بعد مرور يومين، صباحًا بالمزرعة. خرج عواد من الحمام بعد أن أزال عن جسده وخم النوم بحمام بارد. نظر نحو تلك الأريكة، رأى صابرين ما زالت نائمة، اقترب منها ووقف ينظر لوجهها للحظات قبل أن يبتسم بمكر، وقام بنثر تلك المياه التي ما زالت عالقة بين خصلات شعره على وجهها وهي نائمة بشغب منه، يعلم أنها ستصحو بضيق. بالفعل، حين شعرت صابرين بالمياه فوق وجهها فتحت عينيها بخضة. لكن تحولت نظرة عينيها إلى ضيق حين رأت بسمة عواد المَقيتة
حين قال: "صباح الخير... مش كفاية نوم، عاوز أفطر من إيد مراتي حبيبتي." ظلت صابرين نائمة لكن جففت قطرات من على وجهها وسحبت الغطاء عليها قائلة: "عندك فردوس، خليها تحضرلك الفطور، افطر براحتك وسيبني أكمل نوم." قام عواد بالجلوس على الأريكة لكن كاد يجلس على ساق صابرين التي تألمت. ضحك عواد ونهض قليلًا حتى أبعدت صابرين قدمها قليلًا وأفسحت مكانًا لجلوسه قائلة: "أي، أهي رِجلي انكسرت، انزل بقى لفردوس وافطر وسيبني أكمل نوم."
تبسم عواد ونحّى الغطاء من على ساق صابرين ووضع يده عليها قائلًا بعبث: "خليني أشوف الكسر فين، يمكن تحتاج لتجبيس." جذبت صابرين ساقها من يد عواد قائلة: "لأ، مش محتاجة تجبيس، محتاجة شوية راحة، فانزل ومتحملش هم." ضحك عواد قائلًا: "ومين قالك إني هحمل هم؟ وأنا النهاردة بالذات عاوز أفطر من إيدين مراتي حبيبتي، يلا قومي كفاية نوم." شعرت صابرين بغيظ من عواد واضطجعت على الأريكة تضع إحدى يديها على عُنقها قائلة بسأم:
"هو لازم موال كل يوم ده؟ والنهاردة يفرق إيه بقى عن الأيام اللي فاتت؟ بلاش إزعاج كل يوم كده، وفي الآخر فردوس هي اللي بتحضر الأكل وأنا زيك باكل من إيديها." تبسم عواد وهو يستفز صابرين التي يبدو بوضوح أن عُنقها يؤلمها: "النهاردة آخر يوم لينا هنا، وبعد الضهر.... توقف عواد عن استكمال حديثه حين صدح رنين هاتفه. نهض من على الأريكة وجذب الهاتف وتبسم وهو يرى هوية المُتصل وقام بالرد عليه وضحك على مزاحه:
"إيه العريس غرقان في العسل وناسي خاله اللي كان السبب في جوازته؟ أفتكر أكل العسل حلو بس النحل بيقرص." ضحك عواد ونظر ناحية صابرين التي عادت تتسطح على الأريكة وسحبت عليها الغطاء، تهكم قائلًا: "إنت عارف إني مش بحب أكل العسل بس لدع النحل مش بيأثر فيا، عندي مناعة ضده." ضحك رائف قائلًا: "بلاش الثقة الزايدة دي، أنا مستني النحلة اللي معاك تقرصك ووقتها أشوف إن كان عندك مناعة قوية ولا مناعتك فاضية." تبسم عواد قائلًا:
"لأ، أطمن، مناعتي قوية يا خالي." ضحك رائف قائلًا: "بلاش كلمة خالي دي يا ابني، إنت أطول مني. سيبك من الهزار، إيه مش هشوفك قبل ما أسافر؟ شكل النحلة اللي معاك دوشاك بدليل قاعد في المزرعة مش بتفارقها." تهكم عواد وهو ينظر إلى صابرين التي يبدو أنها عادت للنوم مرة أخرى وقال: "لأ أطمن، أنا جاي النهاردة إسكندرية، وإن كان عالنحلة هي فعلًا دوشاني بدليل قدامي أهي نايمة. يلا أشوفك المسا في إسكندرية." ضحك رائف متهكمًا
بنبرة شماتة مرحة: "كل واحد حسب نيته، وإنت نيتك كانت صافية من الأول. شكلك وقعت في الملكة اللي كل مهمتها النوم وبس... أنا مش في إسكندرية، أنا في القاهرة وراجع بكرة إسكندرية." ضحك عواد قائلًا: "بتعمل إيه في القاهرة؟ رد رائف: "بخلص شوية أوراق مهمة، يلا هسيبك تروح تصحي النحلة بس حاسب لا تلسعك في قلبك." رد عواد بثقة ومزح: "بس النحلة بتلسع مرة واحدة بس وبعدها هي اللي بتموت." ضحك عواد وأغلق الهاتف وعاد إلى تلك الأريكة وقال:
"عارف إنك مش نايمة، بلاش تمثيل، يلا قومي خلينا نفطر سوا عشان عندنا سفر بعد الضهر." نحت صابرين الغطاء ونهضت بسرعة رغم ما تشعر به من تيبّس بجسدها وقالت: "هنسافر فين... هنرجع للبلد؟ نظر عواد لصابرين قائلًا: "ومال النشاط جالك كده فجأة لما قولت هنسافر؟ وأشمعنا الرجوع للبلد هو اللي جه في تفكيرك؟ ردت صابرين:
"بصراحة أنا زهقت من هنا في المزرعة، إنت طول الوقت مشغول مع العمال وأنا بسمع لحكاوي فردوس، وأكيد نفسي أرجع للبلد، ماما وفادية وحشوني وكمان با... توقفت صابرين قبل أن تكمل كلمة "بابا" وتغيرت ملامحها تشعر بغصة قوية في قلبها. لاحظ عواد ذلك، للحظة شعر بنغزة في قلبه عليها، وقبل أن يتحدث أكملت صابرين تود معرفة إجابة عواد بعد أن تقول: "وإنت أكيد مامتك وحشتك." تغيرت ملامح وجه عواد للتجهّم وقال بتتويه:
"هنسافر إسكندرية، لو فضلت واقف بالفوطة دي هاخد برد، يلا غيري هدومك وخلينا ننزل نفطر سوا." قال عواد هذا وتخطى صابرين ذاهبًا نحو الدولاب. تأكدت صابرين هنالك فجوة بين عواد ووالداته حين تذكر اسمها تتغير ملامحه كما أنه بعدها يتحدث بشيء آخر. استدارت صابرين ناحية عواد وكادت تشاغبه بحماقتها لكن حين رأته عاريًا قالت بضيق: "هو مش في حمام تلبس فيه هدومك؟ أنا مش عارفة ليه دائمًا بتمشي عريان في الأوضة." تبسم عواد بخباثة قائلًا:
"مش بيقولوا الراجل بيتعرى من هدومه قبل طبعه قدام مراته." تهكمت صابرين ساخرة: "لأ، إنت معاك العكس، إنت اتعريت قدامي من طبعك اللي عرفته من قبل ما أتجوزك وتتعرى من هدومك قدامي فاكر." توقف عواد عن ارتداء ملابسه واقترب من مكان وقوف صابرين قائلًا بسؤال: "ويا ترى إيه انطباعك عني؟ ردت صابرين بكلمة واحدة: "مُختال." لم يستطع عواد منع نفسه من الضحك قائلًا كلمتها بتكرار: "مُختال... مش فاهم معنى الكلمة ده، ذم ولا مدح؟ ردت صابرين:
"ذم، وما زالت عند رأيي... إنت عندك غرور كافي يمنعك إنك تعترف بغلطك رغم إنك متأكد إنك غلطان." ضحك عواد وهو يقترب من صابرين بتسلية قائلًا: "أنا فعلًا مش بعترف بغلطي ومستحيل يجي يوم أقول إني كنت غلطان."
قال عواد هذا وبمفاجأة منه جذب صابرين عليه بقوة ولف يديه حول خصرها وهجم على شفاها بالقُبلات الشهوانية، مما جعلها تنفر منه وحاولت دفعه كي يبتعد عنها لكن هو أحكم قيدها بين يديه، لم يترك شفاها إلا حين شعر بقرب انقطاع نفسيهما. ترك شفاها لكن ما زالت مُقيدة بين يديه حتى أنه احتضنها يتنفس على عُنقها يشعر بلهاث أنفاسها كأنه يخترق جلد جسده ويصل لقلبه يُحرقه. حين شعرت صابرين بهدوء نفسها رفعت بصرها نحو وجه
عواد وركزت بعينيه قائلة: "وفي انطباع تاني خدته عنك كمان وقتها: إنك 'وغد'." قالت صابرين هذا وحاولت دفع عواد، وبالفعل فك عواد قيد يديه عن جسد صابرين وذهب يُكمل ارتداء ملابسه قائلًا بتهديد مباشر: "أنا بقول تغيري هدومك وخلينا ننزل نفطر بدل ما أأكدلك بالبرهان فعلًا إني 'وغد'." توجهت صابرين نحو دولاب الملابس وأخذت لها ملابس أخرى قائلة بتحدي: "إنت أكدتلي فعلًا بالبرهان من أول مرة اتقابلنا في محطة القطر."
قالت صابرين هذا ولم تنتظر وذهبت إلى الحمام وأغلقته خلفها، توجهت ناحية تلك المرآة التي بالحمام ووقفت أمامها تنظر بنفور إلى شفاها التي ما زالت شبه مُدمية بسبب قُبلات عواد لها قبل لحظات بتلك الطريقة الشهوانية المُقززة بالنسبة لها.
بينما عواد نظر نحو باب الحمام، بداخله لا يعرف سبب لتلك الطريقة الشهوانية التي قبلها بها، لكن هي دائمًا من تبدأ بالاستفزاز. تذكر ذكرها للقائمها بمحطة القطار، تلك المستفزة تعتقد أن تلك هي المرة الأولى التي تقابلا بها، هي مُخطئة أو بالأصح ناسيه أو ربما تناست مع الأيام أنها كانت آخر وجه رآه قبل أن يذهب إلى غيبوبة، حين عاد منها علم أنه أصبح قعيد والأسوأ تيتم من أبيه.
بعد الفطور الصامت الذي تناولته صابرين مع عواد، فهو لم يفعل مثل عادته في الأيام السابقة، كان يشاغبها بأوامره التي كانت تنفذها لكن كما تريد هي، أما اليوم فتناول الفطور في صمت حتى انتهى ثم ذهب إلى عُماله وتركها. بعد الظهر، صعدت صابرين إلى غرفة النوم حتى تبدل ثيابها بعد أن وقع عليها بالخطأ بعض قطرات القهوة. حين دخلت إلى الغرفة قبل أن تبدل ثيابها صدح رنين هاتفها، تبسمت وهي تنظر لشاشة الهاتف وضحكت حين سمعت مُزاح أختها:
"يا عيني على اللي مقضياها نوم، أوعى أكون أزعجتك وصحيتك من النوم." ردت صابرين بتهكم: "من كُتر النوم رقابتي مش قادرة أحركها وجسمي مخشب غير زاد عليهم مغص كمان." ردت فادية بلهفة: "طب وجع رقابة وجسمك بسبب نومك عالكنبة، إيه سبب المغص؟ " صمتت فادية قليلًا ثم قالت بمزح: "لا تكوني حامل، ألف مبروك يارب توأم شبه باباهم." وضعت صابرين يدها حول عُنقها قائلة بضحك:
"وهبقى حامل إزاي وإنت كنِتِ معايا عند الدكتورة اللي ادتني الحقنة بشهر؟ والله ما كان لها لازمة استشارة الدكتورة غير الإحراج اللي حسيت بيه وقتها... كنا وفرنا الإحراج عند الدكتورة وأخدت الحقنة وخلاص، إنت بتاخديها وجايبة مفعول معاكِ... ولا أقولك عادي، أنا سبق كُشِفَت عليا أكثر من دكتورة نسا، جت على دي." شعرت فادية بغصة في قلبها بسبب نبرة صوت صابرين المتأثرة رغم أنها تعلم أنها تمزح، حاولت التخفيف عنها قائلة:
"وإيه سبب المغص؟ ليكون تسمم؟ يمكن عواد عاوز يُسمّك بسبب نومك عالكنبة بعيد عنه... برضو راجل وعريس جديد وعروسته منشفة ريقه مقضياها نوم عالكنبة." ضحكت صابرين قائلة بسخرية: "والله ياريت عالأقل هموت وأرتاح من وش المختال الأبرص، قال منشفة ريقه قال." ضحكت فادية قائلة: "طيب مُختال وعارفينها، الأبرص دي بقى جديدة معناها إيه؟ ردت صابرين: "مش شايفة النمش اللي في وشه، أهو جسمه كده، بس إيه بصراحة النمش ده لايق عليه."
ضحكت فادية تقول بمغزى: يعني النمش ده عاجبك بقى. ضحكت صابرين تقول: يظهر الهرمونات اشتغلت، بقولك سيبك من عواد، قولي لي أخبار اللي عندك إيه؟ الحيزبون حماتك وبنتها وابن أمه. تنهدت فادية بأسى قائلة: ربنا عالقوي، أنا مش فارق معايا وسوسة حماتي وبنتها، الفارق معايا وفيق بكلمة منه يقدر يسكتهم لو اختارني. ردت صابرين:
والله جوزك ده متوقعش منه خير، والله إحنا الاثنين وقعنا في واحد وغد والثاني لطخ، آه غير مصطفى مش لاقية له صفة، يلا ربنا يرحمه، يظهر إن بنات التهامي موعودين بالرجالة العاهات. ضحكت فادية قائلة: فعلاً، والله وفيق ومصطفى الاثنين عاهات رجالة، إنما عواد النمش بتاعه بيسحر. تبسمت صابرين قائلة: إنتِ هتمسكيها لي ولا إيه؟ بقولك ده بسبب الهرمونات بس المدة تخلص وهيرجع وش البرص من تاني...
سيبك فادي رجع من السفر بقاله كم يوم، زمان سامية عاملة محزنة قدامه أربعة وعشرين ساعة وتلاقي البت السمجة نهى بنت أخوها لازقة جانبها ترسم على فادي، ما هي وأبوها طماعين زي سامية، أكيد هنسمع خبر خطوبته قريب. ردت فادية:
أنا ما شوفتش فادي لما روحت أول مرة، سامية قالت لي إنه نايم وفعلاً السمجة نهى كانت هناك، روحت بعد كم يوم قالت لي إنه سافر إسكندرية عشان هيستلم شغله في فرع الشركة اللي في إسكندرية، حتى فكرت أكلمه على الموبايل بس اتراجعت، آخر مرة كلمته بعد موت مصطفى ما ردش عليا وبعدها حتى ما اتصلش عليا، قولت بلاش أتقل نفسي عليه... ربنا يهدي. ردت صابرين:
هو فعلاً من يوم ما عواد خطفني ما كلمنيش تاني، بس ما أعتقدش إن فادي هيتجوز نهى، ده بنفسه مرة قال لي أنا لا بطيقها ولا بطيق خالي. ردت فادية: بس ده كان قبل موت مصطفى، دلوقتي سامية ممكن تستغله وتمثل عليه الأسى وهو يوافقها، عالعموم إحنا مالنا... قولي لي لسه مطولة عندك في المزرعة. ردت صابرين بتوافق: وإحنا مالنا صحيح، لأ عواد قال لي هنسافر إسكندرية بعد الغدا. ردت فادية: وهتقعدوا كام يوم هناك؟ ردت صابرين:
ما أعرفش، بس بفكر أقطع إجازتي وأرجع للشغل تاني، زهقت من القاعدة. ردت فادية: فعلاً، كويس إنك واخدة شهر إجازة أهو عواد كل كم يوم ياخدك لمكان. ردت صابرين بحنق: يعني واخدني فنيسيا يا أختي؟ أنا مش بشوف وشه غير ع الأكل والنوم، وطول اليوم مع فردوس أو ع الموبايل أو التلفزيون، بس كويس أهي فرصة أخد إجازة أنفض دماغي قبل ما أرجع تاني لشغلي ودوشته. تبسمت فادية قائلة: هو عواد ما عندوش اعتراض على إنك ترجعي لشغلك تاني؟ ردت صابرين:
أنا ما سألتوش قبل كده بس لو ليه هيعترض هو متجوزني وعارف إني بشتغل، طب يا ريته يعترض وأنا وقتها فرصة وأطلق منه وأرتاح من الجوازة اللي ما كسبتش منها غير وجع رقبتي وتشنج جسمي. ردت فادية بخبث: وأيه غاصبك تنامي ع الكنبة؟ ما تنامي ع السرير حتى الدنيا ساقعة، نفس عواد يدفيكِ. قبل أن تكمل فادية الحديث مع صابرين، سمعت صوت طرق على باب الغرفة، فتحت الباب رأت إحدى فتيات سحر تبتسم لها قائلة:
أنا رجعت من المدرسة في درس المس شرحته لينا وأنا مش فاهماه. ردت عليها فادية: طيب بعد ما نتغدى هنقعد سوا وأشرحه ليكِ، يلا انزلي وأنا هحصلك. غادرت الفتاة مبتسمة. بينما سمعت صابرين حديثهن وقالت بتهكم: وفين مامتها تفهمها اللي مش فاهماه ولا هو شغل استقطاع وخلاص، كل ده بسبب طيابتك وياريت في الآخر بيطمر. ردت فادية: كله عند ربنا، يلا هسيبك لهرموناتك والمختال الأبرص. أغلقت صابرين الهاتف مع فادية ثم بدّلت ثيابها وذهبت
إلى مطبخ الاستراحة وتحدثت: اعملي لي كوباية نعناع سخنة معاكِ يا فردوس. قالت صابرين هذا وجلست على أحد المقاعد الموجودة بسفرة المطبخ الصغيرة. ردت فردوس: حاضر يا دكتورة. بعد دقائق، وضعت فردوس كوبًا من النعناع الساخن أمام صابرين قائلة: النعناع اللي طلبتيه أهو يا دكتورة. تحدثت صابرين: تسلم إيديك، اقعدي يا فردوس نتكلم شوية، مش خلصتي طبيخ؟ لسه بدري على ما عواد يقولك حضري الغدا، خلينا ندردش سوا. تبسمت فردوس وجلست على
مقعد مقابل لصابرين قائلة: تعرفي يا دكتورة. قاطعتها صابرين قائلة: بلاش دكتورة دي قولي لي صابرين بدون ألقاب سابقة. تبسمت فردوس قائلة: بنت حلال زي البشمهندس بالضبط، من أول مرة شفتك هنا في المزرعة لما البشمهندس عواد جابك لهنا وأنا قلبي اتفتح لك وقولت أكيد بيحبك، ده وقتها منع أي راجل يلمسك حتى هو نفسه استَحرم يغيرلك هدومك وطلب مني أغيرلك الفستان بعباية من بتوعي. تهكمت صابرين ساخرة تهمس لنفسها:
لأ فعلاً بيستحرم بأمارة خطفه ليا ولا تزويره كشف العذرية. بينما قالت لفردوس: أنا ملاحظة إن مفيش في المزرعة دي ستات بتشتغل غيرك... غير إن شغلك لوقت معين وبعدها بتمشي. ردت فردوس: فعلاً، المزرعة كل اللي بيشتغلوا فيها رجالة، أنا بشتغل هنا بس لما بيكون البشمهندس هنا بجهز له أكله وأنضف الاستراحة. تساءلت صابرين بفضول: طب ما ممكن أي عامل ينضف الاستراحة ويجهز الأكل أو حتى يشتري أكل من أي مطعم قريب؟ شعرت فردوس بخزو وصمتت. شعرت
صابرين بذلك وقالت بأسف: أنا مش قصدي حاجة، مش قصدي إني أقطع رزقك، وآسفة إن كنت زعلتك بدون ما أقصد. تبسمت فردوس قائلة: مش بقولك إنك بنت حلال زي البشمهندس عواد، أهو عمل زيك كده في يوم. ردت صابرين باستفسار: قصدك إيه بعواد عمل زيي؟ لو مش عايزة تجاوبي براحتك. تبسمت فردوس قائلة:
أول مرة لما قابلت البشمهندس عواد كان بعد وفاة جوزي بأيام، كان جاي عشان يعزيني فيه، جوزي كان بيشتغل في شركة صابون خاصة وكمان كان بيشتغل هنا في المزرعة مع العمال، وبعد ما توفى البشمهندس عواد بعت مرتبه مع واحد من العمال وقاله يقولي إن مرتبه هيفضل ساري...
وقتها أنا استَحرمت بس خدت المرتب من العامل وجيت لهنا بالصدفة كان البشمهندس هنا وطلبت أقابله وهو وافق وقابلني هنا في المزرعة، وقتها رجعت له المرتب وقولت له إني ما أقدرش أخد شيء مش من حقي، قال لي إن ده مش مساعدة منه ده زي معاش له زي معاش الحكومة كده، قولت له على إن شركة الصابون اللي كان بيشتغل فيها وقفت صرف معاش للمرحوم، بس هو كلم واحد من معارفه الواصلين وخلى الشركة صرفت معاش استثنائي ليا، وبرضه رجع يبعت لي مرتب جوزي، فأنا قولت له طالما مصمم يبقى أشتغل قصاد المرتب ده، مش هاخد شيء بدون وجه حق فقال لي إني ممكن أشتغل في استراحة المزرعة لما يكون هو هنا وأنضف الاستراحة وأطبخ له وأرجع آخر اليوم لبيتي وولادي.
تعجبت صابرين قائلة: عواد عمل كده! تبسمت فردوس قائلة: مش بقولك ابن حلال. شعرت صابرين بإعجاب لعواد لكن نفضت عن رأسها قائلة: إنتِ عندك ولاد قد إيه يا فردوس؟ ردت فردوس: عندي بنتين وولد، البنت الكبيرة في سنة أولى كلية طب إسكندرية والثانية في تانية ثانوي نفسها تبقى مهندسة إلكترونيات والولد الوحيد في تالتة إعدادي... ونفسه يبقى مهندس زي البشمهندس عواد. ردت صابرين: ما شاء الله ربنا يباركلك فيهم. ردت فردوس تتمنى:
يارب، ويرزقك إنتِ والمهندس بالذرية الصالحة. أومأت صابرين رأسها بينما بداخلها تهكمت من أمنية فردوس المستحيل تحقيقها. .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بمنزل زهران قبل المغرب بقليل دخل فاروق إلى المنزل، ترجل من سيارته. تبسم حين رأى أطفاله الثلاث يتجهون إليه بفرحة يقولون: بابا رجع من إسكندرية. تبسم لهم حين وقفوا جواره، قائلاً: غريبة إزاي مامتكم سيباكم تلعبوا كده في الجنينة.
ردت إحدى الفتاتين: إحنا لسه راجعين من عند تيتا ماجدة دلوقتي. رد فاروق: آه عشان كده ما أنا استغربت. نظرت ابنة فاروق الصغرى له قائلة: بابا مش اللي يزعل أو يخلي حد يبكي هيدخل النار؟ رد فاروق باستفسار: ومين ده اللي عمل كده؟ ردت ابنته الأخرى: ماما وتيتا ماجدة، بيقولوا كلام ويزعلوا طنط فادية مرات خالو وفيق وإحنا شفناها بتعيط.
اهتز قلب فاروق حين سمع اسم فادية لكن شعر بالغضب حين رأى اقتراب سحر عليه ترسم بسمة، نظر لأطفاله قائلاً: روحوا أنتم ادخلوا للبيت عشان الجو ساقعة وما تبردوش. بالفعل ذهب الأطفال إلى داخل المنزل. بينما اقتربت سحر من مكان وقوف فاروق قائلة ببسمتها التي يمقتها: حمد لله على السلامة فكرتك هتبات الليلة كمان في إسكندرية. رد فاروق: أنا ما كنتش في إسكندرية أنا كنت في المزرعة عند عواد وصابرين. تهكمت سحر ولت شفتيها بسخرية قائلة:
وهو عواد وصابرين مش بقالهم خمستاشر يوم متجوزين مش كفاية دلع لحد كده ويرجعوا لهنا بقى، ولا صابرين هي كمان هتسحب عقل عواد وتلعب بيه على كيفها زي غيرها ما بتعمل، أكيد زي أختها... بس ما أعتقدش عواد هـ... لم تكمل سحر بقية تهجمها على صابرين حين قاطعها فاروق بحدة: عواد حر مع مراته، وليه حاسس أنك متغاظة من صابرين رغم إنها مش سلفتك، غير إنها تبقى أخت مرات أخوك الوحيد اللي بتروحي كل يوم تقضي طول النهار في بيته. ردت سحر:
وأنا هتغاظ من صابرين ليه، أنا كل الحكاية مش عايزاه يبقى ساذج ويصدق نعوميتها وبعد كده هي اللي تتحكم فيه زي وفيق أخويا كده ما أختها هي اللي بتتحكم فيه كفاية إنه بسببها لغاية دلوقتي محروم من الخلفه اللي تفرح قلبه. تهكم فاروق قائلاً بحنق:
تفرح قلبه، والخلفه هتعمل لـ وفيق أخوك إيه لو متجوز وعايش مع مراته بس عشان أولاده، أنا بقول بلاش تتدخلي في شيء ما يخصكيش وأخوك ومراته أحرار، أنا جاي زهقان من الطريق مش فاضي لكلامك الفارغ، ولآخر مرة هقولهالك، مالكيش دعوة بشؤون غيرك، هو حر في حياته طالما سعيد.
سبق فاروق سحر ودخل إلى المنزل يشعر بالندم على ما فقده بغبائه حين ظل صامتاً وامتثل لوالده وتزوج من اختارها له، يبدو أن الاثنين لم يعثرا على السعادة كل منهم ينقصه شيء يجعله يشعر بالتعاسة. بينما زفرت سحر نفسها بغضب قائلة:
طبعاً يومين قضيتهم مع عواد والمحروسة صابرين خدعتك بنعوميتها زي أختها، ما أعرفش فيهم إيه بيسحر اللي قدامهم، حتى عواد اللي كنت مفكرة إنه شديد مش لين زي أخويا وفيق، يظهر بنات التهامية بحرهم غَميق ومالوش قرار غير الغرق. ....... ـــــــــــــــــ بالإسكندرية ليلاً دخل عواد إلى الفيلا استقبلته إحدى الخادمات قائلة: مساء الخير يا بشمهندس تحب أحضرلك العشا. رد عواد: مال الفيلا ساكتة كده ليه؟ ردت الخادمة:
ماجد بيه راح عند أهل مدام "فوزية" مراته وقال هيتعشى هناك، والدادة الخاصة بالبنات عشّتهم وناموا. تهكم عواد لنفسه ساخرًا: طبعًا الدادا تهتم ببناته، وهو يجري وينسى كل شيء فدا الأميرة فوزية بنت سيادة السفير. بينما أكملت الخادمة: والآنسة غيداء من وقت ما رجعت من الجامعة وهي في أوضتها ومن شوية طلبت مني سندوتشات. تنهد عواد قائلًا: ومدام صابرين اتعشت؟ ردت الخادمة:
لأ مدام صابرين حضرتك من بعد ما وصلتوا وحضرتك خرجت مرة تانية، هي طلبت مني مسكن ألم وبعد شوية قالت إنها هتنام ومش عايزة أي إزعاج. شعر عواد برجفة في قلبه، وترك الخادمة وصعد فورًا إلى الغرفة. فتح الباب بهدوء وأشعل الضوء ونظر ناحية الفراش، كانت صابرين نائمة. اقترب من الفراش ووضع يده فوق جبهة صابرين، لكن للغرابة حرارتها طبيعية، إذن لما طلبت من الخادمة مسكن ألم؟
للحظة تذكر حين كانوا بالسيارة على الطريق كانت تبدو ملامحها متهجمة، هو ظن بسبب حديثهم الجاف صباحًا، لكن تبدو من هدوء ملامحها وهي نائمة أنها بخير. ربما أخذت المسكن حتى يخفف من وجع عنقها بسبب نومها على تلك الأريكة الأيام السابقة. ذهب إلى الحمام أنعش جسده بحمام بارد وعاد يندس جوارها على الفراش، يشعر بشعور مريح غريب عليه. باليوم التالي صباحًا بمنزل زهران على طاولة الفطور تحدث فهمي لـ فاروق قائلًا:
إمبارح متعشتش معانا، سحر قالت إنك كنت راجع مرهق من المزرعة. رد فاروق: فعلاً الشغل في المزارع مرهق جدًا وبالذات المزرعة دي أكبر مزرعة فيهم وعواد هو المسؤول عنها والله عواد كتر خيره، يعتبر شايل أكتر نص شغل المزارع والمصانع بتاعة زهران لوحده. غير إنه عريس جديد، يلا أهو خد مراته وقال هيقضي كام يوم في إسكندرية. تحدثت أحلام التي تشعر بالحقد: هو مش المفروض يرجع لهنا؟
ناسي إن زفاف ولاد عمه فاضل عليه واحد وعشرين يوم ولازم نبدأ في تحضيرات الزفاف. ردت تحية: وهو هيعمل إيه في تحضيرات الزفاف خليه ينبسط هو وعروسته. تهكمت أحلام بحنق هامسة: وماله يتهنى وينبسط، الغبية بعد عملتها يوم الصباحية والملاية اللي فرجت الكل عليها أشهرت وبرهنت رجولته اللي حاولت التشكيك فيها، والمصيبة الأكبر أنها تحمل منه. بـ فيلا الإسكندرية استيقظت صابرين تشعر براحة في جسدها.
كان هنالك شعاع نور يأتي للغرفة من خلف تلك الستائر المغلقة بعشوائية، نظرت لجوارها كان عواد نائمًا على جانبه وجهه لها، تمعنت في ملامحه للحظات تذكرت حديث فردوس عن شهامته معها، تبسمت بلا وعي تخطى عينيها عن وجهه ونظرت إلى صدره وذاك النمش الذي بنظرها يعطي جاذبية خاصة لـ عواد. حتى أنها لم تنتبه لـ عواد الذي فتح عينيه واقترب بجسده من جسدها قائلًا: صباح الخير.
أعقب قوله بوضع يده فوق كتف صابرين وقربها منه وقام بتقبيل شفتيها قبلة رقيقة، ثم ترك شفتيها ونظر لوجهها، تبسم حين رآها تغمض عينيها، شعر بحاجته لـ قبلة أخرى. لم يفكر وقبلها مرة أخرى بل مرات، قبلها برقة بالغة عكس تلك القبلات الشهوانية التي قبلها لها بالأمس. بسبب مفاجأة قبلة عواد الأولى ارتبكت صابرين وقبل أن تفيق من سكرة القبلة الأولى باغتها بالقبلة الثانية لم تستطع الاعتراض واستمتعت بتلك القبلات الرقيقة.
لكن قطع اللحظة صوت هاتف عواد الذي صدح، في البداية ما زال عواد لا يريد ترك شفاه صابرين حتى أنه قرب جسدها منه للغاية، لكن انتهى مدة الرنين الأول وعاد يرن مرة أخرى. ابتعدت صابرين عن عواد برأسها قليلًا وأخفضت وجهها بخجل، لوهلة سحر عواد توهج وجهها لكن تحدثت صابرين بحشرجة صوت: موبايلك بيرن.
رفع عواد يده وأمسك خصلة شعر صابرين المتمردة ووضعها خلف أذنها وملس بيده على وجنتها وعاد ينظر إلى شفتيها مرة أخرى، لاحظت صابرين نظرات عواد وشعرت بخجل وعاودت قولها: موبايلك بيرن يظهر اللي بيتصل عليك محتاجك في حاجة مهمة. ما زال عواد تحت تأثير تلك اللحظات لكن صوت الهاتف مزعج مما أرغمه أن يبتعد قليلًا عن صابرين ومد يده وأتى بهاتفه ونظر له وقام بالرد باختصار: ساعة ونص بالكتير وهكون بالمصنع نتقابل هناك.
أغلق عواد الهاتف ووضعه مرة أخرى على الطاولة وعاد بجسده مرة أخرى ينظر نحو صابرين التي فاقت من تلك السطوة وكادت تنهض من على الفراش لولا أن جذبها عواد مرة أخرى لتتسطح على الفراش وكاد يعتليها لكن سمعوا صوت طرق على باب الغرفة يصحبه قول: باشمهندس عواد ماجد بيه مستني حضرتك ع السفره. زفر عواد نفسه بضجر ونهض من على الفراش متوجهًا ناحية الحمام يقول بضيق: تمام قولي له ربع ساعة ونازل. تبسمت صابرين بخفاء وقالت بمشاغبة:
مش عايزاني أنزل أحضرلك الفطور؟ زي كل يوم. توقف عواد قبل أن يضع قدمه بداخل الحمام قائلًا: لأ مالوش لازمة كملي نوم لو عايزة. ردت صابرين بمشاغبة: لأ مش عايزة أنام شبعت نوم طول الليل. نظر لها عواد بغيظ وهو يغلق باب الحمام فهي مثل الشريك المخالف.
بينما صابرين ألقت بجسدها على الفراش براحة تبتسم وتشعر براحة في جسدها عن ألم أمس الذي اختفى، وضعت يدها على شفتيها تشعر بنشوة لكن سرعان ما نفضت عن رأسها وهي تسمع لـ رنين هاتف عواد برسالة. بغرفة غيداء وقفت أمام المرآة تهندم ملابسها وأمسكت زر كنزتها وكادت تغلقه لكن تألمت قليلًا بسبب أثر ذاك الجرح الذي بمعصم يدها بسبب وقوعها على الأسفلت قبل أيام.
تذكرت ذاك الشاب العريض الجسد والغليظ الصوت والملامح لكن كان رقيق في رد فعله حين اعتذر منها وساعدها على النهوض وقدم أكثر من اعتذار نادمًا حتى أنه عرض عليها أخذها لمشفى قريب، لولا أن رفضت هي. شعرت باشتياق غريب لما بداخلها رغبة تريد أن ترى هذا الشاب العريض الجسد والغليظ الملامح، نهرت نفسها قائلة: بلاش هيافة يا غيداء دي كانت مناسبة طارئة زمانه نسي أساسًا.
جذبت بعض الكتب وحقيبة يدها وخرجت من غرفتها وأخبرت الخادمة بمغادرتها للـ فيلا. خرجت تترجل على قدميها فأمامها وقت طويل على المحاضرة، سارت تستمتع بتلك النسمة الشتوية الربيعية بعض الشيء. غير منتبه لذاك المتربص الذي منذ أيام وهو يأتي لهنا ينتظر فرصة أخرى، وها هي الفرصة أتت له.
رأى غيداء تسير وحدها، سريعًا أدار دراجته النارية لكن لم تكن بسرعة عالية حتى اقترب منها أوقف الدراجة النارية وترجل منها وخلع خوذته ووضعها على ذراع الدراجة النارية وأخذ تلك الباقة الصغيرة المكونة من ثلاث زهرات فقط ذهب بها سريعًا ومد يده بها لـ غيداء. التي حين رأت فادي أمامها انشرح قلبها بشعور خاص لأول مرة تمر به في حياتها وذهلت حين مد فادي يده لها ثلاث زهرات، شعرت أنها مثل الفراشة لكن خجلت وأخفضت وجهها.
لاحظ فادي احمرار وجه غيداء بسبب خجلها الواضح، للحظة كاد ينسى مهمته الأساسية وهي الإيقاع بتلك الفتاة، رسم بسمة قائلًا: تسمحي تقبلي مني التلات وردات دول اعتذار مني عن اللي حصل قبل كده. رفعت غيداء وجهها ونظرت ليد فادي الممدودة وبتلقائية لا تعرف سببها مدت يدها وأخذت منه الثلاث زهرات واستنشقت رحيقهما ثم رفعت وجهها تنظر لـ فادي قائلة بنبرة هادئة:
اعتذارك مقبول لأنك جبت أكتر نوع ورد أنا بحبه زهور الأوركيد بس دي زهرة معروف إن تمن الزهرة الوحدة منها غالي قوي. رد فادي: عارف إنها زهرة تمنها غالي ولو إمكانياتي المادية كانت تسمح بباقة كاملة مكنتش هتبقى غالية كاعتذار مني ليك. أنا صحيح مهندس سيارات بس لسه في أول الطريق. استنشقت غيداء الزهرات مرة أخرى ثم نظرت لـ فادي ببسمة رقيقة سرعان ما عادت تنظر لزهرات بخجل.
نظر فادي لخجل غيداء يتهكم بداخله لكن رسم بسمة هو الآخر قائلًا: أنا فادي التهامي. رفعت غيداء وجهها ونظرت لـ فادي بارتباك. ثم نظرت ليده الممدودة لها كي تصافحه. فكرت قليلًا ثم شعرت بالخجل من مد يده ومدت يدها له. تبسم فادي حين مدت غيداء يدها ووضعتها بيده مصافحة، شعر بنصر حين شعر برعشة يدها الصغيرة الرقيقة بين يده القاسية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!