الفصل 10 | من 61 فصل

رواية بحر العشق المالح الفصل العاشر 10 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
18
كلمة
3,359
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 16%
حجم الخط: 18

قبل العشاء بوقت قليل بالمزرعة دخل عواد إلى غرفة النوم، نظر نحو الفراش للحظة، تعجب من نوم صابرين على الفراش فهي منذ أن أتوا إلى تلك المزرعة تنام فوق تلك الأريكة التي بالغرفة.

اقترب من الفراش كي يشاغبها، فالوضع بينهما منذ ليلة زواجهم لا يتعدى أكثر القُبلات، وبعدها يحدث شيء يُنهي اللحظة أو تعود صابرين لجمودها بين يديه، وهو لا يريد أن يفرض نفسه عليها، أو بمعنى أصح لن يسمح لها أن تتلاعب به كما رأى غيرها تفعل ذلك سابقًا كي يلهث خلفها طالبًا الوصال، هو لن يجعل امرأة تتحكم بمشاعره.

لكن بالفعل تفاجأ أن صابرين غارقة بالنوم في هذا الوقت المبكر من أول الليل، مد يده وكاد يتلمس وجه صابرين الهادئ البريء، رغم لذاعة لسانها وطبيعتها المستفزة لكن الآن وهي نائمة عكس ذلك، ملامحها بسيطة وبريئة. زفر عواد نفسه، أخبره قلبه ربما لو تقابلت معها قبل ما حدث لكان هنالك شعور آخر غزا قلبك من ناحيتها. لكن سريعًا نهر عقله قلبه لائمًا

يحذره: أفق لا تكُن آبله مثل الذين سبقوك ووقعوا بفخ براءة النساء ليسقطوا بعد ذلك بداومة العشق المالح. ابتعد عواد عن صابرين وذهب نحو الدولاب وقام بأخذ معطف ثقيل وغادر الغرفة بهدوء. *** بعد وقت قليل تمطأت صابرين بيديها تنفض عنها النوم ونظرت نحو ذلك الشباك الذي بالغرفة يظهر الظلام بوضوح، نهضت جالسة على الفراش. الدنيا ضلمة، جذبت هاتفها من جوارها ونظرت به حتى تعلم ما الوقت، تفاجأت تحدث نفسها: أنا نمت طول الوقت ده كله إزاي؟

معرفش نمت أصلًا إزاي، آخر حاجة فكراها بعد الغدا لما طلعت لهنا وكنت سقعانة، أكيد بسبب السرير ده جسمي ارتاح من نوم الكنبة وقال يعوض قلة نوم الأيام اللي فاتت... أما أقوم لو فضلت عالسرير ده هنام تاني وعواد ممكن يفكر إني بتقرب منه. بالفعل نهضت صابرين هندمت ملابسها ونزلت إلى أسفل الاستراحة. دخلت إلى المطبخ، وقفت لها تلك الخادمة قائلة: مساء الخير يا دكتورة، تحبي أحضرلك العشا قبل ما أمشي؟

ردت صابرين بتثاؤب: مساء النور يا فردوس، معرفش النوم أخدني من بعد الغدا حتى فاتتني صلاة العصر والمغرب، أصليهم قضا بقى مع العشا، تمام حضري العشا وشوفي حد ينادي على عواد. ردت فردوس: نوم الهنا والعافية يا دكتورة، المهندس عواد مش في المزرعة خرج من بعد المغرب بشوية ومعاه السواق. تساءلت صابرين بتعجب: وخد معاه السواق ليه ومقالش رايح فين؟ ردت فردوس: لأ، تحبي أحضرلك العشا.

ردت صابرين: لأ خلاص أنا مش جعانة، عاوزة تمشي امشي أنا لما أجوع هبقى أحضر لنفسي، بس بتقولي عواد خد السواق معاه، مين اللي هيوصلك دلوقتي؟ ردت فردوس: في سواق تاني هنا في المزرعة. ردت صابرين: تمام مع السلامة، تصبحي على خير. ردت فردوس: وأنتِ من أهله يا دكتورة. غادرت فردوس وتركت صابرين وحدها بالاستراحة. ذهبت توضأت وأدت فروضها الفائتة قضاءً، ثم جلست وفتحت الهاتف على أحد وسائل الاتصال.

تبسمت حين رأت رسالة مبعوثة قبل وقت سابق عليها من فادية. قامت بإرسال رد عليها. كان فادية كانت تنتظر الرد، قامت بإرسال رسالة عتاب: على ما افتكرتِ تردي. ردت صابرين ببسمة: والله معرفش إيه اللي جرالي من بعد الغدا نمت مصحيتش غير من يجي ساعة. ضحكت فادية قائلة: نومك عالكنبة بعيد عن عواد بيتعبك ولا إيه، خلاكِ نمتِ من غير ما تحسي.

تبسمت صابرين قائلة: لا والله أنا بعد الغدا كنت سقعانة، قولت عواد مشي راح يكمل شُغله، قولت أمدد جسمي شوية عالسرير، نوم الكنبة ده صعب قوي، يظهر لما حسيت بالدفى عالسرير نمت. ضحكت فادية وأرسلت لها: وإيه يغصبك على نوم الكنبة، متنامي عالسرير جنب عواد هو هياكلك. ردت صابرين: الحقير زي ما يكون ما صدق إني نمت عالكنبة ومطنش وبتمتع عالسرير لوحده، وأنا يومين كمان من نوم الكنبة هيطلعلي آتب. ضحكت فادية بينما سبقت

صابرين في إرسال رسالة: وأنتِ أخبارك إيه مع الحيزبون حماتك والنطع ابنها، وسحر معرفش ليه من يوم ما شوفتها مرتحتلهاش لله في لله ويشاء القدر تبقى مرات عم المختال جوزي بس هو شكله كمان مش بيرتاح ليها ولا لمرات عمه ولا حتى مامته، حاسه بوجود فجوة كبيرة بينهم قليل، أو بالأصح نادر لما بيرد على اتصالها بس بصراحة بتتصل عليّ كده على استحياء يظهر مغشوشة ومفكرة إننا عرسان بجد، متعرفش إن ابنها طول اليوم مبشوفوش وشه غير عالأكل أو النوم حتى من شويه بسأل فردوس عليه قالتلي أنه مش في المزرعة.

ضحكت فادية وأرسلت: آه عشان كده بقى تلاقيكي نايمة عالسرير تتمتعي براحتك. ردت صابرين: بقولك سيبك من الكلام على عواد قوليلى أخبارك إيه؟ شعرت فادية بغصة في قلبها وكذبت: أنا كويسة الحمد لله. شعرت صابرين بالأسى من رسالة فادية، وقالت لها: وابن أمه أخباره إيه؟

كادت ترد فادية، لكن تحدث وفيق النائم الذي دخل إلى الغرفة بحُنق قائلًا: يعني سيبتيني أنا وماما قاعدين تحت عشان تيجي هنا تبعتي رسايل وتهزري عالموبايل، بتكلمي مين والبسمة واكلة وشك، البسمة اللي مبشوفهاش على وشك وأنتِ بتكلميني. شعرت فادية بالأسى وقالت له: دي صابرين. قالت فادية هذا وأرسلت رسالة لصابرين أنها ستحدثها بوقت آخر ثم أغلقت الهاتف ووضعته على طاولة جوار الفراش.

زفر وفيق نفسه بغضب قائلًا: يا دي صابرين اللي شاغلة عقلك عالدوام، لو واحدة تانية مكانك كانت بعد اللي عملته خافت على نفسها وقطعت علاقتها بها، بس أقول إيه عجبك الدور اللي بتمثليه. نهضت فادية قائلة: دور إيه اللي بمثله؟ وكمان صابرين أختي عملت إيه عشان أقطع علاقتي بها؟ صابرين أظهرت براءتها وأظن سحر أختك قالت لمامتك إن صابرين كانت بنت بنوت لحد يوم جوازها من عواد.

تهكم وفيق بسخرية قائلًا: بنت بنوت وماله مش موضوعنا، والدور اللي بتمثليه ده لازم يخلص؟ رغم شعور فادية بالألم لكن قالت له: قولي إيه الدور اللي مضايقك مني قوي كده؟ رد وفيق: دور الأمومة اللي مفكرة إنك زي مامت هيثم وصابرين مش أختهم الكبيرة. ردت فادية بتأكيد: أنا فعلًا بحس بكده أنهم مش بس أخواتي لأ، زي ولادي كمان، زي أنت كده ما بتقول دايمًا ولاد سحر مش ولاد أختي دول ولادي.

صدمها وفيق بحقارة قائلًا: ما هو لو عندي ولاد من صُلبي مكنتش قولت على ولاد غيري ولادي. شعرت فادية بمرارة قائلة: أنت عارف إني حاولت أكتر من مرة وربنا... قاطعها وفيق قائلًا: ربنا قال خذوا بالأسباب، وأنتِ مع الوقت استسلمتِ ووقفتِ العلاج وده أثر عليكِ غير كمان العمر أنتِ خلاص كلها أيام وتكملي خمسة وتلاتين سنة. فاق رد وفيق عن الحد، تألمت فادية وقالت بخفوت: قصدك إيه يا وفيق؟ أنت نويت خلاص تسمع لكلام مامتك اللي بتلمح له؟

صمت وفيق كان الجواب. لكن قالت فادية التي حاولت استجماع شجاعتها رغم مرارة ما تشعر به: وماله، بس وقتها هيبقي ليّ رد فعل تاني مش هيعجبك يا وفيق؟ اقترب وفيق من فادية وأمسكها من عضدي يديها قائلًا: أنتِ بتهدديني يا فادية؟ حاولت فادية نفض يدي وفيق عنها لكن فشلت بسبب تمسكه بها بقوة، تدمعت عينيها.

شعر وفيق بغصة في قلبه لديه حرب طاحنة بين قلبه وعقله، قلبه يريد فادية، عقله يريد السماع إلى حديث والدته لابد أن يكون لديه أطفال يرثون ما يشقى في تكوينه. نحى عقله الآن وامتثل لقلبه يقُبل فادية يريدها فقط. بينما فادية برغم المُّر الذي تشعر به ليس عليها الآن سوى الاستسلام لتلك الموجة العالية تنتظر الغرق بأي وقت. *** بأحد النوادي الليلية (كباريه) بالإسكندرية.

كان فاروق يجلس يحتسي بعض المشروبات الروحية يعتقد أنها تساعده على نسيان من أضاعها بضعفه، لكن كان العكس هو ما يشعر به بعقله الذي يفور وهو يفكر بحديث فادية تلك الليلة، هو فعلًا كان جبان وأضاعهما الاثنين حين استسلم وأنهى قصة حب أخذت من عمرهم خمس سنوات، أحلام وأمنيات تدمرت حين استسلم ولم يقاوم.

وامتثل لاختيار والده له شريكة حياته التي رآها مناسبة دون أن يسأله إن كان بحياته أخرى يهواها، لكن ليس والده المخطئ، هو المخطئ الوحيد آنذاك بصمته وامتثاله لقرار غيره، فادية بعدها لم تنتظر وتزوجت بآخر يشاء القدر أن يكون صهره، لتظل أمام عينيه طول الوقت يتعذب حين يرى بسمتها لوفيق، لكن لأول مرة يتمعن بعينيها رأى هزيمة وانكسار، لماذا قالت له أنها خالية الوفاض ماذا تقصد بذلك؟

فجأة أتى لخياله حديث سحر حول عدم قدرة فادية في الإنجاب وفرصتها التي تقل مع الوقت، سخر ضاحكًا هو لديه ثلاث أطفال رغم لا يشعر بالسعادة. فاق فاروق من تلك الدوامة على يد توضع على كتفه، رفع رأسه ينظر لصاحب اليد هو يعرف من، ضحك متهكمًا: عواد، إيه اللي جابك الليلة لهنا؟ غريبة ليه سيبت العروسة في المزرعة لوحدها... مين اللي قالك إني جيت لهنا؟ إيه زارع جواسيس بينقلوا لك تحركاتي. جلس عواد جوار عمه، قائلًا:

"فعلاً، فيه اللي بينقل لي تحركاتك بس مش جاسوس يا عمي، قوم معايا وكفاية سكر لحد كده." مسك فاروق ذاك الكأس وقرّبه من فمه وكاد يرتشفه، لكن عواد أمسك الكأس قبل أن يصل إلى شفتيه. تضايق فاروق لكن قال: "هنقوم نروح فين، خلينا دي الرقاصة هتطلع تتلوى عالبيست دلوقتي." وضع عواد الكأس على الطاولة ونهض واقفًا يجذب فاروق قائلًا: "كفاية، قوم معايا يا عمي، خلينا نرجع للمزرعة قبل نص الليل." ضحك فاروق يقول:

"ما لازم نرجع للمزرعة مش العروسة هناك وطبعًا ما تقدرش تبات بعيد عن حضنها ليلة... فاجأ فاروق عواد بقوله: "إنت بتحب صابرين من إمتى؟ تفاجأ عواد ساخرًا كيف فكر عمه أنه تزوج بصابرين لأنه يحبها. لكن قبل الرد أتت إحدى الراقصات تتدلل بميوعة وارتمت بجسدها على عواد الذي تراجع للخلف، لكن كان عطر الراقصة الفواح ترك أثر رائحة عالقة بثيابه، كذلك قبلتها التي حاولت أن تطبعها على عنقه لكن طبعتها على كف يده، لتترك أثر ذلك الطلاء.

ضحك فهمي قائلًا: "أنا بقول بلاش نرجع عالمزرعة لأحسن الدكتورة تزعل منك وتنيمك في الطل." ابتعد عواد عن الراقصة وجذب عمه بقوة كي ينهض قائلًا بضيق: "قوم معايا يا عمي، مش عارف إيه حكايتك كل فترة والتانية إنك تيجي للمكان المقزز ده." نهض فاروق معه يسير بمطوحة: "باجي هنا عشان أنسى إني كنت جبان وضيعتها من إيديا بسكوتي." تساءل عواد باستفسار: "ومين دي بقى؟ رد فاروق باستعلام: "بتسأل على مين؟ أنا مش فاكر حاجة."

تنهد عواد بغضب، في ذلك الوقت كانا قد أصبحا أمام السيارة، ساعد عواد فاروق على الصعود للسيارة، وصعد لجواره، وقال للسائق: "روح بينا عالمزرعة." نظر عواد لفاروق الذي سرعان ما ذهب بغفوة يتنهد بسأم. يتمنى أن يعرف من التي يقصدها، ولما ينعت نفسه بالجبان، دخل إليه اقتناع أن العشق يهزم همم الرجال حين تسلم نفسها له، وهذا هو البرهان الثاني لذلك، البرهان الأول كان والده. بعد وقت منتصف الليل تقريبًا.

كانت صابرين نائمة على الفراش تشعر بالضجر وهي تقوم بالتنقل بين القنوات التليفزيونية تارة وتعبث على الهاتف تارة أخرى، أرجعت سبب ذلك الضجر إلى نومها باليوم لفترة طويلة، لكن شعرت بجوع فقالت لنفسها: "واضح كده إن عواد مش راجع الليلة، الله أعلم هو راح فين، خلاص قربنا ع الساعة واحدة بالليل، أما أقوم أنزل آكل لقمة خفيفة تسد جوعي، وأشرب كوباية شاي بنعناع تضيع الزهق اللي أنا فيه ده."

بالفعل نهضت صابرين وقامت بارتداء مئزر نسائي ثقيل وطويل فوق منامتها، كذلك وضعت طرحة فوق رأسها لفتها بطريقة عشوائية من أجل تدفئتها، وهبطت إلى أسفل. بنفس الوقت دخل السائق بالسيارة إلى المزرعة. ترجل عواد من السيارة أولًا ثم مد يده لفاروق قائلًا: "يلا انزل يا عمي، وصلنا للمزرعة." فتح فاروق عينيه وقال بسكر: "جبتنا المزرعة ليه؟ مش كنا روحنا الفيلا في إسكندرية؟ ولا مش قادر تبعد ليلة عن العروسة؟ تنهد عواد قائلًا:

"مش وقت كلامك الفارغ، انزل خلينا ندخل للاستراحة بسرعة، الجو برد جدًا." تمسك فاروق بيد عواد وترجل من السيارة لكن حين وضع قدميه على الأرض كاد أن يتعرقل، فسنده عواد سريعًا، في نفس اللحظة قامت بعض كلاب المزرعة بالعواء. قال فاروق: "هي الكلاب بتعوي ليه؟ شافت شيطان؟ تبسم عواد قائلًا: "لأ، يمكن بتعوي جعانة، خلينا أسندك لحد ما ندخل للاستراحة وأعمل لك كوباية قهوة تفوقك شوية."

بينما بداخل المطبخ فجأة سمعت صابرين صوت نباح الكلاب، ارتجفت أوصالها وسقط من يدها تلك الملعقة التي كانت تقلب بها الطعام. قائلة: "هي الكلاب دي بتعوي كده ليه؟ ليكون حد فتح لها الباب وسابت، أو ممكن يكون عواد مشي وسابني لوحدي بالمزرعة وأمر حد من العمال يسيب عليّ الكلاب تاكلني." هكذا فكرت صابرين بسذاجة منها، حتى أنها تجمدت مكانها بالمطبخ وانخضت حين دخل عواد إلى المطبخ، وصرخت قائلة بسذاجة: "إنت اللي سيبت الكلاب عشان تاكلني!

رغم مزاج عواد السيئ لكن ضحك على وجه صابرين المخضوض قائلًا: "كنت أتمنى بس أكيد الكلاب اتعشوا بغيرك، خليكي إنت لعشوة بكرة بقى." لا تعرف صابرين لما شعرت بالأمان لكن قالت بحدة: "هزارك سخيف." ضحك عواد قائلًا: "مين اللي قال لك إني بهزر؟

قبل أن ترد صابرين بلاذعة دخل فاروق إلى المطبخ يتمطوح، وقع بصره على صابرين للحظات، غشيت عيناه ورأى صورة فادية بها، وكاد ينطق باسمها، لكن كاد يسقط لولا إسناد عواد له، أغمض عينيه يريد نفض تلك الغشاوة عن عينيه. بينما تنهد عواد بسأم وأجلس فاروق على أحد المقاعد بالمطبخ. نظرت له صابرين قائلة: "ماله عمك؟ بيتمطوح كده ليه؟ رد عواد: "مفيش." ثم اقترب من مكان وقوف صابرين قائلًا بتوعد:

"إيه اللي نزلك لهنا في وقت زي ده وكمان بالبيجامة؟ تهكمت صابرين قائلة: "والله ما اتعشيت ولقيت نفسي جعانة، أنام جعانة؟ اللي أعرفه وسبق وقلته لي إن عيلة زهران خيرهم كتير وبيوتهم عمرانة." نظر عواد لها بغيظ يود أن تذهب، يشعر بالضيق من رؤية فاروق لها بذلك المنظر، حقًا ترتدي زي فضفاض وكذلك حجاب على رأسها بطريقة فوضوية لكن بالنهاية لا يريد أن يراها أحد بمنامة وردية. كاد عواد أن يأمرها أن تغادر المطبخ

لكن حديث فاروق الذي قاله: "أقول لك سُك عالقهوة يا عواد، أنا هقوم أروح أنام وهصحى الصبح فايق ولا كأني شربت حاجة... يلا تصبحوا على خير." قال فاروق هذا وحاول النهوض لكن جلس مرة أخرى بسبب ثقل رأسه بسبب احتسائه لذلك الشراب المسكر. نظرت صابرين لعواد بتساؤل: "هو عمك ده سكران؟ سمع فاروق سؤال صابرين وجاوب: "أنا مش سكران، دول هما كم كأس بس اللي شربتهم في الكباريه... قال فاروق هذا ويبدو أن السكر جعله لا يشعر بماذا يقول حين قال:

"بس الرقاصة اللي قربت منك يا عواد دي كانت جامدة، ياريتك سيبتها تبوسك." علمت صابرين سبب مطوحة فاروق، كذلك أين كان عواد إلى هذا الوقت، تهكمت وهمست بصوت منخفض: "حلو، إنت تاخد عمك وتروحوا الكباريه، هو يسكر وإنت تبوس الرقاصة." ضحك عواد الذي سمعها. ليس عواد فقط الذي سمع همسها، بل فاروق سمعها، وقال وهو شبه غفلان: "لأ، مش عواد هو اللي كان بيبوس الرقاصة، دي الرقاصة هي اللي باسته، بس هو بعد عنها." امتعضت صابرين

ولوت شفتيها بسخرية قائلة: "لأ عيب عليه كده، يكسر بخاطرها." حاول عواد كتم ضحكته وقال بتتويه: "بقول لك إيه اللي نزلك للمطبخ بالبيجامة؟ اتفضلي اطلعي لأوضتك غيري البيجامة دي وانزلي تاني." تهكمت صابرين ووضعت بعض الأطباق على صينية صغيرة، وأخذتها وغادرت قائلة: "مالوش لازمة أنزل تاني، خلاص خدت الأكل اللي حضرته لنفسي، هطلع آكل في الأوضة حتى آكل بنفس بعيد عنك يا بتاع الرقاصة وعن عمك السكران."

رغم غيظ عواد لكن هو يود أن تذهب من أمام فاروق، الذي هزى بعد خروج صابرين من المطبخ باسم إحداهن، لكن بسبب انشغال عقل عواد بصابرين لم يستطع تفسير الاسم الذي نطقه فاروق جيدًا، واقترب من عمه وساعده على النهوض وسحبه إلى الحوض الموجود بالمطبخ ووضع رأسه أسفل صنبور المياه الباردة مما جعل فاروق يشعر برجفة في جسده، وكاد يبتعد عن المياه لكن عواد ثبته قائلًا: "استحمل عشان تفوق يا عمي."

بالفعل بعد قليل وضع عواد كوب من القهوة الداكنة أمام عمه قائلًا: "القهوة أهي هتفوقك شوية." أمسك فاروق كوب القهوة وبدأ يحتسيه بتروٍ إلى أن أنهاه، نهض وهو يبتعد بنظره بعيد عن نظر عواد حتى لا يجيب على أسئلته المعتادة قائلًا: "أنا بردان بسبب المية بلت هدومي، لو فضلت شوية أكتر من كده هاخد دور برد، هطلع أغير هدومي وأنام، وأنت اطلع لمراتك." قال فاروق هذا ولم ينتظر وهرب من أمام عواد سريعًا يشعر بألم قوي برأسه وألم أقوى بقلبه.

تنهد عواد بسأم وهو يعلم أن عمه كالعادة هرب كي لا يجيب على سؤاله المعتاد: من التي يفعل ذلك بنفسه من أجلها. بعد قليل صعد عواد إلى غرفة النوم، وجد صابرين أنهت طعامها، نظرت له باشمئزاز دون حديث. بينما هو تجاهل وجودها وبدأ في خلع ثيابه ووضعها على أحد المقاعد بالغرفة وتوجه ناحية الفراش، نظر إلى عدم هندمة الفراش مبتسمًا لكن لديه صداع ليس بمود يستطيع مشاغبة صابرين به. تهكمت صابرين حين رأته يتمدد فوق الفراش وقالت بحنق:

"مش تاخد لك دش يفوقك على الأقل يضيع زفارة برفان الرقاصة من على جلدك." رغم إرهاق عواد لكن تبسم ونهض نائمًا على أحد جانبيه ينظر لصابرين قائلًا: "فعلاً برفان الرقاصة ريحته زفرة، المرة الجاية هبقى آخد لها إزازة برفان بعطر اللافندر، أنا بحب العطر ده قوي." نظرت له صابرين بضيق قائلة: "لأ أبقى خد لها ديتول أفضل." قالت صابرين هذا وتمددت على تلك الأريكة، وسحبت الغطاء عليها وأعطت لعواد ظهرها.

تبسم عواد واعتدل نائمًا على ظهره بالفراش يشعر بشعور لا يفهم له تفسير. بعد قليل شعر عواد بالضجر نهض من على الفراش واقترب من تلك الأريكة التي تنام عليها صابرين، نظر لوجهها كثيرًا قبل أن يحسم أمره. ومد يديه أسفل جسدها وحملها بين يديه. للحظة فتحت صابرين عينيها وتبسمت. تحدث عواد: "نامي يا صابرين." بالفعل أغمضت صابرين عينيها وبتلقائية وضعت رأسها على موضع قلب عواد الذي اهتز قبل أن يضع صابرين على الفراش ويسمع همسها.

حين تنهدت ببسمة بعد أن وضعها عواد على الفراش قائلة بهمس: "بابا." هي تعتقد أن من حملها هو والداها ووضعها على الفراش كما كان يفعل معها وهي صغيرة حين كانت تنام وهي جالسة تذاكر ليلة الامتحان ويدثرها بالغطاء.

بينما عواد شعر بغصة، هي اعتقدت أن من يحملها هو والداها، لديه شعور أن صابرين تفتقد لوالداها رغم وجوده، لديه يقين أنه سبب تلك الفجوة التي بين صابرين وأبيها، للحظات شعر بالندم حين أدخل صابرين في دائرة ذلك الانتقام، لكن شعر بألم في ساقيه فعاد لجموده فما فعله كان رد على ما حدث بالماضي حين فقد والده وظل هو قعيد وحيد يواجه الموت من أجل أن يقف على ساقيه مرة أخرى. سطعت شمس شتوية دافئة قليلًا. بمنزل جمال التهامي. صباحًا.

فتح فادي عيناه على رؤية تلك الفتاة التي تداعب وجنتيه بزهره قائلة: "اصحى بقى يا "دودي"! نهض جالسًا على الفراش قائلًا بتهكم: "دودي؟! "ألف مرة قلت لك بكره الاسم ده يا "نهى"، وبعدين إيه اللي دخلك أوضتي؟ سبق وقلت لك إن ده عيب تدخلي أوضة شاب وهو نايم." تحدث من خلف نهى آخر قائلًا: فيها إيه عيب؟ أنت ابن خال نهى، وهي بتدلع عليك. نظر فادي نحو الصوت باستهزاء وأعاد قوله: بتدلع عليا. رد عليه قائلًا:

اصحى يلا يا ابن أختي، دي نهى صاحية من قبل الفجر مستنية النهار يطلع عشان تيجي تصحيك وتسلم عليك. رد فادي: صحيت، صباح الخير يا خالي. رد الخال قائلًا: صباح النور، يلا يا نهى قومي روحي لعمتك حضري معاها فطور مميز لفادي على ما يغير هدومه. نهضت نهى مبتسمة تقول: حاضر يا بابا، هروح أساعد عمتي. ذهبت نهى بينما اقترب الخال من فادي وقام بحضنه قائلًا:

حمد لله على السلامة يا فادي، قلقنا عليك إمبارح لما الطيارة اتأخرت في الوصول، بالأخص نهى حتى جاءت عليها نومة وزعلت لما صحيت قبل الفجر كنت أنت نمت وبالعافية سمعت كلام سامية إنها تسيبك نايم للصبح، هي بتحب عمتها سامية قوي، هي اللي مربياها. تبسم فادي بتهكم بين نفسه وسبق قبل حديث خاله: عارف، هقوم آخد دش أفوق عشان نفطر من إيد نهى.

بعد قليل على طاولة الفطور، جلس فادي مع والديه وكذلك خاله وتلك الفتاة التي يستسخفها، لكن يرسم بسمة مجاملة لها. انتهى الفطور وظلت نهى مع سامية لترتيب السفرة رغم أنها تريد قضاء وقت أكثر مع فادي، لكن لا بد أن تحصل على مساندة سامية بأن تظهر أنها ظل لها. بينما جلس فادي مع جمال وخاله الذي قال له:

عرفت من سامية إنك خلاص ناويت تستقر هنا في مصر، أحسن شيء عملته، بصراحة بعد المرحوم مصطفى سامية وجمال لازمة ونس معاهم هنا في البيت، ربنا ينتقم منها اللي كانت السبب في موته، لأ وفي الآخر راحت اتجوزت اللي قتله. نظر جمال له قائلًا: خلاص يا "عادل" مالهوش لازمة الكلام في الموضوع ده، انتهى خلاص. رد عادل:

لأ ما انتهىش، بس أنت اللي استسلمت وقبلت صلح عواد اللي ظهر قدام البلد أنه شهم ومسامح في حقه بعد تعدي المرحوم مصطفى عليه في قلب بيته، والقضية اتأيدت دفاع عن النفس، أي دفاع وعواد هو اللي بدأ لما لعب بعقل صابرين وهي مكتوب كتابها على المرحوم وخلاها هربت معاه يوم فرحها، في الآخر الاتنين فازوا ببعض واللي خسر المرحوم اندفن شاب في التراب. نظر جمال لعادل قائلًا بحسم:

سبق وقلت الموضوع ده انتهى خلاص، عواد ركع قدامي وقدم كفنه قدام البلد كلها، وخلاص بكده انتهى الصراع. قال جمال هذا ونظر إلى فادي قائلًا: ما قلتليش هتستلم شغلك في مصنع إسكندرية امتى. رد فادي الذي يشعر بنيران تحرق صدره: أنا هسافر بكرة إسكندرية. تعجب جمال عادل الذي قال: بالسرعة دي ليه؟ أنت لسه واصل ليلة إمبارح. رد فادي بتبرير كاذب: عندي شوية أوراق لازم أخلصها قبل ما أستلم شغلي بالشركة. بينما همس فادي لنفسه:

عندي قصاص عاجل لازم أبدأ فيه وبنفس الطريقة هاخد القصاص لمصطفى وكل شيء قدامي مباح، الشرف بالشرف... "شرف مصطفى قصاد شرف عواد".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...