بأحد المشافي، خرج الطبيب من إحدى الغرف. توجه إليه وفيق سريعًا ومعه ماجدة وخلفهم فاروق. تحدثت ماجدة بقلق ولهفة: بنتي يا دكتور. نظر لها الدكتور قائلًا: للأسف النزيف من إمبارح بنحاول نسيطر عليه، بيوقف لوقت قليل ويرجع تاني، للأسف الحل الوحيد هو استئصال الرحم... تنهد الطبيب ثم أكمل: في حاجة كمان لازم زوج المريضة يعرفها، إنها عندها شبه انفجار وتهتك في أنابيب الرحم، وده وارد يمنع قدرتها على العلاقة الزوجية بعد كده.
صدمة ألجمت عقل ماجدة حتى أنها غابت عن الوعي، سرعان ما تلاقاها وفيق قبل أن تسقط أرضًا يطلب من الطبيب مساعدته. وجهه الطبيب إلى أخذها إلى أحد غرف المشفى، بينما فاروق الذي ما يزال يعاني من صدمة أمس ورفض فادية له أمام الجميع، واليوم صدمة أخرى ليست أقل قسوة، ذنب ظلم فادية لا بد أن يدفع ثمنه كل من ساهم به. ــــــــــــــــــــــــــــ بمنزل زهران، بغرفة أحلام الراقدة، رغم الألم التي تشعر به، لكن قالت لتلك الخادمة التي تمد
يدها بالعلاج لها قائلة: ملعون أبو المرض اللي مانعني أعرف إيه اللي بيحصل، إمبارح كان في صويت والنهارده كمان، إيه اللي حصل. وضعت الخادمة تلك الكبسولة أمام شفاه أحلام ثم كأس المياه بصمت. ابتلعت أحلام تلك الكبسولة العلاجية وارتشفت بعض قطرات المياه بصعوبة، لكن قالت للخادمة بوعيد: قوليلي إيه اللي بيحصل بدل ما يكون ده آخر يوم لكِ خدامة هنا. ردت الخادمة عليها: الآنسة غيداء... قطع حديث الخادمة دخول إحدى زوجات أبنائها.
استأذنت الخادمة ثم غادرت الغرفة قبل أن تنقل لها سبب ذلك الصراخ، بينما نظرت أحلام باستهجان نحو زوجة ابنها قائلة: على ما افتكرتي إن لكِ حما تسألي عنها، إنتي وأختك طول الوقت مقضينها يا في بيت أهلكم يا فُسح. زفرت زوجة ابنها قائلة بِنُزك: يعني حضرتك عاوزانا نفضل مربوطين جنبك هنا في البيت؟ ناسيه إن إحنا الإتنين حوامل والدكتور اللي متابعين معاه الحمل قال لنا بلاش تجهدوا نفسكم؟ وبعدين يعني حضرتك ناقصك إيه؟
في خدامة مخصوص في البيت طول الوقت معاكِ تحت أمرك، غير كمان طنط تحية هي الوحيدة اللي بترتاحي معاها. توجعت أحلام وبداخلها للحظة شعرت بالندم وعقلها يعاود تلك المرات التي حاولت وتمكنت من بعضها بإيذاء تحية، ولسخافة القدر هي من تعتني بها الآن وتتحمل وتتقبل نوبات غضبها بسبب ألم جسدها الذي أصبح لا يزول سوى وقت قصير وسرعان ما يعاود أقسى، لكن نفضت ذلك ونظرت لزوجة ابنها قائلة بتعسف وواهي:
إنتم نسوان عيالي وواجب عليكم خدمتي زي في يوم ما ربيت وكبرت لكم ولادي عشان تاخدوهم عالجاهز، متفكريش إن شوية تعب هيهدوني و.... قاطعتها زوجة ابنها بضحكة سخرية وبتعسف صدمتها: شوية تعب إيه يا طنط؟ إنتِ مصدقة الكدبة اللي بيضحكوا عليكِ بها؟ إن السبب مجرد كسر رجليكِ، إنتِ مريضة بالسرطان وفي المرحلة الأخيرة كمان.
اتسعت عين أحلام بذهول غير مستوعبة ما قالته تلك القاسية التي تُشبهها بجبروت القلب، وحاولت النهوض من رقدتها على الفراش تُثبت لها أنها كاذبة، لكن جسدها أخل بها بل شعرت بزيادة تيبس به، وصرخت صرخة وجع قاسي علمت أنه فتك بها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بمنزل سالم زهران، دخل سالم إلى المنزل وجد شهيرة وفادية تجلسان معًا تُشاهدان التلفاز. لم يُلقِ عليهن السلام وطلب من فادية سريعًا:
فادية اتصلي على صابرين. تعجبت شهيرة وبنفس اللحظة شعرت بوخزة قوية في قلبها. كذلك شعرت فادية ولم تتساءل وجذبت هاتفها من على الطاولة وفتحته وقامت بالاتصال على صابرين لأكثر من مرة. نظرت إلى سالم برجفة قائلة بتطمين هي لا تشعر به: برضه بيقول إن التليفون غير متاح، يمكن في مكان مفيش فيه شبكة. نظر سالم لهن وهو يفرك جبينه بيده قائلًا بندم: لأ، كان لازم أقف قدام العربية وأمنعها، متأكد صابرين مش بخير. انشغفت
شهيرة قائلة بخفوت وترقب: قصدك إيه يا سالم؟ إيه اللي حصل؟ تدمعت عين سالم قائلًا: أنا شوفت صابرين كانت طالعة بيت جمال من شوية، وحاولت أعرف السبب بس هي ركبت عربيتها وساقت بسرعة، وبعدها شوفت جمال طالع هو كمان من البيت، ولما سألته، حاول يراوغني شوية، بس قال لي عن سبب وجودها عنده، وأنا لغاية دلوقتي مش مصدق اللي هو قال لي عليه! صمت سالم قليلًا، لكن حثته شهيرة باستفسار قائلة: وإيه اللي جمال قاله وإنت مش مصدقه!
جلس سالم على المقعد بقلب مُشتعل يشعر بحدوث سوء لصابرين، واسترسل لهم بما قاله له جمال عن فعلة فادي الخسيسة مع غيداء. ذهلت فادية قائلة: فادي وصلت بيه الخسة للدرجة دي؟ طب إيه دخل صابرين بالموضوع ده؟ توقفت فادية عن الحديث لدقيقة ثم خمنت همست بصوت خافت قليلًا بتبرير لسبب إتيان صابرين بمنزل عمهم: مش معقول تكون صابرين قالت على نتيجة التحاليل. سمع همسها سالم كذلك شهيرة التي أصبح قلبها يشعر بحدوث شيء سيء فتساءلت:
نتيجة تحاليل إيه؟ أختك مالها يا فادية؟ هي مش بتخبي عنك حاجة. تعلثمت فادية قليلًا مما أزاد الشك بعقل سالم وقال: فادية قولي مخبية إيه أنتِ وأختك؟ ويخص عمك. تعلثمت فادية قليلًا وحاولت المراوغة بالحديث، لكن سالم قال لها بانتهاء صبر: فادية بلاش لف ودوران، قولي مخبين إيه يخص عمكم؟ نظرت فادية لوجهي والديها ثم قالت مباشرة: مصطفى وعواد يبقوا أخوات. نظر سالم وشهيرة لها بتعجب وقالت شهيرة بعدم تصديق واستهزاء: نكتة دي ولا إيه؟
ولا يكونوا أخوات في الرضاعة؟ بس ده حتى مستحيل، مش معقول أم عواد قعدت ترضعه أربع سنين لحد ما سامية ولدت مصطفى. كذلك وجه سالم غير مُصدق. نظرت لهم فادية قائلة بتبرير: لأ يا ماما دي الحقيقة اللي وصلت لها أنا وصابرين واتأكدنا منها كمان. تعجب الاثنان.
سردت لهم فادية القصة منذ بداية اكتشاف صابرين شبه كبير ابنة مصطفى وابنة رائف إلى تأكدهن بوجود توافق بين چينات تحية وابنة مصطفى بالبرهان الطبي الحاسم، وتذبذب حال صابرين ورغبتها إنهاء زواجها من عواد بأقرب وقت قبل الإفصاح عن ذلك الأمر. ذهل الاثنان غير مستوعبان ما سردته لهم فادية، وضعت شهيرة يدها على قلبها تقول: كل ده اتحملته صابرين. شعر سالم بندم قائلًا:
كنت حاسس من البداية إن صابرين واخدة جوازها من عواد عند وتحدي، حتى حذرته إن لو صابرين جات لي وقالت لي أنا عاوزة أنهي جوازي من عواد هكون أول المساعدين لها، حتى يوم ما أجهضت أنا حذرته وكنت ناوي أرجعها على هنا بعد ما تخرج من المستشفى ومكنتش ناوي أرجعها بيت زهران تاني بس أنتم اللي وافقتوا الست تحية. عواد أقل عقاب له يتحرم من صابرين لأنه ميستاهلهاش من البداية وهو ده اللي خلاص لازم يحصل. تعجبت فادية قائلة بسؤال:
قصدك إيه يا بابا بإنك حذرت عواد قبل كده. نظر سالم لشهيرة التي قالت بتفسير:
سالم قبل كتب كتاب صابرين وعواد راح له وقاله إنه رافض جوازه من صابرين وأخد رأيها بس عشان يسمع ويتأكد رفضها، بس هي خيبت توقعه ووافقت على الجواز منه، بس ميفكرش أنه لو آذاها في لحظة مش هيستنى منها طلب وهياخدها منه. حتى لما اتأكد أن عواد مش هو السبب في إجهاضها اتصل عليه وقاله أنها مش راجعة بيت زهران تاني بس أنا وإنتِ كنا السبب لما وافقنا الست تحية وهي استسلمت زي عادتها بتختار الطريق السهل أو بمعنى أصح اللي بتظن أنه سهل.
تنهد سالم قائلًا:
بس خلاص كده كفاية، صابرين لازم ترجع لي من تاني، مش هسيبها تضيع أكتر من كده، أنا غلطت من البداية وهمتها أني صدقت تقرير كشف العذرية بس عشان كانت تقوى وتواجه، مكنتش عاوزها تواجه عواد، أنا كنت عاوزها تواجه مصطفى وتثبت برائتها قدامه. مصطفى يومها قال لي أنه هييجي المسا ياخد صابرين ويروحوا لشقتهم، متأكد أن كان في دماغه بيُضمر لها السوء، خوفت عليها كنت هطلب منه طالما مصدق التقرير طلقها، بس وقتها مصطفى كان زي المجنون وأكيد
كان هيرفض، غير سامية كانت هتصدق وهتفضح صابرين وتثبت عليها أنها كانت على علاقة بعواد وهي على ذمة مصطفى بتلعب على الحبلين يعني. بس صابرين بدل ما تروح تواجه مصطفى وتأكد ثقتها في نفسها قدامه راحت لعواد واللي حصل بعدها معروف. حتى لما شيخ الجامع لما اتوسط لعواد وقال لي على طلبه يتجوز من صابرين أنا رفضت مباشر من البداية حتى قبل ما أقول لصابرين، بس شيخ الجامع قال لي من حقها تاخد رأيها حتى عشان تريح ضميرك، يمكن هي يكون لها
رأي تاني بالذات بعد عواد ما عرض الصلح وقبل بشرط جمال إن الصلح يبقى بجلسة عرفية وعواد يقدم كفنه قدام أهل البلد، وبصراحة استغربت موافقة عواد وقتها، اللي أعرفه عن شخصية زي عواد عنده كِبر وغرور أنه يوافق على الطلب ده، بس شيخ الجامع قال لي في سببين عنده تفسير لموافقة عواد. السبب الأول الندم أنه يكفر عن شيء حصل بسببه بالغلط غير مقصود منه وموافقته بيفسرها دماغه إنها شهامة منه. والسبب الثاني لطلب جوازه من صابرين، أنه عنده
مشاعر ليها ممكن تكون برده ندم أنه اتسبب لها في ضرر كبير، أو في تفسير تاني عواد بيحاول يخفيه أو بمعنى أصح يطمسه، عواد فعلًا كان يعرف صابرين وبيحبها وصعب عليه إن يتحمل إنها تكون هدية مع الأرض اللي كانت بمثابة دية لأبوه...
كمان صابرين لازم في يوم هتتجوز حتى لو من راجل تاني غير عواد، بس هيفضل اللي حصل نقطة سودة ليها قدام جوزها أنه ممكن يستغل القصة دي وتعيش تعاني معاه من الشك، عواد الوحيد اللي واثق من عفة صابرين لأنه عارف الحقيقة، ملمسهاش. نظرت فادية ببسمة تُعاتب والديها قائلة: وليه مقولتش الكلام ده لصابرين يا بابا وحسستها إنها وحيدة قدام عواد؟
خليتها دائمًا تحاول تظهر قوة وهمية وإن نهاية جوازها من عواد هي الأمل الوحيد إنك ترجع ترضي قلبك عليها. نظر سالم لفادية بدمعة بعينيه قائلًا:
أنا عمري قلبي ما غضب عليها، بالعكس أكتر واحدة فيكم كنت بخاف عليها، ويمكن ده سبب لها ضعف أو بمعنى أصح استسهال، هقول لك على موقف حصل. لما اتخرجت من الجامعة هي كانت من العشرة الأوائل، يعني المفروض كانت تتعين مُعيدة في الجامعة بس هي جالها جواب التعيين من وزارة الصحة إنها تشتغل في لجان الفحص الطبية للمنتجات الحيوانية، أنا مكنتش موافق، وكنت هقدم تظلم في الجامعة، هي قالت لي هي مش زعلانة ووظيفة زي وظيفة حتى إنها تشتغل في
لجان الفحص أسهل لها من إنها تبقى مُعيدة وتفضل طول الوقت تدرس وتدرس للطلبة ومسؤولية أكبر، كده أفضل لها، حتى نفس المرتب تقريبًا زي بعض، حتى قلت لها الواجهة الاجتماعية مُعيدة في الجامعة أرقى من موظفة في وزارة الصحة، قالت لي هي مش بدور على الواجهة الاجتماعية، أنا يهمني أني هبقى مُستقلة وليا دخل ثابت...
أنا عمري ما حاولت أفرض قراري على حد فيكم، حتى أنتِ يا فادية. كنتِ صعبة عليا وأنتِ مستحملة عيشتك مع وفيق، حتى قولت لماما تقولك وفيق ما يستحقش تضحيتك وفي لحظة هيبيعك. بس قالتلي إنك راضية بحياتك لحد ما أنتِ بنفسك قولتي كفاية كده... حتى فاروق لما قولتيلي إنه طلب يتجوزك وإنك مش عاوزاني أوافق عليه، بس أنتِ هتظهري إنك موافقة لأن في دماغك هدف معين، وافقتك. وده مش ضعف مني يا فادية.
أنا اتعلمت إن الحياة تجارب، أوقات بتبقى التجربة قاسية بس بنتعلم منها، وأنا كنت عاوزكم تتعلموا من التجارب اللي بتمر عليكم، أنا مش هعيش ليكم العمر كله. اقتربت فادية من سالم وعانقته قائلة: ربنا يطول بعمرك ويخليك ليا يا بابا وتبقى سند لينا العمر كله. عانقها سالم قائلًا: اللي بيسند الكل ربنا يا بنتي، أنا مجرد سبب. كنت ممكن مبقاش موجود والصعاب اللي مرت عليكم دي ما تكونش في حياتكم وتعيشوا بسعادة. عانقته فادية بقوة قائلة:
ربنا يخليك لينا يا بابا، وجودك هو اللي بيهون علينا الصعاب. ضمها سالم قائلًا: ربنا يسعد قلبك، كفاية كلام كتير، اتصلي على صابرين يمكن ترد عليك وقلبي يطمن عليها. اتصلت فادية على هاتف صابرين لأكثر من مرة لكن جاءها نفس الرد السابق، الهاتف غير متاح. نظرت فادية لقلق شهيرة وسالم وحاولت تطمينهما رغم أن القلق دخل إلى قلبها أيضًا: يمكن في مكان ما فيهوش شبكة أو موبايلها فصل شحن، هي أوقات كتير بتنسى تشحنه. تنهد سالم بقلق قائلًا
بتمني: يا ريت يكون ده السبب. شعرت فادية بقلق أكثر وقالت: شويه وهرجع أتصل عليها ولو ما ردتش هروح لها بيت عواد. أومأ لها سالم رأسه، يشعر بوخزات قوية في قلبه، كذلك شهيرة التي تحاول نفض ذلك الشعور القاسي عن قلبها. *** بغرفة غيداء
حقنها الطبيب بإبرة مهدئة، استجاب عقلها لتلك الغفوة تتوه بها عن ذلك الشعور المهلك وصدمتها القوية التي أقحمت نفسها بها، خيبة الحب الأول الذي أعطته فرصة حين تعاملت معه ببراءتها، تركته يتلاعب بسذاجتها، وهو في الحقيقة كان يضمر بقلبه انتقام لأخيه من أخيها، أخذها نصل كي يغرسه بقلب أخيها، لكن النصل لم ينغرس فقط بقلب أخيها بل انغرس بقلبها أولًا. أرادت أن تعيش قصة حب كتلك التي كانت تراها عبر الشاشات والأوراق الملونة بتنهيدات العشاق، لكن فاقت أن تلك القصص الكثير منها خيالية فقط لوهم العقول تُرثى القلوب، لكن بالحقيقة الواقع سيء، بل سيء للغاية.
نهضت تحية من جوارها على الفراش تسمع لحديث الطبيب هي وفهمي: واضح دي حالة انهيار عصبي ممكن بسبب صدمة مرت بيها. أنا عطيتها إبرة مهدئة وهتنمها لوقت، ودي أدوية مهدئة ما لهاش أي تأثير مضاعفات على الحمل، أنا راعيت ده زي ما قولتولي. يا ريت تحاولوا إنكم تدعموها الفترة دي، حتى ممكن يكون السبب اكتئاب حمل في سيدات بيحصل لهم حالات مشابهة ومش بتستمر فترة مجرد أيام.
خرج فهمي مرافقًا الطبيب، بينما لم تستطع تحية التي كانت تكبت دموعها أمام الطبيب كبتها أكثر من ذلك، سالت دموعها بحسرة وردتها الصغيرة التي حاولت أن تجنبها مآسي الحياة، لكن هي دفعت بنفسها بين تلك المآسي مبكرًا كما حدث معها بالماضي، لكن هنالك اختلاف كبير، هي كانت بمثل عمرها زوجة حامل أيضًا بطفل وعلى حافة الطلاق لولا ذلك الطفل هو الذي أعادها تعيش بجحيم قاسي، لو كان بيدها لأنهت ذلك الزواج وفرت بطفلها ربما ما كان عاش ذلك العذاب بحياته وتبدل حاله للأفضل، وما كان جحد قلبه عليها، يبدو أن كما يقولون التاريخ يعيد من نفسه بالأسوأ فقط.
في نفس اللحظة سمعت طرق على باب الغرفة، جففت دموعها بأناملها وسمحت للطارق بالدخول. دخلت إحدى الخادمات تخبرها: الست سامية تحت وطالبة تقابلك. شعرت تحية برجفة لابد أنها آتية تكمل حديث ولدها السافر وربما تساوم بدناءة مثل ابنها، استجمعت ما تبقى من شجاعة لديها، لن تترك سامية تتشفى بابنتها، لن تجعلها ترمي كل الخطأ عليها وحدها. خرجت من الغرفة وهبطت إلى مكان سامية التي ما أن رأت دخول تحية إلى الغرفة وقفت بتحفز.
فهي عنوان للوقاحة، آتت الآن ترسم البراءة والتشبث بكذبة هي أكثر من يعرف حقيقتها، لكن لا تنكر مفاجأتها بمعرفة تلك البلهاء صابرين بذلك وتحيرت من أين عرفت بذلك، ولا محتوى ذلك المغلفان اللذان أخذهما جمال وخرج. آتت حتى تظهر أنها بريئة وسبقت بالحديث:
أكيد فرحانة ومبسوطة بغباوة مرات ابنك والكذبة اللي يمكن رسمتوها سوا، عشان ترفضوا فادي، أنا من الأساس ما كنتش موافقة وقولت له إنكم هتستقلوا بيه بس ما توقعتش الهبل والزوبعة اللي قالتهم صابرين. تحير عقل تحية قائلة بعدم فهم: إيه دخل صابرين في موضوع فادي وغيداء. تهكمت سامية قائلة:
هصدق إنك متعرفيش كذبة مرات ابنك الجديدة، سبق وهربت مع عواد ولما رجعت قالت كان خاطفها، ودلوقتِ جايه توجع قلبي بزيادة على ابني اللي راح ضحية بسببها. زادت الحيرة بعقل تحية قائلة: أنا مش فاهمة حاجة، قصدك إيه؟ كل اللي قولته ده كان ماضي وخلاص انتهى. ردت سامية بتعسف: لأ ما انتهىش، مرات ابنك جايه ترجع لقلبي فاجعته على المرحوم مصطفى، لأ والمرة دي فاقت كل الحدود. تنهدت تحية قائلة:
قولي من النهاية أنا مش فاهمة قصدك، بلاش لف ودوران أنا اللي فيا مكفيني. تهكمت سامية قائلة بسخرية: فيكِ إيه ما أنتِ قدامي أهو بخير، أنا اللي قلبي اتوجع وكل ما أحاول أهدى الوجع في قلبي تيجي صابرين وتفتح الجرح، لأ وأيه جايبة معاها ظرفين وبتقول دول إثبات كذبتها الجديدة، قال أيه المرحوم مصطفى ما يبقاش ابني ويبقى أخو عواد. شعرت تحية بصاعقة ضربت قلبها الكلمة مباشرة قائلة بخفوت: أنتِ بتقولي إيه؟
أكيد بتخرفي، إزاي مصطفى يبقى أخو عواد؟ عواد ما عندوش إخوات غير غيداء. تهكمت سامية قائلة: مش أنا اللي بقول دي صابرين، أنا جايه أقولك تقولي لها تبطل كذب شوية وتحترم وجع قلوب الناس وكفاية إنها السبب في موته واتجوزت من اللي قتله. قالت تحية بحدة: اخرسي، عواد مش قاتل، والتخاريف اللي جايه تقوليها سهل إثبات كذبها....
شعرت تحية فجأة بدوخة يمر أمام عينيها صورة مصطفى، كذلك ملامح وجهه يوم إطلاق الرصاص هنا بالمنزل، تلهفت على عواد ونظرت نظرة خاطفة لمصطفى، قلبها كان مع عواد، الملامح تظهر أمامها بوضوح كيف تغاضت عن تلك الملامح وهل نسيتها مع مرور الوقت تناستها غصبًا بسبب ما مرت به، لم تتحملها ساقيها وجلست على المقعد تشعر بتوهان ودموع تسيل وألم لا يوصف في قلبها الذي شبع من الأسى. *** قبل قليل
بعد أن سمع عواد صوت تصادم عبر الهاتف وبعدها انقطع الاتصال مع صابرين، انخلع قلبه من مطرحه وخرج سريعًا من المنزل وأمر أحد السائقين أن يقود له السيارة. عاود الاتصال مرات على صابرين ونفس الرد، تاه على من يتصل الآن ويخبره أي شيء عن صابرين، حتى أنه فكر بالذهاب إلى منزل والداها، لكن عدل عن الفكرة حين قال له السائق: هنروح فين يا بشمهندس. نظر له عواد صامتًا لدقائق ثم قال: سوق وأنت ساكت.
امتثل السائق لأمره وبدأ يسير بالطريق دون سؤال، بينما عواد عقله وقلبه مشتتان، لأول مرة يشعر بكل ذلك الألم الذي يفتك به روحًا وجسدًا معًا. تنبه حين توقف السائق، نظر له قائلًا: وقفت العربية ليه؟ رد السائق: الطريق واقف ما اعرفش ليه، وكمان في عربية شرطة شكلها لسه جايه. نظر عواد نحو ذلك التجمع القريب منه ترعة، كاد أن يقول للسائق اخترق ذلك الجمع، لكن سمع سؤال السائق لأحد المارة: قولي يا أخ إيه سبب قفل الطريق. رد عليه:
في عربية وقعت من شويه في الترعة والأهالي طلعوا بنت منها وبلغوا النقطة بتاع البلد وأهي لسه جايه. فتح عواد السيارة سريعًا وترجل منها وذهب سيرًا بأقدام خاوية إلى نحو تلك الترعة. توقف يسأل أحد الواقفين يقول إنه شاهد الحادثة من البداية: هي اللي كانت سايقة العربية طلعت من العربية بخير؟ وهي شكلها إيه؟ طب ماركة العربية حديثة. سرد له الشخص مواصفات السيارة كذلك مواصفات الفتاة التي أخرجها أحد المارة تطوعًا منه.
صعق قلب عواد، الأوصاف كلها تنطبق على سيارة صابرين. تساءل بلوعة قائلًا بخيفة: طب البنت كانت... توقف لسانه عن نطق بقية حديثه لكن جاوب الشخص: الفلاح اللي طلع البنت من العربية قال إن لسه فيها روح وأخدها على عربيته الكارو على الوحدة الصحية بتاع البلد. تنهد عواد بأمل قائلًا: طب فين الوحدة الصحية دي. وصف الشخص لعواد مكان تلك الوحدة الصحية، تركه عواد سريعًا، وتوجه إلى مكان وقوف سائقه قائلًا: بسرعة اطلع. تعجب السائق قائلًا:
الحكومة واقفة على الطريق... قاطعه عواد بحزم: بقولك اطلع بسرعة. شغل السائق زمور السيارة كي يتجنب المارة وإحداهم بسيارة الشرطة وسار سريعًا غير مبالي لمحاولة الشرطة إيقاف السيارة. بعد دقائق ترجل عواد من السيارة، ودخل سريعًا إلى تلك الوحدة الصحية توجه مباشرة نحو غرفة المدير. فتح الباب دون استئذان منه قائلًا: فين البنت اللي جابوها عاملة حادثة بعربيتها على الطريق. رد الطبيب: هي في أوضة الإسعافات الأولية، أنت تعرفها.
ترك عواد الطبيب وذهب نحو غرفة الإسعافات، ودخل سريعًا ينظر إلى تلك الأسرة، عيناه تبحث عن صابرين، يتمنى أن يخيب توقعه، لكن للأسف ها هي أمامه بوجه مكدوم، وعلى أنفها جهاز تنفس صناعي. دخل الطبيب خلف عواد الذي وضع يديه يستند على الفراش التي ترقد عليه صابرين، ساقيه تؤلمه للغاية، تحدث الطبيب: أنت تعرفها؟
دي لازمها تتنقل مستشفى فورًا، إحنا هنا ما عندناش إمكانيات نقدمها لحالتها غير شوية إسعافات أولية، أنا كنت لسه هكلم مستشفى المركز تبعت لينا وحدة إسعاف خاصة عشان تنقلها للمستشفى. تحدث عواد: ما لوش لازمة أنا هتصل على مستشفى خاصة تبعت عربية مجهزة فورًا. بالفعل اتصل عواد على إحدى المشافي الخاصة، وأعطى هاتفه للطبيب قائلًا: خد قول لهم على حالتها بالتفصيل.
أخذ الطبيب الهاتف وأخبرهم عن توقعاته بما تعاني منه صابرين وتحتاج إليه بالتفصيل. *** بعد وقت قليل أمام غرفة العمليات لم يستطع عواد الوقوف على ساقيه يشعر بألم يقسم ظهره، انهار بجسده على أقرب مقعد وانحنى ظهره يضع رأسه بين يديه، رغم ذلك الوجع الجسدي المهلك الذي يشعر به هنالك ألم أقوى وأشد فتك بمراحل مراحل بقلبه الذي يكاد ينصهر بداخله. بعد وقت، رأى سالم جلوس عواد بالرواق أمام غرفة العمليات، قطع المسافة في لحظات.
جذب عواد من تلابيب ثيابه ولكمه عدة لكمات، استسلم عواد ولم يدافع عن نفسه، بينما قال سالم بغضب سحيق نادمًا: فين صابرين؟ قولي عملت فيها إيه؟ كانت غلطة مني إني سيبتها تتجوزك، أنا حذرتك قبل كده كذا مرة حتى يوم جوازك منها حذرتك وقولتلك أنا واثق إن بنتي عمرها ما تخون ثقتي فيها، حتى قولتلك إنك لو مصونتهاش هاخدها منك غصب عنها. ساكت ليه؟ انطق صابرين فيها إيه؟ أذيتها بإيه المرة دي؟
كنت غلطان هستنى إيه من واحد ما عندوش أخلاق وإتلاعب بالشرف وزور تقرير كشف العذرية؟ رد عواد بنفي وصدق: مش أنا اللي زورت تقرير كشف العذرية. توقف سالم ينظر لعواد مذهولًا يقول بعدم تصديق: كداب. قاطعه عواد قائلًا بتأكيد: عندي التقرير الأصلي اللي كتبته الدكتورة والتقرير التاني كان مزور، بس مش أنا اللي زورته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!