الفصل 45 | من 61 فصل

رواية بحر العشق المالح الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
18
كلمة
3,986
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

بعد مرور أسبوعين، انتصف الصيف، ازدادت الحرارة وهدأت الأمواج قليلًا. بمنزل جمال التهامي، كأن جمال اعتزل الحياة، يقضي معظم وقته بغرفته بعدما صُدم بنتيجة ذلك التحليل، صابرين كانت صادقة، فتح ألبوم صور وبدأ يتصفح تلك الصور واحدة تلو الأخرى، وذكريات تُعاد أمامه، يبتسم تارة وتارة تنزل دمعة من عينيه.

يقينًا، لم يكن فلذة كبده، لكن الحقيقة لم تغير شيئًا من أحاسيسه، كان ولده، انشرح قلبه لفرحه، وانشطر قلبه بفراقه الذي لم يقل بل زاد صعوبة الآن. دخل إلى الغرفة فادي، واقترب من مكان جلوسه، رفع وجهه ونظر له وجفف تلك الدمعة قائلًا: "حمد لله على السلامة يا فادي، متى وصلت من إسكندرية؟ شعر فادي بالأسى قائلًا: "لسه يا دوب واصل، هي ماما فين؟ تنهد جمال قائلًا:

"أكيد راحت تدعي حبايبها عشان فرحك اللي بعد يومين، قل لي رتبت أمورك في إسكندرية؟ تنهد فادي قائلًا: "أيوه، عفش الشقة لسه جديد يا دوب غيرت فرش أوضة النوم، وكمان أخدت إجازة من مصنع السيارات لمدة عشر أيام، ما قدرتش آخذ أكثر من كده بس كويس عشر أيام."

جلس فادي جوار جمال يشعر بوخزات في قلبه، مد يده يمسك ذلك الألبوم ينظر إلى صور مصطفى، شعر هو الآخر بالحزن الكبير وتذكر ضحية الأخوة التي ظلمها بانتقام واهٍ، شعر بالندم لكن ظن أن هنالك فرصة أخرى ربما يستطيع من خلالها تعويض ما بدر منه من تسرع وغباء. تنهد جمال قائلًا: "أنا اتفقت مع فهمي إنك هتفضل هنا في البلد يومين أو ثلاثة بعد الجواز." وضع فادي يده على جبهته يفركها بأنامله قائلًا:

"مش هينفع، أنا شقتي هنا لسه محتاجة تشطيبات وعامل حسابي على العيشة في إسكندرية، الشقة قريبة من المصنع اللي باشتغل فيه، وأكيد غيداء مش هتبقى مرتاحة لو فضلت مع حضرتك أنت وماما في نفس الشقة، غير إن ماما مش لازم تعرف إن غيداء حامل، حضرتك عارف ماما." رد جمال بتوضيح يشعر بغُصص: "شقة مصطفى جاهزة يا فادي." ذُهل فادي وكاد يرفض لكن، نظر جمال يكمل حديثه متهكمًا:

"بلاش ترفض، وبعدين ولما أنت خايف على غيداء كده، ليه عملت الجريمة دي؟ أنا اكتشفت إني بعد العمر ده كله ما عرفتش أربي ولادي وأتشرف بتربيتي لهم، إن كان أنت ولا مصـ... صمت جمال متأثرًا بدموع تترغرغ بمقلتيه، قاسية عليه استيعاب حقيقة أن مصطفى لم يكن من صلبه. بينما شعر فادي بالخزي وأطرق رأسه لأسفل معترفًا حقًا كان وغدًا وبلا أخلاق. بينما أكمل جمال حديثه بذم ولوم:

"مصطفى بعد الحب ده كله لصابرين نتفاجأ إنه كان متجوز ومخلف، وأنت كمان يا ريتك حتى كنت اتجوزت، كان أرحم من إنك تروح لطريق الحرام... وتؤذي بنت بريئة." شعر فادي بالخزي والندم قائلًا بتبرير يغفل به ضميره: "سبق وقلت لك يا بابا إني متجوز من غيداء." تهكم جمال قائلًا: "والعقدين العرفي اللي معاك دول جواز حلال يا فادي؟ هتضحك عليا ولا على ربنا؟

أساس الجواز قبول وإشهار قدام الناس كلها مش استغفال في الخفا، زي السرقة بالضبط، أنت سرقت فرحة غيداء إنها تبقى زي أي بنت بتبدأ حياتها مع زوج يقدر قيمتها، ومتأكد لسه هتدفع الثمن غالي يا فادي، كله إلا اللعب بـ "الأعراض" عقابه بيبقى وخيم ومش بعيد يترد لك في يوم في ولادك، أنا زمان وافقت مروان إنه يخطف صابرين ويحط خالي عواد قدام الأمر الواقع إن صابرين اختارته وكمان لما أطمعت في حتة أرض كانت بمثابة "دِية" وأهو أنا دفعت الثمن فقدت ابن ما كانش ابني من البداية وابني الثاني ساوم وانتقم "بالعِرض"."

بغرفة مكتب عواد، بمنزل زهران، أغلق عواد الحاسوب الخاص به. تعجب رائف الواقف جواره قائلًا باستغراب: "شريط الفيديو ده بيوضح إن السواق ده هو اللي أكيد قطع سلك الفرامل في عربية صابرين، بس إيه هدفه من كده؟ وإزاي ما فكرش إن في كاميرات هنا في الجنينة؟ وبالذات مكان وقوف العربيات." تنهد عواد بتأثر قائلًا بتفسير:

"هو عارف إن في كاميرات بس هو عطل الكاميرا الرئيسية بتاعة الجنينة واللي كانت قريبة من مكان وقوف عربية صابرين ومعندوش فكرة إن في كاميرات تانية مخفية ولها نظام تحكم تاني خاص بها... وأكيد في حد هو اللي أمره يعمل كده ومتأكد هيكشف نفسه قريب جدًا." جلس رائف على أحد المقاعد بالمقابل لمكتب عواد قائلًا: "وأنا ليه حاسس إنك عندك شك في حد معين." أشعل عواد سيجارة ونفث دخانها قائلًا بيقين:

"أنا عندي يقين مش شك بمين اللي كانت هدفها أذية صابرين." تعجب رائف قائلًا بسؤال: "ومين دي بقى وإيه مصلحتها في أذية صابرين توصل إنها تفكر تقتلها؟ نفث عواد دخان السيجارة قائلًا بثقة وسخرية: "الأميرة فوزية بنت سيادة السفير." لم يتعجب رائف وقال: "بس مش عارف إزاي ما فكرتش إنها ممكن تنكشف بسهولة تتعاقب." رد عواد متهكمًا: "وهتخاف ليه وهي معاها الباسبور الأمريكي؟

بس هي ما عملتش حساب هي بتؤذي مين بالنسبة ليا، صابرين من أي حد بالنسبة ليا." نظر رائف باستفسار متسائلًا بمكر: "قصدك إيه؟ وبعدين لما صابرين غالية عليك قوي كده ليه بتفكر تنفصل عنها الفترة اللي جاية؟ زفر عواد نفسه قائلًا: "ما فيش قدامي حل تاني، أنا خلاص حددت ميعاد سفري للندن بعد ثلاثة أسابيع، قبلها هكون اتفقت مع صابرين على انفصال ودي وكفاية أنا اللي دخلت صابرين لحياتي بالغلط من أولها." سخر رائف قائلًا بمواجهة:

"دخلتها لحياتك عشان بتحبها؟ أنا مش معاك في إنك تخفي عنها أمر العملية اللي هتعملها، وكمان سيب لها حرية الاختيار وقتها مش... قاطع عواد حديث رائف برفض قائلًا: "لأ، مش هاقدر أتحمل لو هي فكرت تضحي وتتقبل إني أعيش معاها مشلول، ولا حتى إنها ترفض من البداية وتقرر هي وقتها الانفصال." نظر رائف لعواد بشفقة:

"غرورك مانعك تعترف إنك محتاج لدعم صابرين الفترة الجاية يا عواد، زي ما منعك تعترف قبل كده إنك بتحبها، سبتها تروح لغيرك، أنا ما أقدرش أقول لك أكثر من نحّي غرورك واقعد أنت وصابرين واتكلموا بهدوء وقتها تأكد إنك هتطلع غلطان والغرور هو اللي ضيع فُرصك مع صابرين، وهتندم على ده مع الوقت." صمت عواد، لكن قطع ذلك الصمت صوت رنين هاتفه... نظر لشاشة الهاتف ثم رد على من يتصل عليه، إلى أن أنهى الاتصال قائلًا:

"المساء هكون في إسكندرية." أغلق الهاتف ووضعه أمامه على المكتب يزفر نفسه، بينما قال رائف باستفسار: "أنت مسافر إسكندرية النهاردة... ليه؟ نهض عواد واقفًا يجيب عليه: "أيوه، أمر هام ولازم أكون هناك عشانه بنفسي." وقف رائف قائلًا:

"عارف إنك مش هتقول لي إيه هو الأمر ده، على العموم أنت حر، بس فكر في كلامي وبلاش تاخد قرار واتكلم مع صابرين، مش هتخسر حاجة، هأروح أنا أتصل على فتوش أتحجج إني عاوز أشوف بنتي، بنتي اللي نستني كأني مش موجود، صحيح كل واحد بيدور على اللي بيرتاح معاه وإحنا بندور على اللي تَعِب قلبنا هواه." ضحك عواد قائلًا: "ابقى غني لفتوش." ضحك رائف أيضًا قائلًا بمزح:

"مش ناقصة تسمع نشاز صوتي عاوزها تطفش من النشاز، هي أساسًا مصدرة الوش الجبس، يلا هأجرب حظي، يمكن ربنا يفكها عليا وعليك شوية." بغرفة صابرين، بعد أن سمحت لها دخلت تحية إلى الجناح ترسم بسمة زائفة على شفتيها قائلة: "صباح الخير يا صابرين، إزاي صحتك النهاردة؟ ردت صابرين ببسمة: "الحمد لله بخير، الدكتور فك جبس إيدي إمبارح، بس قال لي أفضل كده كم يوم ضماها في الحامل الطبي على كتفي." وضعت تحية يدها على كتف صابرين قائلة بتمنٍّ

ثم تردد: "ربنا يتمم شفائكِ يا رب، صابرين كان ليا عندك طلب ولو هيسبب لك إحراج... سبقت صابرين بالحديث قائلة: "اطلبي يا طنط أعتقد ما بقاش في حاجة تسبب لي إحراج." شعرت تحية بحرج مصحوب بغصة قوية وهي تقول: "مرات المرحوم مصطفى، أنا عارفة إن أكيد فادي دعاها لحضور الفرح، هي لسه ما تعرفش الحقيقة اللي ظهرت، كنت باقول لو تتصلي عليها وبدل ما تجي وتروح على بيت عمك تجي لهنا."

شعرت صابرين بالأسى على تحية التي تحملت كثيرًا وما زالت صامدة، كل ما تتمناه فقط هو رؤية من تحب سعيد حتى لو كان على حُطام قلبها. ردت سريعًا: "حاضر يا طنط هتصل عليها دلوقتي وأطلب منها." تبسمت تحية تخفي تلك الدمعة التي بعينيها، بينما صابرين قامت بالاتصال على منال التي ردت عليها. بعد السلام بينهم تحدثت صابرين:

"منال أنا عارفة إن أكيد فادي دعاكِ لحضور فرحه بعد بكرة، الحنة أكيد هتحضريها، كنت باقول بدل ما تروحي تقعدي في بيت عمي جمال وهناك هيبقى دوشة إيه رأيك هنا في بيت زهران في مضيفة خاصة تقدري تبقي فيها مع والدتك وبنتك على راحتكم كأنها شقة خاصة بيكم." شعرت منال بالحرج وردت: "بس أنا كنت كنة عمي جمال والمفروض لما أنزل أنا وبنتي للبلد يبقى المكان الطبيعي هو بيته." قاطعتها صابرين قائلة:

"عارفة اللي هتقوليه، بس اعتبريني بادعيكِ كضيفة وكمان هنا هتبقي على راحتك أكثر في المضيفة، كمان في موضوع مهم لازم تعرفي بيه، أنا باقول الأفضل ليكِ تكوني هنا ضيفة أو بالأصح صاحبة مكان." تحيرت منال قائلة باستفهام: "وإيه هو الموضوع المهم ده؟ ردت صابرين: "الموضوع خاص بمصطفى ومش هينفع نتكلم فيه على الموبايل، الموضوع محتاج نكون وش لوش...

فبلاش ترفضي طلبي منك، وصدقيني هنا في بيت زهران هتلاقي استقبال أفضل، هيكون ليكي مكانة صاحبة المكان. تحيرت منال أكثر من حديث صابرين، هنالك بين طيات الكلمات بعض الإيحاءات تثير فضولها. ردت بموافقه: تمام أنا قبلت طلبك وهأجي يوم الحنة الصبح. تبسمت صابرين قائلة: أوكيه هكون في استقبالك أنا وطنط تحية، توصلي بالسلامة. أغلقت صابرين تنظر لتحية التي انشرحت ملامح وجهها واقتربت من صابرين وقبلت وجنتيها بشكر قائلة:

حبيبتي، ربنا يحفظك، هسيبك ترتاحي. خرجت تحية تاركة صابرين مبتسمة وليست متعجبة من رد فعل تحية، تلك المرأة قنوعة جدًا. بنفس الوقت شعرت صابرين بتآكل بيدها التي كانت مجبرة، حكتها بيدها ثم أزالت ذلك الحامل الذي ترفعها به ورفعت كُم ملابسها ورأت تلك القشور الجلدية البيضاء، قامت بالنفخ بفمها عليها قائلة:

الجبس كان أرحم من القشور دي، اللي بتسبب لي آكلان، ومش طايقة الهدوم عليها، كده كده أنا باقية في الجناح والدنيا حر، أقلع البلوزة وأفضل بالتوب بتلت كُم. قالت صابرين هذا وقامت بخلع الجزء العلوي، وتسطحت على الفراش نصف نائمة وفتحت هاتفها تتصفح به قائلة: الفون الجديد ده فيه مساحة وإمكانيات أفضل بكتير من موبايلي القديم، طبعًا المختال الأبرص فلوسه كتير. تبسم عواد الذي دخل إلى الغرفة قائلًا بمرح:

يعني بدل ما تشكريني على الموبايل الجديد، بتنقي عليا. للحظة انخضت صابرين وسقط الهاتف من يدها على الفراش، قائلة بتهجم: خضتني، دخلت للجناح أمتى من غير ما أحس بيك. ضحك عواد وهو يجلس على الفراش ومد يده والتقط الهاتف من على الفراش وناوله لها قائلًا: إنتِ مشغولة في الموبايل ومحستيش بدخولي، على العموم هقولك العفو يا حبيبتي. أخذت صابرين الهاتف من يد عواد قائلة باستفسار: العفو على إيه؟ شاغبها عواد قائلًا:

طبعًا إنتِ أكيد كنتِ لسه هتشكريني على الموبايل أبو إمكانيات حديثة، اللي أنا جيبته ليكي بفلوسي الكتير. نظرت له صابرين بتهكم قائلة باستقلال: مختال، وغلطان أنا مكنتش هشكرك على فكرة، ده موبايل عادي جدًا وبتاعي القديم كان نفس الماركة والطراز تقريبًا مفيش فرق كبير. ضحك عواد قائلًا: هو نفس الماركة صحيح بس ده إصدار حديث وأصلي مش تقليد، وعالعموم مفيش بينا شكر يا حبيبتي.

أنهى عواد قوله وهو ينظر إلى صابرين بإعجاب، كما أن لفت نظره زيها الذي يصف جسدها من أعلى وكذلك جزء كبير من صدرها مكشوف، لكن شعر بغصة من منظر تلك القشور البيضاء التي على يدها. شعرت صابرين بنظر عواد لها شعرت بالحرج وقبل أن تتحدث تحدث عواد: ليه منزلة إيدك من الحامل الطبي؟ الدكتور قال لازم ترفعيها لفترة. ردت صابرين: عادي مبقتش بتوجعني أوي غير إن الحامل الطبي بيوجع رقبتي فبريحها شوية.

تبسم عواد ونهض من جوار صابرين وذهب نحو خزانة الملابس وفتح المكان المخصص لملابسه وأخرج له ملابس أخرى ثم بدأ بفتح أزرار قميصه وبدأ بتبديل ثيابه، نظرت له صابرين قائلة بفضول: بتغير هدومك دلوقتي ليه؟ عواد وهو ينظر لوجه صابرين: أنا مسافر إسكندرية دلوقتي. تفاجئت صابرين ونهضت من على الفراش تسير نحوه قائلة: طب وفرح أختك اللي بعد يومين مش هتحضره؟ تبسم عواد حين اقتربت صابرين منه قائلًا:

عندي شغل مهم قبل يومين هيكون خلصان يعني هحضر ليلة الدخلة. تركزت عين صابرين بعين عواد قائلة بترقب لرده: عواد إنت ليه هتسافر إسكندرية... دلوقتي أنا ليه حاسة إن إنت مش موافق على جواز فادي وغيداء. قالت صابرين هذا وحاولت الابتعاد بعينيها عن عين عواد، لكن عواد رفع وجهها يضع عينيه بعينيها قائلًا:

لا موافقتي ولا رفضي بقى لهم أهمية، خلاص جواز غيداء من فادي أصبح لازم يكون أمر واقع عشان البيبي اللي في بطن غيداء مالوش ذنب يتوصم إنه ابن حرام، وغيداء تتحمل لوحدها غلطة الاتنين مسئولين عنها، أنا هحضر الفرح زيي زي أي شخص مدعو لزفاف، غير كده أنا مش هدخل، عمي موجود وهو المسئول الوحيد عنها. تلاقت عيني صابرين مع عيني عواد متفاجئة من رده العقلاني... تشعر أنها أمام شخص آخر غير عواد الذي عاشرته الأشهر الماضية.

ابتسم عواد على ملامح صابرين المذهولة، وبلا تفكير قطع تلك النظرات يلثم شفاها بقبلة كانت كفيلة بتشتيت قلبها قبل عقلها، كذلك كفيلة برد شوق قلب عواد الذي يشعر كأنه تبدل قلبه الحجري بقلب آخر أصبح أكثر ليونة، لكن نبه عليه عقله: إلى متى يا عواد؟ النهاية محسومة وهي الغرق بعيدًا عن صابرين. بينما ذم قلبه عقله: ما دام النهاية بالنسبة لك محسومة بالغرق بعيد، ليه متسيبش نفسك لتيار العشق حتى لو أيام معدودة.

بأحد المتنزهات العامة الخاصة بالأطفال وضعت فادية ميلا على إحدى الأراجيح لكن ميلا خافت وتشبثت برقبة فادية، ضحكت فادية لها قائلة: متخافيش. لكن ميلا جبانة. ضحك فادي الذي للتو وصل لذلك المتنزه قائلًا: ميلا جبانة رغم إنها حابة تركب المرجيحة، بس أنا عندي اقتراح، إنتِ تركبي معاها وأنا اللي ههز لكم المرجيحة. شعرت فادية بالكسوف قائلة: لأ خلاص هنروح على لعبة تانية.

لكن لميلا رغبة أخرى، عينيها تلمع على تلك الأرجوحة لكن تخشى أن تبقى وحيدة حين هزت رأسها بلا حين سألتها فادية: نروح للعبة تانية طالما خايفة من دي.

أخفى رائف بسمته لأول مرة، طفلته تساعده بتشبثها باللهو على تلك الأرجوحة، مما جعل فادية تستسلم لأمرها وأعطت ميلا لرائف إلى أن صعدت على الأرجوحة ومدت يدها تحمل ميلا، اتجه رائف خلفهم وبدأ بهز الأرجوحة، التي بدلت حال ميلا الجبانة إلى ميلا المستمتعة وتتعالى ضحكاتها بجلجلة في المكان، جعلت كل من يرى هؤلاء الثلاث يعتقد أنهم أسرة تستمتع باللهو، حتى أن فادية هي الأخرى تمنت للحظة أن تبقى تلك اللحظات مستمرة طوال عمرها، طفلة صغيرة تمنتها وخاب الأماني لكن ربما كان القدر كان رؤوفًا بها حين ظهرت تلك الطفلة، وبدأت هي بتعويض الاحتياج الناقص لديها.

هن يستكملن بعضهن، لكن هنالك ذبذبات أخرى بدأت تدخل إلى قلبها ناحية رائف، لكن لا لن تترك تلك الذبذبات تتمكن من قلبها، يكفي ما أصابها من خذلان سابقًا سواء من الحب أو الزواج، الاثنان ما هما تجربتان فاشلتان لا داعي لإعادة لأي منهم. أمسكت فادية طرف الأرجوحة كي يتوقف رائف عن هزها، بالفعل توقف متعجبًا حين رأى البسمة اختفت من على وجه فادية وبررت ذلك قائلة: كفاية أنا دوخت. امتثل رائف لها وأخذ ميلا منها إلى أن هبطت أرضًا قائلة:

أعتقد كده كفاية لازم نرجع الجو بدأ يبقى حر. مدت فادية يديها كي تأخذ منه ميلا لكن قال رائف: فادية ممكن نقعد في الكافيتريا نتكلم شوية. هي ليست بفتاة صغيرة بمقتبل العمر تفرح بخروجها مع شاب في مكان عام، هي تشعر بتضاعف عمرها وكذلك خبرتها في قراءة الوجوه، لكن لا لن تسير عكس التيار مرة أخرى وتبتعد عن شط النجاة القريب وهو الفرار من تلك الموجة بالعودة إلى الشاطئ دون سباحة ترهقها. ردت على طلب رائف الذي قال: بس نشرب أي عصير.

بسبب ميلا التي لعقت شفاها بلسانها دليل على العطش، وافقت فادية على مضض قائلة: تمام مش هيضر نشرب عصير. بعد قليل وضع النادل ثلاث أكواب من العصائر. ادعت فادية الانشغال بميلا وهي تسقيها العصير، شعر رائف أن فادية تحاول تجاهله بادعاء الانشغال مع ميلا غص قلبه، وأراد الحديث لكن نهضت فادية قائلة:

يا خبر إزاي نسيت ميعاد الغدا قرب وبابا كان طلب مني صنف معين ونسيت أقول لماما عليه، وهيضايق ويفكر ماما طنشت طلبه، لازم أرجع للبيت بسرعة يا دوب ألحق أقول لماما تجهزه قبل رجوع بابا من الشغل. تيقن رائف أن فادية تريد الفرار، فهمس لنفسه: مفيش داعي للتسرع يا رائف، تمهل قليلًا، فادية لم يمضِ على طلاقها سوى عدة أشهر وكذلك تلك التجربة الأخرى التي رفضت الزواج من فاروق ربما ما زال لهما تأثير عليها.

أومأ رائف رأسه بموافقة وأخرج بعض النقود وضعها على الطاولة ثم نهض يشير لفادية بالسير أمامه إلى أن خرجا من ذلك المتنزه، هنالك من رأى خروجهما من المتنزه بتلك الابتسامات التي يراها على وجوههم كأنهم عائلة صغيرة، كأن عليه أن يتجرع كأس المر اليوم على دفعة واحدة. بمنزل سالم التهامي، عصرًا تهكم سالم وهو يقرأ تلك الدعوة الخاصة بزفاف فادي وغيداء قائلًا: غريبة دول عاملين حنة كمان. ردت شهيرة: وفيها إيه؟

فادي وغيداء لأول مرة يتجوزوا. تهكم سالم قائلًا: إحنا هنصدق الكدبة ولا إيه. ردت شهيرة: مش كدبة يا سالم، يمكن الاتنين غلطوا بس في فرصة تانية دايمًا والشاطر اللي يستغلها، واللي لاحظته كده إن سامية تقريبًا متعرفش اللي حصل بين فادي وغيداء ومتعرفش إنها حامل، ربنا ستار، يستر على بناتي وكل الولايا...

بقولك بلاش تاخد موقف وتقولي مش هحضر الزفاف، عشان خاطر الست تحية دي مهما كان حماة صابرين والست كتر خيرها والله ذوق وأخلاق وصابرين قالت لي كانت بتهتم بها الفترة اللي فاتت كأنها مامتها، إحنا نروح زينا زي بقية المعازيم نهني ونبارك. زفر سالم نفسه قائلًا: وماله نروح نهني ونبارك، دول أهل نسيبنا الغالي. حاولت شهيرة كبت بسمتها لكن فلتت منها، مما ضايق سالم قائلًا: بتضحكي على إيه؟

ابتسمت شهيرة دون رد تعلم مدى ضيق سالم من عواد بعد أن اختارت صابرين الذهاب معه إلى منزل زهران بعد خروجها من المشفى. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يوم الحناء صباحًا منزل زهران. استقبلت كل من صابرين وتحية منال ومعها طفلتها وأيضًا والدة منال.

رحبت بهم تحية كثيرًا وأخذت الطفلة الصغيرة من منال تقبلها بمحبة تتأمل ملامحها التي يومًا ما نسيتها في زخم الحياة، لكن تذكرتها اليوم بقلب مكلوم تحاول فض ذلك الحزن من قلبها، راضية بالقدر فربما لولا ما حدث ما كانت اكتشفت أن مصطفى هو ابنها الثاني. تعجبت والدة منال من تلك الحفاوة لكن نفضت عن رأسها ذلك، كذلك منال. ــــــــــــــــــــ مساءً بحديقة المنزل الخلفية. كان هنالك صوان لاحتفال خاص بالنساء.

التي جلست بينهن غيداء تشعر أنها مفضوحة أمامهن ببطنها المنتفخ، سأم وجهها معظم الوقت رغم إنها اختارت فستان بسيط وواسع كما أن علامات الحمل لم تظهر عليها، لكن تشعر أن النساء أعينهن ثاقبة لها تتمنى أن ينتهي ذلك الحفل التي لم تكن تريده لكن إصرار سامية عليه جعلهم يرضخون حتى لا يثيروا شكها بحمل غيداء الذي أخبرها فادي أنها لم تعرف به، لكن إلى متى، فوقت الولادة بالتأكيد سيزرع الشك برأس سامية، لكن ليت تلك الليلة تنتهي يكفي هل ستقدر على تحمل ليلة أخرى بالغد مثل هذه بقاعة العرس.

... بغرفة صابرين كانت تجلس هي وفادية اللتان يمرحان باللهو مع ميلا، إلى أن نهضت فادية قائلة: كويس إننا مفضلناش كتير في الحنة مع النسوان أنا قولت معظمهم يعرفني وممكن يسألوني عن ميلا كنت هقول لهم إيه. غمزت صابرين بعينيها قائلة: كنت هتقولي لهم، تبقى بنت رائف ابن عمو صادق، اللي عنيه بتطلع قلوب أول ما يشوفك. تبسمت فادية قائلة:

قلوب، قصدك كلبوب، يا شيخة بقولك إنتي من وقت ما رجعتي من الغيوبة ويظهر الحادثة أثرت على مجال الرؤية عندك، همشي أنا بقى وأشوفك بكرة في القاعة ولا مش ناوية تحضري. تنهدت صابرين:

والله أنا مكسوفة من طنط تحية ومعاملتها ليا بعد ما عرفت حقيقة مصطفى وسكوتها وتقبلها الحقيقة بالسهولة مقطع في قلبي حاسة انها بتكبت في قلبها، ربنا يصبرها، دي من وقت ما جت منال وبنتها وهي مرافقة لهم ناقص تشيلهم فوق راسها مش عارفة رد فعل منال هيبقى إيه بعد ما تعرف الحقيقة هي كمان. انحنت فادية تقبل صابرين قائلة بلطافة ومكر: متفكريش كتير، فكري في عواد وبس، وبالمناسبة بلاش تخليه يحلق دقنه بكرة...

شكلك لسه الحادثة مأثرة على عضمك. تبسمت صابرين، بينما انحنت فادية بـ ميلا قائلة: بوسي طنط صابرين يا ميلا وقولي لها عقبال ما تجيبي بنوتة حلوة صغنونة زيي كده. بعد قليل انتهى الصخب الذي كان بالمنزل. بينما بقلب صابرين هنالك صخب آخر تشعر به، لا تريد الاعتراف أنها تتشوق لـ عواد. عواد!

الذي حيرها أمره طوال الفترة الماضية بعد أن عادت من الغيبوبة كان لطيف عكس سابقًا حتى أنه أوقات كثيرة كان يهاتفها يذكرها بمواعيد العلاج رغم أنه غائب من يومين فقط لكن تشعر بافتقاد له... ظلت تفكر بتصرفات عواد معها التي تغيرت عن سابق، والسؤال التي سألته لنفسها، هل لو تقابلت هي وعواد بشكل آخر بوقت سابق كانت وقعت بغرامه، وسؤال ينفر العقل من الرد عليه... بصباح اليوم التالي فتحت عينيها لا تعلم متى سحبها النوم ولا كيف،

إلا الآن حين استيقظت على تلك القبلة الناعمة لكن سرعان ما أغمضت عينيها ظنًا منها أنها تحلم... لكن شعرت بأنفاس وقبلات متفرقة فوق وجنتيها، فتحت عينيها مرة أخرى، ليست بحلم عواد أمامها يبتسم وهو يقول بنبرة هادئة: صباح الخير. استيقظت صابرين تنظر له قائلة: أمتى رجعت من إسكندرية؟ تبسم عواد وهو يجلس جوارها على الفراش قائلًا بمشاغبة:

الزوجة من الطبيعي بتقول حمدلله على سلامتك يا حبيبي، لكن طبعًا إنت خارقة للطبيعة، أنا لسه يا دوب واصل البيت... حتى ملاحظ كل اللي في البيت لسه نيام أكيد من سهرة الحنة. ردت صابرين: فعلًا الحنة فضلت لوقت طويل إمبارح غير التحضيرات ليها وأكيد طنط تحية نايمة بعد ما كانت هي اللي كانت بتجامل النسوان في الحنة لوحدها... والله طنط تحية دي المفروض تاخد وسام الصبر والشجاعة بعد كل اللي مرت بيه الفترة الأخيرة من صدمات.

شعر عواد بوخزات في قلبه ونهض من جوار صابرين قائلًا: هروح أخد دش ياريت تتصلي على أي واحدة من الشغالات تجيب فطور أنا على لحم بطني. علمت صابرين أن عواد يتهرب مثلما يفعل في الفترة الأخيرة هنالك شعور بالندم يخفيه بقلبه من ناحية تحية. ـــــــــــــــــــــــــــــــــ مساءً بأحد أكبر قاعات الأفراح

كان العرس لابنة عائلة زهران الوحيدة البعض يرى أن هذا الزواج تم عن قصة حب بسبب العروس التي كان يتمناها الكثيرون من فطاحل البلدة بل المحافظة، كيف تتزوج من مهندس بسيط بمقتبل حياته، لكن بالحقيقة العرس لم يكن إلا واجهة تخفي حقيقة أن هذا الزواج هو تصحيح لخطأ فادح. ... بعد انتهاء العرس بشقة مصطفى بمنزل جمال فتح فادي باب الشقة ليصدح صوت آيات قرآنية تترنح داخل الشقة. رفعت غيداء فستان زفافها ودخلت إلى الشقة...

خلفها فادي الذي شعر بغصات قوية في قلبه وهو يتذكر أن تلك الشقة كانت لـ مصطفى قام بتشطيبها من أجل زواجه بـ صابرين، لكن انتهى الأمر بزواجه هو بالشقة. نظرت غيداء لـ فادي باشمئزاز قائلة بضيق: فين أوضة النوم. أشار لها فادي على مكان غرفة النوم فتوجهت نحوها صامتة بينما ظل فادي لدقائق قليلة قبل أن يذهب للغرفة خلفها. دخلت غيداء إلى غرفة النوم ترفع ذيل فستان عرسها. وقفت أمام المرآة، رفعت ذلك الوشاح الأبيض عن وجهها ثم

بدأت في فك حجابها إلى أن انتهت نظرت لنفسها بالمرآة رأت صورة لها مهزومة، لم تنتبه إلى من إلا بعد أن تنحنح. نظرت لانعكاسه هو الآخر بالمرآة، بينما هو نظر لانعكاسها كم كانت جميلة ورقيقة وملائكية اقترب بخطوات بطيئة إلى أن أصبح خلفها مباشرةً، شعرت بأنفاسه على خلفية عنقها، أغمضت عيناها وفتحتها خانتها دمعة نزلت من عينيها، سرعان ما رفعت يديها تمسحها، شعر فادي بغصة في قلبه.

بتلقائية، لف يديه على خصرها، تقدمت خطوة ونفضت يديه عن خصرها. قائلة بحدة: كفاية إبعد عني أنا مش طايقة حتى أبص في وشك، كل ما ببص في وشك بفتكر قد إيه كنت رخيصة وسهلة وقعت في فخك بكل سذاجة، ياريت تكون حققت إنتقامك بالصورة اللي كان عليها الزفاف الليلة، الزفاف اللي كان بيكمل الخدعة اللي عيشتني فيها وصحيت على سكينة دبحتني بتلامتها ياريت تكون وصلت هدفك

ورديت القلم لعيلة زهران، بس أحب أريحك أكتر، السبب اللي قبلوا بسببه أنك تتحوزني خلاص مبقاش موجود. نظر لها بذهول قائلًا بترقب: قصدك إيه؟ ردت بقوة وثبات وتشفّي: يعني أنا أجهضت البيبي اللي كان في بطني. قالت هذا ثم ضحكت بسخرية موجعة لقلبها:

إنت ملاحظتش رقصي في الفرح تفتكر كنت أقدر أرقص وأنا حامل، الحمل خلاص أنا نزلته، جوازنا عقاب مميز لينا إحنا الاتنين يا فادي، لأني بقيت بكرهك، قد ما حبيتك قد ما بكرهك دلوقت، بس لازم قدام أهلنا نمثل كويس إننا زوجين. أمسك فادي غيداء من عضد يدها بقوة يتحدث بهسيس: طالما أجهضتي الجنين، ببقى إعملي حسابك من بكرة الصبح هنسافر إسكندرية، الشقة اللي شهدت على غرامنا من البداية. حاولت غيداء نفض يد فادي عنها قائلة بتحدي:

عاوز تسافر إسكندرية سافر لوحدك، أنا هفضل هنا أستقبل الضيوف اللي هيجوا يهنوني بالزواج الميمون. لم يترك فادي يديه مازال متمسك بعضد غيداء ينظر لها نظرات حارقة، وهو يرى امرأة أخرى غير تلك الرقيقة التي ذابت بمعسول رسائل وردية. ها هي الآن أمامه امرأة أخرى... أعلنت العصيان عليه علانية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...