بعد مرور يومين. .... صباحًا بمنزل الشردي بغرفة ناهد... استيقظت لم تجد وفيق جوارها. تمطّت بإيديها تتثاءب قائلة بسخط: أكيد صحي وراح يطمّن على أخته اللي ربنا بلاني بها هي كمان كنت نقصاها أمّا أقوم أخد دوش وأنزل أفطِر وبعدها أبقى شوف إيه الجديد.
بالفعل بعد قليل خرجت ناهد من الحمام، توجهت نحو دولاب الملابس وفتحت الناحية الخاصة بها، جذبت بعض الثياب لها، لكن وقعت منها إحدى الثياب على الأرض. انحنت وأخذتها ثم استقامت وضعتها بمكانها بالدولاب مرة أخرى، لكن تصادمت يدها صدفة مع ذلك الشيء الصلب، جذب ذلك المنديل وفتحته ونظرت إلى ما بداخله قائلة: مش عارفة إيه السبب في تطنيش الحِزْبون ماجدة وكتمت إن في حاجة إتاخدت من الصيغة دي، متأكدة إنها عرفت بس يا ترى إيه سبب سكوتها.
أجابت ناهد على سؤالها بعد تفكير: سكوت ماجدة وعدم إفصاحها عن ضياع الإنسايل أكيد خوف عشان ميتفضحش كذبها قدام وفيق. شعرت ناهد بزهو بنفسها قليلاً، ولامت نفسها لما لم تأخذ أكثر، فبالتأكيد كانت ماجدة ستُكْتُم ولن تبيح بذلك حتى لا يعلم وفيق بذلك الأمر ويكتشف كذب والدته عليه... ربما سبب مقنع لكن أيضًا وربما هنالك حقيقة أخرى. ... *** من إحدى غرف المنزل خرج وفيق حين دخلت تلك الطبيبة إلى الغرفة.
تقابل مع ناهد التي تبدو استيقظت للتو من النوم تتثاءب قائلة: صباح الخير يا وفيق، صحيت من النوم ملقتكش جانبي قولت أكيد جيت لهنا تطمّن على سحر، أزيها دلوقتي. نظر وفيق لها بضجر قائلًا: سحر تعبت شوية وطلبنا لها الدكتورة وجت وهي دلوقتي بتفحصها جوّة في الأوضة. تنهدت ناهد قائلة:
مش عارفة إيه السبب اللي خلاها تستعجل وتطلب تخرج من المستشفى قبل ما تكمل علاجها، كنت عاوزة أقول بلاش تخرج دلوقتي من المستشفى بس خوفت لتبرر خوفي عليها غلط، وإني مش عاوزها تجي هنا... أنا كان غرضي صحتها.
نظر وفيق لناهد بتفكير قليلًا، يطنّ برأسه حديث فادية أن من المستحيل أن يكتمل الحمل قبل أخذه للعلاج المناسب له، نزلت عيناه نحو بطن ناهد، حقًا لم تمضِ فترة طويلة على الحمل لتنتفخ بطنها وتظهر علامات الحمل، لكن أيضًا دخل الشك إلى عقله، فقال بمفاجأة لناهد: ناهد بما إن الدكتورة هنا في البيت خليها تكشف عليكِ، وتطمّنّا على الجنين. ارتبكت ناهد وتعلثمت وهي تضع يدها على بطنها الخاوية قائلة:
مالوش لازمة، الحمد لله أنا بخير وأكيد الجنين بخير. شعر وفيق بارتباك وتعلثّم ناهد دخل إلى عقله شك قائلًا: مش هنخسر حاجة أهو زيادة إطمئنان... كده كده الدكتورة هنا، أمّا تخلّص مع سحر تكشف عليكِ. زاد ارتباك ناهد وقالت: بس أكيد الدكتورة مش هتبقى عامله حسابها إنها تكشف عليّا، أنا هبقى أروح لها العيادة آخر النهار، حتى أكشف سونار. رد وفيق بمحاورة: مش مهم السونار المهم تطمّنّا على الجنين، إنتِ الفترة دي متغيرة شوية.
ارتبكت ناهد قائلة: متغيرة إزاي، أنا الحمد لله كويسة جدًا. تفاجئت ناهد برد وفيق: ما هو ده السبب إني بقولك الدكتورة تكشف عليك، مش ملاحظ أي علامات للحمل عليكِ. تعلثمت ناهد قائلة: قصدك إيه بعلامات الحمل، أنا لسه مكملتش شهرين ونص حامل غير أنا جسمي مش بيبان عليه الحمل غير في الشهور الأخيرة، حصلي كده في المرتين اللي خلفت فيهم. نظر لها وفيق قائلًا: مش قصدي انتفاخ بطنك، قصدي العلامات التانية، اللي زي الوحم والغثيان.
تنهدت ناهد براحة قائلة: الوحم مش عارفة ليه نفسى رايحة دايمًا للموالح وبحاول أسيطر على نفسي عشان بتعب من الموالح، إنّما الغثيان آخر كشف ليّا عند الدكتورة كتبتلي على نوع كبسولات آخدها لما بحس بالقيء، إطمّن إنت ربنا هيجبر بخاطرنا. نظر لها وفيق يزيد بعقله الشك وكاد يتحدث لولا خروج الطبيبة من الغرفة وخلفها ماجدة لتقول الطبيبة:
الوجع اللي حست بيه المدام ده أعراض طبيعية في الحالات دي، أنا هكتب لها نوع مسكّن للألم ومع الوقت هيزول، استئصال الرحم عملية مش سهل الجسم يتقبّلها بسهولة، غير الألم اللي في الجزء اللي موصل للرحم المدام هتحتاج وقت طويل شوية على الاستشفاء، والمفروض كانت فضلت كمان شوية في المستشفى استعجلتوا في خروجها، كمان العامل النفسي وأنا شايفه المريضة حالتها النفسية سيئة جدًا.
أحنت ماجدة رأسها وتدمّعت عينيها، بينما زفر وفيق نفسه بشعور الأسى، مع ذلك كاد يتحدث إلى الطبيبة ويطلب منها الكشف على ناهد، لكن بنفس الوقت صدح رنين هاتف الطبيبة أخرجته من حقيبتها ونظرت له ثم لهم قائلة: أنا مضطرة أمشي فورًا عندي حالة ولادة بس حاولوا تساعدوا المريضة نفسيًا اللي هي فيه مش سهل على أي ست تتقبّله، عن إذنكم. قبل أن تغادر الطبيبة نظرت إلى ناهد وأومأت لها رأسها بابتسامة ثم غادرت.
تنفّست ناهد الصّعداء حين غادرت الطبيبة المنزل. بينما بداخل الغرفة، بدأت سحر تستسلم لذلك المخدّر يفصلها عن واقع أليم صعب للغاية، انتهت كإمرأة بداخلها أنثى انتهت أنوثتها، ليتها كانت فقط استُئْصِلَت الرحم، كان الأمر سهلًا عليها وتقبّلته، لكن هي أصبحت مثل الأرض البور. أرض بور...
هكذا وصفها عقلها، كم مرة لمحت بتلك الكلمة أمام فادية تستفز بها مشاعرها، تعايرها عن قصد منها هي رغم أن لديها أطفال لكن أصبحت أرض خاوية، حقًا العلاقة بينها وبين فاروق كانت تشعر دائمًا أن فاروق معها خاوي المشاعر فقط وقت لإطفاء رغبة بلا مشاعر كأنه يقضي وقت حميم مع عاهرة بمجرد أن تنتهي العلاقة كانت تشعر بعدم الاحتواء منه، ظهر كل ما كانت تشعر به وتخشى منه الآن تأكدت أن فاروق كان بحياته امرأة أخرى مولع بها، ومن تلك المرأة كانت زوجة أخيها التي كانت تغار منها دون دراية لسبب مقنع، لكن يبدو أن القلوب لا تشعر بالبُغْض من فراغ...
انتهت مهمتها كزوجة، لكن لم تنتهِ أمومتها، أبناؤها، أين هم، بل السؤال الأهم أين كانوا سابقًا لم تكن تهتم بهم فقط كانوا بحياتها مثل إكسسوار يُجْمِل الهيئة... تذكّرت وجه صابرين حين خرج عوّاد بها من المنزل بعد أن وضع لها دواء الإجهاض، ملابسها التي كانت تعتصر من دمائها وقتها، سخرت من نفسها
صابرين فقط فقدت جنين سهل أن تعوّضه مستقبلًا بغيره، بينما هي أيضًا خرجت من منزل زهران يحملها وفيق وهي تنزف وتصرخ من قسوة الألم، لكن الآن صعب أن تعود أنثى وزوجة، فقط أصبحت مثل قطعة الإكسسوار لا فائدة منها سوى تجميل المنظر الخارجي. ....... بمنزل التهامي بغرفة تحيّة كانت الدموع والآهات المكتومة هي سبيل حالها بلحظة كل شيء بحياتها يُهْدَم، مثلما كان سابقًا حين تظن أن الحياة تُعْطيها أملًا جديدًا، سرعان ما يتبدّل ويتلاشى
ألم يكفِها فاجعة غيداء، بل الماضي عاد بفجيعة أقوى وأشد غلاظة
طفل فقدته صغيرًا وحزنت وقتها وتألّمت لكن كان هنالك عُوّاد كان مثل نسمة الهواء بحياتها، ارتضت به وأعطته كل حنانها ودعمها لكن هذا كان كثيرًا عليها هو الآخر لم يغفر لها أنها تزوّجت من غير والده القاسي لأمّها ولم يرِدْ معرفة أنه كان سبب ذلك الزواج، تحمّلت قسوته بل نَسْتَها بالكامل حين دخل عليها المنزل يسير على قدميه، طالت بينهم سنوات الجفاء لكن في الفترة الأخيرة شعرت أن ذلك الملح الذي كان عالق بالمياه بينهم بدأ يزول وربما تعود العذوبة مرة أخرى، بعد أن وقع في عشق صابرين وبدأ يشعر بلذّة الحياة، لكن كل شيء بلحظة يُهْدَم
غيداء طفلتها التي كانت زهرة حياتها من رجل أحبته واختار القدر تفريقهم ما إن اجتمعا معًا مرة أخرى نبتت وردة بأحشائها منه كانت لها مثل قطرة الندى سقطت على أرض قاحلة حقًا لم تروِها بالكامل لكن يكفي أنها ما زال بها جزء حي بسببها، لكن جفّت تلك قطرة الندى أيضًا، بخطيئة لا غفران لها، سارت خلف وهم زُيِّن لها، وكان هذا بالحقيقة انتقام منها دون سبب. دموع تسيل وتنهيدات قلب ينبض بأسى... لكن جفّفت تلك الدموع بأناملها
حين فتح فهمي باب الغرفة ودخل ينظر إليها، أحادَتْ بصرها عنه، أصبحت غير قادرة على تحمُّل لوم ولا ألم أكثر من ذلك، يكفي، بل ويفيض. لكن جلس فهمي لجوارها على تلك الأريكة، ووضع يده يضمّها من كتفيها لصدره يتنهّد هو الآخر بأسى، حبيبة حياته ذاقت من الألم والأسى ما يكفي، ليت القدر كان تَبْدَلَ من البداية، ضمّها لصدره ووضع رأسه على كتفها يقول بيأس: مش عارف أعمل إيه في موضوع غيداء. تنهّدت تحيّة قائلة: في رأيي
في حلّين بس الاتنين أسوء من بعض. تحيّر عقل فهمي قائلًا: وإيه هما الحلّين دول؟ ردّت تحيّة بتفسير: الحل الأوّل، إن غيداء تُجْهِض الجنين ده، وده مش بس حرام، كمان جُرْم وتكبُّر على نعمة ربنا بيعطيها بشكل غلط وحرام...
والحل التاني إنّا نقبِل بجواز فادي من غيداء حتى لو لفترة قصيرة وبعدها تنفصل عنه، لأنّي معتقِدْش إن غيداء بعد اللي حصل من فادي هتقدر تغفر له وتكمِل معاه مشوار حياتها، بس الأهم دلوقتي إن فادي بنفسه رايِدْ يتجوز من غيداء حتى لو تصحيح غلط كفاية هنتجنّب فضايح قدام الناس، حتى لما تطلّق بعد فترة صغيرة مش هتبقى فضيحة لو أتوقّفنا قصاد فادي، ومامته اللي جايّة بكل فظاظة منها تقولي....
توقّفت تحيّة عن الحديث، لكن حثّها فهمي على الحديث قائلًا: طبعًا جايّة تتشفّى وتتأمّر وتتشرط علينا؟ هزّت تحيّة رأسها بلا قائلة: يا ريت كان أهون على قلبي، أنا بقول نوافق على جواز فادي وغيداء. نظر فهمي لعيني تحيّة الدامعتين قائلًا باستفهام: ومامِتْ فادي وكانت جايّة ليه بقى؟ متأكّد قالتْلك شيء وصَّلَكِ للحالة دي. تنهّدت تحيّة بأسًى وألم صامت لكن ألحّ فهمي عليها إلى أن سردت له عن قولها أن مصطفى هو ولدها.
تفاجأ فهمي قائلًا: أكيد بتخرف؟ تنهّدت تحيّة قائلة: يا ريت كانت بتخرف، دي الحقيقة يا فهمي الحقيقة اللي قلبي كان حاسس بيها وكنت بكدِّبْها، من يوم ما جه مصطفى هنا ورفع السلاح على عوّاد، حتى وقت موته حسيت بوجع كبير، حتى صورته شوفتها ومقدرْتْش أطلع فيها، قلبي كان خايف وبينكِر الشِّبْه، مصطفى كان قريب الشِّبْه جدًا لأمّي. ذُهِلَ فهمي قائلًا: طب إزاي وصل مصطفى لسامية؟ ردّت تحيّة بعدم معرفتها لكن خمّنَتْ قائلة:
يمكن حصل غلط وإتْبَدَّلَ الطفلين في الحاضنة. ...... بغرفة غيداء، رغم تحسُّن حالتها قليلًا، كانت تجلس على الفراش تقضِّم أظافرها بقهر، فادي كان معها وغدًا أكثر من اللازم، واستغلّ براءتها وعطشها لتشعر أنها أصبحت صبيّة تُحِبْ، وَهْمُها بمعسول الرِّسال الورديّة، لا تنكر أنها أخطأت بحقّ نفسها، وزال في قلبها سطوة الحبّ الأوّل الكاذب والفاشل، لكن آن الآوان أن تردّ كرامتها وتسحق كبرياءَه كما فعل معها، آتَتْ بهاتفها
وفتحته على أحد التطبيقات الحديثة وأرسلت رسالة إليه فحواها "هزَمْنِي الحبّ الأوّل الكاذب، ليْتَكْ تكون قد شِفِيْتَ غَلِيْلَكْ وَانْتَصَرْتَ بِحُصُوْلِكْ عَلَى الْانْتِقَام، لَكِنْ لَا أَعْتَقِدْ إِنَّكْ انْتَصَرْتَ أَنْتَ أَيْضًا هُزِمْتَ وَتَدَنَّيْتَ بِنَظَرِيْ أَصْبَحْتَ مِثْلَ ثَقَابِ الْكِبْرِيْتِ الَّذِيْ اشْتَعَلَ مَرَّةْ وَاحِدَةْ لِيَنْطَفِئَ إِلَى الأَبَدْ" .... بمنزل سالم التهامي بغرفة فادي...
استيقظ من النوم على صوت تلك الرسالة. تنهّد براحة حين رأى اسم غيداء. فتح الرسالة وقرأها فهم ما بين السطور، غيداء تُعْلِنُ النِّهايَة، لكن لا.. لن يتقبَّل تلك النِّهايَة التي هو من قدَّمَها في بداية الطَّرِيق فأصعَبُ شُعُورٍ حِيْنَ تَصْحُوْ مِنْ غَفْوَةْ
تَجِدْ أَنَّكْ أَغْرَقْتَ سَفِيْنَتَكْ وَأَصْبَحْتَ حُطَامًا بَيْنَ أَمْوَاجٍ عَاتِيَةْ وَأَنْتَ أَصْبَحْتَ وَحِيْدًا بَيْنَ تِلْكَ الْأَمْوَاجِ بِلَا شِرَاعٍ تَشْعُرْ أَنَّهَا تَعْصِرْ جَسَدَكْ
هكذا كان شعور فادي الذي يكاد لا يفقد عقله فقط، بل يفقد معه قلبًا يئنُّ بشدّة، بعد أن أكّد له جمّال أنّه تأكّد من صحّة إجراء تلك التحاليل، من معمل التحاليل المكتوب اسمه على المغلفين، وأنّه سيقطع الشُّكَّ باليَقِين سيقوم بإجراء تحليل الجينات الوراثيّة بينه وبين ابنة مصطفى. شعر أنّه لو بقي بالمنزل وقت أكثر قد يعجِلُهُ التَّفْكِيرُ ينْتْحِرْ بالفعل توجه نحو باب المنزل وخرج غير مُبالٍ لنداء ساميّة له.
وقفت ساميّة تشعر بزيادة بُغْضٍ لصابرين تلك الحمقاء التي كشفت عن حقيقة هي نفسها اكْتَشَفَتْها مؤخرًا، لكن من أين علمت بتلك الحقيقة المخفية، لامت حماقتها هي الأخرى حين ذهبت إلى منزل زهران وأخبرت تحية بذلك علها تحصل على سبب رفض زواج فادي من ابنتهم لكن لم تعرف السبب وكان هناك سبب آخر برأسها أن تبعد عنها الشبهات أنها كانت تعلم بذلك الأمر، لكن غريب حقاً هو القدر.
أن تُربى هي إبن جاد زهران الذي رفض الزواج بها ذات يوم، حقاً لم يكن لديها له أي مشاعر لكن نسب عائلة زهران غاية كان يسعى لها معظم عائلات البلدة، حتى أنهم فضلوا إبنة عمها عليها وقتها لتشعر أنها الأفضل منها، لكن هي لم تنتظر كثيراً وتزوجت من جمال التهامي الذي كان يتفوق على جاد زهران فقط أنه صاحب شهادة جامعية ولديهم صهر مع عائلة زهران، لا تنكر أنها أرادت جاد أكثر من جمال الموظف بينما جاد كان من ذوي الصيت والأملاك، لكن هو القدر.
القدر من أرسل لها طفل عائلة زهران ليعيش ولدها، لامت سامية نفسها قائلة:
هتكدبي على نفسك يا سامية، مش القدر هو اللي جابلك إبن جاد زهران، ده البدل، أيوا البدل اللي أخوكِ عمله، مصيبة إن مصطفى يطلع إبن عيلة زهران، وأكيد بعد اللي حصل وكشف حقيقة مصطفى ممكن يحققوا في الماضي ويا خوفي يفكروا إني أنا اللي بدلت الأطفال، لا طبعاً مستحيل يفكروا في كده أنا كنت وقتها تعبانة من الولادة، بس كويس إني سبقت وقولت لتحية بنفسي وهمتها بالدموع أن قلبي محروق أكيد صدقت إني مكنتش أعرف. بعد قليل بالمستشفى
بغرفة صابرين خرجت والدتها وتركت عواد وحده بالغرفة معها. نهض من على تلك الأريكة، وجلس على الفراش الذي تنام عليه صابرين منذ يومين وهي نائمة مثل أميرة الحكايات، أجل هي أميرة حكايته الذي كان لا يريدها بحياته، لكن بلحظة تبدل كل شيء. تذكر قبل يومين أثناء نقلها من تلك الوحدة الصحية إلى المستشفى بسيارة الإسعاف رغم شعور الألم الذي يزداد عليه لكن تناسى كل هذا، وصعد خلفها بالسيارة.
لكن في ذلك الأثناء، وبسبب اهتزاز السيارة تحرك أنبوب التنفس عن أنفها وصفر للحظات كانت تفقد فيها الحياة. نهض فوراً ووضع جهاز التنفس على أنفها ينظر لوجهها أين اختفت ملامحها الرقيقة.
عاش نفس الأحساس المر مرة أخرى أثناء نزولها من سيارة الإسعاف للدخول إلى المستشفى، تحرك جهاز التنفس عن أنفها، لكن هذه المرة كادت أن ترحل لولا التدخل الطبي السريع وصعقها إلى أن عادت للحياة، وهي بغرفة العمليات وهو جوارها يرى كل ذلك وانشغال الأطباء معها، لكن بعد عودتها للحياة، طلب منه أحد الأطباء الخروج من الغرفة من أجل سلامتها، بمضض منه خرج من الغرفة، لأول مرة يشعر بالندم أنه ترك دراسة الطب ربما كان ظل معها بالغرفة وما وقف أمام ذلك الباب الزجاجي يرى هذا التجمع حولها وهو بعيد عنها.
كان الوقت طويلاً لا يمضي، دهور من الزمن وهو ينتظر خروج الطبيب يقول له لا تقلق. لكن أمنيته واهية حين خرج الطبيب ووجد سالم يتهجم عليه بالصفع، لكن حين رأى الطبيب ترك عواد وذهب إلى الطبيب قائلاً بترقب خائف: بنتي. تنهد الطبيب قائلاً:
بصراحة مش هخبي عليكم، المريضة عندها كسر في إيديها الشمال، وفي كسرين في ضلوع القفص الناحية اليمين، وكمان في كسر في ضلع في الناحية الشمال وده كان ضاغط عالقلب بس الحمد لله إن العظمة مخترقش القلب، غير كان في مياه في الرئتين سحبناها، وشوية رضوض في جسمها مش خطيرة الرضوض دي، المريضة هتفضل الليلة في العناية المركزة، وياريت بلاش خناقات هنا بعد أذنكم.
عاد من تلك الذكرى الأليمة، ينظر لوجه صابرين التي زالت قليلاً الكدمات من عليه وعادت تظهر ملامحها مرة أخرى، لكن مازالت في غيبوبة، ليتها تشعر بقسوة ما يمر به وتفتح عينيها ترى إنهزامه أمامها. انحنى على إحدى يديها الموصول بها أنابيب مغذية، يقبل يدها دون شعور منه نزلت دمعة من عينيه على يد صابرين، قائلاً بندم:
صابرين حبيبتي، أيوا حبيبتي عارف إنك كنتِ دايماً بتضايقي من كلمة حبيبتي وبتفكري إن بقولها لك غيظ واستفزاز مني ليكِ، لكن صدقيني كنت بقولها وأنا حاسس معناها، فعلاً إنتِ حبيبتي، صابرين مكنش أول لقاء لينا في محطة القطر زي ما قولت لي قبل كده، أنا كنت عارفك ودايماً متابع أخبار البنت اللي إتمنت ليا الموت، هعترف لك بسر إنتِ كنت السبب الرئيسي اللي خلاني أقاوم عشان أرجع أقف على رجلي مرة تانية، كلمتك كانت دايماً بتطن في دماغي
صوتك كان مرافقني كنت عايز أقف على رجلي مرة تانية عشان أجي لعندك وأقولك أنا أهو منهزمتش، بس أنا أنهزمت يا صابرين وحبيت البنت الشقية اللي كنت براقبها من بلكونة جناحي الخاص، تألمت كتير لما عرفت إنك إتخطبتي لإبن عمك، وكمان إتكتب كتابكم، حاولت أويد الشعور ده في قلبي، كنت بليهي نفسي عشان مفكرش فيكِ، حتى لما عرفت إن تم تحديد ميعاد جوازك مقدرتش أتحمل وقتها وسافرت، مش الأرض هي اللي رجعتني وقتها يا صابرين، إنتِ السبب رجعت وكنت
مخطط إني أخطفك، بس مش مساومة عالأرض، صابرين سامحيني، أنانيتي سحقتك في بحري المالح.
صمت عواد وسريعاً جفف دموع عينيه حين عادت شهية إلى الغرفة مرة أخرى لكن لاحظت دموع عين عواد الذي وقف قائلاً بهروب: هطلع أتصل على ماما تجيب لي معاها غيار. أمام غرفة صابرين للصدفة الغابرة فتح عواد باب الغرفة ليخرج منها ليصطدم بعد خطوات بفادي بالممر. نظر له بغضب ساحق يحاول كبت لجام يديه حتى لا يضعهما حول عنقه ويخنقه، ربما يشفى غليله. بينما فادي لديه نفس الشعور وأكثر، لكن حاول التجنب إلى مر من جوار عواد.
لكن نظر عواد خلفه بفضول رأى اتجاه فادي نحو غرفة صابرين وطرق على الباب كاد يضع يده على مقبض الغرفة، لكن توقفت يده قبل أن تصل للمقبض بعد أن أمسك عواد ساعد يده قوياً ونظر له باستهجان: إنت جاي هنا ليه؟ احتدت نظرة فادي له قائلاً: جاي أطمن على صابرين بنت عمي، ولا مفكر إني صدقت الكدبة اللي هي قالتها، حتى لو كلامها صحيح وإن مصطفى يبقى أخوك بالنهاية هتفضل بنت عمي. احتدت نظرة عواد له وتعامل أن حديث فادي مجرد هراء منه لا أكثر،
وقال بحنق: حلوة دي كدبتك الجديدة، مصطفى يبقى أخويا، طيب إنسى إن أسمح إن تدخل الأوضة وتشوف صابرين. شعر فادي بغيظ من عواد فقال بإغاظة: والله مش أنا اللي قولت إن مصطفى أخويا يبقى للأسف أخوك، اللي قالت كده هي صابرين نفسها حتى جابت تحليلين DNA إثبات أنا نفسي مش مصدق، مصطفى يبقى أخويا الكبير ومش نادمان إني أخدت بحقه من اللي قتله، واللي بتمنى يطلع كلام صابرين كدب، والا وقتها هتبقى قاتل أخوك.
قولي يا عواد لو اللي قالته صابرين طلع هو الحقيقة هتقدر تعيش بعد كده إزاي مع صابرين اللي كانت مرات أخوك اللي إنت قتلته عشان تفوز إنت بها. بغضب وغيظ لكم عواد فادي بأنفه. ارتج جسد فادي للخلف قليلاً وضع يده على أنفه ونظر إلى تدفق تلك الدماء من أنفه، ثم رفع وجهه ونظر إلى عواد وبلا تفكير هجم على عواد ولكمه.
في البداية تفادى عواد لكمته لكن كرر فادي لكمة في وجهه وكاد يلكمه مرة أخرى لولا رؤية أحد عمال المستشفى لشجارهم من البداية وذهب يخبر أمن المستشفى الذي آتى سريعاً وتدخل للفصل بينهم، لكن مازال شجار بالألسن بينهم، كذلك حضور تحية مع فهمي إلى المستشفى بنفس الوقت، وسماعها لقول فادي الذي يحر به عواد يثير غضبه لا أكثر: تعرف بتمنى أن فعلاً إن مصطفى يطلع أخوك، عشان تعيش بقية حياتك في ندم أنك قتلت أخوك عشان تخطف مراته.
شعرت تحية بأسى ووجع قلب لكن اتجهت ناحية عواد قبل أن يتهجم على فادي مرة أخرى وضمته بحضنها باكية تقول بنفي: كدب مش عواد السبب في موت مصطفى، إصابة مصطفى صحيح كانت قريبة من الرئة بس مكنتش خطر على حياته، اللي قتل مصطفى شخص تاني وقتله وقتها عمد عشان يورط عواد ويتسجن...
بس ربنا خيب أمله، أنا كنت حاسة وقت موت مصطفى فعلاً بوجع جامد في قلبي عليه، حتى مقدرتش وقتها أستحمل أنظر لصورته اللي كانت متعلقة عالحيطة، حتى لما روحت بيتكم مرة تانية قلبي مقدرش يبص للصورة غير نظرة خاطفة، حسيت وقتها قلبي بيتقطع، بس أنا شوفت صورة مصطفى وإتمعنت فيها لأول مرة، إزاي خال عليا ملامح الشبه الكبيرة بين مصطفى وبين أمي، مصطفى يبقى إبني اللي حسيت بوجع فقدانه مرتين.
ذهل عواد من تأكيد تحية بأن مصطفى هو بالفعل أخيه، لم يعد قادر على تحمل الوقوف على ساقيه أكثر من ذلك لولا حضن تحية له لكان سقط أرضاً يصرخ ليس بسبب ألم جسده، بل وجع روحه المُضني والكلمة التي يتردد صداها برأسه: إنت قتلت أخوك حتى لو كان بالخطأ، لكن بالنهاية قتلته.
كأن تحية شعرت بألم عواد، رغم ألمها لكن تمسكت بجسد عواد تضمه بين يديها ليس الآن وقت ضعف لن تفعل كما كانت تفعل دائماً وتنحني للموجة حتى تمر من فوقها، ستقف ضد الموجة وتقاوم الغرق الذي تراه بعيني عواد اللتين اختفى لونها وتوهجت بعين يغشاها الدموع والندم والقهر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!