الفصل 20 | من 61 فصل

رواية بحر العشق المالح الفصل العشرون 20 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
17
كلمة
4,462
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

خرج من الحمام يشعر بنار تشتعل مكان جرحه القديم. لو كان ترك نفسه لشيطانه لما كان ترك صابرين قبل أن يغرقها معه بدوامة قاتمة وعاتية، بعدها لن تكون هنالك فرصة أخرى للنجاة من تلك الدوامة. ذهب نحو دولاب الملابس وجذب بنطالًا ارتداه سريعًا، ثم جذب قميصًا وأخذ كنزة من الصوف وخرج من الغرفة يكمل ارتداء ثيابه، تاركًا الغرفة قبل أن تخرج صابرين من الحمام؛ هو لا يريد مواجهتها الآن أو بالأصح غير قادر، يكفيه ما يشعر به من ألم جسدي.

ذهب نحو سيارته وصعد إليها، لكن قبلها نادى أحد العمال قائلًا: "ممنوع تسمح للدكتور تتجول في المزرعة، غير كمان ممنوع تخرج من المزرعة." أومأ له العامل بامتثال لأمره. بينما قاد عواد السيارة سريعًا مغادرًا المزرعة. .... بينما بالحمام، شعرت صابرين بإنهاك. أوصدت سيل تلك المياه، ثم لم تعد قادرة على الوقوف، تركت لساقيها الانهيار وجلست أرضًا. رغم شعور صابرين بألم بظهرها من دفع عواد لها، لكن بداخلها تشعر بضياع. لما فعل عواد هذا؟

لما لم يكمل ما كان يفعله؟ ربما وقتها كانت أنهت هذا الزواج الذي أصبحت مع الوقت تشعر أنها تضعف أكثر. لامت نفسها لما قذفت بنفسها بين تلك أمواج عواد العالية، كيف اعتقدت أنها تستطيع النجاة وليس لديها مجداف ربما كانت تستطيع من خلاله الصمود أمام تلك الأمواج. جاء لخاطرها قول عواد أنها يومًا تشفت بألمه وتمنت له الموت. متى كان هذا؟ هي لا تذكر شيئًا كهذا.

وضعت يديها على جبهتها تفركها بأنامِلها قويًا، تشعر بتبرجل يعتصر رأسها علها تتذكر شيئًا، لكن لا شيء يأتي لخيالها سوى صورة شخص واحد تريد يده أن تجذبها من بين هذه الأمواج التي تغرق بها. يد والداها تنتشلها من هذا الضياع، لكن لا داعي لتمني شيء لن يحدث. فجأة شعرت بالبرد، مسدت بيديها على كتفيها ثم نهضت بإنهاك. وخلعت عن جسدها تلك المنشفة المبتلة وارتدت مئزر وخرجت من الحمام.

جالت عينيها بالغرفة، ضلفة الدولاب مغلقة بعشوائية شبه مفتوحة، وباب الغرفة مغلق وعواد ليس بالغرفة. شعرت براحة قليلًا، "من الجيد أنه غادر الغرفة، آخر ما توده الآن مجادلته، أو حتى رؤية وجهه." وذهبت نحو الدولاب، لم تجد ثيابًا لها، احتارت قليلًا قبل أن تحسم أمرها وجذبت أحد الأطقم المنزلية من ملابس عواد، نظرت له قائلة: "كويس لقيت عنده طقم يناسبني. بدأت أرتديه

إلى أن انتهيت قائلة: صحيح الجزء اللي فوق ضيق شوية، أهو أسيب الزراير اللي فوق مفتوحين، والبنطلون طويل حبة صغيرين أتنيه مش مشكلة وهيبقى مناسب عليا وهلبس عليهم الروب، بس كده في مشكلة، أنا معنديش هنا هدوم غير الطقم اللي كان عليا وزمانه مبلول غير متلوث بدم الكلبة، مفيش غير حل واحد أغسله في الغسالة هيطلع مش ناشف أوي، ساعة بالكتير وينشف، بعدها أبقى ألبسه تاني وأمشي من هنا قبل المختال ما يرجع تاني." مساءً بمنزل الشردي

بغرفة الصالون. دخلت ناهد تحمل كؤوس عصائر مختلفة. أول من قدمت لها العصير كانت ماجدة. التي تبسمت معجبة بفعلة ناهد وأن وقالت: "مش تقدمي العصير الأول للضيوف." ردت سحر: "خالي ومرات خالي مش ضيوف يا ماما، دول البيت بيتهم، ناهد خلاص بقت مرات وفيق أخويا." ردت ماجدة: "طول عمر أخويا ومراته وباب بيتي مفتوح ليهم زي بيتهم بالظبط، بس بقول الواجب كانت ناهد قدمت لهم العصير الأول." رد والد ناهد:

"طول عمرك يا ماجدة فاتحة بيتك ليا، وبعدين ناهد خلاص بقت بنتك والبنت لازم تكون طوع أمها وهي اللي توجهها... المثل بيقول (كل دار ولها مدار) ناهد مطيعة وطول عمرها بتعزك، عوديها على طبعك." تبسمت ماجدة تشعر بانشراح وقالت: "ناهد طول عمرها كانت زي سحر عندي، وكان نفسي فيها من الأول، بس النصيب وقتها حكم، يلا الحمد لله ربنا له تدابير محدش يعرفها أهي في الآخر ناهد بقت من نصيب وفيق، ربنا يجعل منها عمار البيت."

ردت والدة ناهد بألفة: "آمين يارب يرزق وفيق منها بالذرية الصالحة اللي تفرح قلبك وقلبه." تثاءبت ماجدة بخباثة قائلة: "يظهر إني كبرت ومبقتش حمل السهر، هقوم آخد علاجي وأنام، تعالي معايا يا سحر أنتِ اللي دايما تفكريني بميعاد الأدوية وأنواعها." نهضت ناهد سريعًا تمسك بيد ماجدة حين همت بالوقوف، قائلة: "خلي سحر مستريحة يا عمتي، أنا بعد كده اللي هديكي أدويتك في ميعادها، أنا كنت اتعلمت ضرب الحقن عشان....

توقفت ناهد عن تكملة حديثها، لكن تحدثت والدة ناهد: "اتعلمتي ضرب الحقن عشان أم اللي مطمرش فيه إنك كنتِ خدامة لمداس أمه، وفي الآخر هقول إيه، ربنا أهو مطلع وشايف مين الظالم ومين المظلوم." ردت سحر: "خلاص يا مرات خالي، ربنا يعوض ناهد ووفيق أخويا ببعض، طالما ناهد هتتولى بعد كده علاج ماما أنا بقى بعد كده هقلل مجيئي لهنا." تسرعت ناهد قائلة: "ليه؟ هو أنا عملت حاجة تزعلك؟ ده بيتك، وإن مشلتكيش الأرض تشيلك رموش عينيا."

تبسمت سحر قائلة: "ربنا ميجيبش زعل، بس أنا كنت باجي عشان مواعيد أدوية ماما، وفيق يبقى طول اليوم في شغله، وماما بتنسى نفسها وأوقات مبتعرفش أنواع الأدوية من بعضها، وفادية طول اليوم كانت بين التليفزيون والموبايل تكلم مامتها وأختها ومرات عمها اللي عايشة في إسكندرية." ردت والدة ناهد:

"لأ اطمني يا سحر، ناهد هتراعي الست ماجدة، بس برضه أنتِ وناهد أخوات وده بيت أخوكِ يعني بيتك التاني، إزاي تقللي المجيء لهنا حتى ناهد بتحب اللمة." نظرت سحر نحو ماجدة، نظرة فهمت الاثنتان مغزاها أن تلك ناهد ستكون لقمة سائغة بين أنيابهن. بعد قليل بحديقة المنزل وقفت والدة ناهد معها تقول بصوت منخفض: "خدتي المنشط اللي الدكتورة قالتلك عليه؟ لوت ناهد شفاها بامتِعاض قائلة:

"خدتها إمبارح عالفاضي، في الآخر راح نام في أوضته القديمة وسابني، يظهر زي ما بتقول عمتي، إن فادية ساحراله." ردت والدتها: "بلاش كلام فاضي، لو ساحراله مكنش اتجوز وهي على ذمته عشان يقهر قلبها، اسمعيني، عاوزة وفيق ينسى الدنيا كلها يبقى تحملي بسرعة، وقتها هينشغل عقله وقلبه بيكي أنتِ وولادك ومش بس هينسى فادية هينسى الدنيا كلها." تهكمت ناهد قائلة: "طب لو خلفت هينسى فادية والحرباية عمتي وبنتها دول؟

نفسي أكرشهم من هنا دول عاملين زي قطاعين الأرزاق، لأ وسحر اللي بتحور عليا وبتقول هتقلل مجيئها لهنا، طب ياريت، المفروض كانت خدت أمها وغارت من البيت كام يوم، ناسين إني أنا ووفيق عرسان جداد، المفروض يسيبوا لينا براح شوية مع بعض، لكن جاية من قبل الضهر قاعدة طول اليوم وجايبة ولادها معاها وأنا مهرية تحت رجليهم طلبات، مفكرة إني الخدامة ولا البيبي سيتر بتاعتهم، أنا مش جاية عشان أخدمهم كان الأولى بخدمتي ولادي، اللي ما صدقتِ رميتيهم لأبوهم عشان مش هتقدري ترعيهم بعد جوازي من وفيق."

تنهدت والدتها قائلة: "هما مش ولاده؟ هو أولى برعايتهم أنا صحتي بقت على قدي، وبعدين هو مش اتجوز قبل عدتك ما تخلص؟ أهم الأولاد يقرفوا مرات أبوهم ويطفشوها جزاء اللي عمله معاكِ، كفاية الجرسه اللي داريناها بسببه وإحنا مكتومين." تحدثت ناهد: "جرِسة إيه أنتِ كمان هتصدقي كدبته؟ يلا ربنا ينتقم منه." ردت والدتها:

"أنا لا مصدقة ولا مكذبة، ربنا عوضك بفرصة تانية، وفيق ميسور وعنده بدل المصنع اتنين غير البيت ده وأكيد في أكتر، شطارتك تخلفي له وقتها هينسى الدنيا كلها حتى الحرباية عمتك وكلمتك هي اللي هتبقى مسموعة عنده." امتعضت ناهد قائلة: "حاضر هاخد المنشط اللي الدكتورة كاتباه مع إنه بيهد حيلي بعدها والله، في الآخر خايفة يكون العيب كان من وفيق وفادية كانت ساكتة لحد ما فاض بيها." تهكمت والدتها قائلة بسخرية:

"فاض بيها من الصيغة اللي كان بيلبسها لها ولا العز اللي كانت عايشة فيه؟ هي اتبرطرت زي ما قالتلي ماجدة، العيب كان منها ووفيق حاول يعالجها بس خلاص اتأكدوا إن فرصها في الحمل بقت معدومة كمان عشان سنها، ولما قالها إنه هيتجوز عشان يخلف مرعتش نفسها عليه وأهو عشان تضغط عليه اشتكت عليه في المحكمة بنفقة وقايمة العفش، بس على مين هي مفكرة نفقتها ومؤخرها ولا حتى قايمة العفش بتاعتهم فلوس بالنسبة له؟

ماجدة قالتلي بكرة لما تعرف إنها مش فارقة مع وفيق هي اللي هتندم." لوت ناهد شفاها بامتِعاض قائلة: "فادية فعلًا كانت زميلتي في المدرسة وكان عندها غرور وشايفة نفسها، ومفكرة نفسها الوحيدة اللي عندها أخلاق وبالذات لما اتعينت مدرسة كانت بتسخسر ترمي السلام حتى لما اتجوزت قبلها لما كانت تقابلني صدفة تتعالى عليا، هي طول عمرها من وإحنا في المدرسة كانت بتحقد مني بدون سبب." تنهدت والدتها قائلة:

"ملناش دعوة بفادية دلوقتي، زي ما فهمتك، اسمعي كلامي وهتكسبِي والعز بتاع وفيق هيبقى ليكِ لوحدك، بالك لما يشيل ابنه بين إيديه لو طلبتي منه لبن العصفور هيجيبه ليكِ وهتبقي أنتِ الكل في الكل." تهكمت ناهد قائلة: "والله خايفة يكون مهمتي إني أبقى مش أكتر من ماعون أخلف وبس، وبعد كده يرجع الست فادية... وبعدها أبقى زي اللي رقصوا ع السلالم وجوازة تانية اتحسبت عليّا. ردت والدتها: لأ من ناحية فارية اطمني.

اللي بان لي لا ماجدة ولا سحر بيقبلوها، ويمكن اللي طفشوها داخل عليكِ. دور الملاك اللي ماجدة عاملاه دي يا ما سقتني أساڤين في بداية جوازي وكانت هتسبب في طلاقي من باباكِ. بس هو فاق منها بدري. أنا باقول لك احذري منها واظهري لها الطاعة قدام وفيق. بعد قليل، بغرفة النوم. خرجت ناهد من الحمام وجدت وفيق مُسطّح على الفراش بثيابه حتى ما زال يرتدي الحذاء، يضع إحدى يديه فوق عينيه. لوت شفتيها بامتِعاض

هامسة لنفسها: يظهر بختك أسود يا ناهد، شكله نام تاني كمان الليلة. وقفت ثواني وفكرت قائلة: لأ ما هو أنا مش هاخد المُنّشط اللي بيهد حيلي ده عالفاضي كل ليلة. حسمت ناهد قرارها وخلعت ذلك المئزر من عليها لتبقى بزي نوم شبه عارٍ يشف ويصف مفاتن جسدها، توجهت نحو قدمي وفيق وقامت بخلع حذائه. تنبه وفيق لذلك ونهض جالسًا يقول باستغراب: بتعملي إيه! ردت ناهد بنعومة

بينما بداخلها تتهكم: هاكون باعمل إيه يعني، هاقلّعك الشوز عشان تاخد راحتك في النوم. تعجب وفيق ذلك، ففادية لم تفعل ذلك يومًا. لكن نهض وأنزل ساقيه من على الفراش قائلًا: لأ مالهوش لازمة أنا... اقتربت ناهد من وفيق تحاول إغراءه ليس فقط بجسدها الظاهر بل بتلاعبها بأزرار قميصه، قائلة: أنت إيه؟ أوعى تقول لي هاروح أشوف ماما وأرجع وما ترجعش وتروح تنام في الأوضة التانية وتسيبني أنام لوحدي كمان الليلة دي...

أنت شايف لهفة مامتك إنها تشيل حفيدها في أسرع وقت... قالت هذا ثم أكملت بدلال زائف: مش كفاية إنك نزلت الشغل وإحنا لسه يا دوب متجوزين إمبارح. نهض وفيق وسار لخطوات بعيد عن ناهد وقال: قلت لك كان في طلبية كبيرة لازم تتسلم وكان لازم أبقى موجود، والأيام جاية كتير. نهضت ناهد بفزع وأجادت كذبًا وافتراءً قائلة: قصدك إيه بالأيام جاية كتير؟ أنت ما كنتش عاوز تتجوزني ولا إيه؟

ولا يمكن الكلام اللي فادية قالته لي قبل كده صحيح وهي كانت مستحملة وساكتة. نظر لها وفيق باستفسار قائلًا: قصدك إيه باللي قالته لكِ فادية؟ وإمتى كلمتك؟ ردت ناهد بتوتر: مالوش لازمة، يظهر إن كلامها كان صحيح. أمسك وفيق كتف ناهد بعصبية قائلًا: بأسألك سؤال تجاوبيني، مفهوم. للحظة ارتعبت ناهد وقالت بكذب: هي كلمتني يوم فرح ولاد سلف سحر وإحنا في القاعة طلعت ورايا مخصوص وقالت لي إنك، إنك... إنك.

تعصب وفيق وضغط على يد ناهد قائلًا: قالت لكِ إني إيه؟ ردي وبلاش ترددي الكلمة. ابتلعت ناهد ريقها وقالت: قالت لي إن العيب في الخِلفة منك، إنك لا مؤاخذة... تعصب وفيق قائلًا: كملي لا مؤاخذة إيه؟ ردت ناهد: إنك لا مؤاخذة مالكش في الحريم. تعصب وفيق قائلًا: يعني إيه ماليش في الحريم؟ صمتت ناهد للحظات تعض على شفتيها تدعي الخجل بينما هي تستفزه، حين قالت: قصدها يعني إنك ضعيف وكده، بلاش تكسفني. تأكد وفيق من فحوى حديث ناهد.

اشتاط غيظًا قائلًا: فادية قالت عليّا كده؟ وأنتِ صدقتها؟ عضت ناهد شفتيها بإثارة قائلة: مش مصدقني؟ مستعدة أواجهها بكلامها، وأنا ما كنتش مصدقاها في الأول بس اللي حصل ليلة إمبارح لما تسيبني وتروح تنام في أوضة تانية والليلة أهو باينة من أولها، على ما دخلت الحمام أغير هدومي طلعت لقيتك نايم ع السرير بهدومك ولما قربت منك اتفزعت وكنت هتعمل زي ليلة إمبارح وتسيبني. لعبت ناهد على وتر مشدود بعقل وفيق، واستفزته في رجولته.

نظر لها وفيق ولم يتحدث بل جذب جسدها عليه ينهال على شفتيها بالقُبلات القوية، ابتعد قليلًا ينزع عنه قميصه وألقاه أرضًا ثم دفع ناهد بقوة لتقع فوق الفراش ولم ينتظر هجم عليها يستبيح جسدها بعنفوان، كلما شعر بالنفور من ناهد تذكر حديث فادية فيزداد في عنفوانه مع ناهد إلى أن بدأ يشعر بالإنهاك. نهض عن ناهد وألقى بجسده جوارها على الفراش لاهثًا، يُغمض عينيه يشعر بالنفور من حاله، ليس فقط النفور، بل يشعر بالتوهة ووجع القلب.

بينما ناهد رغم ألمها الجسدي من عنفوان وفيق لكن تشعر بانتشاء مميز لم تشعر به سابقًا مع زوجها الأول، كما أنها وصلت لمآربها مع وفيق حين استفزته بادعاء الكذب جعلته يفعل ما أرادت الوصول إليه من أجل أن يبرهن فحولته ورجولته أمامها. نظرت لوفيق النائم جوارها، شعرت باحتياج المزيد، لكن فجأة. نهض وفيق وأخذ ثيابه وغادر الغرفة وتركها تواسي حالها وهي تتذكر ذلك اللقاء العاصف قبل قليل.

لتعض على شفتيها بانتشاء وتذهب لنوم عميق، غير آبِهة برد فعل وفيق الغاضب، فكل ما كانت تريده الليلة بالنهاية حصلت عليه. بمنزل زهران، بغرفة فاروق. دخلت سحر إلى الغرفة وابتسمت حين وجدت فاروق يقف ببنطال فقط ويدخن سيجارة. حين رآها نظر لها قائلًا: غريبة راجعة من بيت أهلك مبسوطة على غير العادة. ابتسمت سحر قائلة بتأكيد: فعلًا مبسوطة جدًا. تهكم فاروق قائلًا: ويا ترى إيه بقى سر انبساطك ده؟

ردت سحر: كان بقالك يومين مش هنا ما تعرفش اللي حصل. سخر فاروق قائلًا: وإيه بقى اللي حصل وباسطك قوي كده؟ ردت سحر بانشراح: وفيق اتجوز ناهد إمبارح. ذُهل فاروق قائلًا: هو وفيق طلق فادية؟ ردت سحر: لأ، بس اتجوز ناهد، فيها إيه الشرع محللِّه. وفادية معيوبة ويا ريتها راضية، لأ دي ممروعة وسايقة كِبر، وفي الآخر اشتكته بنفقة وقايمة عفش زي الشحاتين، خلي كِبرها بقى ينفعها، أنا لو مكانها أرجع بيتي أرضى بالأمر الواقع.

زفر فاروق دخان سيجارته قائلًا: وفيق غلطان وهيرجع يندم، ومن رأيي أنه بلاش يعلق فادية ويطلقها أكرم له. تعجبت سحر قائلة: يطلقها غيابي عشان تاخد منه قد كده نفقة ومؤخر وقايمة عفش والله عاوزة تطلق وقتها تبريه من ده كله. تهكم فاروق قائلًا بحنق: مش كنتِ بتقولي عليها زي الشحاتين من شوية؟

ردت سحر: ما هو لو وفيق وافق وطلقها وأعطاها كل مستحقاتها وقتها ممكن تزوغ في عين شاب غيره باللي هيبقى معاها وتروح تتجوزه وتتمتع معاه بفلوس أخويا، لكن لما تطلع بلوشي وقتها مش هتلاقي اللي يبص لها وبالذات إنها معيوبة في الخِلفة وقتها يا تتجوز واحد عمره قدها مرتين، يا واحد واخدها تربي له عياله.

سخر فاروق قائلًا: يا ما غيرها مخلفين ونفسهم ينسوا حياتهم، بلاش توسوسي في دماغ وفيق، خليه يطلقها طالما اتجوز غيرها ع الأقل يبقى على عِشرة السنين. تهكمت سحر قائلة: عِشرة السنين؟ كانت مورياه الهنا إياك مالوش لازمة، وبعدين أنا ليه حاسة إنك متعاطف مع فادية؟ رد فاروق: فعلًا أنا متعاطف مع فادية، لإِنها ما كانتش تستحق اللي عمله وفيق، ومتأكد إن وفيق هيندم بس وقتها مش هيلاقي فرصة تانية. شعرت

سحر بالغيظ قائلة بغطرسة: وفيق هينبسط لما يشيل ابنه من صُلبُه بين إيديه، الابن اللي عمر فادية ما كانت هتجيبه له. سخر فاروق قائلًا: حتى لو وفيق خلف مش هيحس بفرحة في قلبه لإِنه فقد زهوة حياته، مش الخِلفة بس هي اللي بتسعد القلب، يمكن ساعة مع اللي بيحبها تسعد قلبك أكتر من إنه يعيش مجبور عشان عيلة منظر بس قدام الناس.

ردت سحر بضيق وغضب: والله ربنا قال المال والبنون مع بعض، وهو عنده المال ومن حقه البنون طالما قادر ليه يحرم نفسه عشان حب وكلام فاضي يقدر يعوضه مع غيرها. تهكم فاروق بحسرة قائلًا: يا ريته يقدر يعوض الكلام الفاضي ده مع غيرها، بس هاقول إيه، في نوعية كده دايمًا لازم تعيش إحساس الخسارة والحسرة والندم. بمكان خالٍ من السكان على الطريق، قريب من المزرعة. زفر عواد دخان تلك السيجارة، تذكر قبل أن يدخل على صابرين الحمام.

[بالرجوع بالوقت للدقائق] ضحك عواد على خضة صابرين حين قرب الجرو الوليد من ثيابها، لاحظ ليس فقط اشمئزازها بل أيضًا حين تحولت حين أخبرها أنه يود تسمية الجرو "رينا"، لاحظ تغير ملامحها التي سأمت حتى إنها لم تتحدث وتركت المكان وغادرت سريعًا وهي تستمع لصوت ضحكاته. في نفس الوقت صدح رنين هاتفه، فنهض واقفًا ثم ذهب إلى صنبور مياه موجود بالمكان وقام بغسل يديه ثم جففها.

أخرج الهاتف من جيبه، بتلقائية تبسم حين رأى اسم المتصل ورد بمرح قائلًا: ريمونا ولدت جروين، لقيت اسم الأنثى، لسه الكلب كنت محتار في اسمه خلاص هاسميه "رائف." لم يمزح رائف معه كالعادة وصمت. استغرب عواد ذلك وقال: مالك مش بترد ليه؟ رد رائف بحشرجة دموع بصوته: روزانا ماتت من ساعة. شعر عواد بنغزة قوية وحزن في قلبه، وقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون... وأنت هتعمل إيه دلوقتي؟ رد رائف: "هنفذ وصيتها وأدفنها جنب رزان." تنهد عواد:

"ربنا يصبرك." رد رائف: "أنا فعلًا محتاج الدعوة دي دلوقتي، حاسس إني ضايع، وخلاص أخذت القرار، هرجع إسكندرية في أقرب وقت وأستقر مع بابا، كفاية غربة. أنا بعد موت روزانا بقيت حاسس بوحدة ومش هقدر أتعامل أعيش هنا مدة طويلة، هنهي مسؤولياتي هنا وارجع إسكندرية في أقرب وقت." شعر عواد بالأسى قائلًا: "حاسس بيك ومعاك في قرارك، أنت اللي كانت مخلياك مستحمل تعيش في لندن هي روزانا." رد رائف:

"فعلًا، تعرف إن آخر حاجة قالتها مرات عواد شكلها شقية ومتأكدة عواد بيحبها، أنا سمعته همس باسمها قبل كده، بتمنى يعترف بحبها في يوم، ولما ترجع لـ إسكندرية وإبقى وصي عواد يقرأ لي الفاتحة، أكيد هتوصل لي زي ما سألته أول مرة سمعت منه بيقرأ الفاتحة وهو واقف قدام البحر 'أنت بتدعي تقول إيه؟ قال لي: 'بقرأ الفاتحة لروح بابا وبدعي له بالرحمة... ' قال لي الفاتحة والدعاء هيوصلوا للشخص المقصود في أي مكان هو فيه."

كان هذا سبب تغير حالة عواد حين شعر بالحزن الكبير، هو ظن أنه لن يشعر بكل هذا الحزن في قلبه مرة أخرى بعد وفاة والديه، لكن وفاة تلك السيدة أحيت جزءًا من الماضي حاول نسيانه، لكن فشل في ذلك. وتذكر ذلك الصبي ذو الخمس عشرة عامًا. [بالعودة قبل حوالي أكثر من عشرين عامًا] رأى والده يتحدث بعصبية مفرطة مع جده وأخذ سلاحًا وضعه على خصره وخرج من المنزل تتراقص أمامه الشياطين.

كان صبيًا بالكاد أتم الخمس عشرة عامًا، لم يكن مدلل أبيه بل كان يعامله بقسوة ويحدثه أنه دائمًا سيكون ضعيفًا بسبب دلال أمه له، رغم أنه كان متفوقًا دراسيًا، كذلك في رياضة السباحة كان حاصلًا على عدة بطولات لكن لم يكن هذا كافيًا لينال تشجيع والده، بل كان دائمًا ينعته "بدلوع والداته". لكن رغم ذلك كان يحبه ويتمنى رضاه ويذهب خلفه حتى لو نهره بعد ذلك. وهذا بالفعل ما فعله وتتبع والده إلى أن وصل إلى بالقرب من منزل سالم التهامي.

رأى سالم التهامي يصوب سلاحه ناحية وجه والده الذي يتحدث بصوت عالٍ ويشهر سلاحه هو الآخر بوجه سالم، لكن انقلب كل ذلك حين خرجت صبرية وقتها لا يعلم ماذا قالت مما جعل سالم التهامي أخفض السلاح لكن أخذ السلاح من يده مروان. كان هنالك شجار بين والده ومروان. في نفس اللحظة شعر عواد بالخوف واقترب من مكان والده، سمعه يسب صبرية بلفظ نابٍ، وشكك في شرفها... تعصب مروان وقتها. تدخل سالم لفض هذا النزاع.

لكن عواد تعصب حين رأى مروان قام بالعراك بالأيدي مع والده حتى أنهما وقعا أرضًا وما زال العراك مستمرًا بينهم. حاول عواد التدخل، لكن منعه سالم حين جذبه بعيدًا عنهم، لكن عاود عواد محاولة الدخول بينهم كي يساعد والده ويثبت له أنه ليس بضعيف كما ينعته دائمًا، لكن سالم منع ذلك. في نفس اللحظة.

خرجت صابرين من منزلهم، كانت طفلة بعمر السابعة أو أكثر، حين رأت عواد يحاول أن يبعد والدها عنه ظنت أنه يتهجم على والدها، ذهبت من خلفه وضربته على ظهره بطفولة قائلة: "إبعد عن بابا." دفعها عواد دون قصد لتقع على الأرض تشعر بألم بيدها. في نفس الوقت صمت العراك بين أبيه ومروان بصوت رصاصة لم تخترق الأجواء فقط بل اخترقت قلب والد عواد لترديه قتيلًا في الحال. ترك سالم عواد الذي توجه سريعًا نحو جثة والده.

لكن قبلها حاول التهجم على مروان حين أخذ ذلك السلاح الخاص بوالده الذي سقط من يده أثناء العراك، وقام بتوجيهه ناحية مروان، لكن كان هنالك صوت رصاصة أخرى اخترقت ظهره لتشل حركته ويقع السلاح من يده وهو ينظر خلفه لمن أطلق الرصاصة عليه، وجه لم ينساه أ قبل الظهر بمنزل سالم التهامي جلست فادية مع شهيرة تتحدثان بود، حين قالت شهيرة:

والله مش عارفة هرجع أحس بالوحدة من تاني بعد ما تروحي إسكندرية وتستلمي شغلك من تاني. كنت خلاص اتعودت نقعد نتسلى مع بعض، حتى سالم كمان بيقول لي حاسس إن الروح رجعت للبيت من تاني. تبسمت فادية قائلة: وأيه يغصبكم يا ماما أنتِ وبابا تفضلوا هنا؟

عندنا شقة في إسكندرية، وبابا ما بقاش قدامه غير شهر واحد ويطلع معاش. خلينا نروح نتجمع في إسكندرية، وبدل ما هيثم عايش مع صبرية في شقة عمي نعيش سوا. أنا صحيح مش عارفة حكايتي مع وفيق هترسى على أيه، بس الطلاق بقى هو الحل الوحيد، بس ما أعرفش ليه بابا اقتنع بكلام المحامي، كان رفع قضية طلاق وخلصنا. شعرت شهيرة بغصة قائلة: ربنا يقدم اللي فيه الخير. يلا قومي روحي السوبر ماركت في شوية طلبات محتاجينها أنا كتبتها في ورقة أهي.

تبسمت فادية قائلة: حاضر، هشرب الشاي وبعدها هطلع أغير هدومي وأروح السوبر ماركت. بعد وقت رن جرس باب المنزل. تحدثت فادية: خليكِ يا ماما أنا غيرت هدومي، هفتح أشوف مين اللي عـ الباب. فتحت فادية باب المنزل، وجدت أمامه شخصًا يبدو محضرًا من المحكمة. تأكد ظنها حين قال: ده منزل السيدة/ فادية سالم التهامي. ردت فادية: أيوه هو، وأنا السيدة فادية. خير؟ نظر لها المحضر وقال: ممكن أتأكد من البطاقة الشخصية؟

معايا إخطارين من المحكمة ولازم تستلميهم. ردت فادية: تمام ثواني هجيب بطاقتي من جوه. بالفعل دخلت فادية للمنزل، سألتها شهيرة قائلة: مين اللي كان بيرن الجرس؟ ردت فادية بسرعة: ده محضر من المحكمة، هدخل أجيب بطاقتي بسرعة. ارتجف قلب شهيرة. بينما بسرعة عادت فادية ببطاقتها الشخصية وأعطتها للمحضر الذي قرأها ثم قال: اتفضلي امضي هنا على استلام الإخطارين اللي معايا.

وقعت فادية على دفتر المحضر ثم أخذت منه الإخطارين ودخلت إلى داخل المنزل وأغلقت الباب خلفها. وقفت خلف الباب تفتح الإخطار الأول. أتت شهيرة وسألتها: خير؟ قرأت فادية فحوى الإخطار، ليسأم وجهها وفرت دمعة من عينيها وقالت بحشرجة صوت: وفيق اتجوز ناهد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...