الفصل 51 | من 61 فصل

رواية بحر العشق المالح الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
20
كلمة
3,786
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 84%
حجم الخط: 18

بعد مرور ثلاثة أيام صباحًا بشقة فادي بالمطبخ انتهى فادي من تحضير ووضع الفطور على طاولة المطبخ، أدار جسده كي يخبر غيداء وكذلك والدته، لكن قبل أن يخرج من المطبخ دخلت سامية وقامت بلوي شفتيها بامتِعاض قائلة:

زي كل يوم تحضر الفطور وتروح تصحي الدلوعة تيجي تفطر وهي لوية شفايفها، أنا مش عارفة، مش عارفة هي الآية اتقلبت، المفروض الست هي اللي بتصحى بدري قبل جوزها تقوم تحضر الفطور، لكن طبعًا مراتك دلوعة وواخدة عالفطور يروحلها لحد سريرها، كويس إنها بتتنازل وتمشي لحد المطبخ عشان تفطر على السُفرة معانا. تنهد فادي بسأم قائلًا:

ماما مالوش لازمة الكلام ده، قولتيه قبل كده، وأعتقد إني رديت عليكي وقولتلك إني متعود أحضر لنفسي الأكل من أيام الجيش ولما سافرت ألمانيا، وبعدين ليه مش عاجبك ده دلوقتي؟ أنا فاكر إن أوقات كتير بابا كان هو اللي بيحضر لينا الفطور وساندويتشات المدرسة لأن حضرتك كنتي مُرهقة من شغل البيت طول اليوم.

قال فادي هذا وغادر من المطبخ وترك سامية واقفة تنظر إلى طاولة الطعام بسخرية واستهزاء من تلك الأصناف، ودت تكسير تلك الأطباق فوق رأس تلك الدلوعة بنظرها، تشعر بحقد في قلبها؛ فادي يقوم بالرد عليها بطريقة غير مُحببة، لو كان مصطفى لكان امتثل لرغبتها، لكن فادي دائمًا كان مُتمردًا على أفعالها وأقوالها، ليس فقط مُتمردًا بل يفعل عكس ما ترغب، شعرت بحسرة في قلبها تود دائمًا أن تكون صاحبة الكلمة والأمر عند فادي مثلما كان مصطفى

يفعل ويلبي لها رغبتها دون معارضة منه، حتى أدق تفاصيل حياته كان يخبرها بها ويأخذ بقولها بل ويثق أنه الأصح، لكن هذا ليس عيب فادي فقط، لتلك اللئيمة الناعمة غيداء أيضًا دور في الاستحواز على عقل وقلب فادي الذي يتلهف عليها بوضوح وهي تبدو باردة معه، بالتأكيد تتعمد ذلك حتى يلهث خلفها، لكن هي بعد طلاق ذلك الحقير جمال لها بتعسُف غير مُراعٍ للسنوات التي عاشت بها معه أو منظرها الاجتماعي التي تركت البلدة من أجله، وهي ترى حديث بعض

الألسُن والعيون الشامتة بها، فهي أصبحت مثل العلكة بألسنة البعض، يتعاطف معها والبعض يرمي عليها بأنها فعلت خطأ فادح.. امرأة تتطلق من زوجها بعد زواج دام لعدة عقود من الزمن فجأة يطلقها زوجها، وبعد زواج ابنها لم يراعَ لا عِشرة ولا عُمر، أصبح الآن لم يبقَ لها مكان غير هنا مع ولدها، لكن هنالك أفعى صغيرة ناعمة تحاول اللعب على مشاعره الواضحة لها، وهي لن تدعها تهنأ بذلك الدلال، لتبدأ أولى خطوات تعكير صفوهم معًا.

بغرفة النوم وضعت غيداء صندوق الإسعافات الأولية جوارها على الأريكة ثم مدت إحدى ساقيها ورفعت عنها بنطلون منامتها قليلًا وهي تشعر ببعض الألم قليلًا، ثم قامت بيد مُرتعشة ومترددة بنزع ذلك الضماد من على ذلك الجرح الذي أسفل رسغ ساقها، نظرت للجرح ما زال لم يلتئم وكذلك مُتعرق ببعض قطرات الدماء، بألم وبنفس الارتعاش بيدها قامت بوضع أحد المُطهرات فوق قطن طبي تشعر بتردد وهيبة تفكر بتردد قبل أن تضع تلك القطنة فوق الجرح.

بنفس الوقت فتح فادي باب الغرفة ودخل نظر نحو جلوسها على تلك الأريكة ومنظر وجهها المُتألم وكذلك رأى يدها التي تمسك بالقطن وهي ترتعش ومترددة من وضعها فوق الجرح، لكن حين رأت دخوله للغرفة ادعت القوة رغم ذلك ما زالت مترددة تخشى الألم، اقترب من مكان جلوسها وجلس على الأريكة ورفع ساقها فوق ساقه، حين نظر للجرح شعر بتألم كأن ذلك الجرح بجسده هو، وكذلك رأى تعرُق الدماء بالجرح فقال لائمًا:

قولتلك الجرح كبير وكان لازم يتخيط عند دكتور لكن إنتي عاندتي وقولتي يومين ويطيب وأهو لسه الجرح شبه مفتوح غير متعرق بدم. حاولت غيداء جذب ساقها من فوق ساق فادي قائلة بغضب تُخفي ذلك الألم: قولتلك مالوش لازمة الدكتور، عادي ده جرح بسيط، اتجرحت أقوى منه قبل كده، وأعتقد إني ما طلبتش منك مساعدة. رفع فادي وجهه ينظر إلى وجه غيداء رأى بعينيها نفس الدمعة وكان نفس الرد قبل ثلاثة أيام وقت أن انجرحت [فلاش باك]

رأى فادي بعض قطرات الدماء تسيل أسفل إحدى ساقي غيداء أصبحت تزداد شعر برجفة في قلبه، لكن كانت الرجفة الأكبر في قلب غيداء وظنت أنها تنزف في البداية، لكن رغم الألم تنفست براحة لوهلة ثم عادت تشعر بالألم حين أزاح البنطلون فادي عن ساقها ورأى ذلك الجرح الكبير... شعر بخضة قائلًا: غيداء واضح إنه جرح كبير قومي غيري هدومك بسرعة ونروح أي مستشفى. رغم الألم جذبت غيداء ساقها بِحدة قائلة:

لأ ده جرح صغير مقارنة بجرح تاني، يومين ويخف لكن في جروح مش بتخف مهما طال الوقت. تغاضى فادي عن فحوى حديث غيداء ونظر لتلك الدموع التي تترغرغ بعينيها بشفقة قائلًا: غيداء واضح إن الجرح كبير، قومي معايا وبلاش كلام فارغ مالوش لازمة. قال فادي هذا وأمسك غيداء من عضدي يدها يساعدها للنهوض والسير معه، لكن غيداء جلست بعد خطوات على أريكة بالغرفة قائلة بِعناد:

أنا مش هروح أي مستشفى، في هنا في الحمام صندوق إسعافات أولية، هضمد الجرح بقطن ومُطهر، وهيخف بسرعة، إنما أنا بكره الدكاترة والمستشفيات. ألح فادي كثيرًا على غيداء لكن هي صممت على رأيها خشية أن يفتضح أمر أنها ما زالت تحمل بأحشائها طفله، لا تعرف سبب لرغبتها بعدم معرفته أن الجنين ما زال بأحشائها، ربما ما زالت لم تغفر له أنه فضح أمرها معه، انتقامًا هي الأخرى تنتقم منه لكن بالنهاية هي الأخرى تدفع معه الثمن بجلد ذاتها.

عاد فادي من تلك الذكرى حين شعر بآه خافتة من غيداء بعد أن تحاملت على نفسها ووضعت القطنة بالمُطهر فوق الجرح، شعر بغصة قوية ومد يده فوق يدها التي تُمسك بها القطنة ورفعها ثم جذب تلك القطنة بقلة حيلة منه وبدأ في تضميد ذلك الجرح ثم وضع فوقه لاصق طبي، وأخذ يُنظف المكان ونهض بذلك الصندوق ووضعه بالحمام وعاد لها مرة أخرى يبتسم قائلًا: على فكرة أنا حضرت الفطور في المطبخ غيري هدومك وخلينا نفطر سوا.

أومأت له رأسها بموافقة تنتظر خروجه من الغرفة حتى تستبدل ثيابها بأخرى.

فهم فادي وخرج من الغرفة وأغلق خلفه باب الغرفة وقف على حائط جوار الغرفة بتنهد يشعر بضياع لأول مرة بحياته يحاول أن يضبط مشاعره التي أصبحت تنجرف بهاوية عشق غيداء التي تفرض عليه حقيقة واحدة أن البداية أو النهاية ليست بيديه بل بأيدي غيداء التي تفرض برود وهجر عليه أحيانًا يود أن يصرخ عليها ويقول لها أن خطأهم متساوٍ وأنه لم يُجبرها على شيء، لكن يعلم أنه لو قال ذلك سُيعجل قرار غيداء بإنهاء زواجهما، يحاول تلجيم غضبه حتى لا يخسر غيداء أكثر من ذلك.

بعد دقائق بالمطبخ دخلت غيداء تقول بابتسامة رقيقة: صباح الخير يا طنط. زفرت سامية نفسها وردت بامتِعاض: صباح النور يا حبيبتي، خير هي لسه رِجلك بتوجعك. ردت غيداء بكذب: لا الحمد لله بقت أحسن، وبفكر أروح الجامعة النهاردة. نظر لها فادي برفض قائلًا: جامعة إيه اللي تروحيها؟ الجرح اللي في رجلك لسه بينزف دم. نظرت سامية للهفة فادي بسخرية قائلة: وماله ما تروح جامعتها، يعني هي هتروح مشي؟

ما العربية هتاخدها من قدام باب العمارة وترجعها لهنا تاني... يعني مش هتتعب في مواصلات. نظر فادي لسامية باستفسار قائلًا: عربية إيه اللي هتاخدها من قدام العمارة؟ ردت سامية بتبرير: العربية اللي كانت بتوصلها قبل ما تتجوز. نظر فادي لوالدته وفهم قصدها قائلًا:

ده كان زمان زي حضرتك ما قولتي قبل ما تتجوز، دلوقتي غيداء مسؤولة مني مسؤولية كاملة والعربية دي مالهاش لازمة وغيداء عارفة مستوايا كويس إني ما أقدرش أجيب لها عربية بسواق وكانت الأيام اللي كانت بتروح الجامعة بتاكسي، بس كانت رِجلها سليمة وتقدر تمشي عليها بسهولة، مش هيحصل حاجة لو غابت كام يوم وتقدر تتصل على أي زميلة ليها وتسألها عن المحاضرات اللي فاتتها وأعتقد لسه بدري على امتحانات نص السنة وجامعة غيداء ما فيهاش جزء عملي فمش هتتأثر بعدم الحضور.

شعرت سامية بغيظ وبررت حديثها: أنا قصدي مصلحتها وأنتم أحرار. رد فادي بجفاف: فعلًا إحنا أحرار وغيداء مسؤولة مني وأنا شايف إنها مش هتقدر تحمل على رِجلها، وكمان أنا شبعت ولازم ألحق ميعاد المصنع. قال فادي هذا ونهض واقفًا ثم نظر ببسمة لغيداء التي ابتسمت غصبًا بإعجاب لا تنكره فادي رغم ما حدث لم يكن طامعًا بثروة والدها ربما تلك نُقطة لصالحه.

بينما شعرت سامية بنار حارقة في جنبيها، هي كانت تظن أن ولدها سينعم برغد بعد زواجه من غيداء سلسلة عائلة زهران، لكن فادي هو من يبدأ بالرفض، وتلك الحمقاء تبتسم له وتوافقه، عليها حثها حتى تشعر بأن حياة الزوجين مُشاركة ولا عيب من مساعدة الطرف ذو الترف للآخر، هكذا هي الحياة الزوجية مُشاركة بكل شيء وأول شيء المُشاركة المادية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لندن

بـ "تل كليف" أحد سهول لندن ذات الطبيعة الريفية الخضراء. ترجل عواد وصابرين من تلك السيارة، سارت صابرين سريعًا إلى الجهة الأخرى مكان ما يقف عواد الذي تبسم لها ووضع يده حول خصرها مُبتسمًا يسمع سؤالها: إحنا هنا فين؟ رد عواد: إحنا في أشهر مكان ريفي في إنجلترا، "تل كليف" ودي مزرعة صديق ليا هنا وهو عزمنا نقضي اليوم عنده، وأنا وافقت... يعني اليوم كله هيبقى بين الماء والخضرة والوجه الحسن. نظرت له صابرين تتدلل بترقُب قائلة:

ومين بقى الوجه الحسن؟ ضحك عواد بمكر مجاوبًا: أكيد أوليفيا بنت صاحب المزرعة. توقفت صابرين عن السير ونظرت لعواد بغيظ قائلة: كده طب كمل بقى إنت لوحدك اليوم هنا وأرجع أنا شقة لندن تاني. ضحك عواد وجذبها لمواصلة السير قائلًا: تعالي بس هتنبسطي أوي هنا المكان له طبيعة خاصة وإن كان عالوجه الحسن هتلاقي هنا كتير. نظرت صابرين لـ عواد قائلة:

تعرف إن دمك بارد زي الإنجليز بالظبط واضح تأثيرهم على شخصيتك الباردة، وأنا كمان هستمتع بالماء والخضرة ويمكن يطلع صاحب المزرعة راجل وسيم ويبقى هو الوجه الحسن بالنسبة ليا. ضحك عواد بثقة قائلًا: "والتر" وجه حسن، ده أكبر من جدي صادق ده على رأي رائف عايش من قبل ميلاد الملكة فيكتوريا. تحدثت صابرين بإغاظة: وماله ما الشخصيات الكبيرة دي بتبقى مميزة بالحكمة والمودة اللي تجذب اللي قدامها ليها.

تبسم عواد لصابرين بثقة دون رد، سار الاثنان إلى أن وصلا إلى مدخل المنزل المرفق بالمزرعة، استقبلهما رجل بعمر الثمانين لكن يبدو بصحة جيدة بالنسبة لعمره، فقط يسير على عكاز خشبي أنيق له رأس من الفضة تبدو بوضوح أنها صدفة بحر. استقبلهما بحفاوة بالأخص صابرين مما جعل عواد يشعر ببعض الغيرة وهو يتعامل معها بتلك الألفة، حتى صابرين تسير على هواه كأنها تحاول استفزاز غيرة عواد.

تجول الثلاث بين جنبات المزرعة، هي تستمتع فقط برفقة عواد لا أكثر فالمكان رغم طبيعته الخضراء لكن لم يكن جذاب بالنسبة لها. بعد وقت تركهم والتر وحدها وذهب لقضاء أمر هام. انحنى عواد على صابرين هامسًا: مش عارف ليه حاسس إن المكان مش داخل مزاجك. ردت صابرين: فعلاً، المكان مش مثير، فقط خضرة، بس تحسها خضرة مصطنعة، ريف صحيح بس مش زي الريف المصري، في مصر تحس الطبيعة أفضل...

يعني أبسط شيء المدخنة العالية اللي هناك دي تحس أنها معمولة ديكور مش أكتر إنما هتلاقي في المكان دفاية بالكهربا، التطور الممزوج مع البدائية بيفسدها. تبسم عواد وهو يلف يده حول خصرها ومال على أذنها قائلاً: طب بذمتك لو إحنا في مصر في بلدنا كنت أقدر أمشي معاكي وأنا لافف إيدي على وسطك كده. ضحكت صابرين قائلة: لأ طبعًا، كانوا يتغمزوا ويتلمزوا علينا، إنما هنا عادي عندهم تسيب من الآخر ما عندهمش حيا...

غير ممكن في مصر يقولوا علينا فعل فاضح في الطريق العام، أو أنا أقول إني ما أعرفكش وقتها ياخدوك على أقرب قسم ويتعملك محضر تحرش بأنثى رقيقة وتتلسوع في القسم. ضحك عواد بينما بنفس اللحظة صدح رنين هاتفه. أخرج الهاتف من جيبه ونظر للشاشة وطبيعة صابرين الفضولية لا بد أن ترى من يهاتفه، نظرت نحو الشاشة قائلة: مش أوليفيا دي اللي بتقول إنها بنت صاحب المزرعة، طب بتتصل عليك ليه. رد عواد بتلقائية: أكيد بتشوفني وصلت لهنا ولا لسه؟

تعجبت صابرين قائلة: وبتتسأل ليه هي مش هنا في المزرعة وأكيد باباها قالها أو بعت لها خبر. رد عواد بسهولة: أوليفيا مش هنا في المزرعة ممكن تكون لسه عالطريق، هي عايشة في لندن بتشتغل هناك، ده بيت والداها بتيجي في الإجازات فقط. تهكمت صابرين قائلة: آه يعني إنت وهي متواعدين تتقابلوا هنا، ويا ترى بقى الست أوليفيا دي بتشتغل إيه في لندن، فاتحة محل بقالة بتبيع فيه منتجات لحوم وألبان. ضحك عواد بصخب قائلاً:

هي فعلاً بتشتغل في اللحوم، بس اللحوم البشرية دكتورة علاج طبيعي. تهكمت صابرين بسخرية قائلة: يعني قصدك دكتورة تفعيص، طب رد عليها واضح إنها تلمة ومش هتبطل رن غير لما ترد عليها. كتم عواد ضحكته وقام بالرد عليها بهدوء، وأخبرته أنها أصبحت قريبة من المزرعة. أنهى عواد الاتصال مبتسمًا وهو يرى ملامح وجه صابرين التي ترسم بسمة وودت السؤال بفضول لكن قطع السؤال إشارة والتر لعواد أن يذهب له ناحية أحد الحظائر القريبة من مكان سيرهم.

أومأ له عواد برأسه ونظر لصابرين قائلاً: تعالي معايا. نظرت صابرين نحو المكان الذي أشار له منه والتر ثم قالت برفض: لأ المكان ده واضح إنه مكان حيوانات خليني أتمشى شوية في المزرعة وروح إنت له يمكن هيدبح عجل على شرف استقبالنا. ضحك عواد قائلاً: إحنا في إنجلترا دبح العجل ده في مصر بس. ضحكت صابرين قائلة: أهو شوفت ميزة تانية للريف المصري، كرم الضيافة.

ضحك عواد وذهب إلى والتر وترك صابرين وحدها تسير بالمزرعة، رأت إحدى شجرات الورد البلدي باللون الوردي اقتربت منها ومدت يدها على إحدى الزهرات بالشجرة وكادت تقطفها لولا أن شعرت بضربة خفيفة على كفها ثم تحدثت لها امرأة بعمر الخامسة والخمسين لكن من يراها يقول إنها بأواخر الثلاثينيات أو حتى بمنتصفهم تنهرها بهجوم قائلة بالإنجليزية: كيف لك أيها البلهاء أن تقطفي زهرة ألا تعلمين أن الزهور مثلنا تتألم.

نظرت لها صابرين بغيظ متهكمة وكادت تسبها لكن اقترب من مكان وقوفهن معًا عواد يبتسم قائلاً: أوليفيا لقد تأخرتِ كثيرًا لا بد أن تدفعي ضريبة تأخير. تبسمت له أوليفيا قائلة بود وترحيب: عواد أيها الوسيم المصري من أجلك على استعداد بدفع ضريبة مزدوجة. قالت هذا وتركت صابرين وذهبت نحو عواد تفتح له ذراعيها بترحيب حقًا لم تحتضنه لكن يكفي ذلك الترحيب الحافل منها له يجعل صابرين تود سفك دمها الآن أسفل قدميها. ــــــــــــــــــــــــ

الإسكندرية بمصنع السيارات الذي يعمل به فادي بعد الانتهاء من فترة العمل دخل فادي إلى غرفة مدير المصنع قائلاً: مساء الخير يا أفندم، خير، وصلني خبر إن سيادتك طلبت تقابلني بعد نهاية وردية العمل بتاعتي. تبسم مدير المصنع قائلاً: خير يا فادي اقعد عاوزك في مصلحة لك. جلس فادي على أحد المقاعد مبتسمًا ينتظر حديث المدير الذي قال له:

بص يا فادي أنا من خلال الفترة اللي فاتت شوفت كدك في الشغل هنا في المصنع غير كمان إنك عندك كفاءة وخبرة كويسة، وعرفت كمان إنك كنت بتشتغل قبل كده في الفرع الرئيسي للمصنع في ألمانيا، وبصراحة كده صاحب المصنع طلب مني أرشح له كفاءات مميزة تسافر للمصنع الرئيسي هناك بألمانيا تمده بخبرة، وأنا رشحتك في أول القايمة دي...

مع إني مش عارف سبب إنك ما جددتش العقد في المصنع الرئيسي وجيت تشتغل هنا في إسكندرية، حد عاقل برضه يسيب الشغل في مصنع زي ده في ألمانيا... ويفضل يشتغل هنا في فرع. تنهد فادي نادمًا، بالفعل كان هناك بألمانيا أفضل له سواء ماديًا أو معنويًا، لكن أعماه انتقام واهي دفع ثمنه... لكن عقل حديث المدير برأسه وازداد الشغف حين قال له:

أنا عرفت إنك متجوز حديثًا وأكيد دي فرصة لك كبيرة إنت أكيد محتاج عائد مادي أكبر يساعدك في المستقبل أكيد هيكون عندك ولاد وهتحتاج مصاريف وإمكانيات أكبر، وإنت سبق واشتغلت هناك وشوفت طبيعة العمل والأجر المقابل ليه، هسيبك أسبوع تفكر وترد عليا دي فرصة بلاش تضيعها أنا لو شاب في سنك مستحيل أضيعها خبرة وزيادة كفاءة غير عائد مادي سخي.

أومأ فادي له برأسه بموافقة، لكن هنالك من ود معرفة رد فعلها حين يخبرها، فهل سترضى وتسافر ألمانيا معه أم ترفض وتضع نهاية مؤلمة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالإسكندرية بمطعم رائف

كان يحمل ميلا على ساقيه مبتسمًا وهو يعاندها ويقوم بشد شعرها الذي ترفعه على هيئة خصل تشبه ذيل حصان معقود بعدة فراشات ملونة، يحاول سلت إحدى الفراشات لكن ميلا سأمت من عبث رائف بشعرها فقامت بصفعه على عنقه بطفولة منها، تألم فادي بمفاجأة. بينما لم تستطع فادية كتم ضحكتها قائلة بنصح: ميلا عيب كده... معليش يا رائف هي بتعمل كده مع هيثم لما يعاندها هي عندها شعرها والفراشات ده منطقة خاصة. ابتسم رائف يقول بعتاب مرح:

كده يا ميلا تضربي بابا لما أنت لسه ما كملتيش سنة وبتضربيني أمال لما يبقى عندك عشر سنين هتحطيني في دار المسنين. ضحكت الصغيرة وأومأت رأسها وقالت بتهته: آه إنت وهيثم. ضحكت فادية كذلك رائف الذي ادعى المأساة ومد يده بميلا لفادية قائلاً: يا خسارتك يا رائف ياللي بنتك هتحطك في دار المسنين بدري بدري مش بعيد لما تكمل سنتين ترفع عليا قضية حجر وتتهمني بالسفه. ضحكت فادية وهي تأخذ ميلا منه، ونظرت لميلا قائلة: لأ ميلا طيوبة.

أومأت ميلا ببسمة وقبلت وجنة فادية. نظر لها رائف قائلاً بتحسر: ناس تتباس وناس هتتحط في دار المسنين... بس أنا عندي الحل أنا أتجوز وأجيب ليها مرات أب تعاملها زي مرات أبو سندريلا. للحظة ارتجف قلب فادية وشعرت بهزة قوية... وظلت صامتة... لكن في نفس الوقت أتى النادل لهم ووضع بعض المشروبات أمامهم، زاغ أحد المشروبين بعين ميلا وأشارت عليه... فقالت لها فادية: تبرد شوية يا ميلا.

وافقت ميلا فادية، بينما رائف شعر بندم يبدو أنه تسرع في قول أحمق، حتى فادية ادعت الانشغال مع ميلا وهي تسقيها من ذلك المشروب الخاص بها تتهرب من النظر إليه... قطع رائف ذلك الصمت قائلاً: عرفتي إن عملية عواد بعد ثلاث أيام. ردت فادية: آه صابرين اتصلت عليا النهاردة الصبح وقالت لي، بس شكلها متوترة بزيادة، برضه عملية مش سهلة وهي لوحدها مع عواد. تنهد رائف قائلاً: بس تحية قالت لي إنها هتسافر لندن وأنا معاها. ردت فادية:

وكمان بابا هيسافر عشان يبقى جنب صابرين. تعجب رائف مبتسمًا يقول بسذاجة منه وظن أن فادية لا يفرق معها الأمر قائلاً: تعرفي إني أنا اللي عملت مونتاج عالصورة اللي بسببها اتجوز عواد وصابرين. ماذا قال هذا الأبله الذي يضحك! صمت ساد للحظة، قبل أن تنظر فادية إلى بسمة ذلك الأبله السمجة. ثم نهضت واقفة، بنفس الوقت شعر رائف بسخونة تكاد تكون حارقة بصدره. قائلاً ببروده المعتاد: آه القهوة حرقت شعر صدري كش...

قدامك عالترابيزة حاجات كتير ما لقيتيش غير القهوة ترميها عليا، دي سخنة مغلية. نظرت له فادية بغيظ قائلة: أنا لو قدامي مية نار كنت رميتها عليك وسلختك بقى إنت مبسوط إن إنت اللي فبركت صورة عواد مع صابرين، عارف الصورة دي كانت سبب في عذاب لأختي، لسعة القهوة اللي حاسس بيها دي جنبها ولا حاجة، أنا ماشية وبعد كده ممنوع تتصل عليا، ولا أقولك أنا هغير رقمي. قالت فادية هذا وسارت لخطوات قبل أن يقول رائف:

استني مكانك، إنت رايحة فين وواخدة بنتي معاكي. توقفت فادية لدقيقة ونظرت لتلك الصغيرة التي تحملها وقالت لها: تروحي له. أومأت الصغيرة رأسها بـ لا وتشبثت بيديها بعنق فادية. نظرت له فادية قائلة: أهو شوفت بنفسك حتى بنتك مش طايقة سخافتك، إياك تفكر تتصل عليا أو حتى أشوف وشك تاني، يلا بينا يا روحي إنتي. قالت فادية هذا وقبلت وجنة الصغيرة ثم سارت بها سريعًا. تنهد رائف بألم قائلاً بمزح:

طب ما تبوسي الواوا بتاعتي يمكن النار تهدى شوية... معلش يا رائف، واضح إن ملكش حظ. حتى بنتك باعتك، "كل حلفاؤك خانوك يا روفي". قال رائف هذا، وأشار للنادل الذي أتى له يحاول كبت ضحكته وهو يرى مديره بملابس مصبوغة بالقهوة قائلًا: تحت أمرك يا أفندم. رد رائف: أنا مش محذر عليك قبل كده بلاش تجيب أي حاجة سخنة، بالذات قهوة. كبت النادل بسمته قائلًا: يا أفندم حضرتك اللي طلبت القهوة، والمدام طلبت هوت شوكليت. نظر رائف للنادل قائلًا:

كنت هات اتنين هوت شوكليت، على الأقل الشوكليت طعمها حلو مش مر زي القهوة، أعمل حسابك حق القميص وأنبوبة التسلخات هيتخصموا من مرتبك ودلوقتي بقى روح هات لي قهوة تانية بدل اللي اندلقت على هدومي. نظر له النادل قائلًا: حاضر سيادتك، بس أجيب قهوة قهوة ولا أجيب هوت شوكليت. نظر رائف له قائلًا: سؤال غبي وبسببه هتدفع تمن فنجان القهوة، عشان أنت غبي، القهوة دي بعد كده تتمنع تنزل المطعم وفتوش هنا مفهوم.

أومأ له النادل رأسه بـ "مفهوم" وذهب ضاحكًا، هو يعلم أن رائف لن يخصم منه شيئًا، هو فقط يمزح وبعد قليل سينسى كالعادة أو يدعي النسيان... لكن هنالك مشاعر آن أوانها، بمجرد عودته من لندن بعد أن يطمئن على عواد، سيبيح بمشاعره لها... وتنتهي تلك الحيرة التي يعيش بها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد ثلاث أيام اليوم هو موعد عملية عواد لندن صباحًا

لم تنم صابرين طوال ليلة أمس، ظل الفكر يشغل رأسها بهواجس لا تنكر أنها تخشى تلك العملية التي سيخضع لها عواد اليوم، العملية ليست سهلة بالمرة. نتائجها ليست مضمونة، والمؤكد عودة عواد للمقعد المتحرك لكن لفترة غير معلومة، قد تُحدد بدايتها نتيجة تلك العملية الجراحية، لكن العملية نفسها صعبة ونتائجها غير معروفة...

ظلت تتأمل وجه عواد وهي تضم جسدها لجسده تود الالتصاق به أكثر، ودت أن توقظه وتقول له لا تخضع لتلك العملية أنا لدي هواجس تُرعب قلبي، قلبي الذي تعلق بك، لكن صمتت تسير بأنامل يدها على وجنتيه ولحظة أغمضت عينيها تكبت تلك الدمعة بعينيها، لكن سقطت من عينيها على صدر عواد الذي كان شبه مُستيقظ وشعر بتلك الدمعة الساخنة على صدره ففتح عينيه ورفع يده يضع أنامله فوق وجنة صابرين، شعر بأسى في قلبه قائلًا: على فكرة أنا مش هموت...

عملت عمليات كتير زي العملية دي قبل كده وقدرت أقف من تاني على رِجليا. فتحت صابرين عينيها ونظرت لعواد قائلة: عايزاك توعدني إنك هتقف على رِجليك مرة تانية. تبسم عواد وما زالت يده على وجه صابرين لكن قال بمراوغة: مقدرش أوعدك بشئ مش في إيدي، ده في إيد ربنا... يعني لو مكتوب لي أموــــــــــ قطعت صابرين بقية كلمة عواد حين قبلته على غفلة منه.

ضمها عواد قويًا على صدره يستمتع بتلك القُبلة التي أخرسته بها صابرين في البداية لكن سرعان ما استحوذ هو على شفاها بقُبلات عذبة، ترك شفاها ليتنفسا الاثنان، رفع عواد وجه صابرين ونظر لعينيها قائلًا: أوعدك يا صابرين لو ربنا طول في عمري هرجع تاني أمشي على رِجليا بس عشان أمشي وأنا ماسك إيدك بإيديا. تبسمت صابرين رغم تلك الدمعة التي بعينيها، وأمسكت يد عواد بيدها قائلة:

وأنا هفضل جنبك وعمري ما هسيب إيدك يا عواد وهنعجز سوا وهحكي لأحفادنا عن قصة جوازنا، وأقول لهم إن الوغد المختال اتجوزتني بفضيحة. ضحك عواد قائلًا: قلبك أسود يا حبيبتي. ضحكت صابرين هي الأخرى قائلة: مش دي الحقيقة يا عواد يا زهران. ضحك عواد وهو يضم صابرين قويًا، كذلك صابرين تود الالتحام بجسده، لكن ربما ضحكة تهون مأساة. ... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالإسكندرية بشقة فادي

وقف فادي أمام غرفة النوم خائرًا حائرًا، ماذا يفعل وماذا يكون رد فعله؟

والدته هي من أخطأت بحق غيداء ورد غيداء الفج كان هو الرد المناسب على ما قالته لها والدته وبعد أن كادت تتهجم عليها بالضرب حتى أنها دفعتها بقوة واصطدمت بمسند أحد المقاعد، لكن غيداء فجأة انسحبت إلى غرفة النوم، ولم تسمع رده على والدته الذي أنصفها هي، حسم أمره لا داعي للعناد أكثر من ذلك، سيدخل الغرفة إلى غيداء ويقول لها إن كانت تُريد إنهاء هذا الزواج مثلما قالت أمام والدته قبل لحظات لن يمانع، يكفي سباحة عكس التيار، هذا الزواج بُني على خطأ من البداية.

بينما بغرفة النوم جلست غيداء تنحني بجسدها قليلًا، تضع يديها حول بطنها تشعر بمغص شبه قوي، أنَّت بألم. في نفس الوقت كان يدخل فادي إلى الغرفة بعصبية لكن زالت تلك العصبية واتجه إلى مكان جلوس غيداء بلهفة ورجفة من ملامح وجهها الواضحة الشحوب... نسي الغضب والعصبية وجلس على ساقيه أمامها. قبل أن يتكلم أنَّت غيداء بألم تبكي، ذُهل فادي حين سمع قولها برجاء: البيبي، فادي أرجوك خدني للدكتورة أنا خايفة البيبي يكون جرى له حاجة...

من الخبطة. نظر لوجهها مصدوم، ألم تخبره سابقًا أنها أجهضت الجنين... ما معنى قولها هذا الآن؟ لكن عليه انتظار تفسير فيما بعد، عليه الآن الاطمئنان عليهما أولًا. ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...