الفصل 52 | من 61 فصل

رواية بحر العشق المالح الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
17
كلمة
4,070
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

منزل الشردي دخلت سحر إلى غرفة السفرة. تبسم لها وفيق، كذلك ماجدة، بينما ناهد تصنعت بسمة غلب عليها حقيقتها العابسة، وقالت باستفسار: "صباح الخير يا سحر، لابسة ومتشيكة رايحة فين بدري كده؟ نظرت لها سحر بسخط قائلة: "عندي ميعاد مع المحامي." نظرت لها ماجدة ببؤس قائلة: "برضه مش هترجعي عن اللي في دماغك؟ فاروق قالك مش عاوز طلاق يبقى ليه مصممة؟ تمتمت ناهد على حديث ماجدة حتى أن لسانها زل بالحديث: "فعلاً!

مش عارفة ليه مصممة عالطلاق، أنا لو مكانك مكنتش طلبت طلاق أبدًا." نظرت لها ماجدة وسحر ببغض، كذلك وفيق زجرها بتهجم مما أربك ناهد وحاولت تصحيح قولها: "أنا مش قصدي حاجة تعيبها أنا كان قصدي مصلحة ولادها." نظرت لها ماجدة بسخط قائلة باشمئزاز: "ياريت تسكتِ أحسنلك." رغم غيظ ناهد لكن الصمت لها الآن أفضل، بينما قالت سحر بنبرة إغاظة لناهد:

"أما أطلق بكرامتي أفضل ما أستنى يروح يتجوز وأقبل يبقى ليا ضرة، وبعدين أنا خلاص أخدت القرار من مدة ودلوقتي رايحة للمحامي سلاموا عليكم." غادرت سحر، بينما نظرت ماجدة لناهد ولاحظت تلك البسمة الشامتة على وجهها شعرت بحسرة. بعد قليل بمكتب أحد المحامين. وقف فاروق يصافح سحر.

صافحته سحر تشعر بجمرة تسير نيرانها من يدها التي تصافح فاروق إلى قلبها، وكذلك عقلها الذي تحكم بها، تحاول جمع ما تبقى منها، تذكرت فادية حين قامت بالتنازل عن حقوقها لوفيق مقابل حريتها، وقتها تشفت فيها بلا سبب حتى أنها من أشارت على والدتها بالضغط على فادية بالتنازل مقابل طلاقها، ها هي تفعل مثلها لكن فادية كانت بموقف أفضل تنازلت بإرادتها ليست مرغمة ولا فاقدة لكرامتها التي فقدتها مع كبريائها كأنثى بالاسم فقط امرأة.

جلست سحر بالمقابل لفاروق. بينما مد المحامي يده بملف لها قائلاً: "دي الأوراق المطلوب توقيعك عليهم، وكمان في بالملف شيك بجميع مستحقاتك المالية عند الأستاذ فاروق." أخذت سحر الملف من يد المحامي ووضعته أمامها على طاولة صغيرة وقامت بالتوقيع عليه، ثم أخذت ذلك الإيصال المالي، ثم وقفت تنظر لفاروق بحسرة في قلبها وهي تمد يدها له بالإيصال قائلة:

"أعتقد مستحقاتي وصلتني بصندوق الصيغة الخاص بيا اللي بعته، أنا قبلته لأن الصيغة دي كنت بشتريها بفلوسك وعلى ذوقي، لكن قيمة الشيك ده زيادة عن حقي." حاول فاروق إقناعها بقبول الإيصال لكن رفضت، ربما لهدف في رأسها أنها فعلت مثل فادية تنازلت من أجل الكبرياء... لكن بالحقيقة هي تنازلت رياء، خوفًا أن يفعل فاروق مثل أخيها ويتزوج بأخرى وهي مازالت على ذمته، ويكون هذا من كمالة رد السلف. الإسكندرية بمشفى بعيادة طبيبة نسائية.

وقف فادي ينظر عبر شاشة ذلك الجهاز الطبي الذي يكشف ذلك الجنين الذي برحم غيداء المتوترة والخائفة وقلبها يرتعب... لكن طمأنتها الطبيبة ببسمة قائلة: "اطمنوا يا جماعة البيبي صحته كويسة وأهو قدامكم كمان حتى واضح جدًا أنه ولد زي ما قولت لمدام غيداء في المتابعة من كام يوم هي ومامتها وشكله هيبقى شقي." ازدردت غيداء ريقها الجاف تشعر براحة حتى أن ذلك المغص اختفى ألمه قائلة: "طب والمغص والتقلصات القوية اللي حسيت بيها؟

بررت الطبيبة ذلك قائلة: "عادي جدًا ممكن يكون بسبب ضغط أو توتر عصبي شديد اتعرضتي له أو حتى ممكن يكون من غير سبب بتحصل أوقات، فترة الحمل مش سهلة، ربنا يكملك المدة الطويلة الباقية بالسلامة، ونصيحة مني بلاش توتر عصبي زيادة حاولي تهدي أعصابك." أومأت غيداء للطبيبة ببسمة، وعادت تنظر إلى تلك الشاشة ترى جنينها الذي بدأ يكبر برحمها، بينما فادي مثل التائه بمشاعره الذي لا يعرف لها تفسير، سعادة أم حسرة.

سعادة أنه بعد عدة أشهر سيصبح أب لطفل هنا كانت. الحسرة غيداء وهمته بالكذب أنها أجهضت الجنين لماذا؟ أكان انتقام منها أم كان لهدف آخر برأسها. فـ بالنهاية وقت كانت تلد ذلك الجنين سيعرف بوجوده وقتها، هنالك سبب آخر لدى غيداء آن الأوان الإفصاح منها عنه. بعد قليل بأحد سيارات الأجرة، قبل أن يملي فادي العنوان للسائق أملته غيداء عنوان فيلا زهران.

لم يجادل فادي في ذلك وبالفعل ذهب معها إلى الفيلا وساعدها بالدخول إلى غرفتها حتى جلست على الفراش، نظر لعينيها التي تحاول أن تحيدهما عن النظر إليه وقال بسؤال يود معرفة إجابته الذي يتمنى أن تخلف ظنه: "ليه يا غيداء كدبتي عليا وقولتي إنك أجهضت الجنين؟ حادت غيداء عينيها تنظر بكل اتجاه بالغرفة عدا وجه فادي... الذي جاوب بيأس على سؤاله:

"أنا عارف السبب يا غيداء، هو انعدام ثقتك فيا، فكرتي إني ممكن أكمل في انتقامي وأذلك، صدقيني أو لاء أنا ندمت ودفعت الثمن غالي أوي كفاية صحيت على حقيقة إن إنسان كان بالنسبة ليا مش مجرد أخ...

كان أقرب إنسان ليا وبحبه أكتر من أخ عادي، كنت بحس أن هو ليا السند الوحيد في الحياة وفي قلبي له مكانة قوية حتى كانت أقوى من مكانة بابا، أنا بعتذر منك يا غيداء ضيعتك معايا بس قبل ما أضيعك ضيعت نفسي وخسرت أكبر خسارة في حياتي وهي حبك ليا، أنا مكنتش بكذب عليكِ لما كنت ببعتلك رسايل الحب، يمكن كنت وقتها موهوم إني في لعبة وقت ما أحب أطلع من اللعبة هطلع وأنا مش خسران حاجة بالعكس هكون وصلت لغرضي بتدمير عواد زهران.

السبب الرئيسي هو اللي قتل أخويا وكمان اتجوز البنت اللي في يوم كنت مفكر إن الشخص الوحيد اللي أقدر أتحمل وجودها معاه هو مصطفى، كنت مفكر أن عندي مشاعر لصابرين بس حتى دي طلعت وهم أنا عيشت نفسي فيه، وهم أني حبيت صابرين بس هي مكنتش في مكانة عندي أكتر من بنت عم بالكتير أعتبرها أخت، بس قلبي لما دق بجد كان ليكِ، وقت ما سيبتيني في الشقة ومشيتي حسيت إني كنت تايه وأنتِ كنتِ المرسى بس أنا بغبائي بدال ما أقرب من المرسى استسلمت

للموج يجذبني للغرق بعيد، حتى يوم ما طلبتي نتقابل وقتها كنت هقولك تعالي نتجوز رسمي ونعيش بعيد وننسى كل الماضي، حتى وأنتِ بتهدديني كنت بضحك جوايا وقولت غيداء بتحاول تبان قوية وهي هشة كانت شفايفك بترتعش وقتها، حاولت أظهر لك إني ممكن أتخاذل وأتخلى عنك عشان يطول الوقت بينا، وأستمتع بيكِ قدامي، منكرش عجرفة عواد غاظتني بس مكنش لازم أسلم نفسي للغضب يسيطر عليا، الغضب اللي بسببه خسرتك.

وكمان أعتقد في سبب تاني أنتِ كنتِ عاملة حسابك أن مدة جوازنا مش هتطول فـ بالتالي لو عرفت إنك كنتِ لسه حامل ممكن أعترض عالانفصال بحجة البيبي، لكن عدم وجوده سهل الانفصال، غيداء أنا كنت حاسس بالصراع اللي بتعيشي فيه الأيام اللي فاتت من وقت ما ماما جت تعيش معانا واتجبرتي كمنظر قدامها تنامي معايا في نفس الأوضة، عارف يوم ما اتعورتِ رجلك إنك مكنتيش قادرة تتحملي تنامي جانبي عالسرير وكنتِ بتحججي بوجع رجليكي إني ممكن أخبطها وأنا نايم بدون قصد وبتنامي عالكنبة...

غيداء أنا النهارده بقولك من قلبي أنا بحبك وأي شيء يريحك أنا مستعد أعمله حتى لو طلبتِ انفصالنا." ذهول من غيداء تشعر بانشطار في قلبها. رغم ذلك حل الصمت لدقائق حتى أعينهم تاهت تنظر إلى أي مكان بالغرفة لكن لم تتلاقى، ربما لو تلاقت لفاضت بمكنون قاسٍ على القلب تحمله... بالصمت كان الجواب بالنسبة لفادي الذي اقترب من الفراش وانحنى يقبل رأس غيداء يشعر بانهزام قائلاً: "هابقى أتصل أطمن عليكِ، سلام." غادر فادي.

تركت غيداء القرار لعينيها بتلك الدموع الغزيرة، لا تنكر شعورها بحزن من نبرة انكسار فادي أمامها. لكن... لكن ماذا! هل تنسى نظرة والداها بخيبة لها، كان من السهل تجنب تلك النظرة منهم لو أخفى فادي السر بينهم. كيف لم يفكر بصورتها لو خرج ذلك السر خارج منزل زهران كانت أصبحت علكة بفم من يدعون الشرف ومنهم من يتجاهرون بالدنس مثلها وأكثر، هي من كانت ستدفع من سمعتها وسمعة عائلتها، الجزاء من جنس العمل.

هي أخطأت وهو أخطأ والعقاب هو الغرق كل منهم في اتجاه عكس الآخر. لندن المشفى بغرفة خاصة. كان عواد يجلس مع صابرين انتظارًا قبل إجراء استعدادات العملية الجراحية. تبسم عواد بداخله على ملامح صابرين التي يظهر عليها بوضوح التوجس والريبة، كذلك يدها الباردة التي تضعها بين يديه، رفع إحدى يديه وضم صابرين بها إليه قائلاً: "إيدك ساقعة كده ليه؟ بررت صابرين ذلك قائلة: "يمكن من تكييف الأوضة حاسة إنه بارد بزيادة."

ابتسم عواد وهو يعلم أنها تحاول رسم القوة أمامه، لكن هو أصبح يعلم خصال صابرين الهشة رفع يدها يقبلها ثم قام بالنفخ فيها للحظات. رغم ما تشعر به صابرين، لكن تمسكت بيد عواد قائلة بمزح تحاول تخفيف شعور القلق لديها: أما أشوف بعد كام ساعة هيبقى فيك حيل تنفخ تاني ولا هتكتفي ببوس أيدي. ضحك عواد بعبث قائلًا: إن كان عالنفخ فهو سهل، إنما بوس الإيد ده الله الأعلم بيه بعد كده، مع إني مش من هواة بوس الأيادي. رغم أن صابرين متوترة،

لكن تبسمت قائلة بسؤال مرح: ويا ترى أنت من هواة بوس إيه؟

غمز عواد بعينيه وضم صابرين أكثر له ونظر لوجهها، تجول عينيه على كامل ملامحها، كذلك عينيها التي تُشبه قُرص الشمس عند المغيب، لكن اليوم يراها خافتة وبها بعض العروق الصغيرة باللون الأحمر، يعلم أن سبب ذلك هو حالة السهر والترقُب والتوتر التي تعيشها كلما اقترب موعد العملية. يعلم رغم أنها تحاول إظهار القوة أمامه كي تُعطيه قوة يحتاجها، لكن بداخلها هاجس خوف كبير. كان لديه قبل أن تأتي له لندن، وجودها جواره أزال كل شيء سيء، أصبحت مثل النسمة الهادئة. أصبح يتمسك بالأمل من أجل فقط أن يذهب معها إلى شاطئ الإسكندرية يسير جوارها مُمْسكًا بيدها كما وعدها قبل أيام بمزرعة والتر...

[فلاشــــ/ـــــباك] على طاولة الغداء جلس عواد بالمُنتصف بين صابرين وأوليفيا التي كانت تحاول الاستحواذ على الحديث مع عواد بود ومرح منها وعواد كذلك يتقبل منها المزح كأنهم أصدقاء أو أكثر. شعرت صابرين بالغيرة منها لكن تضبط نفسها وتبتسم لوالتر الذي يُرحب بها بحديث ودي قائلًا بالإنجليزية: صابرين... هذا هو اسمك يبدو اسم ذو معنى. ردت صابرين بالإنجليزية: اسم جمع مُشتق من الصبر. أومأ والتر برأسه موافقًا:

يبدو أنكِ تحملين صفات اسمك، الصبر وإلا لما أتيتي لتكوني جوار عواد هذه الفترة. همست صابرين بالمصري: لأ شكلي جيت في الوقت المناسب وكتمت على نفسه... بس الشمطاء بنتك دي نفسي أنتف شعرها. سمع عواد همس صابرين وحاول كتم ضحكته، بينما أخذت أوليفيا دفة الحديث قائلة بنبرة سخرية من صابرين: تلك البلهاء، كانت تحاول قطف إحدى الزهرات ولا تعلم أنها من سُلالة نادرة. تهكمت صابرين بعبوس وقالت بهمس: والله أنتِ اللي من سُلالة نادرة البرود.

ظل الحديث بينهم بين ود من والتر لصابرين وهجاء مُبطن من أوليفيا لا تعلم سبب لما لا تشعر معها بالصفاء، ربما بسبب طريقة تقارب حديثها مع عواد. عواد الذي تود أن تصفعه بسبب تلك البسمة وتلك الطريقة الذي يرد بها مع تلك الشمطاء... انتهى وقت الغداء. نهض عواد مادًا يده لصابرين قائلًا: الجو النهارده خريفي حبيبتي خلينا نتمشى شوية في المزرعة قبل المسا. وضعت صابرين يدها بيد عواد ونهضت، لكن اغتاظت حين تساءلت أوليفيا: إلى أين عواد؟

كادت صابرين أن تقول له لا ترد عليها لكن هو سبق بالرد قائلًا: أريد الاستمتاع قليلًا بالسير في المزرعة. ردت أوليفيا: الطقس اليوم خريفي هادئ يُشجع على السير لكني مُتعبة قليلًا سأذهب للراحة حتى المساء أتمنى لك سيرًا ممتعًا برفقة الخُضرة. قالت هذا ثم نظرت إلى صابرين قائلة باستهجان: وأنتِ أيضًا أتمنى لك وقت ممتع لكن لا تمدين يدك على أي زهرة بالمزرعة هنا الزهور من سُلالات نادرة.

نظرت صابرين لها بغيظ ودت أن تجذبها من خُصلات شعرها المصبوغة ببعض الألوان تُشبه الشمطاء الشريرة المتصابية ببعض الأفلام الأجنبية، لكن انفرجت شفتاها ببسمة مقيتة لها. بعد وقت من السير توقفت صابرين تشعر ببعض الإرهاق قائلة: مش كفاية مشي يا عواد أنا رِجليا وجعوني، خلينا نقعد نرتاح شوية تحت أي شجرة من السُلالات النادرة. ضحك عواد، بينما نظرت له صابرين بغيظ قائلة: الشمطاء دي معرفش ليه حطاني في دماغها وناقص تطردني من المزرعة.

ضحك عواد وهو يجلس تحت ظل إحدى الشجرات وجذب صابرين من يدها، اختل توازنها وسقطت جالسة على ساقيه. نظرت حولها بالمزرعة تنهدت حين لم ترى أحد قريب منهم لكن قالت لعواد بخجل: إفرض حد كان قريب مننا وشافنا كده... آه ولا إحنا في بلد الفرنجة بقى ومعندهمش عيب ولا حيا. ضحك عواد ووضع رأسه فوق كتف صابرين، لكن صابرين سمعت صوت غُراب تذكرت شيئًا وحاولت النهوض من فوق ساقي عواد دون انتباه منه وقامت بإلقاء بعض أوراق الشجر

المتساقطة عليه قائلة: وغد مختال، فاكر لما كنا في المزرعة بتاعتك وقتلت أنثى الغراب وبعدها بوستني وكنت هتخنقني مستحيتش من عامل المزرعة اللي شافنا وقتها كنت نفسي آخد منك البندقية وأفرغ طلقاتها في رأسك. ضحك عواد وهو ينفض تلك الأوراق قائلًا بوقاحة وعِناد وهو يجذبها عليه: قولي إنك عاوزاني أعيد نفس البوسة تاني هنا.

أنهى قوله وهو يضمها بين يديه يُقبلها بشغف، امتثلت صابرين لتلك القُبلات حتى ترك عواد شفاها ليتنفسا. عانقت صابرين عواد بحميمية أكثر، كذلك عواد لكن قطع ذلك العناق صوت الغِربان. همس عواد بأذنها قائلًا: أنا بقول نقوم نكمل مشي، بدل ما أتهور هنا تحت الشجرة، وحد من عمال المزرعة يصور لينا فيلم عاشقان تحت الشجرة. عادت صابرين برأسها للخلف وهي تضحك قائلة: زي الصورة اللي فبركها لك رائف كده. ضحك عواد قائلًا:

واضح إن فادية ليها تأثير كبير على رائف بيعترف ليها بدون ما تطلب منه. ضحكت صابرين وأومأت برأسها قائلة بدلال: وأنا ماليش عليك تأثير وعاوز تعترف إنك بتحبني من إمتى؟ نظر عواد لعين صابرين عاشقًا لكن رد بشغب: افتكرى كويس يا حبيبتي أنتِ اللي جيتي ورايا هنا لندن وقلتي لي بحبك يا عواد. ضيقت صابرين بين حاجبيها وهي تقول: افتكر أنت كويس يا عواد، لما أنا كنت في الغيبوبة مين اللي قالي بحبك يا صابرين. ابتسم عواد بعبث قائلًا:

محصلش أكيد كانت تخاريف وأنتِ في الغيبوبة. متأكد. هكذا ردت صابرين وأكملت: وليه كنت ملازم للمستشفى ليل ونهار، كمان في اللي سمعك وأنت بتقولي بحبك وأكيد ده مش تخاريف. نظر عواد لها باستفسار قائلًا: مين بقى اللي سمعني بقول كده؟ بابا. تعجب عواد. ضحكت صابرين قائلة: مش مصدق طبعًا، بس بابا قالي إنه سمعك بتعترفلي بحبك وأنا في الغيبوبة...

وهو اللي قالي سافري للوغد المختال وربيه وقولي له اللي بيحب لازم يكون عنده شجاعة ويواجه حبيبه في وشه بحقيقة مشاعره، مش يستنى إن الصُدف كل مرة تكون لصالحه. ما زالت نفس نظرة التعجب من عواد، لم يكُن يتوقع ذلك من والد صابرين، فهو منذ بداية زواجه منها وهو يُظهر له أنه غير راضٍ عنه... لكن ربما سبب تغيير ذلك هو صابرين حين تأكد من حُبها لعواد. نهض عواد واقفًا يمد يده لصابرين التي وضعت يدها سريعًا بيده، سارًا يتحدثان سويًا،

إلى أن توقفت صابرين قائلة: مش كفاية مشي كده بقى هلكت. ابتسم عواد لها قائلًا: مستكثرة عليا أمشي على رجليا، الله أعلم إيه اللي هيحصل بعد كده. توقفت صابرين عن السير ونظرت لعواد بعتاب. تبسم عواد وجذب يدها للسير قائلًا: مش دي الحقيقة. نظرت صابرين له بغضب قائلة: دي فترة مؤقتة وهترجع تمشي تاني. نظر عواد لبسمة الأمل التي تُعطيها له صابرين. تبسمت عيناه وهو يسمع لها:

فترة مؤقتة يا عواد وهترجع تمشي تاني وهنرجع تاني إسكندرية أمشي أنا وأنت على شط البحر اليوم كله من الشروق للغروب ايدي في إيدك، أوعدني. تبسم عواد لها بأمل قائلًا: أوعدك يا صابرين هنمشي على شط بحر إسكندرية وايدي في إيدك، بس وقتها متقوليش رِجليا وجعتني زي دلوقتي كده. ضحكت صابرين قائلة: لأ مش هقول هو العيب في المكان مش أكتر، المشي على شط إسكندرية أحلى من "تل كليف". [عــــــــــــودة]

عاد عواد يبتسم وهو يشعر برأس صابرين التي وضعتها على صدره هامسة: عواد أنت سرحت في إيه بكلمك مش بترد عليا. ضم عواد صابرين بلا رد، كان الرد هو قُبلة عشق، حين رفع وجهها وراى تلك الدمعة التي تلألأت بعينيها. كانت القُبلة كصك أمل. لكن قطع تلك القُبلة هو طرق على باب الغرفة ثم دخلت مباشرة أوليفيا دون انتظار بالسماح... تهكمت حين رأت صابرين جالسة تضم نفسها لعواد قائلة بإغاظة لها:

أيها الوسيم المصري آن الأوان أن تجهز لإجراء العملية، لا داعي لإضاعة الوقت بمشاعر تافهة. نظرت لها صابرين بغيظ يزداد كلما ترى تلك الشمطاء... كزت على أسنانها، سمع عواد صوت صك أسنان صابرين، ضحك قائلًا لها بهمس: اهدي يا حبيبتي هي متقصدكيش هي أوليفيا كده دايمًا عفوية. ردت صابرين: دي مش عفوية، دي عافية ربنا ياخدها منها الشمطاء اللي شبه الولية اللي كانت بتخطف الكلاب في فيلم مية وواحد دلمشان. لم يستطع عواد منع ضحكته التي

أثارت فضول أوليفيا قائلة: ما الذي يُضحكك عواد، لكن اعلم من الجيد أن تضحك وأنت مُقبل على تلك العملية، هيا انهض من جوار تلك السمينة وتعالى معي لغرفة العمليات. ماذا قالت تلك الشمطاء؟ أنا سمينة. نظرت صابرين إلى جسدها بتمعُن جسدها ليس سمين... ضحك عواد، أوليفيا تحاول أن تصرف عن صابرين ذلك الشعور بالخوف لكن بطريقتها المستفزة، وربما نجحت في ذلك حين نهض عواد من جوار صابرين دون أن تشعر بسبب نظرها لجسدها بتمعُن.

بعد وقت كانت تقف صابرين أمام غرفة العمليات تقرأ القرآن وتستغفر، تحاول الهدوء. بنفس اللحظة تفاجئت بصوت تعلمه جيدًا يُنادي: صابرين. إستدارت خلفها ورأت من يفتح لها ذراعيه ببسمة، ليست تحلم، هي بواقع سريعًا قطعت تلك الخطوات وألقت بنفسها بين يديه قائلة: بابا، متوقعتش إنك تيجي لندن. فادية مكلماني الصبح وقالت لي إن طنط تحية ومعاها رائف هما اللي هيجوا. ضمها سالم قويًا يقول:

أنا قلت لها ما تقولش لك، عاوزها مفاجأة عشان آخد الحضن الحلو ده. ضمته صابرين قويًا دون رد، لكن قطع ذلك العناق قول رائف بمزح: إن غاب القط إلعب. عواد في العمليات وإنتِ واقفة تحضني في عمي سالم. جاءت من خلف رائف تحية بلهفة تقول:

عواد دخل أوضة العمليات، الطيارة اتأخرت في الإقلاع بسبب سوء الأحوال الجوية، حتى كانوا بيقولوا هيلغوا الرحلة، بس أنا قلت لو هاخد طيارة خاصة لازم أجي بنفسي أطمن على عواد. خسارة كان نفسي أشوفه قبل ما يدخل للعملية. تركت صابرين سالم وتوجهت ناحية تحية تشعر بحزنها واقتربت منها قائلة: عواد كان بيضحك وبيهزر قبل ما يدخل العملية يا طنط. رسمت تحية بسمة مغصوصة القلب وضمت صابرين تشعر براحة قليلة.

طال وقت الانتظار. كما يقولون ليس المريض وحده هو من يشعر بالألم، فمن يحبه يشعر بآلامه أيضًا، هكذا كانت تحية تشعر. كذلك صابرين وإن كانت أخف قليلًا بسبب ضم سالم لها على صدره كأنه كان بلسم هدأ من ارتجاف قلبها. نهضت تحية واقفة تشعر برجفة في ساقيها تقول: هي العملية طولت كده ليه؟ مفيش حد يخرج يطمنا. نهض رائف وجذبها لصدره قائلًا: تعالي اقعدي واهدي يا تحية، معروف إن العمليات الدقيقة دي بتاخد وقت شوية. تدمعت تحية تقول: وقت!

وقت قد إيه. تنهد رائف قائلًا: تحية حاولي تهدي، أمال كنتِ بتعملي إيه قبل كده وإنتِ عارفة إن عواد لوحده. نظرت له تحية بدموع تسيل من عينيها، ماذا تخبره أنها كانت تعيش بصدع في قلبها دائمًا بسبب غياب عواد وهي لا تعلم ماذا به ولا كيف يعاني وحده بعيدًا عنها. بنفس الوقت صابرين تشعر بانسحاب في قلبها، الوقت مر ساعات كثيرة والهدوء أصبح صخب في قلبها. لكن قطع ذلك صوت فتح باب غرفة العمليات وخروج الطبيب، يبتسم لهم. اقترب منه رائف.

فقال الطبيب: اطمئنوا، مرت العملية بسلام دون مضاعفات والمريض سيخرج الآن لغرفة خاصة به، رجاءً عدم الإزعاج، لديه ساعات قبل أن يفيق من أثر المخدر، لكن اطمئنوا. تنهدت صابرين براحة قليلًا تود رؤية عواد، كذلك تحية، بينما خرجت من غرفة العمليات أوليفيا وحين رأت رائف قالت بمزح: تأخرت مثل عادتك أيها المعتوه المصري. ضحك لها رائف قائلًا: أوليف لقد اشتقت لمزحك الغليظ، أخبريني بالتفصيل حالة عواد الآن.

ابتسمت أوليفيا وهي تنظر إلى صابرين وأشفقت على حالها قائلة: كما أخبركم الطبيب تمت العملية الجراحية بسلام دون مضاعفات، تمت إزالة تلك الدماء التي كانت متخثرة بالأوردة، وستعود الدماء للسير بين الشرايين مرة أخرى، والمرحلة القادمة سيبقى جليس مقعد متحرك، وبعد أن يلتئم الجرح بظهر عواد سنبدأ بمرحلة علاج طبيعي تحدد متى سيجري عملية أخرى من أجل العودة للسير مرة أخرى. مساءً بالبحيرة

أمام كافيه جوري توقف فاروق بسيارته لا يعلم لما أتى إلى هنا الآن، وقف قليلًا يفكر في الترجل من السيارة لكن شيء بداخله جعله يتردد، بالفعل أدار السيارة مرة أخرى وسار لمسافة صغيرة وتوقف بالسيارة مرة أخرى يشعر بحيرة من ذلك الإحساس الذي يشعر به، اتخذ قرار العودة مرة أخرى إلى الكافيه وظل جالسًا بالسيارة لوقت.

لا يعلم أن هنالك عينين تتابعه عبر واجهة الكافيه الزجاجية من أول مرة توقف بها، شعرت هي الأخرى بشعور يختلج قلبها، لكن سير فاروق بالسيارة جعلها تفيق من تلك البسمة التي رسمتها ظنًا أنه سيأتي لداخل الكافيه، لكن هو ذهب، وبسرعة عاد، بداخله تردد، حاولت صرف نظرها عن مكان وقوف سيارته. لكن بعد قليل تفاجئت به يدخل إلى الكافيه.

انشرح قلبها وتبسمت له بتلقائية، كذلك هو تبسم لها ظنًا منه أن بسمتها هذه مجاملة لكل الزبائن، شعر بالغيرة ود أن يخصه هو وحده بتلك البسمة، التي هي بالفعل كذلك. جلس فاروق على إحدى الطاولات وأشار للنادل الذي أتى له ودون ما طلبه منه، أراد أن يطلب منها أن تأتي وتجلس معه يود البوح بأحاديث كثيرة، لكن خشي أن تفهم مقصده خطأ. جاءت إليه حيلة.

أخرج سيجارة وضعها بين شفتيه وكاد يشعلها، لكن أتت جوري سريعًا وأخذت السيجارة من بين شفتيه، تنظر له بتحذير. ابتسم فاروق قائلًا: آسف نسيت إن التدخين ممنوع. تبسمت جوري قائلة: عندي سؤال أتمنى تجاوب عليه. ابتسم فاروق قائلًا: اتفضلي اسألي. تسألت جوري: قولي لما بتحرق سيجارة بعدها بتحس بإيه؟ تفاجأ فاروق بالسؤال الذي لا جواب له غير: ولا حاجة مش بحس بحاجة بس يمكن حرقها بيهدي نفسيتي للحظات. للحظات! هكذا قالت جوري ثم تسألت:

وبعد اللحظات دي بتبقى عاوز تحرق سيجارة تانية عشان تهدي نفسيتك، وبعدها تالتة ورابعة وخامسة وعشرة وعلبة كاملة، ويا ترى بعد الحرق ده كله نفسيتك بتهدى لوقت قد إيه؟ وصحتك أخبارها إيه. ضحك فاروق قائلًا: صحتي الحمد لله كويسة، لكن بهدى قد إيه على حسب المزاج وقتها. بنفس اللحظة قبل أن ترد جوري صدح رنين هاتف فاروق، أخرجه من جيبه سريعًا نظر للشاشة سرعان ما رد بلهفة يستمع للآخر ثم ابتسم وهو يتنهد براحة قائلًا:

عواد فاق من العملية، الحمد لله ربنا يتمم شفاه، بكرة الصبح هتصل عليه أكيد دلوقتي تحية ومراته واخدين عقله. أغلق فاروق الهاتف ونظر لجوري ببسمة قائلًا: خبر حلو، بمناسبة الخبر ده تسمحي لي أعزمك على كوباية شاي، ومتخافيش أنا عارف نظام الكافيه أول مرة بس مجانًا جر رجل. ضحكت جوري بتفكير قائلة: أوكيه طالما على حسابك معنديش مانع، حتى هعتبر العزومة حلاوة الخبر السعيد اللي وصلك واضح إنه هو اللي كان معكر صفوك. تنهد فاروق قائلًا:

بصراحة هو كان سبب من ضمن عدة أسباب، بس يمكن يكون هو أقوى الأسباب، ابن أخويا كان بيعمل عملية جراحية في لندن والحمد لله تمت على خير. تبسمت جوري قائلة: ربنا يكمل شفاه، شوفت أهو كنت هتكسب إيه لو حرقت سيجارة كان نفس الخبر هيجيلك لو انتظرت شوية بصبر. ابتسم فاروق لها وهي تجلس بالمقابل له، ثم تنهد بسأم مرة أخرى قائلًا: بس ده زي ما قلت لك سبب، في لسه أسباب تانية بتمنى تهدي هي كمان. ردت جوري:

كل شيء مع الوقت بيهدي بس يمكن إحنا اللي بنستعجل. تنهد فاروق يقول: بالعكس، أوقات بنتأخر زي طلاقي اللي تم النهاردة، اتأخر كتير وللأسف خايف يدفع تمنه ولادي. اهتز قلب جوري وشعرت بالأسى قائلة: وليه مفكرتش في ولادك قبل الطلاق؟

هو دايمًا كده بنفكر بعد حدوث الغلط. أكيد كان ممكن يكون في حل تاني غير الطلاق طالما في أولاد كان لازم تكون الأهمية لهم، لكن هو كده الرجالة دايمًا ما بيفكروش غير في نفسهم وأنانيتهم. عن إذنك عندي شغل في الكافيه.

نهضت جوري وتركت فاروق تشعر بغضب وترى أمامها قصة مشابهة، زوج يساوم على الطلاق مقابل أن تتنازل عن حقوقها الشرعية فهي أصبحت زوجة معيوبة، أما أن تخضع وتتقبل أن تبقى على ذمته أو تختار الطلاق وتتنازل عن حقوقها وكل ما جنته لسنوات من تعب وكد تستمتع به أخرى معه، لمجرد خطأ طبي حدث لها. لندن خرج الطبيب من الغرفة مبتسمًا يقول: المريض فاق وهو لحد ما كويس، أرجو لما تدخلوا بلاش إرهاقه بالحديث ما زال بفترة نقاهة أولية بعد الإفاقة.

حديث الطبيب كأنه فقاعة هواء. فبمجرد ما دخلت صابرين توجهت إلى عواد الذي كان يغمض عينيه وانحنت تهمس جوار أذنه: مختال وغد. ثم أمسكت يده بين يديها وهي تنظر له بترقب. فتح عواد عينيه مبتسمًا بوهن، كذلك صابرين تبسمت له، ضغط عواد على يد صابرين بوهن ثم همس لها بخفوت: صابرين قربي وشك مني وشي شوية. اقتربت صابرين بوجهها من وجه عواد الذي قبل خدها، لكن هنالك من قال مازحًا:

إرحم نفسك إنت لسه فايق من البنج يا راجل، وبعدين استحي والد صابرين معانا هنا في الأوضة، بتبوس البت قدام أبوها يا قلبك الجامد. شعرت صابرين بالخجل، بينما وكزت تحية رائف وهي تقترب من فراش عواد قائلة: عواد مش حمل مناهدتك وهزارك الفارغ. نظر عواد لتحية بتفاجؤ لم يكن يعلم بمجيئها، ثم نظر لبسمة صابرين وهي تومئ رأسها ببسمة له قائلة:

أنا كنت عارفة إن طنط تحية جاية هي ورائف، كان المفروض يوصلوا قبل ما تدخل لأوضة العمليات بس الطيارة اتأخرت بسبب سوء الطقس. نظر عواد لتحية التي تدمع عينيها ثم اقتربت من الفراش ووضعت يدها فوق يد عواد الأخرى ثم أمسكتها بين يديها ثم قبلت رأسه بحنان هامسة بأمومة: عندي إحساس إن ربنا هيحقق أملي ويتم شفاك على خير وترجع تاني تقف على رجليك، زي ما حصل قبل كده.

صمت عواد ينظر لها يشعر بمشاعر مختلفة، كل مرة كان يفيق من عملية كان يجد جواره فقط الأطباء والممرضات ثم بعدها يبقى وحيدًا، هذه المرة وجد صابرين التي تمسك بيده وباليد الأخرى والدته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...