتها كثيراً وتعاملها كابنتها.
"كان لازم أثبت نفسي في الشغل، أومال يقولوا عليا إيه إني معايا واسطة." ضحكت الجدة بخفة ثم قالت: "طب وعاملة إيه بقا في الشغل؟ نور برضاء: "الحمد لله." الجدة ببسمة حنونة: "ربنا يديم الحمد يا حبيبتي. بصي بقا انتي هتقضي اليوم معايا النهاردة ونتغدا سوا." نور بضحكة: "وربنا على عيني بس سليم يطردني وهو أصلاً بيتلكك ليا." "عاملة زي القطط بتاكل وتنكر." نظرت لمصدر الصوت فوجدت سليم يتقدم منهم وجلس على الكرسي أمامهم.
الجدة بتضيق عينيها: "إنت مضايقها يا واد ولا إيه؟ سليم بصدمة مصطنعة: "أنا! دي مطلعة عيني ومطلعة عين كل واحد في المطعم، حتى الزباين."
نور ببرائة وتمثيل الحزن: "طب بصي يا ست كبارة انتي هشهِدك. هو قال هنعمل أكل مصري. قولتله فكرة حلوة وأنا بعرف في كل الأكل وشاطرة فيه. كنا بنعمل ملوخية وجيت أشهق على الطشة. كان كام شيف واقف معايا عشان يتعلموها. فلما شهقت، هما اتخضوا ورجعوا لورا فاتكعبلوا ووقعوا ووقعوا رخامة المطبخ والأطباق فوق دماغهم. أنا مالي بقا." نظرت لها الجدة بذهول: "ده كله بسبب الشهقة؟ أومأت لها نور ببرائة. فانفجرت الجدة في الضحك.
سليم بقلة حيلة: "لا وكمان بتبقى عايزة تاكل الزباين على مزاجها." نور بغيظ: "مهو اللي موقفني ساعة ومش عارف يختار، فإخترت ليه وخلاص." سليم وهو يضغط على شفتيه بغيظ: "إنتي شغالة في المطبخ مالك ومال الصالة." نور وهي تمط شفتيها: "وأنا اللي كنت عايزة أساعد." سليم وهو ينهض: "مستغنين عن مساعدتك دي. يلا سلام." نور سريعاً: "استنى خدني معاك." سليم بتعجب: "أخدك فين؟ النهاردة إجازة." نور بفرحة: "إيه ده بجد؟
أومأ لها سليم ببسمة، ثم رحل. نور بتسأل: "أومال فين أسر؟ تنهدت الجدة ثم صاحت بحنق: "في شغله، بقاله يومين ما بيدخلش البيت." لوت نور فمها وتمتمت بضيق: "أكيد سهران في الكبريهات." الجدة التي لم تسمعها بوضوح: "بتقولي إيه؟ تنهدت نور بقلة حيلة مردفة: "بقول ربنا يهديه ويبعده عن الطريق اللي ماشي فيه ده." نظرت لها الجدة بتركيز وهي تحاول أن تفهم مغزى حديثها. بينما نور أكملت وهي تعتدل في جلستها
بجانب الجدة مردفة بغمزة: "بقولك إيه ماتيجي نجيب من الآخر. وقوليلي بقا الحقيرة أمه خانت أنكل إزاي؟ حدديلي أنهي نوع من الخيانة. سرقت الشركات منه، ولا راحت مشيت مع صحابه ولا.... قاطعها الجدة بعدم فهم: "هي مين؟ زفرت نور بيأس ثم نطقت بسلاسة: "هيكون مين يعني الحرباية أم أسر." جحظت عيون الجدة بما تفوهت به تلك الحمقاء. أكملت نور سريعاً: "قوليلي عملت إيه الولية السو دي لأسورتي. خلته يكره جنس حواء وعايز ينتقم منهم كدا."
كانت الجدة تنظر لها بذهول وصدمة. فأردفت بتيه: "ناهد طول عمرها ست محترمة وفي حالها." نظرت لها نور بتضيق عينيها ثم أردفت سريعاً: "يبقى.. أبوه.. ابنك أكيد أكيد كان حرامي ومختلس كبير وسكران وييجي يقعد يضرب في طنط ناهد حماتي القمر ربنا يرحمها لحد ما ماتت في إيده. وكان أسر ياحبة عيني طفل صغير بريء ماسك اللعبة بتاعته ورا باب أوضته. وشاف أبوه الواطي بيعمل الجريمة دي في أمه."
أخذت الجدة تتلفت يميناً ويساراً، وعينها تدور بلا هوادة. ثم نظرت لـ نور وهي تشير لذاتها: "إنتي بتكلميني يابنتي والكلام ده على ابني؟ ضحكت نور بسخرية ثم أردفت بحدة مصطنعة: "أيوه أيوه أعملي إنه جالك الزهايمر بقا عشان تغطي على عملة ابنك. بعد ما انتحر؟ الجدة بصدمة: "ابني انتحر كمان؟ أومأت لها نور ببسمة واثقة وهي تضع قدم فوق الأخرى. الجدة بجنون وصياح: "إنتي مجنونة يابت إنتي؟ انتفضت نور بقلق من هيئة
الجدة فأردفت ببكاء مصطنع: "إهدي الله يخليكي. إنتي مش حمل العصبية دي لتروحي فيها. أنا كنت بساعد بس. يعني يرضيكي اللي داخل على الأربعين ده ومش متجوز لسه؟ الجدة بعيون جاحظة: "مين قالك إنه مش متجوز؟ ضيقت نور عينيها سريعاً ثم قالت ببسمة واسعة: "أهااا قولي كدا بقا.. مراته الحقيرة.. خانته وراحت أدت ورق الصفقة اللي هو حاطط كل فلوسه فيها للمنافس الحرامي اللي كان عايز يوقع أسر." وضعت الجدة
يديها على رأسها بتعب: "إنتي بتقولي إيه يابنتي. أي الهبل ده." نور بغيظ: "إيه برضو مفيش حاجة حصلت من ده برضو؟ نفت لها الجدة، وهي لا تكاد تفقه أي شيء من حديث تلك الماكثة بجانبها. مطت نور شفتيها بغيظ ثم أردفت بصوت خافت: "الجوازة طارت." الجدة برفع حاجب: "بتقولي إيه تاني يا بلوة." ابتسمت نور باتساع ثم اقتربت معانقة الجدة بحب صادق: "أنا كنت بهزر وربنا." ابتسمت الجدة بخفة ولكن مازال عقلها شارد في تلك الكلمات.
فأخذت نور تشرح لها عن الروايات التي تقرأها. أخذت تضحك الجدة بشدة. نور بضحكة: "أهدى انتي مش حمل الضحك ده." لم تستطع الجدة السيطرة على ضحكاتها، فشاركتها نور الضحك. "ماتضحكوني معاكم." انتبهوا لأسر الذي يتقدم منهم ويبدو أنها عائد من الخارج. فصمتت الجدة ثم أردفت بعتاب: "كدا يومين تقلقني عليك." تنهد بتعب: "سامحيني يا ديجا. شغالين في التحقيقات ومحدش بيروح بيته." الجدة بحنان: "ربنا يعينك يابني. طب اطلع ارتاح شوية."
أومأ لها ثم نهض وصعد لغرفته. نور بفضول: "تحقيقات إيه؟ ابتسمت الجدة بيأس على فضول تلك الفتاة: "أسر ظابط ياستي. وعنده مهمة مشتركة بين البلدين وجاي يحقق فيها هنا." نور بصدمة: "ريلي! يعني مش رجل أعمال." ضحكت الجدة بخفة، ثم نفت برأسها. نور وهي تنهض: "طب يلا بقا سلام." ضحكت الجدة بخفة على تلك الفتاة. *** مساءً. أسر بجدية: "إنتي مش شايفة البنت دي خدت علينا قوي." الجدة ببسمة: "نور." أومأ لها.
فأردفت بتعجب: "وماله البنت حتة سكرة." أسر بجدية: "مش واخده بالك من قرب سليم كمان منها الفترة دي." تنهدت الجدة بيأس من تفكير حفيدها: "ده أسبوع يا أسر." أسر: "والأيام مكملة والبنت دي مش من مستوانا وخلي بالك لحفيدك يحبها لأني مستحيل اسمح لحاجة زي كده تحصل." الجدة بصرامة: "أسر! إنت مبتديش أوامر. وبعدين دي حياة أخوك يعمل اللي هو عاوزه. وبعدين إنت بتقدر البلاء قبل وقوعه ليه."
أسر بضيق: "أنا قولت اللي عندي. متنسيش تراث عيلتنا." *** في اليوم التالي في المطعم. سليم بجنون: "يابنت المجنونة هتقفليلي المطعم." نور بسخط: "سلييييم ماتدخلش في شغلي لو سمحت." لطم خديه مثل النساء مردفاً بجنون: "شيلتي مينيو الأكل وعملتي كشري. كشري! كل اللي هييجي هناكله كشري. طب افرضي حد مش عايز كشري. أعمل إيه أقوله معنديش أكل." نور بقلق من حالة سليم: "طب اهدى كدا وصلي على النبي. صلى على النبي وقول هديت."
أغلق عينيه وأخذ يتمتم بخفوت. نور بغباء: "مهو محدش عايز ياكل الكشري بتاعي. إحنا بقا هنقدمه ليهم إجباري. فلما يدوقوه هيحبوه وهيطلبوه مني. ده الواد مايكل كان كل يوم بيجي ياخد مني." جلس سليم على أرضية المطبخ، وأردف ببسمة صفراء: "إتفضلي طلعي الأكل للناس. الناس باعتة الطلبات من ساعة. ولو حد طلب المدير قوليلهم مات... تحركت نور بحماس مردفة: "هتشوف." بعد دقائق. كانت تدخل نور المطبخ ووجدت سليم يجلس كما هو.
أردف سريعاً: "طلبوا البوليس ولا أطلبه أنا؟ ضحكت بشدة ثم أردفت بسعادة وهي تقفز مثل الأطفال: "حبوه! كلهم حبوه وشكروني عليه." ابتسم باتساع، وخاصة مع تلك الابتسامة الناعمة والسعادة الظاهرة على وجهها الطفولي. ولكن تحولت بسمته لصدمة، حينما أكملت: "وبالذات بقا لما عرفوا إن الأكل النهاردة مجاني." لطم خديه، وصاح بوله مثل النساء: "م مج إيه ياختي." قلقت من حالته، فأخذت تعود للخلف بظهرها.
بينما هو يتقدم منها وهو يضغط على شفتيه بغيظ. مردفاً من بين أسنانه: "لو المطعم باسم حضرتك عرفيني بس. بدل ما أنا زي الأطرش في الزفة." ابتسمت بغباء: "إيه يا سولي. مش بشوف شغلي وبطور من نفسي عشان أكون مميزة." سليم بغيظ: "وتطوير نفسك إيه دخل مطعمي."
عبست بحزن وعتاب مصطنع: "خلاص يا سليم يابن بلدي. هشتغل زي زي الغريب وبس. وأنا اللي فكرتك هتقولي المطعم مطعمك. وأنا يعني بعمل كدا ليه وعشان مين. مش عشانك وعشان المطعم يكون مشهور أكتر والناس تيجي عليه طول عمر." اختتمت حديثها وهي تمسح دمعة وهمية. نظر بتأثر وأردف بنبرة باكية وهو يمد يده بمنديل ورقي: "خلاص خلاص. إعملي اللي انتي عايزاه. متعيطيش." نور بخذلان مصطنع وهي تأخذ المنديل وتمسح حبيبات
العرق التي ملأت جبينها: "لا يا سليم بيه. أنا هلتزم بشغلي وبس." ثم تركته ورحلت. نظر لها بحزن ومط شفتيه: "هو أنا مدير قاسي زي بتاع الروايات كدا." بينما هي استمعت لكلماته، فانفجرت في الضحك. *** في اليوم التالي. في المطعم. دلف سليم إلى داخل المطبخ، فوجد نور منهمكة في صنع الطعام، فحمد ربه بأنها لم تقم بأي كارثة. تقدم منها، وهو ينوي مشاكساتها. "إيه ده مش معقول قاعدة هادية كدا إزاي. لا وكمان معاملتيش مصايب."
ابتلعت نور ريقها بخوف وهي تصب كامل تركيزها على صنع الطعام. سليم بتعجب: "إيه يا نور." نظرت له ببرائة: "إيه." سليم برفع حاجبه الأيسر: "مالك يابت مش من عادتك السكوت ده." ابتسمت له ببرائة مردفة: "أنا يا سليم. ده أنا نسمة ومابعملش أي حاجة خالص مالص." سليم بشك: "مش مطمن." ابتسمت له بتوتر. وفجأة سمعا صوت صياح الزبائن. ضغط سليم على شفتيه بغل وهو يصوب نظارته على تلك التي تدعي البرائة.
فقام بالقبض على ملابسها من الخلف مثل اللصوص، وجذبها أمامه وهو يردف بغيظ: "مانشوف هببتي إيه المرة دي." خرجا إلى الخارج، فوجد الكثير من الزبائن تصرخ بغضب. تقدم منهم سريعاً وتسأل عن الأمر، فاخبره أحدهم بأن الطعام مليء بالديدان وأنهم سوف يرفعون شكوى ضد هذا المطعم. التفت لها سريعاً مردفاً بغضب: "دود.. إزاي وليه؟ وإيه هو الأكل اللي حضرتك عملاه بالدود؟ أردفت ببرائة وبسمة سمجة: "مش جبنة قديمة في المش."
أغمض عينيه ووضع يده على رأسه. بالفعل سيصاب بأزمة قلبية حادة. نور بقلق: "سليم إنت تعبان ولا إيه؟ هما الناس معجبهمش الجبنة ولا إيه." "بص والله أنا كنت جايبة زلعتين لقيت واحدة فيها دود والتانية لأ. فمن غبائي اتلخبطت وحطيت من اللي فيها دود ودعيت ربنا كتير إن محدش ياخد باله." سليم ببسمة سمجة: "شكلك مكنتيش متوضية فالدعوة ما استجبتش. والناس هيبلغوا الشرطة." نور بشهقة وهي تنظر لهم: "بوليس ليه إن شاء الله؟
كان ماله المش بدودة طول عمرنا بناكله." صك على فكيه بغيظ: "وهما مالهم؟ وبعدين مين طلبه؟ وإزاي قدمتيه ليهم؟ خدتي رأي مين؟ أجانب في لندن هياكلوا جبنة بمش؟ كادت تتحدث إلا أن صيحات الغضب والتذمر علت. فقامت بدفع سليم لكي يتنحى جانبها. وأردفت وهي ترفع أكمام قمصانها: "فين الدود اللي عايزين تجيبوله البوليس." "اهو." قالتها وهي تتناول لقمة منه وأخذت تتناول الكثير والكثير. ثم أردفت لـ
سليم لكي يترجم: "قولهم أنا أهو كلت منه. ومش هيحصلي حاجة. ولو حصلي حاجة يجوا وأنا بنفسي هبلغ الشرطة." ترجم سليم تلك الكلمات، مضيفاً بأن تلك أكلة مصرية شهيرة. كان الجميع مصعوقاً منها، وأخذوا ينظرون بتعجب لها. من تلك الكمية الكبيرة التي أكلتها. فوافق الجميع على هذا الاقتراح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!