الفصل 25 | من 61 فصل

رواية بحر العشق المالح الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
14
كلمة
3,454
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

مساءً، بمنزل الشردي.

كانت تسير ناهد بغرفتها تشعر بغيظ، فككل ليلة وفيق ذهب لغرفة فادية. لسوء حظها صدح رنين هاتفها، قامت بالرد بغنج ودلال يحث الآخر على اشتهاء المزيد من معسول الدلال. لكن الآخر لم يدخل إليه خداعها الذي وقع بفخه سابقًا وتزوجها، وفاق من ذلك السحر حين سمع معسول كلامها تقوله لغيره. الآن تفعل ذلك معه، متزوجة من غيره وتحاول إشغال عقله بها. لكن هو لن يرضى أن يكون سببًا في خداع غيره بنفس الخداع الذي عاشه معها، وقاطعها قبل استرسال غنجها ودلالها المزيف قائلًا

بنصح: "ناهد بلاش تعيدي الكرة مرة تانية مع غيري، أنا مستحيل أكون خسيس وأشاركك في خدعة سبق عشتها معاكِ. إحنا خلاص اللي كان بينا انتهى، حتى ولادك إنتِ اتخليتي عنهم بارتدادك وجريتي وراء وفيق وهدمتي حياته مع مراته اللي متأكد أنه هيجي يوم ويندم زيي أنه في يوم آمنك على شرفه وبيته." قال هذا وأغلق الهاتف بوجهها، تعصبت ناهد وعاودت الاتصال، لكن لم يرد عليها. زفرت نفسها بغضب وسبته بسبّة بذيئة.

في نفس الوقت دخل وفيق إلى الغرفة دون طرق الباب وسمع سبابها البذيء، شعر بالاشمئزاز منه، ليس هذا فقط بل من محاولة اتصالها مرة أخرى. لكن قال: "بتكلمي مين دلوقتي؟ انخضت ناهد واستدارت بوجهها تستشف إن كان وفيق سمع حديثها، لكن وفيق قال: "ردي بتكلمي مين، ولا أقولك هاتي الموبايل أنا هعرف بتكلمي مين؟

أخذ وفيق الهاتف من يد ناهد، قام بالضغط على آخر رقم اتصلت عليه. ارتجفت ناهد خشية رد طليقها عليه، لكن لحسن حظها لم يرد على الاتصال إلى أن انتهى الرنين. نظر وفيق إلى الاسم قائلًا بشك: "بتكلمي طليقك ليه دلوقتي؟ تعلثمت ناهد في الرد، لكن تمكن الدهاء منها حين رسمت التأثر والدموع الخادعة:

"كنت عاوزة أطمن على ولادي وأهو إنت شوفت بنفسك أنه مردش عليا، أنا خلاص مبقتش قادرة أتحمل، أنا أم يا وفيق، أنا مكنش لازم أسمع كلام ماما وأتجوز، أهو بسبب جوازي منك فارقت ولادي." توجهت ناهد وجلست على الفراش تكمل وصلة الخداع ببكاء مصطنع:

"أنا لما اطلقت قولت هندب حياتي لولادي وأعيش لهم، لكن لما إنت اتقدمتلي ماما قالتلي عمتك محتاجة اللي يراعاها وياخد باله منها، هي مريضة قلب غير كمان عندها السكر وحكتلي على عدم اهتمام فادية بيها وإن سحر مشغولة بجوزها وولادها ومش معقول هتسيب بيتها وتفضل جنب عمتي طول الوقت، وفضلت تضغط عليا، وأنا عمتي غالية عندي من صِغري ووافقت أتجوزك، حتى على ضِرة عشان أرعاها بس قصاد الخير اللي عملته أهو أنا اتحرمت من ولادي، ويا عالم هجيب غيرهم ولا لأ، وإنت كل ليلة بتبات بعيد عني في أوضة لوحدك."

كانت تبكي بقهر بتمثيل جيد منها، جعل وفيق يهتز قليلًا، جلس لجوارها على الفراش ووضع يده فوق يدها، رفعت ناهد وجهها تنظر لـ وفيق نظرة صعبانية منها، بينما بداخلها تشعر بنشوة هي أثارت عطف وفيق وتأكدت من ذلك حين حضنها. شعرت بظفر، وقامت بلف يديها حول جسده وداعبت عُنقه بأنفاسها المضطربة ومارست الإغواء عليه، قامت بتقبيل عُنقه وداعبت يديها التي سللتها من أسفل قميصه على صدره تستثيره بحركات إغراء تضرب رجولته، جعلته يمتثل لها حتى لو كان مُغيب العقل ويتخيلها أخرى يهواها قلبه، لكن لا يهم المهم أنها وصلت لمآربها وحصلت عليه الليلة.

بعد وقت تسطح وفيق على الفراش ينهت، اقتربت منه ناهد ووضعت رأسها على صدره تشعر بانتشاء. بينما هو كان شاردًا بأخرى يتذكر اليوم بالصدفة علم أنها تركت البلدة وذهبت إلى الإسكندرية تعود لعملها كـ مدرسة، إذن قد أعادت رسم حياتها من دونه، لكن لا لن تحصل على ذلك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالإسكندرية، بشقة فادي. تبسم على رد غيداء على رسائله التي أصبحت أكثر غرامًا بعد اعترافه لها بالحب،

حين قال لها: "وحشتيني." تبسمت بتنهيدة خجل قائلة: "بالسرعة دي إحنا يا دوب سايبين بعض مبقلناش تلات ساعات، أنا بقول بلاش مبالغة." ضحك فادي، بينما غيداء تذكرت قوله: [فلاش/باك]: "أنا بحبك يا غيداء." لا تنكر وقتها شعرت كأنها تسمرت مكانها وازداد ذلك حين كرر فادي الكلمة مرة أخرى بتأكيد: "أنا بحبك يا غيداء." اصطبغ وجه غيداء ونظرت له بحياء مذهولة، سرعان ما أخفضت وجهها أرضًا. تبسم فادي بداخله يشعر بنشوة انتصار.

خجلت غيداء، واقتربت من السيارة وقالت للـ السائق: "روح إنت أنا لسه عندي محاضرة تانية وهتاخد وقت." أومأ لها السائق رأسه باحترام وغادر، بينما تبسم فادي حين قالت غيداء: "ممكن تاخدني في رحلة صغيرة ع الموتوسيكل بتاعك يا بشمهندس." تبسم فادي بسعة رحب قائلًا: "أكيد يا حبيبتي."

شعرت غيداء كأن كلمة حبيبتي اخترقت قلبها لا أذنها، ركبت خلفه الدراجة النارية تشعر بحرية، كذلك فادي الذي يحاول نفض ذلك الإحساس عن رأسه ويتذكر فقط أن ذلك ليس سوى شرط للفوز باللعبة، عليه أن يدعي الهزيمة، أو بالأصح الوقوع في الحب.

ظلوا يتجولون ويمرحون بين الأماكن بتلك الدراجة يشعران بخفقات جديدة تنبض بداخلهم، كل منهم تناسى أي شيء بسبب ذلك الهواء الربيعي الذي يضرب جسدهم من كل اتجاه يُنعش أرواحهم، يُشعرهم بصفو الذهن مع كل لفحة هواء إلى أن أتى المساء، توقف فادي أمام أحد محلات بيع الزهور وترجل من الدراجة، وترك غيداء ودخل إلى ذلك المحل، لم يغب كثيرًا وخرج وبيده زهرة الأوركيد. في البداية تعجبت غيداء من ترك فادي لها دون قول سبب، لكن حين مد يده لها بالزهرة تبسمت وهي تأخذ منه الزهرة تستنشق عبيرها بنشوة. ثم صعدت إلى الدراجة النارية مرة أخرى خلف فادي.

لم يرى الاثنان تلك التي خرجت من محل الزهور ورأتهما وعرفتها بوضوح، ليدخل لقلبها هاجس تتمنى أن يكون خاطئًا، وعليها الاستعلام من فادي قريبًا عن سبب ذلك التقارب الواضح بينهم، تخشى أن يحدث مثلما حدث بالماضي.

أغلقت غيداء الهاتف ووضعته جوارها على الفراش تضم الزهرة على صدرها تنتعش روحها لتذهب لغفوة سعيدة وهي ترى تظن أنها بعالم وردي. كذلك فادي الذي سرعان ما نهر ذلك الشعور بداخله، غيداء هدف اقترب من الوصول إليه لا أكثر من ذلك ليذهب ضميره إلى غفوة، أو هكذا ظن، لكن صوت ذلك الهاتف أيقظه من تلك الغفوة. نظر للهاتف بتعجب حين رأى اسم المتصلة، فرد عليها مازحًا: "أزيك يا مرات عمي، أكيد بتتصلي عليا تفكريني بتمن زهرة الأوركيد."

لم تمزح صبرية معه كالعادة وقالت له: "لأ بتصل عليك عشان أقولك هستناك بكرة بعد ما تخلص شغلك في الشركة تجي لي المشتل مش محل الورد، عاوزاك في أمر خاص." تعجب فادي قائلًا باستفسار: "وأيه هو الأمر الخاص ده، مينفعش تقول لي دلوقتي." ردت صبرية قائلة: "لأ الموضوع مينفعش نتكلم ع الموبايل، تصبح على خير." أغلقت صبرية الهاتف، بينما نظر فادي للهاتف متعجبًا من طريقة حديث صبرية معه، لكن شعور قلبه بالصفو جعله يغفو مرتاح البال.

.. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بـ فيلا زهران، بغرفة عواد. جافى النوم عينيها الدامعة جملة واحدة تتردد بعقلها (ميلا بنتي) ، تشعر بتمزق هي مثل الدمية التي يتشاجر عليها اثنين، تعيش نفس الكذبة مرة أخرى حين اكتشفت أن مصطفى لديه طفلة من امرأة أخرى تزوجها قبلها، لكن الآن الشعور أسوأ بكثير عواد أيضًا لديه طفلة من امرأة أخرى. شعرت ببرودة قوية تغزو جسدها، نامت على أحد جانبيها وتكورت على نفسها تستمد الدفء.

بينما عواد نائم على ظهره، هو الآخر جافى النوم عينيه مُندهش من رد فعل صابرين الغير مُبالي وصمتها الغير متوقع بعد أن سمعت قوله، لم تبالي وتحججت بالإجهاد وصعدت إلى هنا، حتى حين دخل إلى الغرفة تعجب حين وجدها نائمة، والآن شعر برعشتها حين أعطته ظهرها وتكورت على نفسها في الفراش. اقترب منها نائمًا على جانبه وقام بحضن جسدها وسحب يده وضعها فوق يدها التي تضعها أسفل رأسها، استغرب برودة يدها لكن شعر بسيل دافئ على يده جعله يتعجب، وابتعد عنها ونهض من على الفراش وأشعل ضوء الغرفة وذهب إلى الناحية الأخرى للفراش ونظر لوجه صابرين كانت مُغمضة العين لكن كانت أهدابها تتحرك بوضوح.

تحدث بألم: "صابرين إنتِ بتبكي وإنتِ نايمة." فتحت صابرين عينيها شبه الدموية وقالت: "لأ أنا مش ببكي مفيش حاجة تستحق أبكي عشانها." تهكم عواد قائلًا: "وبالنسبة للبقعة الظاهرة اللي ع المخدة تحت رأسك دي أيه... عرق." نهضت صابرين جالسة على الفراش ونظرت إلى تلك البقعة قائلة: "فعلا عرق، الجو حر." تعجب عواد وقال: "وعيونك الحمرة دي أيه سبب احمرارها... مكنتش متوقع إن اللي حصل مأثر فيكِ...

قاطعته صابرين ونهضت من على الفراش ونظرت لـ عواد بتحدي وضحكت بتهكم مؤلم لها قائلة: "مين اللي قالك إن اللي حصل مأثر عليا، سبق وعشت نفس الشيء قبل كده مع مصطفى، يظهر إن الجواز الأول بيبقى ناجح فبتحبوا تجربوا الفشل معايا." تعجب عواد من قول صابرين، ماذا تقصد بقولها؟ هل مصطفى كان متزوج من غيرها؟ قبل أن يستفهم منها عاودت الحديث:

"فعلا البقعة اللي ع المخدة دي دموعي، بس دي دموع فرحة عشان اتأكدت إن قرار إجهاض الجنين اللي كان في بطني كان أفضل قرار أنا أخدته في حياتي." اغتاظ عواد بشدة وأطبق يده على عضدي صابرين بقوة يكاد يسحقهم، مع ذلك لم تُبدي أي ألم، وعاودت الحديث: "سبق وقولتلك مستحيل أخلف منك." قاطع عواد حديث صابرين حين ضغط بقوة أكثر على عضديها وهَسهَس بضيق من بين أسنانه قائلًا: "صابرين بلاش استفزاز أكتر من كده." لكن صابرين قالت باستفزاز:

"أنا بكرهك يا عواد وكمان بكره مصطفى ولو خيروني أختار أعيش في النار ولا أشوف وش واحد منكم أنتم الاتنين... النار بالنسبة لي هتبقى جنة طالما بعيد عنكم." ازداد غضب عواد وهو يطبق على عضدي صابرين وقال بتملك: أنا اللي هتعيشي معاه في نار في الدنيا والآخرة.

نظرت له صابرين باستخفاف، بينما كان رد فعله جذبها بقوة لصدره وقام بالانقضاض على شفتيها بالقبلات المتملكة، لكنه تعجب من عدم مقاومة صابرين له، بل بالأسوء حين شعر بارتخاء جسدها بين يديه، ترك شفتاها ينظر لوجهها الشاحب للغاية وجسدها البارد بين يديه. شعر بانخلاع قلبه وهو يراها بكل هذا الضعف... صابرين أضعف مما كان يتصور.

حمل جسدها بين يديه ووضعها على الفراش ثم ذهب يأتي بزجاجة العطر، وضع على يده قليلًا وقربه من أنفها يربت على وجنتها برفق قائلًا باستجداء ولهفة: صابرين فوقي. بدأت صابرين تعود للوعي تدريجيًا. تنهد عواد براحة حين فتحت عينيها، لكن سرعان ما أغمضت عينيها مرة أخرى. عاود عواد تقريب يده من أنفها...

نفرت صابرين من رائحة البرفان وابتعدت برأسها بعيدًا عن يده، وأدارت له ظهرها تنكمش بجسدها بوضع الجنين تضع يديها أسفل رأسها تغمض عينيها صامتة. شعر عواد بنخر قوي في قلبه على تلك الحالة التي بها صابرين أمامه، ضعيفة للغاية، بل صورة انهزامية، شعر هو الآخر بانهزام، تلك صورة لصابرين لم يتوقع أو يرد رؤيتها بكل هذا الضعف. جثا على الفراش خلفها، ووضع يده على كتفها حاول ضم جسدها بجسده لكن ابتعدت صابرين بجسدها عنه.

بينما شعر عواد بندم يتذكر قبل يومين من إجهاض صابرين. [فلاش باك] بعد الظهر بأحد مطاعم الأسماك الشهيرة بالإسكندرية، بعد نهاية الدوام اليومي لعملها. دخلت صابرين المطعم تبحث بعينيها عن عواد الذي هاتفها قبل قليل يطلب منها الذهاب إلى هذا المطعم هو ينتظرها به... تنهدت حين رأته يجلس على إحدى الطاولات، حتى إنه أشار لها بيده. ذهبت إلى مكانه، نهض مبتسمًا يرحب بها قائلًا:

أتأخرتي ليه بقالي أكتر من ثلثين ساعة منتظرك، أوعي تقولي لي توهتي عن مكان المطعم. جلست صابرين تنظر حولها ثم نظرت لعواد قائلة: لأ مكان المطعم ده مشهور، بس أنا كانت عربيتي تقريبًا هتشطب بنزين فـ وقفت في بنزينة أفولها، وهو ده اللي أخرني على ما وصلت، بس غريبة إنك تطلبني وتقولي منتظرك في المطعم ده. ضحك عواد قائلًا بمشاغبة: وغريبة ليه؟ عيب أما أعزم مراتي حبيبتي عالغدا في مطعم محترم، وبعدين مالك بتتلفتي كده ليه؟

متخافيش ميهونش عليا أسيبك تغسلي صحون المطعم. نظرت له صابرين بغيظ قائلة: قولتلك بطل كلمة مراتي حبيبتي دي، ولأ مش خايفة إني أغسل الصحون لإني الحمد لله دايمًا معايا الفيزا كارد، هو صحيح مبلغ قليل بس ممكن يسد فاتورة المطعم، أنا بس مستغربة لإني اللي عرفته إنك مش بتحب أكل اللحوم فبالتالي ممكن متكنش بتحب الأسماك كمان. ضحك عواد قائلًا: لأ بحب الأسماك والمأكولات البحرية...

وبما إن العزومة على حسابك فأنا قررت أطلب كل اللي في نفسي. تهكمت صابرين ساخطة: بس مش أنا اللي اتصلت عليك ولا حتى جبت سيرة إني أعزمك، أقولك إحنا نتعامل نظام إنجليزي، كل واحد يحاسب على طلبه. ضحك عواد قائلًا: وهتطلبي إيه بقى على حسابك سلطة، ولا سردينة. نظرت صابرين له علمت أنه يتهكم عليها فقالت: لأ هطلب فسيخ ورنجة. امتعض عواد قائلًا:

أهو أكتر شيء مش بحب أكله الفسيخ والرنجة معرفش فيهم لذة إيه، عالعموم اطلبي اللي عاوزاه طالما مش أنا اللي هحاسب على طلبك. قال عواد هذا وأشار إلى النادل الذي أتى لهم كي يدون طلبهم. طلبت صابرين إحدى أنواع السمك ومعه سلطة، بينما قال عواد للنادل: وأنا هات لي طلبي المعتاد. انصرف النادل، نظرت صابرين لعواد قائلة: واضح إنك زبون قديم للمطعم. تبسم عواد قائلًا بخبث:

أنا أهم زبون في المطعم، ومش بس المطعم ده سلسلة المطاعم اللي بتحمل اسم "جميلة". تهكمت صابرين قائلة: طبعًا عادي، أكيد ممكن بتعمل لقاءات مع بعض العملاء والزباين وده أفضل مكان لإتمام الصفقات الخاصة المشبوهة. ضحك عواد لها قائلًا باستفسار: قصدك إيه، بده أفضل مكان لإتمام الصفقات الخاصة المشبوهة. ردت صابرين: يعني المثل بيقول "أطعم الفم تستحي العين".

ضحك عواد وكاد يرد لكن أتى النادل في ذلك الوقت، صمت عواد إلى أن وضع النادل الطعام أمامهم ثم انسحب بهدوء، بدأ يتناولان الطعام وسط مشاغبة عواد لصابرين. كما أنها سخرت من بعض المأكولات قائلة: كنت بتتريق عليا عشان قولت فسيخ ورنجة على اعتبار إن السي فود ده أكل كله ني تقريبًا، بس مش غريبة إنك تكون بتكره اللحوم وتحب الأسماك، ما هي تعتبر لحوم برضوا، تندرج تحت اللحوم البيضا. رد عواد بمشاغبة:

بس أنا شايف إنك ما شاء الله مفيش أكل مش بتحبيه، غير ملاحظ في الفترة الأخيرة، نفسك مفتوحة أوي أوي... ده غير حاسس إنك تخنتي وفي حاجات كده.... غمز عواد بعينيه لها، ارتبكت صابرين وسعلت. ضحك عواد ومد يده بكوب الماء لها. أخذته صابرين وارتشفت بعض القطرات ثم حاولت التحكم في السعال قائلة: بطل حركاتك دي وقاحة منك، إحنا في مطعم وفيه زباين محترمة. تبسم عواد قائلًا:

لو مكسوفة أطرد الزباين دي ونفضل في المطعم لوحدنا، حتى ممكن أطرد العمال كمان ونبات هنا. شعرت صابرين فجأة بغثيان، فنهضت قائلة: واضح إن مزاجك رايق وبتهزر، أنا هروح الحمام. لم تنتظر صابرين رد عواد وذهبت مسرعة نحو الحمام. ضحك عواد.

بينما دخلت صابرين إلى الحمام تشعر بضيق من ذلك المختال الأبرص وتلميحاته الواضحة كما أنه لم يراعِ وجودهم بمكان عام، كذلك تضايقت من ذلك الغثيان المفاجئ لما شعرت به الآن. بالكاد استطاعت تمالك نفسها أمامه. بعد قليل غسلت وجهها وهي تشعر بوهن قليلًا، نظرت لوجهها في المرآة، وجهها يبدو عليه الإجهاد، كذلك نظرت لجسدها، شعرت بالفعل أن وزنها ازداد في بعض الأماكن كما قال عواد، والزيادة في البطن شعرت بانتفاخها قليلًا، ثم

سرعان ما ذمت نفسها قائلة: إيه الغباوة دي كلمتين من عواد هيخلوا عقلك يصدق، بطنك مش منفوخة، حتى لو طلع اللي بتفكري فيه صحيح، وإنك حامل، مش هيبقى أكتر من شهر يعني مستحيل يظهر عليا علامات الحمل، عواد كداب وأكيد بيستفزني. انتهت صابرين ومدت تخرج من الحمام كي تعود للطاولة مرة أخرى، لكن أثناء خروجها على باب الحمام خطبت في إحداهن تحمل طفلة على يدها...

نظرت لها وكادت تعتذر، لكن تصنمت تنظر لها في دهشة، كذلك الأخرى، لكن سرعان ما تجنبت صابرين لها كي تدخل وتغادر هي لكن تحدثت الأخرى لها قائلة: أزيك يا دكتورة صابرين. ردت صابرين بهدوء: أنا كويسة الحمد لله عن إذنك. كادت صابرين أن تغادر لكن تحدثت الأخرى قائلة: أنا مبسوطة إن الصدفة جمعتنا مرة تانية، بصراحة كنت عاوزة أشكرك بعد ما اتنازلتي عن ميراثك في المرحوم مصطفى لرينا بنته.

نظرت صابرين إلى تلك الطفلة التي ببراءتها تبسمت لصابرين، لم تشعر اتجاهها بأي شعور لا كراهية ولا مودة، ربما لعدم وجود ذنب لها، وقالت: أنا مستحقش الشكر لإني ببساطة مكنش ليا حق، ده تعبك وشقاك في الغربة، بس كان نفسي أسألك سؤال: ليه قبلتي إن مصطفى يتجوز عليكي واحدة تانية، وكان بسهولة تعيشي معاه من تعبك. ردت الأخرى:

أنا زي ما قولت يوم إعلام الوراثة، كنت بحب مصطفى من واحنا في الجامعة، بس هو كان رافض الموضوع ده، وقالي إن في حياته حب تاني، وأنا استسلمت والظروف هي اللي حكمت باللي حصل بعد كده. ردت صابرين: ظروف إيه؟

إزاي ترضي إنه يتجوز عليكي غير إنك تساعديه في خداعي، ومفكرتوش فيا لما أعرف كان ممكن يبقى رد فعلي إزاي، ولا كنتم ناويين تستغفلوني دايمًا، أنا أبقى زوجة هنا وإنتي زوجة معاه في الغربة، وطبعًا كان هيبقى ليكي الحظ الأوفر، لإنه إجازته مكنتش هتبقى أكتر من شهرين، فبالتالي إنتي اللي هتفوزي بيه معظم الوقت. شعرت الأخرى بالدونية وقالت:

بالعكس إنتي كنتي صاحبة الحظ الأوفر دائمًا في تفكير مصطفى، كان بيحلم باليوم اللي يتقفل عليكم باب واحد. تهكمت صابرين قائلة: آه بأمارة صدق عليا كدبة رخيصة وكان عاوز يقتلني، لأ هو فعلًا قتلني. ردت الأخرى: بس أنا سمعت إنك اتجوزتي من فترة، وبدأتي حياة جديدة مع الشخص اللي كان السبب في وفاة مصطفى. ردت صابرين: واضح إنك على صلة مع عمي أو مرات عمي أو يمكن فادي، أنا فعلًا بدأت حياة جديدة بس على أنقاض الماضي، عن إذنك.

أوقفتها الأخرى قائلة: ممكن نتقابل مرة تانية محتاجة نتكلم مع بعض بهدوء. ردت صابرين قائلة: وماله نتقابل، ممكن تجيبي رقم موبايلك وهتصل عليكي نتقابل ونتكلم. أخذت صابرين رقم هاتفها وغادرت وهي تشعر بضيق، لكن قبل أن تذهب إلى مكان جلوس عواد تفاجأت به يقترب منها لكن توقف بمكان قريب، تبسم لها حين أصبحت أمامه قائلًا باستخبار: مين اللي كنتي واقفة معاها قدام باب الحمام دي. ردت صابرين بضيق: إنت كنت بتراقبني ولا إيه؟

ضحك عواد قائلًا: ده سؤال عادي تردي عليه وبلاش العصبية دي، ولا مضايقة إنك هتدفعي حساب المطعم. نظرت صابرين لعواد قائلة: هدفع حساب اللي أكلته بس غير كده ماليش فيه، أنا خلاص زهقت وعاوزة أرجع للبيت، خلينا نرجع للترابيزة اللي كنا عليها، أخد شنطتي ونمشي من هنا. تعجب عواد من طريقة رد صابرين ودخل إليه فضول أن تلك التي كانت واقفة معها هي السبب في وجوم وجهها الظاهر عليه، فعاود السؤال:

وماله، بس مش قبلها تقولي لي مين اللي كنتي واقفة معاها دي. ردت صابرين باستهزاء: دي تبقى ضرتي. ضحك عوّاد من كلمتها، واعتقد أنها تمزح قائلًا: متخافيش مستحيل أتجوز بعدك، أصل اللي يتجوزك كأنه اتجوز أربعة.

نظرت له صابرين بغيظ ولم تُرِد تأكيد أنها بالفعل كانت ضرتها يومًا ما، وأنها هي من عقد مصطفى قرانها، زوجة ثانية على الأخرى. سارت أمام عوّاد إلى تلك الطاولة، وأخذت حقيبتها وأخرجت بعض المال بعد أن شاورت للنادل الذي أتى لها سريعًا. قالت له: الحساب لو سمحت. نظر النادل باستغراب ناحية عوّاد الذي أشار له بالانصراف، تعجبت صابرين قائلة: هو ماله مستغرب كده ليه؟ رد عوّاد: عشان لما باجي هنا للمطعم مش بدفع أي حساب.

ردت صابرين بتهكم: ليه بقى إن شاء الله بيضيفوا حسابك على حساب الصدقات؟ ضحك عوّاد قائلًا: لأ بيضيفوه على حساب صاحب المطعم اللي هو يبقى رائف خالي، واللي المطعم يبقى باسم مامته اللي تبقى جدتي... أنا بقول خلينا نمشي، شكل المطعم ما عجبكيش. ردت صابرين: فعلًا ما عجبنيش. ضحك عوّاد على رد صابرين وسار خلفها إلى أن وصلا إلى مكان وجود سيارتها. تفاجأت صابرين بصعود عوّاد لسيارتها وقالت له: بتركب عربيتي ليه؟

مش دي العربية اللي دايمًا تتريق عليها؟ رد عوّاد بغرور مرح: قلت أركبها معاكي، أشوف فيها إيه، كل ما تكلميني تقولي عربيتي، يمكن فيها شيء مميز. ردت صابرين: هي فعلًا مميزة بالنسبة لي، كفاية إني اشتريتها من مرتبي الخاص. عاد عوّاد من تلك الذكرى، على شعوره بالندم. صابرين لم تكن تمزح ذلك اليوم إذن، كما قالت، مصطفى كان متزوجًا من أخرى. كيف له أن يفعل ذلك؟

إذن هذا هو السبب الذي دفع صابرين للموافقة على الزواج مرة أخرى بعده بمدة قصيرة. نظر عوّاد لصابرين قائلًا بندم: جميلة أو ميلا مش بنتي. لكن فات الأوان، صابرين اختارت النوم علّه يفصلها عن كل شيء يقهر قلبها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ باليوم التالي، بذلك المشتل الخاص بصبرية. دخل فادي مبتسمًا يبحث عن صبرية إلى أن وجدها بأحد الأماكن. تبسم لها قائلًا

بمزح: بصراحة أنا كنت بقول عمي مروان مجنون إنه يبني مشتل ورد زي ده، بس اكتشفت إنه كان عنده حق فعلًا، المكان هنا جميل جدًا، ويدي إحساس بالراحة النفسية، غير الروائح الخلابة اللي فيه. تبسمت صبرية قائلة: المكان ده كان حلمي أنا ومروان، اللي حلمناه سوا من واحنا في الجامعة، كان حلمنا بمكان يضم خبرتنا وكمان يكون برهان على صمود حبنا وتحديه للواقع، صحيح خسرنا ناس عزاز علينا وضحينا كتير، بس كسبنا إننا عشنا الحب مع بعض...

تبسم فادي معجبًا بقول صبرية "عشنا الحب". وقال: فعلًا عمي مروان كان يستحق الحب والتضحية عشانه. فاجأت صبرية فادي قائلة: وغيداء كمان تستحق الحب يا فادي. ـــــــــــــــــــــــــــــــ بـ فيلا زهران. نزلت صابرين بعد أن أخبرتها الخادمة عن وجود فادية وأخيها ينتظرها بالأسفل. دخلت صابرين إلى غرفة الضيوف، تبسمت حين رأت هيثم ينهض يتجه إليها وقام باحتضانها بأخوة قائلًا: وحشتيني يا صابرين. تبسمت صابرين وضمت هيثم بأخوة قائلة:

وده من إمتى؟ أنت هتكدب ولا إيه؟ تبسمت فادية، بينما شعر عوّاد ببعض الغيرة حين دخل إلى الغرفة ورأى هيثم يحتضن صابرين، تنحنح قليلًا. تركت صابرين هيثم ولم تنظر لـ عوّاد، بينما دخل خلف عوّاد رائف يحمل تلك الطفلة وكاد يتحدث، لكن وقع بصره على تلك الجالسة تبتسم، شعر بهزة في كيانه إنها صاحبة العيون الحزينة، دخل مباشرة وجلس على المقعد المجاور لها قائلًا: إحنا اتقابلنا قبل كده في بيت زهران يوم جواز عوّاد وصابرين.

أنا رائف الدمنهوري، خال عوّاد، أو تقدري تقولي أخوه في الرضاعة، ودي تبقى "جميلة" بنتي. انصدمت صابرين بقوله، ونظرت ناحية عوّاد بتفاجؤ وهي تسمعه يقول: وتبقى زي بنتي بالضبط. تجاهلت صابرين النظر إلى عوّاد، ووقع بصرها على تلك الصغيرة التي ألقت بنفسها ناحية فادية التي تبسمت لها بحنان وهي تأخذها من رائف.

تأملت صابرين ملامحها، التي تعجبت منها، كأنها نسخة أخرى، ملامحها تشبه كثيرًا تلك الفتاة الصغيرة التي رأتها قبل أيام بالمطعم على يد من كانت ضرتها، لكن بسرعة نفضت عن عقلها ربما اختلطت عليها الوجوه، ربما أن هن الاثنتين بنفس السن تقريبًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...