بالمزرعة استيقظ عواد يتمطى بيديه، نظر لتلك النائمة جواره، لمعت عيناه ونام على جانبه متكئًا برأسه فوق يده، ينظر إلى صابرين لا يعلم سببًا لتلك النظرات، هو فقط يريد أن يظل ينظر لوجهها. جاء إلى خاطره فكرة ماكرة، لِمَ لا يفعلها ويشاغب بها صابرين؟ بالفعل اعتدل في الفراش ومد يديه نحو منامة صابرين التي ترتديها وقام بفتح أزرارها، لكن تفاجأ أنها ترتدي كنزة ثقيلة أسفل تلك المنامة. همس لنفسه ساخرًا:
"أمال لو مش الاستراحة كلها فيها نظام تدفئة، كانت لبست الدولاب بقى." لاحظ بربشة أهداب صابرين، علم أنها بدأت تستيقظ. اعتدل نائمًا على جانبه ينظر ناحية وجهها. ما زالت صابرين بين الغفوة واليقظة، زفرت أنفاسها وجذبت غطاء الفراش عليها تتنهد بتكاسل، ما زال النعاس مسيطرًا عليها. تبسم عواد واقترب بوجهه أكثر من وجه صابرين وقام بزفر نفسه على وجهها.
شعرت صابرين بدفء أنفاس عواد على وجهها، فتحت عينيها تتنهد تحاول الاستيقاظ، لكن أغمضت عينيها مرة أخرى ما زالت تريد النوم. تبسم عواد حين أغمضت صابرين عينيها وزفر نفسه مرة أخرى على وجهها ثم اتكأ برأسه فوق يده ينظر لها بانتظار أن تصحو. بينما صابرين تجاهلت ذلك واستدارت تنام على جانبها تعطيه ظهرها دون شعور منها.
تبسم عواد وبمكر منه اقترب بجسده من صابرين ولف إحدى يديه فوق جسدها يضمها لجسده، ليس هذا فقط بل زفر نفسه على عنقها ثم قام بتقبيل جانب عنقها هامسًا: "صباح الخير يا حبيبتي." شعرت صابرين بقيد يده، وكذلك أنفاسه على عنقها وتلك القبلة، فتحت عينيها ومالت برأسها تنظر لوجه عواد. رأت تلك الابتسامة السمجة التي يرسمها على وجهه. حاولت الفكاك من قيد يده قائلة:
"إبعد إيدك عني، أنا نايمة عالكنبة وسايبة لك السرير تنام فيه لوحدك براحتك، مش بتقول بحب آخد حريتي على سريري." ضحك عواد قائلًا باستفزاز: "حبيبتي إنتِ اللي جيتي نمتي جنبي عالسرير وعشان أنا قلبي حنين مقدرتش أقولك لأ." ردت صابرين بسخرية: "قلبك حنين هتقولي؟ وبعدين أنا نايمة عالكنبة." ضحك عواد قائلًا: "فين الكنبة دي؟ يظهر إنك لسه نايمة، بصي جنبك الكنبة أهي هناك فاضية، أنتِ نايمة عالسرير وفي حضني." نظرت صابرين باتجاه الكنبة
اتسعت عينيها بذهول قائلة: "إزاي؟ أنا فاكرة إني بعد ما أكلت نمت عالكنبة." ضحك عواد ضحكته الاستفزازية قائلًا: "مكنتش أعرف إنك بتمشي وأنتِ نايمة، أنا كنت نعسان لقيتك فجأة جيتي نمتي جنبي عالسرير قولت وماله، بس بعدها لقيتك قولتلي خدني في حضنك يا حبيبي." استقامت صابرين كالملسوع وابتعدت عن عواد قائلة: "أنا عملت كده وكمان قولتلك حبيبي؟ مستحيل إنت كذاب." ضحك عواد وأكمل استفزاز لها: "حتى قولتيلى أنا سقعانة خدني في حضنك دفيني."
كم شعرت صابرين بمقت من تلك الابتسامة السمجة بنظرها وقالت بحنق: "متأكدة إنك كذاب." ما زالت تلك الضحكة هي رد فعل عواد على غيظ صابرين. التي نظرت له تعيد ذاكراتها حين شعرت أن أحدًا يحملها ويضعها فوق الفراش، بسبب غفوتها خيل لها عقلها أن من يحملها والداها، غص قلبها ولامت نفسها بصمت، بينما اقترب عواد منها مرة أخرى يريد مشاغبتها.
لكن صابرين انتبهت له ورجعت للخلف بجسدها ودون انتباه منها كادت تسقط من فوق الفراش، لولا جذبها عواد على جسده، وقام بلف يديه حولها. حاولت صابرين الفكاك من قيد يديه قائلة: "إبعد إيدك عني وبطل حركاتك دي، وكفاية استفزاز." حاولت صابرين التملص من بين يديه، لكن عواد استدار بهم على الفراش ليصبح هو من يعتليها، رغم محاولتها التملص من أسفله، لكن نظر عواد إلى ضمها لشفتيها بقوة وانحنى رأسه وقبلها على غفلة منها.
رفعت صابرين يديها وحاولت دفع عواد كي يبتعد عنها، لكن عواد أمسك إحدى يديها وثبتها على الفراش بيده، وظل يقبل صابرين التي للحظات ضعفت وكادت تمتثل لطوفانه، لكن فاقت سريعًا قائلة: "إبعد عني يا عواد كفاية... بينما عواد كان يود المزيد وما زال يحاول نيل ما يريده. لكن صابرين وضعت يدها على ظهر عواد فوق تلك العلامة التي بظهره وقالت باستفزاز: "العلامة دي مكان الرصاصة اللي عمي مروان أطلقها عليك يوم...
لم تكمل صابرين حديثها حين نهض عواد عنها كالملسوع وتبدل لون عينيه إلى اللون الأحمر الناري، وألقى غطاء الفراش بعنف ونهض من على الفراش بعصبية مفرطة قائلًا: "قومي انزلي حضري لي الفطور في الجنينة، نص ساعة ويكون جاهز." ردت صابرين: "أنا لسه عاوزة أكمل نوم، زمان فردوس وصلت، خليها تحضرلك الفطور في المكان اللي أنت عاوزه."
اقترب عواد من الفراش وقام بشد يد صابرين بقوة حتى أنها كادت تقع أرضًا، لكن هو مسك يدها الأخرى وثبتها تقف أمامه ونظر لعينيها متحديًا يقول بعصبية: "هاخد دش ولو ملقتش اللي قولت عليه اتنفذ، صدقيني وقتها رد فعلي مش هيعجبك وهعمل اللي عاوزه غصب ومش هيفرق معايا رفضك ولا لسانك الزالف."
قال عواد هذا وذهب إلى الحمام وعصف الباب بقوة ارتجفت لها صابرين، لكن في نفس الوقت شعرت بالغضب من نفسها لما قالت ذلك القول الأبله، كان من الممكن بجمودها المعتاد في الأيام السابقة أن يبتعد عنها عواد بعد أن يشعر بعدم استجابتها له كما كان يفعل ويتنحى عنها ويتركها، أيقنت قول صابرين عواد يكره أي شيء يذكره بذلك اليوم. فكرت صابرين لما حزنت حين رأت عين عواد التي تبدل لونها الصافي إلى لون الدم، لكن سرعان ما
نفضت عن رأسها ذلك وقالت: "لو فضلت أفكر هتجنن، أحسن حاجة أنزل أشوف فردوس زمانها وصلت وهي اللي تحضر له السفرة وبكده أبقى عملت اللي هو عاوزه بس على مزاجي." بينما بالحمام فتح عواد صنبور المياه الباردة تسيل على جسده ومع ذلك يشعر بحرارة قوية تغزو جسده. تلك الحمقاء دائمًا ما تسعى لاستفزازه وإخراج السيء به. بعد قليل
ذهب عواد إلى تلك المظلة الموجودة بحديقة المزرعة وجد سفرة الفطور وكانت صابرين تجلس على أحد المقاعد، وجوارها تقف فردوس التي نظرت لعواد قائلة: "صباح الخير يا بشمهندس، أنا حضرت لحضرتك إنت والدكتورة الفطور زي ما طلبته مني وقولتلي عاوزة أفطر تحت المظلة الجو النهارده الشمس دافية... تؤمرني بحاجة تانية؟ أومأ عواد رأسه بلا فانصرفت فردوس. جلس عواد على المقعد المقابل لصابرين ونظر لها قائلًا:
"أنا كنت طلبت إن إنتِ اللي تحضري لي الفطور ومطلبتش منك تشاركيني الفطور، ليه قاعدة على السفرة معايا؟ ردت صابرين باستفزاز وهي تضع إحدى لقيمات العيش بفمها: "والله سبق وقولت لي بيوت عيلة زهران عمرانه بالخير، أعتبرني ضيفة وجاتلك وقت الفطور، مش هتعزم عليها تقعد تاكل معاك، وطبعًا لما تشوف السفرة اللذيذة دي هتوافق وتقعد تاكل." أخفى عواد غيظه وقال:
"وماله، بس الضيفة هتاكل وفي الآخر هتشكرني إني سمحت لها تشاركني الفطور بذوق، لكن إنتِ اللي هتشيلي السفرة بعد ما نفطر." ردت صابرين: "لكل مقام مقال يا بشمهندس، دلوقتي خليني أستمتع بالفطور اللذيذ وسط الصباح الدافئ." بعد قليل انتهى عواد من الطعام، نظر نحو صابرين قائلًا: "شبعت يلا قومي شيلي الأطباق من على السفرة دخليها المطبخ." ردت صابرين ببرود: "بس أنا لسه مشبعتش."
رد عواد بعناد ونهض من مكانه ومسك يد صابرين قبل أن تصل لفمها وانحنى عليها قائلًا: "كملي أكلك في المطبخ بعد ما تشيلي الأطباق من هنا... لأني مش هبقى بعد كده مسؤول عن اللي هيحصل لما أسيب الكلاب، ومتفكريش هعمل زي المرة اللي فاتت وأحميكي منهم." رفعت صابرين رأسها تنظر لعين عواد ما زالت حمراء يبدو أنه ما زال غاضب، للحظة ارتعبت من أصوات تلك الكلاب التي سمعتها للتو، لكن أنقذها مجيء فردوس قائلة:
"سفرة دايمة يا بشمهندس، تحب أطبخلك نوع أكل معين عالغدا؟ استقام عواد وقال بمكر: "لأ، إنتِ ارتاحي يا فردوس، صابرين هي اللي هتطبخ النهارده، نفسي أدوق الأكل من إيدها أكيد هيبقى له طعم تاني، مش كده يا حبيبتي؟ نظرت صابرين لعين عواد المتحدية وقالت بتحدي: "للأسف يا حبيبي مش بعرف أطبخ كويس بس معنديش مانع أساعد فردوس وهي بتجهز الغدا حتى كمان هساعدها في شيل الأطباق وأدخلها للمطبخ."
بالفعل نهضت صابرين وأخذت طبقًا واحدًا وتوجهت نحو المطبخ ولم تعد مرة أخرى. بينما أخرج عواد سيجارة وأشعلها ونفث دخانها بغضب يود سحق تلك المستفزة التي تناوره بتحدي، تفعل ما يريده لكن بالحقيقة تفعله كما تريد هي، لكن لا بأس من إظهار بعض قوته، وهي ستخضع عاجلًا. ــــــــــــــــــــــــــــ بمنزل جمال التهامي نهض جمال واقفًا يقول: "همشي أنا بقى لازم أروح الوحدة الزراعية أباشر الموظفين." رد عادل:
"كنت خدلك يومين إجازة أقضيهم مع فادي هو مكنش واحشك ولا إيه؟ رد فادي بدلًا عن جمال: "وليه يعطل مصالح الناس؟ أنا خلاص مش مسافر تاني وبقينا قدام بعض طول الوقت... روح يا بابا للوحدة بلاش تعطل مصالح الفلاحين.. وأنا كمان هقوم أكمل نوم لحد الضهر." تبسم جمال لفادي قائلًا: "نوم العافية، أشوفك أما أرجع لينا قاعدة طويلة مع بعض." أومأ فادي له رأسه ببسمة. غادر جمال وظل عادل جالسًا للحظات قبل أن تأتي تلك الوصولية قائلة:
"أنا اللي عملت الكيكة دي إمبارح قبل ما توصل ومرضتش أخلي حد يدوقها قبلك، جبتها لك ومعها الشاي، يلا دوقها وقولي رأيك؟ أخفى عادل بسمته ونظر إلى سامية التي أتت خلف نهى قائلًا: "شوفتي يا سامية البنت مرضتش تأكلنا إمبارح من الكيكة وشايلاها كلها لفادي." ردت سامية: "آه إمبارح قولت لها هاتي أدوقها قالتلي محدش هيدوقها قبل ما فادي هو اللي يدوقها الأول ويقولي رأيه في كيكة الفراولة اللي عملتها مخصوص عشانه." تبسمت نهى قائلة:
"أنا طبقتها بالضبط زي ما عملتها في الكلية... وكل اللي داقها مدح فيها." رد فادي: "للأسف أنا مش بحب الفراولة وعندي حساسية منها، إنتي مش عارفة كده يا ماما؟ اللي كان بيحب الفراولة وكيكة الفراولة مصطفى الله يرحمه وكنتي بتحججي بيا ومبتعملهاش له عشان أنا متعبش بعد ما أكل منها." شعرت نهى بالحرج وجلست سامية تبكي وهي تتذكر فقيدها، بينما قال عادل بلوم: "ليه كده يا فادي إحنا بنحاول ننسي سامية وجع قلبها وإنت بتفكرها بيه."
ردت سامية ببكاء شديد: "أنا منستش وجع على مصطفى للحظة يا عادل، كفاية إن اللي كانوا السبب في موته اتهنوا ببعض من بعد هو ما اندفن في التراب." شعر فادي بحرقة قلب قوية، بينما نهض عادل ومد يده لسامية قائلًا: تعالي معايا يا سامية كفاية دموع، فادي لسه جاي من الغربة بلاش توجعي قلبه أكتر من كده. نهضت سامية مع عادل بطاعة، عادل الذي غمز بعينيه لابنته وفهمت مغزى تلك الغمزة، أن تظل تحاول الإيقاع بفادي.
أخذ عادل سامية ودخلا إليها، نظر لها قائلًا بلوم: جرى إيه يا سامية، أنتِ ماكنتيش عارفة إن فادي مش بيحب الفراولة، كده تحرجي نهى معاه، وكمان حكاية بكاكِ دي كل ما تيجي سيرة مصطفى لازم تقللي شوية حتى عشان خاطر فادي ما تخليهوش يحس بالحزن أكتر من كده. ردت سامية ببكاء حار:
نسيت إن فادي ما كانش بيحب الفراولة وعنده حساسية منها، مصطفى هو اللي كان بيحب الفراولة وأنا قليل لما كنت بأجيبها كنت بأخاف فادي يقلد مصطفى ويأكل منها ويتعب بعدها... وأنا مستحيل قلبي ينسى الوجع على مصطفى. نظر عادل لها قائلًا: هأقول لك على حاجة ومتأكد إنها هتبرد نار قلبك على مصطفى.
بينما بخارج الغرفة ظلت نهى جالسة مع فادي الذي مع الوقت يشعر بزيادة حرقة قلبه التي ازدادت توهجًا منذ أن عاد ليلة أمس لهنا، بينما نهى نهضت من مكان جلوسها وجلست جوار فادي وبجرأة منها وضعت يدها فوق فخذ فادي قائلة: يلا احكي لي على ألمانيا. نظر فادي ليد نهى الموضوعة على فخذه باشمئزاز ونفور وقام بوضع يده فوقها وسحبها بعيدًا عنه قائلًا: عايزة تعرفي إيه عن ألمانيا؟
ردت نهى: عايزة أعرف مثلًا الفرق بين بنات ألمانيا، هما الأجمل والأمهر ولا إحنا المصريات. رد فادي: ما أعرفش الفرق، لأني ما كانش ليا تعامل مع بنات هناك خارج شغلي، بس مش شايف فرق كبير في المهارة. قال فادي هذا ثم نهض قائلًا: أنا ما نمتش كويس وحاسس بصداع هأدخل أنام شوية لحد أذان الظهر. نهضت نهى خلفه وبجرأة وضعت يديها فوق جبهة فادي حاولت تدليكها قائلة: خليني أدلك رأسك وبعدها هتحسي براحة والصداع هيختفي.
أبعد فادي يدها عنه بقوة قائلًا: مالوش لازمة، قلت هأنام شوية هأصحى كويس... عن إذنك. في تلك اللحظة خرج عادل وخلفه سامية التي تغيرت ملامح وجهها وزال عنه العبوس والكدر كأنها تبدلت بأخرى حين قالت: واقفين كده ليه؟ ردت نهى: فادي قال لي عنده صداع وقلت له أدلك رأسك والصداع هيخف ما رضاش. اقتربت سامية بلهفة قائلة: في هنا كذا نوع علاج للصداع الدكتور واصفهم لي من يوم وفاة المرحوم مصطفى وأنا الصداع ما بيفارقش دماغي.
نظر لها فادي متعجبًا من رد فعلها فلو أخرى غيرها كانت لامت تلك الفتاة على جرأتها، لكن يبدو له أنها لا تهتم بذلك وقال: لأ مش محتاج علاج، ده صداع بسيط من قلة النوم، هأدخل أنام ووقت صلاة الظهر ابقي صحيني. قال فادي هذا وغادر إلى غرفته. بينما نظر عادل بلوم لسامية قائلًا: ما فيش فايدة قلت لك حاولي تقللي سيرة مصطفى قدام فادي، فادي ممكن يطفش.
ردت نهى بنفس الشيء قائلة: فعلًا كلام بابا صح، اللي لاحظته إن فادي بيتضايق قوي لما بتيجي سيرة مصطفى قدامه. نظرت سامية لهم وأومأت رأسها بموافقة.
بينما دخل فادي إلى غرفته ألقى بجسده فوق الفراش يشعر بألم بصدره عاد إلى ذكرياته مزاحه وشجاره مع مصطفى وذكريات أخرى شعر بغضب عارم يغزو قلبه مع الوقت يزداد، كان يظن أن هذا الغضب بسبب بعده عن هنا وأنه عاش الحزن وحده بعيدًا عن هنا اعتقد أن هذا سينقص حين يعود لكن بالعكس الغضب والألم يزداد.
نهض من على الفراش وخلع قميصه العلوي وظل نصف عارٍ بالبنطال فقط، وأتى بتلك الأوزان الرياضية الصغيرة الحجم والثقيلة الوزن وبدأ بحملها بين يديه يحاول السيطرة على غضبه يخرج طاقته السلبية بالتمارين الرياضية القاسية، لكن هيهات. ظل كذلك لوقت طويل لم يشعر به إلا حين دخلت إلى الغرفة نهى دون استئذان وقفت تنظر لجسده الرياضي المتصبب عرقًا، لم تحِد بصرها عنه. لكن هو تضايق بشدة قائلًا
بتعنيف وتعسف: سبق وقلت لك ممنوع تدخلي أوضتي بدون استئذان مني وواقفة كده ليه اتفضلي اخرجي عشان أنا عاوز أكمل بقية التمرين. رغم تمعن نهى بجسد فادي ولم تشعر بالحرج لكن قالت: أنت كنت قايل لعمتي إنها تصحيك على أذان الظهر وهي قالت لي أدخل أصحيك وأنا كنت مفكرة إنك نايم... على العموم أنا جيت أقول لك الظهر خلاص هيأذن على المئذنة. رد فادي بعصبية: تمام متشكر اتفضلي أنتِ أنا صاحي مش نايم.
خرجت نهى من الغرفة وأغلقت خلفها الباب وقفت على جانب الباب تعض شفتيها باشتهاء وإثارة، يزداد بداخلها رغبة الحصول على فادي، وستسعى لذلك بكل الطرق والطريق ممهد أمامها عمتها مرحبة بذلك. بينما زفر فادي نفسه بقوة يشعر بالنفور من تلك الجريئة التي تفرض نفسها عليه تتعلق بأمل كاذب فهو لديه قصاص مع أخرى يود أن يأخذه أولًا وقبل أي شيء.. آن الأوان أن يبدأ. بعد قليل
بعد أن أدى فادي صلاة الظهر بأحد جوامع البلدة والتقى ببعض المعارف وقضى معهم بعض الوقت سار مغادرًا يعود للمنزل، لكن في أثناء سيره مر على تلك الأرض وقف قريبًا منها، يتذكر قول زوجة عمه "صبرية" التي أخبرته بعد وفاة مصطفى أن تلك الأرض هي السبب في موته وأن صابرين لا دخل لها بمقتله حتى عواد نفسه كان في حالة دفاع عن النفس... للحظات تضاربت الأقوال في عقل فادي، بين حديث صبرية ولوعة حديث والداته عن مصطفى، عقله يغلي بل يفور.
لكن حسم الأمر في عقله تلك السيارة التي توقفت بالقرب منه ورأى فتاة تنزل منها كانت مثل الملاك وهي تقف أمام تلك الطفلة تطمئن عليها بعد أن سقطت أمام سيارتها لولا فرملة السائق لكان دهسها، رأى تعاملها مع تلك الفتاة بلين وبرفق مع أن الطفلة هي من أخطأت بالركض أمام السيارة. حتى أنها أخرجت من حقيبتها قطع حلوى وأعطتها لتلك الطفلة التي ركضت سريعًا كأنها عثرت على كنز، بينما عادت الفتاة إلى السيارة مرة أخرى وقاد السائق بهدوء...
لحظات مرت عليه وهو واقف يتأمل الموقف لا ليس الموقف بل تلك الفتاة التي لم ترفع رأسها وتنظر أمامها لكانت رأت وقوفه ينظر لها.. ظل شاردًا لوقت لم يشعر إلا حين شعر بأيدٍ توضع على كتفه من الخلف نظر خلفه شعر بنفور لكن تبسم قائلًا: خالي. رد عادل عليه: أيوه خالك إيه بأُنادي عليك وإنت واقف سرحان في إيه؟ ومش سامعني. رد فادي: مش سرحان ولا حاجة، بس أنت جاي منين ما شفتكش في الجامع.
رد عادل: أنا وصلت للجامع بعد نهاية الصلاة وصليت لوحدي وخلصت وكنت راجع عشان آخذ نهى، بس أنت إيه اللي موقفك هنا. رد فادي باستخبار: العربية دي بتاعت مين؟ نظر عادل نحو تلك السيارة وقال: دي عربية من بتوع عيلة زهران واللي فيها تقريبًا دي بنت فهمي وتبقى أخت عواد زهران. تفاجأ فادي يهمس لنفسه: الجميلة الرقيقة دي تبقى أخت عواد! بعد الظهر بفناء المزرعة
سمع فاروق عواد وهو يطلب من أحد عماله أن يذهب إلى استراحة المزرعة ويخبر زوجته أن تذهب إليه. ذهب إلى مكان وقوف عواد الذي يقف بيده بندقية صيد يرفعها يركز في النشان وقف جواره. تبسم عواد يقول: أخيرًا صحيت يا عمي، أنا قلت مش هتصحى غير على المغرب. رد فاروق الذي يشعر بصداع: فعلًا عندي صداع وكنت بأفكر أكمل نوم، بس سمعت طلقات البندقية قلت أجي أشوف سببها إيه؟ رد عواد وهو
يركز في حركة تلك الطيور: ده غراب بقاله مدة كده بيجي يقف وينعق عنها وصوته نذير شؤم. همس فاروق لنفسه: والله ما نذير شؤم غير بنت التهامية اللي دخلت لبيت زهران. همس فاروق بذلك ونظر إلى عواد قائلًا: بأُنصح: أنا مش مطمن لبنت التهامية اللي أنت اتجوزتها، ما كانش لازم تتجوزها، خايف تكون جبت حية في سريرك تلدغك من غير ما تحس. ضحك عواد باستمتاع وثقة قائلًا: حتى لو كانت حية آخرها تدفي سريري، اطمن يا عمي.
رد عليه: بلاش ثقتك الزايدة دي تنسيك إنك خطفتها ليلة عرسها وقتلت ابن عمها اللي كان هيبقى جوزها. رد عواد بغضب: قلت لك اطمن يا عمي، ومتخافش أنا كسرت كل أجنحة عيلة "التهامي" سويتهم بالحريم، مش هتيجي حرمة منهم وتعصى عليّ ولو هي زي ما بتقول عليها حية، أنا "رفاعي" وقبل ما تفكر تلدغني هأكون نازع سمها. كان سيعارضه، لكن قطع عليه عواد الحديث بطلقة خرجت من سلاح الصيد الخاص به. ثم نادى على أحد عمال المزرعة الذي لبى نداءه سريعًا،
قال له: شيل جثة الغراب ده وادفنها في أي مكان مش عاوز باقي زمايله تنعق حوالين المزرعة... وفين الدكتورة ما جتش للمزرعة ليه، مش قلت لك تبعت لها حد للدار يديها خبر تيجي لهنا. حمل العامل جثة الغراب قائلًا: بعثت لها زي ما حضرتك أمرت. أشار له بأصبعه أن يغادر. بينما كاد عمه أن يتحدث، قاطعه هو: سيبني دلوقتي يا عمي واطمن، لو بنت التهامية حية، أنا معايا الترياق اللي هيقتلها هي قبلي.
سخر فاروق بينه وبين نفسه على حديث عواد عن أن معه الترياق، واهم فما يراه أن عواد ينجرف نحو صابرين ووقتها لن ينفعه الترياق الذي يتحدث عنه، فالعشق سم لم يعثر أحد على ترياق له. بينما بداخل الاستراحة بالمطبخ كانت صابرين تجلس مع تلك الخادمة تتسامر معها وتساعدها في طهي بعض الأطعمة. إلى أن تنحنح أحد العمال ودخل إلى المطبخ وقال باحترام: الباشمهندس عواد أمرني أقول لحضرتك أنه بيستناك في المزرعة وعاوزك ضروري.
ردت صابرين: فين في المزرعة. أجاب العامل عليها وأخبرها بمكان عواد. ردت عليه قائلة: تمام هأغسل يدي وأروح له المكان ده. أومأ لها العامل ثم انصرف باحترام. نهضت صابرين وتوجهت إلى الحوض وغسلت يديها قائلة: هنقعد مع بعض تاني. تبسمت فردوس قائلة: والله أنتِ بنت حلال وتستاهلي كل الطيب من أول مرة شفتك لما المهندس عواد جابك لهنا وأنا قلبي انشرح لك. تبسمت صابرين قائلة: قصدك لما خطفني؟ يلا نتكلم بعدين هأروح أشوف عواد عاوز إيه؟
ذهبت صابرين إلى ذلك المكان الذي أخبرها عليه العامل أن عواد ينتظرها به. وقفت فجأة تشعر برجفة بسبب صوت تلك الطلقة النارية. تبسم عواد بزهو وتحدث وهو يعطيها ظهره قائلًا: متخافيش يا دكتورة ده طلق مطاطي ودي كانت وليفة غراب اصطادته من شوية كانت بتنعق عليه وما حرمتهاش منه خليتها تحصله. نظرت إلى تلك الجثة الملقاة قريبة من مكان وقوفه، وفهمت فحوى حديثه وقالت بجسارة: قصدك قتلتها هي كمان. أدار وجهه لها يضحك قائلًا:
هو اللي كان بينعق حوالين مزرعتي، ومش بيقولوا صوت الغراب نذير شؤم. نظرت له بجمود قائلة: خير، العامل قال لي إنك منتظرني هنا. عاوزني في إيه؟ اقترب منها بخطوات بطيئة يتمعن في وجهها من خلف تلك النظارة الشمسية التي يضعها تخفي عينيه. تعلم أنه ينظر لها من خلف نظارته، لكن أظهرت اللامبالاة.
حين اقترب منها جذبها من خصرها للسير معه عكس جسدها، إلى أن أصبح خلفها جدار بالمزرعة. خلع نظارته الشمسية، وتأمل وجهها الغاضب وقبل أن تتحدث، كان ينقض على شفتيها بقبلات قوية، يسحب أنفاسها التي كادت أن تنقطع. ترك شفتيها للحظات كي تستنشق بعض الهواء، لكن لم تستنشق من الهواء ما يكفي قبل أن يعاود تقبيلها يسحب ليس فقط أنفاسها بل روحها التي كادت أن يزهقها لولا سماعه لأحد عمال المزرعة الذي قال بعفوية:
الغدا جاهز في المضيفة زي ما حضرتك أمرت يا عواد بيه. ترك شفتيها، وتحدث بهمس يسب العامل بسب نابٍ. لكن قال له بغضب: إيه جابك هنا دلوقتي؟ يلا غور. بينما هي تنفست بقوة تسترجع الشعور بنسمة الحياة التي كادت أن تغادرها. كان ينظر بزهو لها وهي تستنشق أنفاسها بتسارع. هدأت أنفاسها قليلًا، رفعت وجهها تنظر له بتحدٍ، ونفضت ذراعيه اللذين يحيطان بجسدها، بقوة قائلة بضيق:
قبل ما تسب العامل، كنت فكر إنك في مكان مفتوح وإن أي حد كان ممكن يشوف قباحتك دي. ضحك بهستيريا كي يزيد في غضبها، ثم جذبها من خصرها قويًا تلتحم بصدره ينظر لها باستهوان، رغم أنه يرى بعينيها التحدي الذي يعلم أنها لن تتخلى عنه بسهولة، أو ربما لا تتخلى عنه أبدًا. فهما الاثنان يسبحان ضد الأمواج في بحر مالح. نفضت يده عنها قائلة: بلاش حركاتك الوقحة دي، أنت عارف إننا في مكان مفتوح والعمال في المكان، عاوز توصلهم إيه؟
إنك قادر تسيطر عليا بعد ما سيبتك ومشيت قدامهم الصبح... عاوز تظهر إنك الآمر والمسيطر. ضحك عواد بهستيريا قائلًا: أنا مش محتاج أثبت أي حاجة لأي حد لأني فعلًا الآمر والمسيطر، ودلوقتي أنا جعان خلينا نروح نتغدى... يلا يا حبيبتي عارف إنك ساعدتي فردوس في الطبيخ عاوز أدوق طعم طبيخك اللذيذ. قال عواد هذا وجذب صابرين للسير معه دون إرادة منها، لكن امتثلت له وهي تتوعد له فيما بعد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بمنزل الشردي على طاولة الغداء جلست كل من ماجدة وسحر وأولادها، التي كانت تخدم عليهن فادية وتعطيهن ما يردن من الطعام، كانت تفعل ذلك طواعية منها كحب منها للأطفال. بينما سخرت سحر من هدوء وتعاطف فادية في التعامل مع الأطفال وقالت: مش عارفة ليه يا ماما معظم اللي مش بيخلفوا بيحبوا الأطفال ويبقى عندهم طول بال. ردت ماجدة: الحرمان...
الحرمان بيخليهم عندهم طول بال مجربوش دوشة عيالهم طول الوقت. شعرت فادية بغبطة في قلبها تعلم أنهم يقومون بالتلقيح عليها، فصمتت وجعلت أنها لم تنتبه لحديثهن مما أغاظهن أكثر، فقالت سحر: بقول لـ فاروق عاوزة أبطل وسيلة منع الحمل يمكن ربنا يكرمنا بولد كمان يبقى سند لأخوه، قال لي صحتك يا حبيبتي أهم. ردت ماجدة: وإيه اللي هيتعب صحتك في الحمل؟
الحمد لله الثلاث مرات اللي حملت فيهم كان حملك بيكمل بخير وسلام وربنا بيجبرك في الآخر بالسلامة... دورك على اللي الحمل مش بيكمل شهرين ونص في بطنها. ما زالت فادية تدعي أنها لا تنتبه لحديثهن تحاول تمالك نفسها حتى لا تضعف أمامهن، وتدعي الانشغال بتلبية طلبات الصغار... مما زاد في غيظهن. لكن تحدثت ماجدة بتعسف: فادية بطلي دلع في العيال وانتبهي شوية لكلامنا وشاركينا برأيك. نظرت لها فادية تدعي عدم الانتباه قائلة:
كلام إيه اللي عاوزاني أشارككم فيه معلش كنت مشغولة مع العيال ومخدتش بالي. نظرت سحر وماجدة لبعضهن بغيظ وقالت سحر: فاروق خايف عليا أحبل وأخلف لرابع مرة بيقولي صحتك عندي غالية قوي. شعرت فادية بنغزة قوية في قلبها لكن ردت بثبات: أكيد أنت غالية عند فاروق وهو خايف عليكي طبعًا، بس إيه سبب خوفه ده؟ ردت سحر: بيقولي أنت كملتي الخمسة وثلاثين سنة والحمل والولادة بعد العمر ده بيبقوا تعب وإرهاق على الستات. ردت ماجدة:
فعلًا فاروق في دي عنده حق. شعرت فادية بفحوى حديثهن وتجرعت الغصة في قلبها وقالت: مش شرط في ستات كتير بتخلف وهي معدية الخمسة وأربعين سنة. ردت ماجدة بسخرية وتسرع: إيه وإحنا لسه هنستنى لحد الخمسة وأربعين سنة. ادعت فادية عدم الفهم وقالت: مش فاهمة قصدك إيه؟ ردت سحر:
بصي يا فادية كده من الآخر أنت فرصك في الخلفه مع الوقت بتقل والمفروض ترضي بالآمر الواقع، وأنت اللي تطلبي من وفيق إنه يتجوز واحدة تانية عشان ربنا يكرمه ويكون له ذرية من صلبه، وأنت برضه تعيشي معاه مش هيأثر عليكي حاجة. نظرت فادية لـ سحر ليس بصدمة هي توقعت منها ذلك لثوانٍ ثم نهضت واقفة تقول:
أنا سبق وقلت لـ وفيق ردي، وأعتقد هو مبيخبيش عليكم سر بيني وبينه، وإن مكنش قالوا لكم وأشك في كده إبقوا اسألوه على ردي عليه، أنا شبعت، اهتمي أنت بأولادك، سفرة دايمة. قالت فادية هذا وغادرت تكبت دموع عينيها بينما لوت ماجدة شفتيها قائلة: معرفش عاملة لأخوك إيه زي ما يكون سحراه، بس أنا مش هسكت أكتر من كده، عاوزة أشوف أولاده قبل ما أموت بخسرتي. وافقت سحر والداتها في الحديث، لكن في نفس اللحظة تشاجر أطفالها شعرت
بالغيظ ونظرت لهن قائلة: هو معرفش أرتاح من خناقتكم مع بعض بس يلا قوموا اغسلوا إيديكم والعبوا في الجنينة. تحدث أحد الأطفال: بس إحنا لسه جعانين. ردت ماجدة بتعسف: زي ما قالت لكم يلا قوموا العبوا في الجنينة وريحوا دماغنا شوية. نهض الأطفال وقال أحدهم: والله طنط فادية أحن منكم أنتم الاثنين وخالوا وفيق محظوظ بيها. سخرت ماجدة قائلة: حظ إيه يلا غوروا على الجنينة. بعد مرور خمسة أيام بالإسكندرية صباحًا بمكان قريب من فيلا زهران
كان يجلس فادي على تلك الدراجة النارية متربصًا ينتظر منذ أكثر من ثلاثة أيام ينتظر فرصة تسنح له لتنفيذ مخططه، لكن يبدو أن الحظ معه اليوم والفرصة أتت. رأى خروج غيداء من الفيلا تسير على قدميها وحدها. إذن تلك هي الفرصة لابد من استغلالها الآن. بالفعل أدار الدراجة النارية وقادها سريعًا يتوجه نحو سير غيداء بسرعة عالية حتى أنه كاد أن يصدمها لولا أن تجنبت منه على الطريق آخر لحظة، قبل الاصطدام.
لكن اختل توازنها وسقطت أرضًا، أوقف فادي الدراجة النارية بعد خطوات من مكان وقوع غيداء سمعت غيداء صوت عجلات الدراجة القوية أثناء فرملة فادي كادت أسنانها أن تصتك بسبب ذلك الصوت. أما فادي ترجل سريعًا يدعي الخوف حين اقترب من مكان جلوسها أرضًا قائلًا باعتذار: متأسف جدًا مقدرتش أسيطر على سرعة الموتوسيكل أنت بخير؟
رفعت غيداء وجهها تنظر إلى فادي رأت أمامها رجل عريض الجسد، لكن سرعان ما رفع فادي عن رأسه تلك الخوذة لترى ملامح وجهه التي تبدو من الوهلة الأولى قاسية عكس لهفته واعتذاره بهذه الطريقة المهذبة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!