بعد مرور يومين بالإسكندرية بعد الظهر بفيلا زهران بغرفة المكتب، رغم فكره المشغول على صابرين، لكن تعمد تجاهلها وتركها بالمشفى وترك البلدة وتحجج ببعض الأعمال لديه بالإسكندرية. نفث دخان تلك السيجارة التي بيده، يُهمّك نفسه بالعمل حتى لا يُفكر فيها، لكن غصبًا يشعر بتآكل في قلبه. في نفس اللحظة صدح رنين هاتفه، ترك ذلك الحاسوب الذي أمامه، ونظر لشاشة هاتفه يرى هوية المُتصل. للحظة فكر في عدم الرد...
لكن ربما غلبه قلبه وأراد الاطمئنان على صابرين، وضع الهاتف على أذنه، يستمع لحديث الأخرى. "عواد أنا في المستشفى عند صابرين، الدكتور قال الحمد لله صحتها اتحسنت وهيكتب لها خروج النهاردة." زفر عواد دخان سيجارته قائلًا: "تمام." تعجبت تحية من هدوء عواد، عكس ما رأته ليلة من لهفة يوم إجهاض صابرين، كان يبدو مثل الشريد، وفجأة باليوم التالي ترك المشفى والبلدة بحجة أنه لديه بعض الأعمال وجب عليه تنفيذها بنفسه وسافر إلى الإسكندرية.
حاولت تحية اللعب على وتر عواد قائلة: "شهيرة كانت لمحّت إنها تاخد صابرين عندها في بيتها تهتم بها لحد ما تتحسن صحتها أكثر." رد عواد بسرعة وأمر: "لأ، صابرين ترجع بيت زهران." راوغت تحية عواد قائلة: "وفيها إيه لما مامتها تاخدها عندها؟ صابرين لسه محتاجة رعاية ودي مامتها." رد عواد بحزم: "لأ، أنا قلت ترجع بيت زهران، وإن كانت عاوزة تراعاها تراعاها في بيت زهران، الجناح يعتبر مفصول عن البيت." تبسمت تحية قائلة:
"أنت لسه هتفضل عندك في إسكندرية؟ رد عواد: "أيوه عندي مشاغل لازم تخلص، كمان رائف راجع على آخر الأسبوع." انتفضت تحية قائلة: "وهتفضل عندك لآخر الأسبوع؟ وصابرين؟ اللي سمعته إن فادية كانت هترجع شغلها في إسكندرية الأسبوع ده بس أجلته أسبوع عشان تعب صابرين." رد عواد: "عادي مامتها تقعد معاها عندنا في البيت مُعزّزة مكرّمة. ماما، أنا عندي شغل كتير وزي ما قلت صابرين ترجع على بيتها بيت زهران. سلام."
أغلق عواد الهاتف ثم ألقاه أمامه على المكتب وزفر دخان تلك السيجارة بغضب جم. لائمًا ذلك الشعور الذي يختلج بقلبه، لكن الآن عليه أن يَنفي قلبه ويعود للتفكير بعقله الذي يبدو أنه أخطأ وبلا وعي انجرف مع تلك الموجة، لكن لم يفت الوقت ما زالت الأمواج هادئة وهو قريب من الشط. لكن هل من نجاة من تلك الدوامة التي تسحبه؟ ــــــــــــــــــ بالمشفى
سهمت تحية تشعر بانشراح في قلبها، عواد بحديثه خصّها بكلمة "ماما"، تلك الكلمة التي هزت قلبها فمنذ سنوات لم تسمعها منه. تدمعت عينيها لكن لاحظت نظر البعض لها، كما أنها لابد أن تدخل إلى غرفة صابرين... ببسمة خفيفة ذهبت إلى الغرفة الموجود بها صابرين والتي كان معها شهيرة وفادية وكذلك الطبيب كي يفحصها. دوّن الطبيب بعض الأدوية بورقة وأعطاها لشهيرة، ثم وقف يقول لهن بعض النصائح وحذر قائلًا:
"أنا سبق وقلت لزوج المدام إن مش لازم يحصل حمل عالأقل قبل ثلاث شهور، ومرة ثانية حمد لله عالسلامة يا مدام." غادر الطبيب وتركهن، في ذلك الأثناء كانت دخلت عليهن تحية تقول: "الحمد لله، الدكتور طمنا على صابرين، السواق منتظرنا برة... خلونا نرجع للبيت." ردت شهيرة بسؤال: "بيت مين؟ ردت تحية: "بيت صابرين طبعًا، بيت زهران." كادت شهيرة أن تتحدث لكن قاطعتها فادية وهي تضع معطفًا على كتفي صابرين:
"طبعًا يا طنط بيت زهران، صابرين واحدة من عيلة زهران." تبسمت لها تحية بقبول، بينما نظرت لها شهيرة كانت تود أخذ صابرين معها لبيت سالم. لكن امتثلت لهن... حتى صابرين نفسها بداخلها لم تكن تريد العودة إلى منزل زهران، وتود الذهاب إلى بيت أبيها، لكن هل سيرحب بها وقتها؟ لا داعي لخيبة أمل أخرى، استسلمت كعادتها للطريق السهل أو الذي أصبح الأصعب بالنسبة لها. بمنزل زهران تحت إحدى المظلات الموجودة بالحديقة
كانت تجلس أحلام ترتشف كوبًا من الشاي الأخضر، تتنفس نسمة هواء الربيع تشعر بانشراح في قلبها منذ أكثر من يومين وصلت لهدفها وأجهضت صابرين. تذكرت حديثها مع الخادمة بعد أن أخذ عواد صابرين إلى المشفى. [فلاش باك] ارتعبت الخادمة بعد أن رأت عواد يحمل صابرين التي تنزف بين يديه يهرول بها إلى السيارة وخلفه تحية وفادية، وقفت ترتعش. إلى أن رأتها أحلام، ذهبت إليها قائلة: "مالك واقفة ترتعشي كده ليه؟ تعالي ورايا لأوضتي بسرعة."
ذهبت الخادمة خلف أحلام إلى غرفتها. أخرجت أحلام مبلغًا ماليًا كبيرًا ومدت يدها به قائلة: "خدي هاتي ليك حتتين صيغة وبلاش رعشتك دي، واطلعي نظفي الجناح بتاع عواد... يلا وبلاش خرعتك دي لحد ياخد باله."
أخذت الخادمة المال ووضعته بجيبها، ثم خرجت من الغرفة، صعدت مباشرة إلى جناح عواد، شعرت برجفة قليلًا، لكن سرعان ما تمالكت نفسها ودخلت إلى غرفة النوم، شعرت بهزة في جسدها وهي ترى دماء صابرين على الأرض، شعرت بالندم، لكن ليس بيدها شيء هي خادمة لقمة عيشها هكذا نيمت ضميرها، ثم نظفت الغرفة ودخلت إلى الحمام كي تأخذ الملابس غير النظيفة وكذلك سلة المهملات التي سقط منها بعض من المحتويات بأرضية الحمام، جمعت تلك المحتويات، وبسبب استعجالها لم ترَ ذلك الاختبار.
أما أحلام فاضطجعت على إحدى المقاعد تبسمت وهي تتذكر ارتعاش تلك الخادمة، لكن حين أعطتها المال زالت عنها الرعشة، يظل مفعول المال دائمًا الأقوى كي تشتري به الضمائر، وكذلك شعرت بارتياح وانشراح وهي تتذكر وجه تحية الحزين أثناء حمل عواد لصابرين، وكذلك وجه عواد الذي كان يبدو عليه الفزع بوضوح. [عودة]
أخذت أحلام ترتشف باقي كوب الشاي بتلذذ وهي تنتظر عودة تحية ومعها صابرين من المشفى، وهنالك خبر جيد لها، أن إحدى زوجتي أبنائها اليوم علمت بحملها، وحين تعلم تحية بذلك ستزداد حسرة إجهاض زوجة ابنها في قلبها. بعد وقت دخلت فادية وتحية تسندان صابرين. صعدن مباشرة إلى الجناح. سبقتهن الخادمة وفتحت باب الجناح لهن، دخلن ثلاثتهن وأغلقت الخادمة خلفهن الباب بينما قالت تحية: "لازم ترتاحي زي ما قال الدكتور."
كذلك قالت فادية لم تعترض على طلبهن صابرين رغم أنها تشعر ببعض الألم النفسي ربما بسبب عودتها لنفس المكان التي فقدت به جنينها بعد أن قررت الاحتفاظ به. بمنزل سالم التهامي عاتب سالم شهيرة قائلًا: "ليه ما جبتيش صابرين على هنا بعد ما خرجت من المستشفى؟ ردت شهيرة:
"والله كنت هعمل كده بس الست تحية قالت إن ده بيت جوز صابرين وهو الأولى بيها ولسه هاعترض فادية طبقت على كلامها، حتى أنا سيبتهم وجيت على هنا عشان أحضرلك الغدا، كمان أنا سويت أكل لصابرين الدكتور قال لازمها تغذية، صحيح هناك عندهم أكل، بس برضوا فادية قاعدة معاها ومش عاوزاها تحتك بسحر، وتحرق دمها بكلمتين فارغين." تهكم سالم قائلًا: "ما كانش لازم توافقي إنها ترجع على بيت زهران، قال بيت جوزها قال، فين جوزها ده؟
واحد مراته نزفت وأجهضت وهو ثاني يوم ولا على باله وخد نفسه وسافر وأهو فات يومين وما رجعش عشان يطمن على مراته، عارفة لو كنتِ جبتي صابرين لهنا كان مستحيل أرجعها له ثاني، عندي شعور شبه يقين إن إجهاض صابرين ده متعمد، بس لما سألت الدكتور قال لي أنه قال لعواد على تفاصيل اللي حصل وأدى للإجهاض وما ادانيش دليل، متأكد عواد حذر عليه." نظرت له شهيرة بدهشة قائلة: "قصدك إيه؟ يعني ممكن عواد هو اللي اتسبب في إجهاض صابرين؟
لأ أنت غلطان، فادية قالت لي إن عواد كان جاي من برة واتفاجئ بنزيف صابرين وهو اللي شالها من على الأرض وجرى بها عالمستشفى." رد سالم: "لو ناسيه عواد سبق وزور تقرير العذرية... وخلى مصطفى زي المجنون وقتها، كانت غلطة مني لما سيبت القرار لصابرين إنها تاخد حقها من عواد بنفسها، وأهو أول شيء أجهضت وإحنا ما نعرفش السبب." ردت شهيرة:
"بلاش تفكيرك ده يا سالم، عادي الإجهاض بيحصل على أقل الأسباب، وفادية حصل لها كده كذا مرة بدون سبب، بلاش تكبر القصة ويمكن عواد صحيح عنده مشاغل وتحية كانت معانا طول الوقت كنت برجع أنا وهي سوا من المستشفى مسافة الليل وفادية تبات معاها حتى كانت ندبت نفسها تبات بس فادية قالت لها بذوق أنها أكثر واحدة بتفهم صابرين وهتعرف راحتها." زفر سالم نفسه قائلًا: "أنا برضوا مصمم على قولي صابرين أجهضت بسبب وعواد عارف بكده." ليلًا
تنهدت صابرين بآهة خافتة، سمعتها فادية التي تنام جوارها بها، فصحوت سريعًا وأشعلت ضوء الغرفة ونظرت لصابرين قائلة: "مالك يا صابرين؟ حاسة بوجع؟ هزت صابرين رأسها بلا ثم قالت: "إيه اللي خضك كده؟ أنا بس كنت بتقلب." تنهدت فادية بارتياح... تبسمت لها صابرين قائلة باستهزاء: "حتى لو بتألم عادي مش جديدة عليا." شعرت فادية بأسى قائلة: "صابرين أكدي لي مش أنتِ اللي أجهضتي نفسك." نظرت صابرين لها بذهول قائلة:
"معنى كلامك إنك شاكة إني أنا اللي أجهضت نفسي؟ ردت فادية سريعًا:
"لأ يا صابرين أنا متأكدة إنك عمرك ما تعملي حاجة تغضب ربنا، يمكن المفاجأة خلتك شوية عندك ارتباك وتوتر بس لما كلمتيني وقلتِ لي إنك هتقولي لعواد عالحمل وحسب رد فعله هتقرري تكملي معاه أو لأ، وبعدها بأقل من ساعة تتصلي عليا وتقولي لي إلحقيني أنا بنزف، يبقى حصل حاجة هي اللي خلتك نزفتي بالشكل الفظيع ده، وكمان عواد دخل للبيت بعد وصولي بعد اتصالك يعني مستبعد يكون هو السبب، إيه اللي حصل لك بالضبط في الوقت ده؟
تدمعت عين صابرين قائلة: "ما أعرفش أنا فجأة حسيت بانفجار في بطني وبعدها نزفت بشكل رهيب حتى ما كنتش قادرة أصرخ، يمكن حد من البيت كان سمعني ويمكن ما كنتش خسرت الجنين، كنت قريبة من السرير واتصلت عليكِ وبعدها ما حسيتش غير... توقفت صابرين عن استكمال حديثها. تعجبت فادية قائلة: "ما حسيتيش غير إيه؟ وقفتي كلامك ليه.
تذكرت صابرين عواد حين كاد يخنقها بالمشفى وهمس بوعيد لها، هي شعرت به رغم أنه ظن أنها ما زالت تحت تأثير الأدوية، لكن هي شعرت به وبيده حول رقبتها لم تفهم لما فعل ذلك حتى أنها علمت بعد ذلك بسفره وتركه لها بالمشفى دون اهتمام منه كأنها لا تعنيه بشيء، شعرت بنخر في قلبها. ابتلعت غصة بقلبها وقالت: ما حسيتش غير لما دخلتي عليا الأوضة تاني يوم المسا...
أنا مش عارفة إيه اللي حصلي فجأة كده، تفتكري إن ده ممكن يكون زي اللي كان بيحصلك فجأة بتجهضي. تألّمت فادية: معتقدش ده السبب يا صابرين، بس كل شيء قدر، ويمكن خير، ربنا له شؤون وما كانش مكتوب للجنين ده يكمل. شعرت صابرين ببعض الراحة النفسية، لكن لعقت شفتاها تشعر بجفاف في حلقها وقالت: أنا عطشانة أوي. نظرت فادية إلى الكومود فوجدت ذلك الدورق، أمسكته وسكبت ما به من مياه في كوب صغير وقالت:
الدورق ما فيش فيه غير حبة المية الصغيرين دول، أنت بتشربي ميه كتير، خذي اشربيهم. أومأت لها صابرين وأخذت ذلك الكوب وارتشفت المياه منه ثم أعطته لفادية التي تبسمت لها قائلة: هنزل تحت أجيب ميه، يا رب ألاقي حد من الخادمات صاحي. أومأت صابرين لها بصمت. نزلت فادية إلى أسفل المنزل، وقفت تشعر برهبة قليلاً، وكذلك توهة فهي مرات قليلة التي أتت بها لهنا.
لكنها لاحظت أول مرة دخلت إلى هنا حين سألت إحدى الخادمات عن الحمام، كانت تأتي من أحد الاتجاهات، ذهبت إلى ذلك الاتجاه وبالفعل عثرت على المطبخ، توجهت نحو الثلاجة وأخذت أكثر من زجاجة مياه ووضعتهم على طاولة بالمطبخ ثم أغلقت الثلاجة وأدارت وجهها تحمل زجاجات المياه. بينما قبل دقائق، بغرفة مكتب فاروق كان ساهر يحاول السيطرة على مشاعره الثائرة وهو يتذكر أن فادية هنا بالمنزل.
لأول مرة يبيت الاثنان تحت سقف منزل واحد، حقًا كلٍ منهم بغرفة لكن يجمعهم منزل واحد، شعور قوي يختلج بقلبه يود أن يكون ما حدث سابقًا كان حلم وأن الفرصة لم تنتهي وأنهما نصيب بعضهما، لكن هي الحقيقة المرة التي يعيشها، فادية معه بنفس المنزل لكن بعيدة عنه ولا يقدر الذهاب إليها...
نهض من على مكتبه يشعر بصداع حاد برأسه، شعر بحاجته لكوب من القهوة علها تزيل ذلك الصداع، والوقت تأخر إنها بعد الثانية عشر، وبالتأكيد الخادمات انتهت خدمتهم، ولا يود الآن رؤية سحر... خرج من الغرفة، وتوجه نحو المطبخ، تنهد براحة حين رأى نور المطبخ شاعل، دخل مباشرة، لكن تصادم مع فادية التي كادت تخرج من المطبخ، والتي انخفضت ووقع منها زجاجات المياه على الأرض. توقف الزمان بالاثنين، نظرات العيون كانت كافية بالبوح عنهم.
عين فادية تتلفت حولها، آخر شيء تريد أن تراه هو فاروق. عين فاروق تشتعل بنظرات هيام وغرام ما زال يسكن في الفؤاد. انتبهت فادية لوقفتهم، خشيت أن يرى أحد وقفتهم ويفسرها خطأ، يكفيها ألمها على حال صابرين... انحنت وأخذت زجاجات المياه وكادت تغادر المطبخ. لكن فاروق جذبها من يدها وأوقفها واقترب منها ينظر لعيناها، التي كانت نظرتهما بالماضي تعطيه الأمل والتفاؤل، اليوم يراها عين حزينة رغم ذلك ما زالت محتفظة بلمعتها الصافية.
ضجرت فادية من مسكة يد فاروق لها وقالت: فاروق ابعد إيدك عني، وسيبني أطلع لصابرين. نظر فاروق لها قائلًا: ليه يا فادية؟ تعجبت فادية قائلة: ليه إيه؟ ابعد إيدك عني، وضعنا غلط يا فاروق. رد فاروق: ليه يا فادية باقية على وفيق بعد ما اتجوز عليكي واحدة تانية. تهكمت فادية قائلة: ومين اللي قالك إني باقية عليه؟ أنا خلاص وفيق بالنسبة لي انتهى، ودلوقتي كل اللي بفكر فيه مستقبلي وبس، وطلاقي من وفيق مسألة وقت وهو بنفسه اللي هينهيه.
رد فاروق: وفيق مش هينهي جوازكم إلا لو اتنازلتي عن كل حقوقك الشرعية، اتنازلي له، أنت مش محتاجة منه أي حاجة. ردت فادية بعصبية: أنا فعلًا مش محتاجة من وفيق حاجة، بس كمان عارفة طريقة تفكير حماتك المصون، مع أول حكم من المحكمة بالنفقة وقايمة العفش هتخاف على الفلوس وتأمره إنه يطلقني عشان النفقة ما تعدش عليه، رغم إن مبلغ النفقة هيبقى لا يذكر بالنسبة له، بس بالنسبة لها خسارة فيا.
بتلك اللحظة صمت الاثنان، عيناهما فقط مسلطة على بعضهم، كان الصمت لمصلحتهم حين سمعوا أصوات أرجل تتجه إلى المطبخ. قبل دقيقة بغرفة سحر تقلبت في الفراش. مدت يدها لكن وجدت مكان فاروق خالي، استيقظت وأشعلت ضوء خافت وجذبت هاتفها، للحظة فكرت أن تهاتفه، لكن قالت: أكيد ممكن تكون جت عليه نومة في أوضة المكتب زي عادته، ولو رنيت عليه هيطنش يرد، أما أقوم أنزل له.
أزاحت الغطاء ونزلت من على الفراش، أتت بعباءة منزلية وارتدتها فوق منامتها ووشاح على رأسها ونزلت لأسفل. لكن قبل أن تصل إلى غرفة المكتب رأت نور يأتي من ناحية المطبخ، كما أنها اعتقدت أنها سمعت همس، ساقها فضولها لمعرفة من الذي بالمطبخ، توجهت نحوه وقبل أن تدخل إلى المطبخ توقفت للحظة تتسمع لكن كان الصوت تلاشى، عزمت أمرها ودخلت إلى المطبخ لتتفاجأ بوجود فاروق يقف بالمطبخ فقالت له: بتعمل إيه هنا في المطبخ في الوقت ده؟
رد فاروق: كنت حاسس بشوية صداع وكنت هعمل لنفسي فنجان قهوة، بس خلاص ما بقاش لي مزاج، خلينا نطلع أوضتنا، أنا محتاج أرتاح. رغم تعجب سحر من مسك فاروق يدها وجذبها للسير معه بهذا الهدوء لكن تبسمت له حين خرجا معًا من المطبخ، لكن قالت: ليه ما طفيتش نور المطبخ. ترك فاروق يد سحر وقال: نسيت هأطفيه أهو. بتردد أطفأ فاروق نور المطبخ وعاد للسير مع سحر يبتعدان عن المطبخ.
في نفس الوقت التقطت فادية أنفاسها التي كانت تكتمها، خشية أن تراها سحر وتفتعل كذبة وتلفيق منها. أخذت زجاجتي المياه وغادرت سريعًا تعود إلى جناح صابرين، أغلقت خلفها باب الجناح تستنشق الهواء بتسارع، دمعة فرت من عينيها ليس من أحد ولا على أحد بل على حالها كيف ارتعبت من رؤية سحر لها بالمطبخ مع فاروق. تذكرت قبل لحظات حين شعرا بأصوات أقدام تقترب من المطبخ. نفضت فادية يده عنها بقوة.
ثم كادت تخرج من المطبخ، لكن رأت ظل يقترب، سرعان ما وضح صاحبة الظل، إنها سحر، لا تود سماع تنمرها عليها الآن. كذلك ربما تفتعل كذبة حين كاد فاروق يخرج هو الآخر من المطبخ. لكن جذبت فادية يده وعادت للمطبخ هامسة له برجاء: أرجوك يا فاروق، سحر لو شافتني أنا وأنت هنا مش هأسلم من سم كلامها.
نظر فاروق لعين فادية للحظة، قرر عدم سماع حديثها وليحدث ما يحدث بعدها، لكن عاودت ابتعدت فادية عنه وتوجهت إلى خلف الثلاجة وتوارت خلفها تشعر برعشة في جسدها... مما جعل فاروق يشفق على حالها حتى أنه خرج دون إطفاء النور، لكن بسبب سحر أطفأه... شعرت برهبة قوية لكن أفضل مما كان سيحدث لو رأتها سحر كانت تشفت بها، دمعة سالت على وجنتيها سرعان ما جففتها بيدها وحسمت أمرها لا للضعف مرة أخرى.
دخلت إلى غرفة النوم تنهدت براحة حين رأت صابرين تغط في النوم... وضعت زجاجتي المياه على الطاولة... شعرت بالأسى على حالها هي وأختها الاثنان ذاقا من الرجال الأسوأ. بـ فيلا زهران بالإسكندرية. سهد عواد النوم، يشعل سيجارة من أخرى وهو يتذكر حديث والدته اليوم له عن خروج صابرين من المشفى، وأيضًا اتصالها عليه قبل قليل حين أخبرته أن فادية هي من ستظل مع صابرين.
أشعل سيجارة من أخرى ثم أطفأ عقبها في المنفضة الذي يضعها فوق ساقه وهو ممدد على الفراش، يلوم ذاته حين فكر في بداية جديدة بشكل آخر مع أكثر هدوء مع صابرين. تذكر قبل عودته للمنزل يوم إجهاض صابرين. [فلاش باك] بعد أن أرسل لصابرين رسالة تهديد مرحة منه. وضع الهاتف على أذنه يسمع رنين الهاتف لكن لا رد أيضًا، تبسم ونهض من على مكتبه ضاحكًا وحسم أمره بالعودة للمنزل قائلًا:
بتتجاهلي رسايلي ومكالماتي يا صابرين، وماله أنت هتشوفي هأعمل فيكي إيه. لكن قبل خروجه من المكتب وجد فاروق يدخل عليه متهجم الوجه، قائلًا: أنت كنت خارج ولا إيه. رد عواد: أيوه راجع للبيت... خير يا عمي. رد فاروق: مش غريبة، أنت متعود ما ترجعش البيت غير المسا، إيه اللي اتغير. رد عواد: ما فيش حاجة اتغيرت بس ما عنديش شغل هنا. تنهد فاروق بسأم. تحدث عواد قائلًا:
اقعد يا عمي خلينا نتكلم كلمتين مع بعض بصراحة، بصراحة أنا زهقت ومليت من مرواحك للكباريه، متهيأ لي إنك بتضيع نفسك في طريق نهايته سيئة، ما أظنش السكر هينسيك فادية. نظر فاروق لعواد مصدوم يقول بارتباك: قصدك إيه؟ مش فاهم..... قاطعه عواد قائلًا:
لأ فاهمني يا عمي، أنت آخر مرة لما رجعت معايا سكران للفيلا، أنت غلطت في الكلام بعد ما شوفت صابرين وبعدها أنا مشيتها عشان ما تسمعش هلفطك في الكلام، لكن أنت ناديتها بـ فادية وقولت لها ما تسيبينيش يا فادية أنا بحبك وما نسيتكيش لحظة... أنا ما أعرفش قصتك إيه مع فادية وحمدت ربنا إن صابرين كانت مشيت وما سمعتكش، فوق يا عمي، فادية حتى لو اتطلقت من وفيق مش هتفكر فيك، كفاية بقى أنت بتضيع نفسك عشان وهم بترسمه في دماغك.
انتفض فاروق واقفًا يقول: وأنت بتضيع عمرك في إيه؟ أوعى تكون مش ملاحظ أفعالك الأخيرة مع صابرين، أنت كمان غرقت في بحر العشق زيي زمان، بس في فرق بينا أنت نولت اللي قلبك رايدها، أنا كنت جبان ومتخاذل وغرقت لوحدي وبإرادتي. قال فاروق هذا وخرج من المكتب يصفع الباب خلفه بقوة.
نهض عواد هو الآخر، في البداية تهكم على مواجهة فاروق له أنه غرق بعشق صابرين، لكن برر ذلك بأنها رد مبالغ من فاروق كي يتهرب منه، هو فقط أراد حياة جديدة مع صابرين، هو أحب منها تلك المشاغبات التي تفعلها معه أعطت لحياته روح جديدة، روح مرحة حين تعانده وتفتعل المناوشات بينهم، هذا كل ما يشعر به وسهل الاستغناء عن ذلك وقتما يريد، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك حين عاد من أجلها إلى المنزل ليشعر بانخلاع قلبه عند رؤيته لها غارقة بدمائها.
[عودة] سحق عقب السيجارة بالمنفضة، ونهض من على الفراش، يشعر بألم مكان تلك الرصاصة التي عاد يشعر بألمها الآن بظهره، ألم يشبه ألم الماضي الذي لوقت تنساه وفكر ببداية جديدة وهادئة مع صابرين، لكن يبدو أن هذا الألم لن يندمل أبدًا. بعد مرور أسبوع بمنزل الشردي صباحًا كان يوم ربيعي. دعت ماجدة سحر لتناول الفطور معها هي وأخيها وناهد بحديقة المنزل. جلسوا على طاولة الفطور. تحدثت سحر:
كويس يا ماما إنك اتصلتي عليا وقولتي لي تعالي نفطر سوا، بصراحة رحمتيني من وداع صابرين. ردت ناهد: وهتودعي صابرين ليه؟ ردت سحر:
هترجع إسكندرية، خلاص صحتها اتحسنت وهرتاح من دلع تحية ليها، تقولي محسساني إنها بنتها، لأ ومتأثرة أوي وصعبان عليها صابرين، والله كنت عاوزة أقولها بلاش تدلعيها كده لا في الآخر تعمل زي فادية وتسيبلك البيت وتمشي. ماما كانت بتطبطب على فادية كده بعد كل مرة كانت بتجهض فيها، يظهر إن حكاية الإجهاض دي عندهم وراثة، سمعت مرة أحلام بتقول إن سامية قالت لها إن أمهم كانت بتجهض غير كانت بتغيب على ما بتخلف، يعني بين صابرين وفادية سبع سنين، وصابرين وأخوهم الصغير كمان باين ستة. لأ ومين اللي كانت قاعدة بصابرين الأربعة وعشرين ساعة؟
فادية. والله كنت عاوزة أقولها عمرك ما اهتميتي بـ ماما كده. يلا ربنا يبعدهم عننا. ردت ناهد: فعلاً! ده يبقى وراثة بقى، ربنا يسهل. نظرت ماجدة لـ وفيق قائلة: عندي إحساس إن ربنا هيعوض صبرنا خير ويرد لينا حقنا وقريب أوي، ناهد هتقول لينا البشرى السعيدة.
نظرت ناهد لـ وفيق الذي بالكاد شق شفاه ببسمة، وبداخلها تهكمت عليه تشعر بحسرة فهو منذ تلك الليلة عاد للنوم بغرفة فادية، حتى حين حاولت اقتحام الغرفة وجدتها مغلقة بالمفتاح عليه من الداخل. بينما نهض وفيق قائلًا: عندي شغل في المصنع هتأخر بلاش تستنوني عالغدا، سلام. قال وفيق هذا وذهب نحو والداته وانحنى يقبل رأسها ثم غادر بخطى سريعة، يسمع دعاء ماجدة له إنه سينال الرضا قريبًا.
قبل أن يصعد للسيارة أخرج هاتفه من جيبه وقام باتصال سرعان ما رد عليه الآخر، فقال له باستخبار: خير قولي إيه آخر أخبار قضية الطاعة؟ رد المحامي: القضية ماشية تمام، كتبنا عنوان تاني للمدام والإخطارات هتوصل عليه بكده نضمن إن ميكونش عندها خبر وعدم حضور محاميها يقوي موقفنا ونحصل على الحكم من أول جلسة. بالإسكندرية. أمام جامعة غيداء.
رأت من بعيد ذلك الواقف على دراجته النارية، يبدو إنه ينتظرها، لكن تجاهلته. وسارت مع زميلاتها نحو سيارتها، لكن هو تضايق من ذلك وهمس لنفسه بسأم: زهقت من إني أداري وأدلع، كل شوية تعمل مقموصة وأجري أنا وراها. أرسل رسالة من هاتفه عليها، لكن لم تهتم بها مثل الأيام السابقة تتجاهل رسائله عن قصد منها، يبدو إنه كلما اقترب من هدفه يعود مرة أخرى لنقطة البداية، لكن اليوم سيتقدم بخطوة بعدها لن يعود مرة أخرى للبداية.
حسم أمره وذهب إليها ووقف أمام سيارتها قائلًا: غيداء ممكن نتكلم لدقيقتين. كادت غيداء تتجاهله وتصعد إلى السيارة، لكن كلمة قالها جعل جسدها يتيبس وتقف مكانها بذهول: غيداء أنا بحبك. كلمة اعتقد إنه يقولها خداع لكن قلبه هو من نطقها. دخلت صابرين إلى الفيلا، لم تكن تتوقع أن يكون عواد في استقبالها، لكن اندهشت من وجوده بالفيلا، لكن وقفت مصدومة حين سمعت رده على سؤال فوزية: مين البنت الجميلة اللي أنت شايلها دي يا عواد.
رد عواد وهو ينظر إلى صابرين يترقب رد فعلها قائلًا: "ميلا بنتي".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!