بمطعم رائف فتحت فادية باب غرفة المكتب الخاص به دون انتظار إذن، فقط طرقت على الباب طرقتين ثم فتحت ودخلت، سمعت آخر كلمة له كانت: عواد. نظرت لضحكته وهو يغلق الهاتف ويضعه على المكتب أمامه باستنكار قائلة: كنت متأكدة إنك هتتصل على عواد تقوله إن صابرين سافرت له، وأهو ما خابش ظني. وضع رائف الهاتف على المكتب ثم نهض مبتسمًا يرحب بها متسائلًا: ظن إيه؟ ردت فادية باتهام:
زي ما فتنت لي على مرض عواد، أكيد اتصلت عليه وقولت له إن صابرين عرفت حقيقة سفره وسافرت له. تبسم رائف يتحدث وهو يقترب من مكان وقوف فادية خلف الباب:
أنا عمري ما كنت فتان يا فادية، بدليل إني عارف حقيقة مرض عواد من قبل صابرين ما تعمل الحادثة، وكنت منتظر عواد مع الوقت هو اللي يقول لصابرين على حقيقة سفره، بس هو عواد طبعه كده مش بيحب يطلب عطف حد حتى لو كان الحد ده هي صابرين أغلى شيء عنده. هو كان معتقد إن اللي حصل قبل كده وطريقة جوازهم إنها ما عندهاش مشاعر له، خاف من نظرة الشفقة. عواد بيكره الضعف طول عمره، الضعف ده اللي خلاه في يوم يقاوم العجز وقدر يقف على رجليه من
تاني. بس هو فعلًا ضعيف بس مش محتاج لشفقة، هو محتاج لدعم قوي يساعده يواجه احتمال إنه يرجع مشلول تاني حتى لو لفترة مؤقتة. هو عنده ظن إنه يقدر يقاوم ويقف لوحده ثاني زي ما حصل قبل كده، بس هو غلطان، هو محتاج دعم صابرين له، بس زي ما قولتلك قبل كده عواد عنده كبر إنه يطلب من صابرين تكون معاه المرحلة الجاية وتشوف أوقات ضعفه. تفتكري لو ما كنتش قاصد إن صابرين تعرف بإن عواد مريض ادعيت ذلة لسان وقولتلك بقصد؟
أنا كنت قاصد إنك تعرفي يا فادية عشان عارف إنك شايفة حالة صابرين اللي شبه منعزلة بعد سفر عواد، رغم إنها كانت بتستفزه دائمًا، كنت بشوف غيظه لما تتأخر في الرجوع. بقت مش عاوزة تخرج تقريبًا، حتى هنا في المطعم بتتحجج بأي شيء وترجع للفيلا تعزل نفسها. ما اعرفش صابرين قالتلك ولا لأ، إن يمكن عواد عرض عليها الانفصال، هو أكد لي إن قبل سفره هيقولها. ذهلت فادية من قول رائف قائلة:
لأ صابرين ما قالتش ليا على انفصالها عن عواد، بس دلوقتي فهمت هي ليه كانت مخبية عليا وبتحاول إنها تتهرب مني وما تفضلش معايا وقت عشان ما تقولش حتى لو بالغلط منها. عواد صحيح زي ما هي بتقول عليه محتال ووغد كمان. صمتت فادية قليلًا تنظر لضحك رائف ثم قالت بغيظ وتهجم: وإنت كمان شخص سلبي، إزاي تطاوعه وتفضل ساكت. ضحك رائف قائلًا:
على فكرة حاولت أقنعه بس عواد رأيه من دماغه صعب يرجع فيه. وعشان تعرفي إنك ظلمتيني وتحسي بتأنيب الضمير، أنا ما كنتش أعرف إن صابرين عرفت بمرض عواد وإنها سافرت له غير من دقيقة قبل ما توصلي، كنت بتصل عليه وسمعت.... صمت رائف يحاول كتم بسمته، لكن حثته فادية على استكمال حديثه قائلة باستفسار: سكت ليه؟ سمعت إيه؟ حاول رائف كتم بسمته قائلًا: سمعت صوت صابرين وأنا بكلمه فعرفت إنها سافرت له، يلا حلال عليه. أنهى رائف جوابه بضحكة.
فتساءلت فادية بفضول: حلال عليه إيه؟ توه رائف ماذا يقول لها أنه سمع صوت صفعات يليها صوت صابرين تتحدث بهجوم، وحين أفصح أنه على الهاتف أغلق عواد بوجهه الهاتف لكن قال: حلال عليه صابرين يعني إنها سافرت له، ربنا معاهم. شعرت فادية أنها تسرعت في رد فعلها كذلك شعرت بخزي وهي تقول: تمام، أنا بعتذر إني اتسرعت وظنيت بيك السوء، همشي أنا بقى.
كادت فادية تغادر، لكن قبل أن تخرج من الغرفة قبض رائف على يدها التي وضعتها فوق مقبض الباب، ونظر لها للحظات عم الصمت. فادية تشعر أنها عادت مراهقة كأن أول مرة رجل يلمس يدها، رجفة تسري بجسدها بأكمله، بينما رائف شعر بزلزلة مركزها قلبه لأول مرة بالفعل يغوص في بحر العشق ليس له تجارب سابقة، حتى بزواجه الأول لم يكن مغرم، كان زواج نابع من العقل بلا مشاعر سابقة أو حتى وقت الزواج. فادية هي صاحبة أول دقة قلب حين رآها من المرة
الأولى أثارت شيء بداخله من وقتها حتى إنه شعر بوخزات تغص قلبه من ذلك الحزن الذي كان بعينيها وقتها، تمنى أن يقابلها مرة أخرى لكن حين علم من تكون وأنها متزوجة اعتقد أن ذلك الشعور كان فضول لا أكثر، لكن المشاعر الحقيقية ظهرت حين تقاطعت طرقهم معًا بعدة لقاءات حتى ابنته التي بالكاد اقتربت من عام شعرت معها بألفة.
ظلت النظرات بينهم لثواني تنحى عقل فادية التي تفرض على قلبها لجام، لكن هل انسلت اللجام من يدها... لاااا هكذا نبه عقلها... أفيقي من تلك الغفوة الناعمة. بالفعل سحبت يدها سريعًا من أسفل يد رائف الذي شعر بوخز وبرر ذلك بحرج: آسف، أنا كنت هسألك على ميلا بنتي. برجفة تضرب قلبها حاولت تلملم شتات نفسها وجاوبت بهدوء مصطنع: ميلا في فيلا زهران مع طنط تحية. تعجب رائف قائلًا:
وتحية كمان هنا، أكيد عرفت باللي عواد كان مخبيه، بس عرفت منين. ابتسمت فادية قائلة: فعلًا هي عرفت بالصدفة وكمان مش اتفاجئت إنك عارف وكنت مداري عليها ومستحلفة لك. تنهد رائف بتمثيل الخوف قائلًا: طب وأنا مالي أنا دائمًا كده مظلوم. ضحكت فادية قائلة بتريقة: بريء زي الأطفال، تستاهل، أنا همشي بقى... قطع رائف بقية حديثها: ميلا أكيد زمانها مبسوطة مع تحية، خلينا نشرب قهوة. فكرت فادية قليلًا وكادت ترفض، لكن رائف قال برجاء:
فنجان قهوة مش هياخد وقت طويل كمان عاوز أتكلم معاكي بخصوص ميلا. ارتبكت فادية وشعرت لوهلة بتوجس خشية أن يطلب منها أخذ ميلا، وهي تعودت على وجودها معها تشعر بغريزة الأمومة التي كانت مفقودة لديها، وافقت على مضض وخشية منها. بعد قليل وضع النادل فنجانين من القهوة وكأسين مياه وتركهم سويًا. للحظة شعرت فادية بالتوجس قبل أن يخرج رائف ورقة صغيرة من جيبه ومد يده بها قائلًا بهدوء: ده شيك بمصاريف ميلا الفترة اللي فاتت.
نظرت له فادية بغضب قائلة: قصدك إيه، إنت بتديني مقابل قصاد رعاية ميلا. برر رائف موقفه سريعًا: لأ والله ده مصاريف ميلا الشخصية، أنا عارف إنها طفلة بس طبعًا يلزمها احتياجات وهي بنتي وملزومة مصاريفها مني. عقلت فادية حديث رائف قائلة: بس تمن المستلزمات اللي هي احتاجت ليها الفترة اللي فاتت ما تجيش نص الرقم اللي في الشيك ده، وفر فلوسك مستلزمات ميلا مش كتير.
حاول رائف ملاهنة فادية يود الاستمتاع معها بقضاء وقت أكثر، لكن قطع ذلك صوت امرأة تقول بطريقة لحد ما سوقية: "رؤوفة" مش معقول الصدف إيه ده من زمان ما تقابلناش. نظرا رائف وفادية إلى صوت تلك المرأة التي اقتربت من مكان الطاولة اللذان يجلسان خلفها، ومالت قليلًا مبتسمة. ارتبك رائف وظل صامتًا. بينما قالت المرأة:
أوعى تكون نسيتني، أنا ناريمان أختي ليلى كانت ساكنة جاركم قبل ما تروح تعيش مع ابنها في القاهرة، أزعل منك عمو صادق كان بيعاملنا زي بناته، بس مين الحلوة اللي قاعدة معاك دي، أكيد مراتك... إزيك يا مدام، أزي عمو صادق، أوعى تنسى تقوله ناريمان بتسلم عليك، أوعى أكون قاطعة عليك، ومراتك تزعل إني بكلمك، لأ يا حلوة رائف غالي عندي هو زي أخويا...
بس عرفت تنقي عروسة حلوة أكيده ده مش ذوقك ذوق عمو صادق، إنت كان ذوقك في البنات مش أوي بنتي ضاعت من إيديك أهي دلوقتي متجوزة من تاجر في سوق السمك، وزاد رزقه ما لكش في الطيب، أوعى تزعلي يا حلوة ده كان زمان هو سلوى بنت موعودين لبعض بس النصيب وعلى فكرة جوز سلوى هو اللي عازمني هنا في المطعم الشيك ده وحالًا هيجي هو وسلوى أنا قولت أسبقهم أشوف مستوى المطعم عشان لو ما عجبنيش، بس لأ المطعم حلو وشيك...
ما تحاسبوش جوز بنتي هيدفع حسابكم هسيبكم بقى وأروح أستنى سلوى وجوزها عالطرابيزة القريبة منكم، أوعى تحاسب يا رائف خلاص الحساب عند جوز بنتي. غادرت المرأة نظرت فادية لرائف الذي يبتسم بلا مبالاة قائلة بنبرة غيرة غير ملحوظة: مين الست دي، ومن سلوى بنتها اللي كنت موعود بها دي كمان. ما زالت البسمة التي تستفز فادية دون دراية من رائف قائلًا: دي أم سلوى البلوة وتبقى أخت ست كانت جارتنا وزي ما قالت كده عزلت. تهكمت فادية قائلة:
عزلت بس هي لسه فكراك يا عيني يظهر إنك كنت غالي عندها أوي. أخفى رائف بسمته وشعر للحظة بنبرة غيرة من فادية أو هكذا يتمنى، وحاول التلاعب بها قائلًا: مش حكاية غالي عندها في ناس كده بتفضل دائمًا في الذاكرة مهما طال الوقت بعيد عنهم، يمكن ده قبول من ربنا. بتهكم ضيقت فادية عينيها وصكت على أسنانها قائلة باستنكار: قبول من ربنا، وماله هقـ
لم تكمل فادية قولها حين اقتربت منهم امرأة متوسطة الحجم ترتدي زي أنيق لكن أفسد أناقته مصوغات ذهبية بشكل زائد مثل والدتها وقالت:
رائف، ياااه من زمان ما شوفتكش ما صدقتش ماما لما اتصلت عليا دلوقتي وقالت لي تعالى بسرعة رائف هنا في المطعم، سيبت جوزي يروح يركن العربية وجيت بسرعة، إزي أحوالك عامل إيه، آخر مرة شوفتك قبل ما كنت تسافر بره مصر، الحلوة دي تبقى مراتك، إزيك يا مدام أوعى تاخدي عني فكرة مش كويسة، رائف غالي عندي زي أخويا وأكتر. رسمت فادية بسمة غيظ دون رد.
بينما رائف يود أن يأتي طوفان يغرق تلك البلوة هي وأمها كما كان يطلق عليها سابقًا، بالأخص حين رأى ملامح فادية التي تهجمت بوضوح، لكن جاءه نجدة إلهية حين اقترب زوج سلوى من مكان وقوفهم باستفسار زال حين عرفته سلوى قائلة: "أبو رائف، وده المهندس رائف ابن جار خالتي. فاكر لما قلت لي نسمي ابننا إيه؟ قلت لك رائف عشان يبقى مهندس." أومأ زوج سلوى برأسه تلمع عينيه ببسمة.
ازداد شعور الغيرة لدى فادية وهي تنظر إلى بسمة رائف السمجة، كادت تنهض لكن قال زوج سلوى: "تشرفنا يا بشمهندس، هنستأذن إحنا ونسيبك مع المدام عشان منبقاش عوازل." قول زوج سلوى، نجدة أتت لرائف بوقتها. لكن نظرت فادية لرائف بامتعاض قائلة: "هو الراجل ده جلنف معندوش نخوة ولا إيه؟ بس العيب مش عليه، العيب على اللي قاعد يتساير معاهم." قالت فادية هذا ونهضت، نهض رائف سريعًا يقول: "فادية مشربتيش القهوة."
نظرت فادية لفنجان القهوة ولم تفكر كثيرًا وقامت بسكبه على صدر رائف قائلة بتشفٍ وتريقة: "أهو فنجان القهوة، ومتزعلش أبو رائف الجلنف هو اللي هيدفع الحساب، وهات الشيك ده أشترى بيه لميلا كم فستان تدلع بهم." قالت فادية هذا وغادرت دون حتى سلام، بينما رائف شعر بسخونة في صدره ليست فقط بسبب سخونة تلك القهوة، لكن على رد فعل فادية الذي لا تفسير له غير الغيرة، ولما تغار عليه إن لم تكن تكن له مشاعر، شعر بسعادة.
لكن هنالك ثأر سيأخذه الآن من هؤلاء الحمقى الثلاث الذين تسببوا في مغادرة فادية وأفسدوا ما كان يخطط له أن تظل معه لأطول وقت. أشار إلى أحد العمال بالمطعم، الذي أتى له سريعًا ثم قال له بهمس: "شايف الراجل الجلنف اللي قاعد وسط راية وسكينة دول." أومأ له النادل مبتسمًا بموافقة. فأكمل رائف:
"عاوزك تظبط له فاتورة تقطم وسطهم تمنعهم يعدوا بس من قدام شارع المطعم، ولو عملوا شغب اطلب لهم بوليس وقول راية وسكينة ومعاهم عبعال، مفهوم أنا ماشي، آه وضيف حساب القهوة دي كمان عليهم وكمان حق أنبوبة مرهم تسلخات، بص ظبطهم من الآخر، يلا ربنا يعينك على فعل الخير، سلام." بأحد الكافيهات بالبحيرة. أخرج فاروق سيجارة وكاد يشعلها بالقداحة لولا أن سمع من تمنعه بحزم قائلة: "التدخين ممنوع في الكافيه يا سيد."
وضع فاروق السيجارة والقداحة على الطاولة ونظر إلى من تحدثه مبتسمًا، ردت عليه بنفس الابتسامة قائلة: "كويس إن جت صدفة تانية عشان أقدر أشكرك إنك ساعدتني للوصول لهنا، وقت ما كنت تايهة... بس واضح إنك مش زبون هنا وإلا كنت عرفت إن ممنوع التدخين في الكافيه." نهض فاروق واقفًا يقول: "فعلًا دي أول مرة أدخل الكافيه ده، حتى أنا مش من هواة الكافيهات، بس شيء غريب هو اللي جابني هنا يمكن الحظ أو الصدفة زي ما قولتي." ابتسمت برقة قائلة:
"عالعموم أهلًا بيك في الكافيه بتاعي وطالما دي أول مرة تشرفنا فطلباتك هتكون على حساب الكافيه وأتمنى خدمتنا تعجبك وننول شرف إنك تكون زبون عندنا... بس هي أول مرة بس اللي مجاني." ابتسم فاروق قائلًا: "أعتبر ده جر رجل بقى بس مش نتعرف الأول، أنا فاروق زهران." تبسمت برقة قائلة: "جوري، وفعلًا ده جر رجل." ضحك فاروق قائلًا: "طب طالما بقى طلباتي النهارده كلها على حساب الكافيه فهتشجع بقى وأطلب براحتي يا أستاذة جوري." تبسمت
تهز رأسها بموافقة ثم قالت: "بلاش أستاذة جوري، جوري كفاية." تبسم فاروق قائلًا بحرية: "أنا بطلب أعزمك على فنجان قهوة." ابتسمت بموافقة قائلة: "للأسف مش من هواة شرب القهوة أنا بفضل الشاي أكتر، بس معنديش مانع نشرب قهوة." تبسم فاروق لها وجذب لها مقعد جلست عليه ثم جلس هو الآخر يتسامر معها ببعض الموضوعات الغير مرتبة.
داخله يتساءل لما يشعر بأُلفة لتلك المرأة التي تثير بداخله شعور مفقود، لا يعلم سبب لذلك الانجذاب الذي يشعر به نحوها... لكن قال له عقله: تمهل قد تكون فقط مشاعر عابرة. بمنزل الشردي. فتح وفيق باب غرفة النوم فجأة، مما جعل ناهد تضطرب وأغلقت هاتفها سريعًا، لاحظ وفيق ذلك قائلًا بسؤال: "مالك وشك اصفر كده ليه لما دخلت الأوضة وكنت بتكلمي مين دلوقتي على الموبايل." تهتهت ناهد بتلعثم قائلة:
"ها مكنتش بكلم حد أنا بس اتخضيت من دخلتك للأوضة." تهكم وفيق قائلًا: "اتخضيتي! اتخضيتي ليه شوفتي عفريت." قال وفيق هذا وجذب الهاتف من يد ناهد وضغط على زر الاتصال بآخر رقم مدون على الهاتف في قائمة الاتصالات، وانتظر رد الآخر عليه، والذي لم ينتظر كثيرًا حين سمعه بعد أن فتح مكبر صوت الهاتف: "إيه يا بيبي اللي زعلك وخلاك تقفلي الخط في وشي، هي إزازة البرفان غالية صحيح، بس متغلاش عليك."
ارتجفت ناهد وشعرت بأن جسدها أصبح خاليًا من الدماء وبلا وعي منها خطفت الهاتف من يد وفيق وأغلقته سريعًا، بينما وفيق أمسكها من عضدي يديها بقوة ساحقة يحاول ضبط نفسه يقول: "مين ده اللي بيكلمك بالطريقة دي كأنه يعرفك قبل كده." تعلثمت ناهد برعب وهي ترى لون عين وفيق الذي تبدل وأصبح باللون الأحمر قائلة بارتعاش وبتبرير كاذب:
"ده صاحب محل برفانات هنا في البلد وأنا كنت طلبت منه نوع برفان شوفت إعلانه على قناة فضائية ولما سألته عليه قالي ده غالي وتقريبًا مش موجود في مصر، ورجع تاني قالي إنه لقى منه في محل برفانات في إسكندرية وهيجيب لي إزازة معاه بس بيقول إنها هتبقى غالية شوية." دفعها وفيق قويًا جثت أرضًا بسبب تلك الدفعة وجلس على مستوى منها قائلًا: "وصاحب المحل جاب رقم موبايلك منين وشكله واخد عليكي أوي كده، لدرجة إنه بيقولك يا "بيبي"."
ارتعشت ناهد قائلة: "أنا.... أنا سيبت له رقمي عشان لما يلاقي البرفان يتصل عليا ويقولي، وكلمة "بيبي" دي زي ما تكون لازمة عنده في الكلام سمعته وأنا في المحل كل ما يكلم حد يقوله يا بيبي." لم يدخل على وفيق كذب ناهد لكن حاول ضبط نفسه يكفيه ما خسره في الفترة السابقة، حتى تأتي تلك القذرة وتكون عقاب له على تبطره على فادية، لكن ليتمهل قليلًا حتى لا يخسر أكثر وإن كانت أي خسارة لا تعادل خسارته لفادية التي لا تعوض.
بشقة فادي بغرفة النوم.
كانت غيداء تشعر باختناق، هذه أول ليلة تنام بغرفة واحدة مع فادي بعد زواجهما، عقلها يعيد ما حدث سابقًا هنا كانت صرخة ألم خلفت خلفها ضياع شعرت به، تذكرت حديث والدتها لها اليوم حين سألتها عن حالها مع رائف، فصمتت استشفت والدتها أنها تعيش بضياع فقامت بنصيحتها أن تحاول البدء من جديد مع فادي ببناء حياة مستقرة فليس هو المخطئ الوحيد لو أحد غيره كان عايرها وقال لها أنه لم يغصبها على شيء وأن ما حدث بينهم كان بإرادتها هي من أتت
له بالنهاية هو شاب وضعف فتاة جميلة وذهبت إلى شقته بإرادتها وهي تعلم أنه يعيش وحده، حتى لو كان هدفه الانتقام هي من سهلت عليه الطريق السذاجة ليست مبرر للخطيئة، الغرفة شبه مظلمة شعرت ببعض من التوحش والخوف دائمًا ما كانت تنام والغرفة بها ضوء خافت، لكن لم تبدِ اعتراض حين أطفأ فادي الضوء بأكمله، تسحبت بهدوء من جوار فادي ونهضت من على الفراش لكن لم تسير سوى بضع خطوات حتى اصطدمت بشيء في الغرفة فعل ضجة صغيرة كذلك هي تألمت بصوت
جعل فادي يستيقظ ونهض من على الفراش سريعًا وأشعل ضوء الغرفة رأى بعض أغراض التسريحة واقعة على الأرض كذلك غيداء تجثو على ساقيها تضع يدها على بطنها تتألم، اقترب منها سريعًا، وجثى لجوارها رأى بعينيها دمعة تقف بين أهدابها، شعر بوخز في قلبه وأخفض وجهه لكن وقع بصره على نقاط دم جوارها.
لندن. لم يكن رده على تلك الصفعات فقط قبلاته بل لمساته حين أخذها للفراش واعتلى جسدها، سحب إحدى يديه فوق يدها يضم أصابع يدها بين أصابع يده، شعر بحضن أصابع يدها لأصابعه، نظر لعينيها رأى بهم شغف، وضع إبهام يده الأخرى فوق شفاها قائلًا بندم: "أنا بحبك يا صابرين، مكنش لازم أدخلك لحياتي، فكري لسه قدامك فرصة، أنا معرفش إيه اللي هيحصل الفترة الجاية مؤكد هرجع مشلول تاني لفترة قد إيه الله أعلم." لمعت عين صابرين ببسمة وجذبت جسد
عواد عليها بيدها قائلة: أنا كمان محدش اخترق قلبي غيرك يا عواد، متعودتش تكون ضعيف أو مستسلم، مش بتقول إني الوحيدة اللي اخترقت قلب عواد زهران المختال اللي على قد ما كرهته النهارده بقولك هفضل على قلبك وحتى لو رجعت مشلول هفضل معاك عكاز يساعدك تقف من تاني على رجليك.
لمعت عين عواد بسعادة لا توصف، سارت أنامله على وجنتي صابرين ينظر لها بعشق حتى تلاقت عيناهما تبوح بعشق كان مالحًا لكن امتزجت بملوحته بعض قطرات الندى العذبة قد لا تزيل من ملوحتها لكن بامتزاجها تندمج وتتأقلم وتتكيف مع الوقت. لكن قطع تلك النظرات صوت هاتف عواد، نظر الاثنان نحو الهاتف في نفس اللحظة، همست صابرين بسؤال: مين اللي بيتصل عليك. رد عواد: معرفش هـ ضمت صابرين جسد عواد عليها قائلة:
لأ بلاش ترد، ولو حاجة مهمة أكيد هيتصل تاني. انشرح قلب عواد مبتسمًا وغمز بعينيه بمكر وعبث، خجلت منهم صابرين وتحاشت بعينيها بعيدًا عن النظر لعواد بينما انتهى رنين الهاتف ولم يصدح مرة أخرى. تنهدت صابرين قائلة: مش قولتلك لو حاجة مهمة كان اتصل مرة تانية. وافقها عواد قائلًا: فعلاً، وكويس إني مردتش وهقفل الموبايل خالص عشان مش عاوز حاجة تزعجني وأنا معاكي.
ابتسمت صابرين بخجل، بينما رفع عواد ذقنها ونظر لملامح وجهها الذي افتقدها الأيام والليالي الماضية الذي كان يقضي معظمها ساهرًا يتشارك مع الليل آلامه المضنية التي يشعر كأن تلك الآلام زالت الآن، كل ما يشعر به هو شفاه عذبة ندية يتذوقها وسط أمواج حارة. كذلك صابرين تشعر بأنها تطفو وسط موجة حارة تداعب مشاعرها لتسبح بها. استسلم الاثنان لتلك الموجة ترفعهم تارة العشق.
بعد وقت هدأت حرارة تلك الموجة، تنحى عواد بجسده عن صابرين نائمًا على ظهره ينظر لها لأول مرة منذ زواجهما، بعد انتهاء العلاقة بينهما يجذب عواد صابرين لتقترب منه، رحبت صابرين بذلك ووضعت رأسها فوق صدره تسمع دقات قلبه الصاخبة، كذلك وضعت كف يدها فوق عنقه كأنها تود الالتحام به، ذهب الاثنان إلى غفوة.
بعد وقت قليل استيقظت صابرين تنهدت بعشق وهي تشعر بيدي عواد تعانق جسدها، رفعت وجهها تنظر إلى ملامح وجه عواد لم تنكر وسامته سابقًا لكن الليلة لا تراها وسامة تراها ملامح حفرت بقلبها، لكن للحظة تذكرت كل ما مر معه منذ بداية زواجهما حتى لحظة أن فاقت من الغيبوبة، تلك الغيبوبة التي كانت بمثابة حياة أخرى نشأت لها بعد أن كانت قبلها تشعر بالغرق، لكن تلك الغيبوبة كانت مثل العثور على شط نجاة شعرت بعدها براحة نفسية كان السبب
الرئيسي فيها عواد رأته بشكل آخر بعد أن علمت أن ليس هو من زور تقرير العذرية، حقًا أخطأ بحقها وكاد يخنقها بعد إجهاضها لكن فكرت حاولت تتغاضى عن ذلك في المقابل وجدت شخص يحاول احتواءها، عواد لديه جانب يحاول طمسه دائمًا خلف اختياله، جانب يخشى ظهوره ويحصد من خلفه نكران لمشاعره، هكذا تعامل معها حين أخفى مرضه عنها، لكن...
ماذا فكرت بمكر؟ لما لا؟ لا مانع من بعض الشغب مع عواد، سلتت يدي عواد عنها وقامت بصفعه على صدره قائلة باستهجان: قوم يا وغد قولي ليه كتبت بقية أملاكك باسمي آه تعويض وكان قصدك إيه بإننا نفصل أول ما ترجع طبعًا كنت عارف إنك هتطول هنا وأنا مركونة في مصر مستنية سيادتك ترجع يا وغد.
استيقظ عواد وفتح عينيه بفزع للحظة ثم ذهل من قول صابرين، كيف تبدلت بهذا الشكل حتى أنها كادت تصفعه على صدره مرة أخرى لكن نهض عواد سريعًا ولجم يديها وبحركة منه أصبح يعتليها ينظر لها بغيظ قائلًا بتوعد: واضح إن عقاب الثلاث أقلام مكنش مناسب ولازمك عقاب تاني أقوى عشان تحرمي بس تفكري تمدي إيدك عليا. بادلته صابرين النظر بتهكم وباستبياع قائلة:
إنت مش تستحق ثلاث أقلام بس تستحق ألف قلم وإيه حكاية عقاب دي كمان مفكرني تلميذة قدامك وأنت الأستاذ وغلطت وهتزنبني طول الحصة على رجل واحدة... وبعدين مكلبش فيا كده ليه مش عارفة أخد راحتي وأنا نايمة على السرير، أقولك قوم روح نام على الكنبة وسيبني أنام لوحدي على السرير. ما زالت نفس نظرة المكر والتوعد تزداد من عواد يفكر بعقاب مميز يشفي به غيظه من صفعاتها التي كاد يتغاضى عنها لولا أن أيقظته بهذا الشكل الفج منها...
لتتحمل هي من بدأت... للحظة وهمها وفك حصار يديه عنها ونهض من عليها تنهدت صابرين تنفخ بشفاهها، كأنها أزاحت ثقلًا من عليها. لكن سريعًا بعد نهوضه وبلحظة غفلة منها حملها بين يديه، أربكت الفعلة صابرين وانخضت وبتلقائية منها لفت يديها حول عنقه قائلة بخفوت: عواد نزلني.
صمت عواد ينظر للخضة الواضحة على ملامحها ببسمة تسلية، بينما صابرين تحاول الحركة كي ينزلها، لكن عواد دخل بها إلى الحمام وأنزلها أرضًا، تنهدت براحة للحظات حتى أنها كادت تخرج من الحمام لكن جذبها سريعًا ودخلا إلى كابينة الاستحمام قائلًا بتهكم: على فين يا حبيبتي إنت جاية من سفر ولازمك دش يفوقك ويزيل عنك إرهاق السفر و... صمت عواد غامزًا بعينيه، لكن تضايقت صابرين منه وحاولت دفعه والخروج من كابينة الاستحمام قائلة بتهجم:
لأ أنا فايقة ومش حاسة بأي إرهاق واوعى وسع خليني أطلع وخدلك دش لوحدك. ضحك عواد وهو يحاول السيطرة عليها دون رد مما زاد في غيظ صابرين التي تفاجأت بسيلان مياه شبه باردة فوق رأسها، ارتجفت قائلة: عواد الميه ساقعة أوي. تخابث عواد قائلًا: معليشي يا حبيبتي دلوقتي تسخن. بالفعل بدأت تشعر بسخونة المياه تدريجيًا إلى أن أصبحت ساخنة بدرجة عالية جدًا لم تستمر سوى لحظات، لكن كانت كفيلة بترك احمرار مع بعض الألم.
امتثل عواد لدفع صابرين له وتركها تخرج من الكابينة وأغلق المياه وخرج خلفها مبتسمًا يقول بتشفٍ: أكيد بعد الدش ده هترتاحي من الإرهاق. نظرت له صابرين بغيظ صامتة وجذبت إحدى المناشف ولفتها حول جسدها. ضحك عواد وذهب نحو خزانة طبية صغيرة بالحمام وأتى بمرهم مرطب وخرج خلفها وجدها تلتفت حول نفسها، وهي تفرك كتفيها بيديها تتذمر بألم، شعر عواد بالندم واقترب منها وحاول ضمها، لكن دفعته صابرين عنها. جذبها عواد واحتضنها قائلًا:
أنا آسف بس إنتي اللي استفزتيني مفيش راجل يقبل إن مراته تضربه ويسكت أو يعديها بالساهل... عارف دلوقتي هتندمي إنك جيتي لهنا... وبتقولي عواد ميستحقش.... وكزته صابرين بقوة في كتفه قائلة بضيق: إنت اللي بتحجج وعاوز تطفشني، بس ده شيله من دماغك أنا هفضل هنا كاتمة على نفسك مش هرجع مصر غير وإنت معايا، زي ما بيقولوا رجلي على رجلك.
شعر عواد بندم أكثر ورفع وجهها نظر لبعض الاحمرار الذي يكسو ليس فقط وجهها بل صدرها وكتفيها العاريين، فك عناقه لها وفتح ذلك الأنبوب الصغير وضغط عليه وبدأ يضع من محتواه على وجهها من ثم صدرها وكتفيها ثم أزاح المنشفة عن جسدها وأكمل وضع ذلك المرطب على باقي جسدها يشعر بحرارة خاصة تغزو جسده، كذلك صابرين شعرت بخجل مصحوب بشعور آخر من لمسات عواد تسري حرارة خاصة بجسدها لكن قاومت ذلك وأخذت ذلك الأنبوب من يد عواد قائلة بتوتر:
هات أنبوبة المرطب دي عقاب ليك نام بقى وخلي جلدك يحرقك للصبح... ده إن عرفت تنام أصلًا عشان بعد كده تحرم. تبسم عواد وادعى عدم الشعور بحرق في جلده قائلًا: عادي أنا متعود على الميه السخنة بدرجة الغليان ناسيه إني جزار ولا إيه. نظرت له صابرين بغيظ وقالت بحنق: كده طيب يا معلم الجزارة نام بقى والصبح جلدك اللي احمر ده إن شاء الله هيقلب بنفسجي.
أخذت صابرين الأنبوب وتوجهت نحو الفراش، تبسم عواد وادعى عدم الاهتمام، وذهب هو الآخر الناحية الأخرى للفراش وتسطح عليه لكن زاد حرقان جسده وشعر كأن الفراش من خيش خشن، وبدأ يتقلب على الفراش شعرت به صابرين ونهضت جالسة تدعي الضيق قائلة: مالك عمال تتقلب شمال ويمين وتهز السرير أنا مرهقة وعاوزة أنام. أنهت صابرين قولها ببسمة لم تستطع إخفائها. نهض عواد جالسًا هو الآخر يقول: أكيد في أنبوبة مرطب تانية في الحمام.
قال عواد هذا وكاد ينهض من على الفراش لكن جذبت يده صابرين قائلة: عشان تعرف بس إن قلبي رقيق مش زي قلبك اللي زي البحر المالح، خليني أدهنلك جسمك من المرطب. تبسم عواد لصابرين التي بدأت تضع ذلك المرهم على جسد عواد، الذي سارت بجسده حرارة أقوى من ذلك الحرقان، بينما صابرين انتهت من وضع ذلك المرطب قائلة: دلوقتي جلدك يهدى وتعرف تنام وأنام أنا كمان أنا حاسة بإرهاق. استدار لها عواد قائلًا:
إرهاق من إيه، واضح كده ليلتنا لسه هتطول، والمرطب ده له مفعول سحري. أنهى عواد قوله ودفع بقية جسد صابرين لتتسطح على الفراش وسريعًا كان يعتليها، تفاجأت بما فعل وابتسمت بتمّنع مصطنع قائلة: وبتقول إنك احتمال ترجع مشلول، دا أنا اللي هتشل بسببك. تبسم عواد قائلًا: المساواة في العشق عدل يا حبيبتي وافتكري إن إنتي اللي اعترفتي بأنك بتحبيني أولًا.
تبسمت صابرين له وكادت تتحدث لكن صمت اللسان والمشاعر هي من تتحدث، ونتيجة الليلة تعادل... والفائز هو العشق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!