الفصل 7 | من 61 فصل

رواية بحر العشق المالح الفصل السابع 7 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
20
كلمة
4,028
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 11%
حجم الخط: 18

قبل دقائق بمنزل زهران.

بغرفة غيداء، كانت تجلس على الفراش ممدة الساقين، تضجع بظهرها على بعض الوسائد، بيدها الهاتف تعبث به وتتجول بين المواقع الخاصة بالأزياء، كذلك صفحات زملائها بالجامعة. كانت تنظر لتلك الصور التي يضعونها من بعض رحلاتهم في فترة إجازتهم، تنهدت بسأم رغم أنها بمستوى مادي أفضل منهم، لكن ليس بإمكانها التنزه والتمتع بالإجازة. فهي تعيش مهمشة بين عائلتها الثرية، رغم أنها الفتاة الوحيدة بالعائلة بين خمس ذكور، لكن هي لا تشعر بأهميتها

بوسطهم. أربع ذكور إخوتها من أبيها، تشعر أحيانًا كثيرة أن لا أهمية لها عندهم، فهي ابنة المرأة التي تزوجها أبيهم على والداتهم بسبب أمر من والده. كذلك عواد أخيها من والداتها، ربما هو مختلف عنهم قليلًا. أحيانًا تشعر أنه يعطف عليها بود عن الأربع الآخرين. تنهدت بأسى، وشعرت بالعطش، نظرت لجوارها لم تجد مياه. نهضت من على الفراش وتوجهت إلى تلك الثلاجة الصغيرة الموجودة بغرفتها، وفتحتها وأخذت زجاجة مياه. احتست القليل منها ثم

وضعتها مرة أخرى مكانها وأخذت إحدى ثمرات الفاكهة، قامت بقضمها وتوجهت ناحية باب شرفة الغرفة. نظرت من خلف زجاج الباب إلى حديقة المنزل، بالصدفة وقع بصرها على دخول تلك الفتاة، تعرفت عليها فهي رأت صورتها المنشورة برفقة عواد. تعجبت كثيرًا وساقها الفضول أن تعرف لما أتت إلى منزلهم الآن، أتكون القصة حقيقية وعواد يحب تلك الفتاة؟

أبدلت ثيابها بأخرى سريعًا وهبطت إلى أسفل المنزل، توجهت مباشرة إلى مكتب عواد، طرقت على الباب طرقة واحدة ثم فتحت الباب ودخلت إلى الغرفة. رأت زجاج تلك الشرفة مفتوح، ذهبت إليها بفضول منها، لكن وقفت قبل أن تصل إلى باب الشرفة حين تسمعت على جزء من حديث عواد وتلك الفتاة وتعجبت منه، كذلك ذلك الصوت الثالث. كادت أن تعود وتخرج من الغرفة لكن دوى صوت رصاصة، انفزعت وخرج منها صرخة وعادت مرة أخرى باتجاه تلك الشرفة، جذبت الستائر على جنب، انفزعت حين رأت صابرين جاثية على ساقيها، كذلك رأت عواد ومصطفى وهما يوجهان سلاحيهما نحو بعضهما. قبل أن تصرخ كان الرصاص يخرج من السلاحين...

أصبح أمامها الثلاث مصابين. ذهِل عقلها، تشعر بالحزن على الثلاث والخوف الأكبر على أخيها. توجهت سريعًا نحوه بفزع لكن حين اقتربت منه قال لها: أنا كويس، شوفي صابرين. تعجبت كثيرًا. على صوت طلقات الرصاص تجمع كل من بالمنزل بذلك الوقت. أتى فهمي وكذلك أحلام وفاروق. بعد قليل بالمشفى.

كان عواد يجلس أمام أحد الأطباء يقوم باستخراج تلك الرصاصة التي أصابت عضد يده، لم تكن إصابته خطيرة. كان عقله مشغول بصابرين، لا يعلم سبب لذلك، فسر ذلك بربما شفقة لا أكثر. بغرفة العمليات. كان مصطفى بين يدي الأطباء يقومون باستخراج تلك الرصاصة التي أصابت إحدى الرئتين. بالفعل تمكنوا من استخراج الرصاصة لكن مازال الخطر قائم. بينما صابرين هي الأخرى في غرفة عمليات أخرى بسبب تلك الرصاصة التي أصابت كتفها من الأمام. كان بالمشفى.

سامية وصبرية وجمال وسالم ذهبوا بعد أن علموا بما حدث. كانت سامية بمشاعر هائجة، كذلك جمال وإن كان أكثر منها، بدأ يفكر بحديث صبرية له قبل قليل قبل أن يعلم بإصابة ابنه. أن لديها يقين أن عواد ينتقم منهم بسبب استيلائهم على تلك الأرض. علمت البلدة بما حدث وإشاعات تخرج وكذب يصدق. فتاة السبب في نزاع حدث وبسببها شابان تقاتلا وهي الأخرى مثلهم أصيبت. كل ذلك حدث بسبب صراع العشق على فتاة شبه متزوجة من إحداهم. مساءً.

فتحت تحية باب الغرفة برجفة ودخلت تقول بلهفة: عواد. استهزأ عواد من لهفتها ولم يرد. بينما تحية نظرت له حين وجدته يجلس براحة على أريكة بالغرفة. رغم أنه يربط ذراعه بحامل طبي على صدره، لكن شعرت براحة قليلًا واقتربت من مكان جلوسه. جلست جواره وكادت تضع يدها على كتفه السليم، لكن نهض عواد واقفًا يقول: أنا بخير مكنش له لازمة تيجي للمستشفى. تدمعت عين تحية وهي تنظر إلى جحود عواد وكادت أن تتحدث لكن فتح باب الغرفة.

سخر عواد حين رأى من دخل وقال متهكمًا: هبدأ أصدق إني غالي عندكم. أمي وعمتي الاتنين جايين يطمنوا عليا. قال هذا ثم صمت ووضع سبابته على فمه بتفكير وقال استهزاء: ولا يمكن في سبب تاني لمجيكم. زفرت صبرية بغضب قائلة: قولي كسبت إيه من كدبة إن صابرين هي اللي جات بنفسها لعندك، كسبت إيه لما شوهت صورتها قدام الناس بصورة متفبركة؟ صابرين أذتك في إيه؟ إحنا هنعمل لها كشف عذرية تاني وكدبتك هتنكشف. ضحك عواد متهكمًا. بينما قالت تحية:

آخر حاجة كنت أتوقعها إن تتلاعب بشرف بنت بريئة... قول لنا غرضك إيه؟ ردت صبرية: الأرض، غرضه الأرض. رد عواد بحنق: صابرين بريئة؟ هو في ست بريئة برضوا؟ وبعدين الجزاء من جنس العمل. تعجبت صبرية قائلة: وصابرين كانت عملتلك إيه عشان تتدعي عليها بالكذب... وتخوض في شرفها. رد عواد بعصبية وتبرير:

مع إني مش محتاج أبرر لكم، بس مفيش مانع لما الدكتورة صابرين سالم التهامي تستقصد مصانعي وكل يوم والتاني لجنة تفتيش على مصانعي وطبعًا وجود الدكتورة من ضمن اللجنة شيء أساسي، صدفة مش كده. ردت صبرية: صابرين دكتورة وبتشوف شغلها، وليه هتستقصد مصانعك مصلحتها إيه؟ رد عواد: أقولك أنا مصلحتها إيه، تشغلني بالمصانع عشان تسهل على عيلة التهامي هنا الاستيلاء على الأرض وأنا طبعًا مشغول هناك معاها في المصانع، هفكر في إيه ولا في إيه.

تعجبت صبرية من تفكير عواد وكادت أن تبرأ صابرين من تفكيره المخطئ لكن رن هاتفها، نظرت له ثم ردت سريعًا، سئم وجهها وهي تقول: البقاء والدوام لله. أغلقت صبرية الهاتف ونظرت لعواد قائلة بحزن: مصطفى مات. لا يعلم عواد لم اهتز بذلك، هو لم يكن يتوقع حدوث ذلك. كذلك تحية التي شعرت بنغزة قوية في قلبها وتدمعت عينيها دون شعور منها. بألمانيا. جن عقل فادي وهو يسمع خبر وفاة أخيه الوحيد...

كيف حدث ذلك فمنذ ساعات كان يحدثه بسعادة عن قرب نيله لمحبوبة قلبه. بعد مرور ثلاثة شهور ونصف تقريبًا. بعد صلاة العصر بأحد جوامع البلدة. طلب شيخ الجامع الحديث مع جمال التهامي في أمر خاص، وافق جمال وجلس معه لبعض الوقت واستمع إلى حديثه ثم نهض قائلًا باختصار: تمام يومين وهقولك ردي. باليوم التالي شقة صبرية بالإسكندرية. مساءً. دخلت صابرين برفقة أخيها وإياد.

تفاجأت بوجود والدها، أسرع هيثم بالترحيب بوالده وارتمى بحضنه، ضمه وعيناه على صابرين التي تقف خلف إياد، مازال وجهها عابس منذ أن عادت من البلدة إلى هنا بعد انتهاء عزاء مصطفى التي لم تحضره بسبب بقائها بالمشفى وقتها بسبب إصابتها، لم يراها سوى مرة واحدة منذ عدة أيام من أجل إنهاء إجراءات إعلام الوراثة الخاص بمصطفى وتلك الصدمة التي تفاجأ الجميع بها عدا سامية.

شعرت صابرين بغصة من تجاهل والدها حين رحب بإياد واحتضنه ثم جلس بالمنتصف بين إياد وهيثم، لكن ابتلعت حلقها بمرارة وكادت تغادر الغرفة لكن تحدث سالم: صابرين تعالي في موضوع لازم أخد رأيك فيه قبل ما أقول قراري. امتثلت صابرين تشعر بمرارة وجلست صامتة... بينما نظر سالم لها قائلًا: عواد زهران بعت شيخ الجامع لجمال طالب الصلح. ذهلت صابرين، بينما تنهدت صبرية قائلة باستفسار: طب كويس وجمال رأيه إيه؟ سالم وهو ينظر لوجه صابرين:

جمال وافق بشرط. مازالت نظرة الاندهاش مرسومة على وجه صابرين... لكن قالت بحشرجة صوت: وإيه هو شرط عمي؟ رد سالم: إن الصلح يبقى بجلسة عرفية قدام الناس بعد صلاة الجمعة. ذهلت صابرين من ذلك واعتقدت أن عواد يفعل ذلك لهدف برأسه، وتذكرت حديثه معها منذ أيام قليلة على مشارف البلدة، لكن نفضت ذلك عن رأسها سريعًا قائلة باستعلام: وعواد وافق على الشرط ده. رد سالم:

عواد لسه ميعرفش شرط الصلح، لأن في طلب تاني هو طلبه ولازم يكون الرد على الطلبين بعد يومين. ردت صبرية: وإيه الطلب التاني بتاع عواد؟ نظر سالم ناحية صابرين قائلًا: الطلب التاني صابرين... عواد طلب يتجوز صابرين. رفعت صابرين وجهها تنظر لوالدها بتفاجؤ، أحاد سالم وجهه عن صابرين، التي شعرت بالأسى ونهضت واقفة تقول:

أنا صحيح بكره عواد، بس عواد ما أذنيش قد ما مصطفى أذاني أكتر من مرة بعد اللي عرفته في يوم إعلام الوراثة، وقبلها لما صدق الكذب عليا وحاول يقتلني، بس هلوم عليه ليه إذا كان أقرب الناس ليا صدق نفس الكدب، أنا موافقة أتجوز من عواد... مش هيكون أسوأ من مصطفى. قالت صابرين هذا وغادرت الغرفة تحبس تلك الدموع بعينيها، ذهبت إلى غرفتها أطلقت سراح تلك الدموع، تشعر أنها مثل الدمية البالية التي تتمزع بين أيادي أقرب الناس لها.

بينما شعر سالم بغصة وحاول مداراتها بقلبه حين قالت صبرية: كويس إن جمال وافق على الصلح بس الخوف من سامية، بتمنى الصلح ده يتم في أسرع وقت قبل ما فادي يرجع من ألمانيا وسامية تمسك ودنه، مصطفى اللي كنا بنقول عليه عاقل شوفنا عمل إيه، ما بالك فادي لو اتحكمت فيه عصبيته هيعمل إيه؟

وقتها ممكن يتفتح بحر دم، اللي حصل زمان هو اللي لازم يحصل دلوقتي إن يتم صلح بين العيلتين وكل طرف يلتزم حده بعيد عن التاني، لسه عند رأيي سامية وطمعها في الأرض هو اللي جر كل المصايب دي. رد سالم: أنا بعد اللي عرفته يوم إعلام الوراثة بقيت زي التايه، بس أنا كمان رأيي من رأيك لازم يتم الصلح ده، خصوصًا بعد قضية قتل مصطفى اتحولت لقضية دفاع عن النفس لأنه هو اللي كان متهجم على عواد في قلب بيته. بعد مرور يومين. بمنزل زهران.

بغرفة مكتب عواد. نظر لهاتفه الذي يدق، تبسم حين رأى اسم المتصل، وانتظر للحظات قبل نهاية مدة الرنين الأول رد عليه. رد عواد عليه بترحيب هادئ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، خير يا حضرة الشيخ. رد عليه الشيخ: خير إن شاء الله. جمال وافق على طلبك للصلح، لكن بشرط لازم يتنفذ الأول. رد عواد باستخبار: وأيه هو الشرط ده بقى؟ رد عليه: الصلح يبقى قدام الناس كلها بجلسة عرفية وتقدم كفنك له. تعجب عواد وكاد يرفض بغرور، لكن تحدث

الآخر بمحاولة إقناع عواد: الصلح ده في مصلحة العيلتين، بكده هنوقف العداوة وتنتهي للأبد. ومفيهوش أي استقلال من عيلة زهران، بالعكس ده هيرفع منها قدام الناس. وإن قتل مصطفى مكنش مقصود، وإنك إنت اللي ابتديت بطرح الصلح هيرفع من شأنك قدام الناس، لأن اللي اتذكر قبل كده إن مصطفى هو اللي اتهجم عليك في قلب بيتك مش العكس. فكر عواد قليلاً في حديث الشيخ ثم قال: تمام موافق على جلسة الصلح، طب وبالنسبة للطلب التاني؟

رد الشيخ: قصدك جوازك من الدكتورة صابرين... الرد جالي من شوية من المهندس سالم إنها وافقت على الجواز بشرط يكون بعد جلسة الصلح، وده بعد ما تكون وافت عدتها. تبسم عواد بزهو قائلاً: تمام خلاص أنا موافق يكون كتب الكتاب بعد جلسة الصلح مباشرة في نفس المكان. قال الشيخ: تمام هعرفهم بموافقتك. -بعد قليل بغرفة السفرة تحدث فهمي: فين عواد؟ ردت أحلام: أنا شوفته من شوية راجع ودخل لمكتبه.

قبل أن يأمر فهمي الخادمة بإعلامه أن الغداء أصبح جاهزاً، كان عواد يدخل إلى غرفة السفرة وتوجه إلى مكان جلوسه على السفرة. نظرت له تحية ببسمة تجاهلها عن قصد، وبدأ في تناول الطعام بهدوء إلى أن قال: أنا قررت أتجوز. رفعت تحية رأسها تنظر لعواد بفرحة قائلة: بجد أحلى خبر، قولي مين العروسة وأنا أروح أطلبها لك. توقف عواد عن الطعام ونظر لها قائلاً: متشكر لخدماتك، أنا خلاص طلبتها وتمت الموافقة. تعجب فهمي قائلاً: ليه مالكش أهل؟

الأصول إن تحية هي اللي كانت تطلبها في الأول من أهلها. رد عواد بحنق: حبيت أوفر عليها تعب المشوار والإحراج إفرض أهل العروسة مكنوش وافقوا. رد فاروق تعالى وغرور: ومين دي اللي تقدر ترفض عواد زهران؟ رد عواد وهو ينظر لتحية وقال بسخرية: يمكن تكون مصدقة الإشاعة اللي بتقول إني مش راجل. رد فهمي: بلاش كلام فارغ مالوش لازمة، طالما خلاص حصل قبول وجاي تقولنا من باب المعرفة، كمل وقول لينا مين العروسة من هنا من البلد ولا من إسكندرية؟

رد عواد بمحاورة: من هنا من البلد بس عايشة في إسكندرية من فترة. رد فهمي بقلة صبر: بلاش المحاورة وقولينا مين العروسة؟ سلط عواد عينيه على وجه عمه ينتظر رد فعله بعد أن يخبره من تكون العروس وقال: العروسة هي... صابرين سالم التهامي. تفاجأ فهمي، لا ليس فهمي فقط بل جميع الجالسون تفاجؤوا بذلك، مرر عواد بصره على وجوههم قائلاً بتهكم: مالكم سهمتوا كده ليه لما قولت لكم على اسم عروستي؟ ردت تحية: مستحيل، أكيد بتهزر.

تبسم عواد بسخرية قائلاً: هو الموضوع ده فيه هزار برضه يا... ماما... مش كان نفسك إني أتجوز أهو هحقق لك أمنيتك. ردت أحلام قبل تحية: بكده تبقى إنت بتأكد إن الكلام اللي حصل قبل من تلات شهور أنه صحيح، مش إشاعة أو في لغط في الموضوع زي الناس ما فكرت بعدها، وإنك إنت وصابرين... قاطعها عواد قبل أن تسترسل حديثها: الناس بكرة مع الوقت تنسى اللي حصل زي ما نسيوا اللي حصل قبل كده، الحياة بتمشي مبتقفش عند حد...

أنا خلاص أخدت الموافقة، حتى عشان رد الحق لمصلحة الجميع، جهزوا نفسك للفرح في خلال شهر ونص بالكتير. قال عواد هذا ونهض من خلف طاولة الطعام وغادر الغرفة، تركهم ينظرون لبعض بقلة حيلة ليس عليهم الآن سوى الامتثال لما قاله وقبول هذا الزواج، من أجل مصلحة الجميع. -بعد مرور شهرين تقريباً اليوم هو زفاف صابرين وعواد لكن هنالك مراسم خاصة قبل مراسم الزفاف فقبل الزفاف هنالك جلسة تصالح عرفية ستتم أولاً لفض النزاع. ... بألمانيا

أنهى فادي الاتصال مع والدته التي قطعت نياط قلبه ببكائها ونحيبها، وهو يشعر بنيران تستعر في قلبه وهو أصبح يعد الأيام للعودة إلى مصر، عشرة أيام فقط هي الباقية قبل العودة ليبدأ بالآخذ بالقصاص لمقتل أخيه، لن يجعل من كانوا السبب يهنئوا. -بعد انتهاء صلاة الجمعة بساحة كبيرة أمام أحد جوامع البلدة كان هنالك تأهب أمني ضخم من الشرطة فمثل هذه المجالس العرفية من السهل الغدر من أحد طرفي النزاع.

بمظلة خاصة أمام الجامع حول بعض الطاولات جلس بعض كبار رجال الشرطة وبعض كبار رجال المحافظة سواء الأغنياء وأعضاء المجالس النيابية، بعض شيوخ رجال الأزهر ومعهم شيخ الجامع، وكذلك طرفي النزاع جمال، سالم من ناحية عائلة التهامي فهمي، فاروق، عواد من عائلة زهران وهنالك بقية لأهالي العائلتين بين ذلك التجمع الشعبي من أهالي البلدة، لكن بعيد قليلاً عن ذلك المجلس.

في البداية كان هنالك خطبة خاصة لأحد كبار شيوخ الأزهر الشريف مضمونها عن التسامح والعفو عند المقدرة وجزاء الاثنين سواء بالدنيا أو الآخرة. انتهى الشيخ من إلقاء الخطبة، نهض أحد

كبار رجال الشرطة وتحدث: النهارده إحنا متجمعين لفض النزاع بين عائلة التهامي وعائلة زهران، وده بعد ما أبدى الحاج جمال التهامي موافقته بالصلح اللي طلبه الباشمهندس عواد زهران، وإن هو على استعداد لتقديم أي فدية يطلبها الحاج جمال، وكان طلب الحاج جمال هو إن الباشمهندس عواد يقدم له كفنه، وده اللي قبل به الباشمهندس عواد، اللي هيتم دلوقتي.

نظر رجل الشرطة ناحية عواد الذي نهض من مجلسه وأخذ ذلك الكفن الموضوع على الطاولة، وذهب إلى الناحية الأخرى للساحة. نهض جميع الجالسون بتحفز وترقب، كذلك رجال الشرطة التي تملأ المكان. كذلك نهض جمال التهامي وذهب يقف جوار رجل الشرطة وأتى لجوارهم شيخ الجامع. بينما عاود عواد السير يحمل الكفن بين يديه يسير بخطى ثابتة مطمنئن وهو يتجه نحو مكان وقوف جمال التهامي إلى أن توقف أمامه مباشرة. مد عواد يده بالكفن ناحية جمال...

لكن شيخ الجامع ضغط بقوة على كتف عواد، نظر له عواد فأومأ له الشيخ بأن يجثو على ساقيه أولاً... رغم عدم رضاء عواد لكن امتثل لشيخ الجامع وجثى على ساقيه أمام جمال التهامي، التي للحظة تلاعب عقله لكن عاد لرشده فإذا غدر الآن سيفتح بحر دم والخاسر سيكون عائلة التهامي... تدمعت عينه ومال على شيخ الجامع وأعطى له نية قبول الصلح. ابتسم شيخ الجامع قائلاً: "وفديناه بذبح عظيم" الحاج جمال التهامي قبل كفن عواد زهران.

أخذ جمال الكفن من يد عواد الذي نهض سريعاً يشعر بألم عضوي في جسده بسبب جثوه لفترة أمام جمال، كذلك يشعر بسخرية، لكن كل ما يهمه أن ينتهي ذلك النزاع فلديه الأهم من استمرار هذا النزاع القديم. بنفس الوقت كان هنالك شاة كبيرة ممدة أرضاً، ذهب جمال لذبحها، لينتهي ذلك المجلس العرفي الخاص بفض النزاع لكن هنالك مراسم أخرى ستتم الآن أيضاً وهي عقد قران عواد وصابرين. ذهب عواد وجلس على طاولة يجلس خلفها مأذون البلدة.

نادى شيخ الجامع على سالم التهامي كي يأتي لإتمام عقد القران. نهض سالم على مضض وجلس على الناحية الأخرى للمأذون، مد يده ناحية يد عواد الممدودة بعد أن طلب منه ذلك المأذون، ليضع الاثنين يديهم في بعض ووضع المأذون المنديل فوق يديهم ثم وضع يده يرتل تراتيل الزواج ويردد خلفه الاثنين، ليتم عقد القران.

جذب سالم يده سريعاً بمجرد أن انتهى المأذون، سخر عواد بداخله، فهو أظهر عائلته اليوم أنها أقوى عائلة بالبلدة وفي نفس الوقت أظهر الشهامة والرجولة. -عصراً عاد عواد إلى المنزل، استقبلته إحدى الخادمات قائلة: ألف مبروك يا باشمهندس، ضيف حضرتك وصل وهو في الأوضة اللي أمرتنا بتجهيزها. رد عواد: تمام روحي أنتي شوفي شغلك. ذهب عواد إلى تلك الغرفة، طرق أكثر من مرة على باب الغرفة لكن لا رد، مما جعله يفتح باب الغرفة.

نظر بداخلها لم يجد أحد نظر نحو شرفة الغرفة مبتسماً لذلك الذي دخل للغرفة يبتسم مازحاً يقول: أهلاً بالعريس، أخيراً هتتجوز، كنت مفكر إني مش هشوف اللحظة دي، نفسي أشوف البنت دي، صحيح شوفتها في الصورة اللي عدلتها كانت حلوة، أكيد في الحقيقة أحلى من الصورة. زغده عواد بكتفه قائلاً: شكلك عاوزني أطردك. ضحك الآخر غامزاً: أيه هو ده دق ولا أيه! قال هذا وأشار إلى قلب عواد.

تبسم عواد قائلاً: بلاش هزارك الفارغ ده يا "رائف" إنت عارف الحكاية من أولها، ده جواز رد حق مش أكتر. ضحك رائف قائلاً: رائف كده من غير احترام ناسي إني خالك، وأكبر منك بست شهور ونص. ضحك عواد قائلاً: خال مين دول كانوا بيفكروني أخوك الكبير وإحنا صغيرين. ضحك رائف قائلاً بخبث: طب لما البنت مش فارقة معاك ليه زغدتني لما قولت عليها في الصورة حلوة. توه عواد في الحديث قائلاً: أمال فين جدي مجاش معاك من إسكندرية ولا أيه؟

رد رائف: لأ طبعاً جه وحط إيده في البت دودو يلفوا شوية في البلد، يا بخته، بس البت دودو كبرت وبقت موزة يا خسارة لو مش طفاستي وتحية أختي رضعتني عليك ومكنتش خالها مكنتش عتقتها. ضحك عواد قائلاً: أهي طفاستك دي بتضيع عليك حاجات كتير، هسيبك ترتاح شوية وعندي كم حاجة كده لازم أخلصهم، الوقت ضيق قبل المسا. غمز رائف بعينه قائلاً: آه ما أنا عارف الحاجات دي، لازم تجهز برضه عشان تعجب العروسة. قال رائف هذا واقترب من عواد

ينظر له بتفحص وقال بمزح: دقنك عاوزة شوية تهذيب وكمان شعرك عاوز يقصر شوية، وحاجات تانية عاوزة تهذيب أكيد الحلاق هيعرف شغله. ضحك عواد قائلاً: والله لو مكنتش خالي كنت بعتك للي يعملك إصلاح وتهذيب، سلام أشوفك المسا يا خالي. قال عواد هذا وغادر ضاحكًا، بينما ضحك رائف هو الآخر متمنيًا أن يقع عواد في عشق تلك الفتاة كي تزيل تلك القساوة المغلفة قلبه. هو أكثر من يعلم كيف اكتسبها بسبب ما مر به بمحنة العلاج الذي خاضها وحيدًا.

هو يعلم مفاتيح شخصية عواد، لو لم تستفزه تلك الفتاة ما كان فكر بالزواج منها. عواد يأخذ هذا الزواج تحديًا، لكن لا أحد يستطيع تحدي القدر. في المساء، أمام منزل سالم التهامي، كان عواد يقف أمام سيارته المزينة بالورود ينتظر أن يخرج سالم بصابرين.

بالفعل خرجت صابرين من باب المنزل أولًا. للحظة تعجب عواد لكن خرج خلف صابرين سالم وسار بجوارها بينهم مسافة صغيرة. إلى أن وصل إلى مكان وقوف عواد، مد سالم يده ومسك يد صابرين وقام برفعها ناحية يد عواد الممدودة وأعطاه إياها بصمت دون أي حديث. شعرت صابرين بغصة قوية في قلبها وتدمعت عينيها، لولا ذلك الوشاح الأبيض الموضوع على وجهها لرأى سالم تلك الدمعة المتحسرة في عينيها.

بمنزل جمال التهامي، كانت سامية تنوح وتلوم على جمال قبوله لذلك الصلح. رد عليها جمال بقسوة: كنتي عاوزاني أرفض الصلح ده ونخسر ابنك التاني هو كمان؟ اللي عملته هو الصح عشان أحافظ على ابني التاني. كفاية سمعت كلامك مرة وأطمعت في حتة أرض دفعت تمنها موت ابني الكبير. ردت سامية: بلاش تسمع لبخ صبرية الفارغ. السبب في قتل مصطفى هي الفاجرة صابرين وهي اللي فازت واتجوزت من الواطي اللي فرطت في نفسها له. رد جمال:

كدب، صابرين شريفة. أنا أخدتها لعند دكتورة في إسكندرية وأكدتلي إنها بنت بنوت ومحدش لمسها. صعقت سامية وحاولت تشويه صابرين قائلة: ما يمكن متفقة مع الدكتورة أو حتى يمكن عملت عملية زي اللي بنسمع عنهم. هز جمال رأسه بيأس قائلًا: تعرفي كل اللي حصل كان نتيجة طمعك في حتة أرض. لعبتي في دماغي وقتها ووافقتك عالطمع. الأرض دي ملعونة بالدم. وكفاية ارحميني وبلاش تزودي بخ سم في ودان ابنك التاني اللي جاي بعد عشر أيام.

بعد قليل بحديقة منزل زهران، فتح عواد باب السيارة ومد يده ناحية صابرين كي يساعدها على النزول من السيارة، لكن تجاهلت صابرين يده ورفعت ذلك الوشاح الأبيض عن وجهها ونزلت وحدها من السيارة دون مساعدته. وقفت لجواره. تجاهل هو الآخر ذلك بسخرية مرغم، لكن ثنى ذراعه كي تضع يدها بين ثنايا ذراعه كي يدخل بها إلى المنزل.

وضعت يدها مرغمة وقبل أن تسير، كان هنالك ذبيحة تذبح أمامهم. للحظة شعرت صابرين بالغثيان من ذلك المنظر ووضعت يدها على فمها. لاحظ عواد ذلك. فمال على أذنها هامسًا بسخرية: إيه العروسة حامل ولا المنظر ده أول مرة تشوفيه.

نظرت صابرين له بمقت وامتعاض وكادت ترد عليه أن لو بيدها لذبحته مثل تلك الذبيحة، لكن تجاهلت الرد عليه حين اقتربت فادية عليها ترسم بسمة مزيفة ورفعت ذيل الفستان قليلًا عن الأرض حتى لا يتلوث الفستان بدماء الذبيحة. سار عواد بصابرين بضع خطوات توجه إلى تلك الخيمة الموجودة بحديقة المنزل. تفاجأت صابرين بوالدة عواد وزوجتي عميه يقفون أمام تلك الخيمة يبتسمون. تقدمت أحلام زوجة عمه وجذبت يد صابرين من يده بقوة قائلة:

كده مهمتك خلصت يا عواد، الخيمة كلها ستات. هات عروستنا وروح أنت لقعدة الرجالة قدام الدار. بالفعل ترك عواد صابرين وذهب، بينما شعرت صابرين نحو تلك المرأة بمقت ودخلت معها إلى داخل تلك الخيمة الكبيرة. كان هنالك حضور طاغي لكل نسوة البلد تقريبًا حتى والداتها وصبرية من ضمن الحاضرات.

تقبلت الجلوس بينهن على مضض منها. جلست فادية جوار صابرين، لكن بعد قليل نهضت وجلست جوار حماتها وسحر اللتان سممتا أذنيها وذكراها بعلّتها التي تحاول نسيانها. كبتت دموع عينيها، لكن شعرت أنها لم تعد قادرة وستبكي بأي لحظة. نهضت بحجة أنها ستذهب إلى الحمام. بالفعل تركت الخيمة ودخلت إلى داخل المنزل. سألت إحدى الخادمات عن مكان حمام قريب. دلتها الخادمة على مكان حمام بالدور الثاني.

ذهبت إلى ذلك الحمام وظلت لدقائق تبكي إلى أن شعرت براحة قليلًا. غسلت وجهها وخرجت من الحمام كي تعود لتلك الخيمة قبل أن يلاحظ أحد غيابها. لكن يبدو أنه يوم البؤس ليس فقط لأختها، بل لها أيضًا حين رأت آخر من تود أن تراه اليوم، لكن تجاهلت ذلك وأكملت نزول السلم. بينما قبل دقيقة شعر فاروق بالسأم من تلك المظاهر بين الرجال، فنهض.

زفر نفسه بغضب وهو يدخل إلى المنزل يشتاط غضبًا وغيظًا، لكن أثناء صعوده السلم، رفع وجهه تفاجئ حين وقع بصره على آخر من كان يريد أن يراها هذه الليلة. هي الأخرى لم تكن أفضل منه وهي بمنزلها تشعر بالاختناق تود أن تنتهي تلك الليلة وتغادر. تلاقت عيناهما لقاء الأمواج حين تصدم بصخور الشاطئ بقوتها العاتية فتنثر المياه المالحة في كل اتجاه. تحدث هو بصوت محشرج: إزيك يا فادية؟ حاولت الثبات وردت بصوت هادئ:

الحمد لله كويسة جدًا، وأنت أخبارك إيه؟ ماذا تسأله عن أخباره؟ لا تعلم أنه بعدها يعيش جسدًا خالي الروح، يتمنى أن يمضي اليوم فقط لا يشعر بأي هدف لبقائه حيًا. طال صمته وهو يتأمل ملامح وجهها، كادت تشعر بضعف فتجنبت منه ومرت جواره كي تنزل. بينما هو أغمض عيناه للحظة وهي تمر بجانبه، لكن شعر بظمأ في قلبه. هنا لم يستطع السيطرة على عقله، جذبها من يدها قبل أن تكمل نزول باقي درجات السلم وأخذها وصعد إلى أعلى المنزل. سلتت يدها

من يده بقوة قائلة بحدة: أنت اتجننت إزاي تسحبني وراك كده؟ فاكرني بهيمة من اللي عندك في مزارعك؟ وإزاي مفكرتش إن ممكن حد يشوفك وأنت ساحبني من إيدي كده يقول عليا إيه؟ كان يتأمل ملامحها التي ما زالت محفورة في رأسه، ما زال عشقها موشوم بقلبه. بينما فادية تضايقت من نظرات عيناه، وأدارت جسدها حتى تنزل مرة أخرى. لكن هو أمسك يدها مرة أخرى. نفضت فادية يده عنها بقوة قائلة: ابعد عني يا فاروق! لم تكمل حدتها في الحديث حين قال:

وحشتيني يا فادية. ضحكت ساخرة تقول: وحشتك؟ بأي حق؟

أنا وأنت انتهينا، قصتنا خلصت قبل ما تبدأ. أنت اللي نهيتها، لأنك واحد جبان. يا ريتك حتى عومت معايا ضد التيار وبلعتنا الأمواج، لكن أنت هربت وفرقتنا كل واحد في اتجاه. كنت هقول يكفيني شرف المحاولة إنما أنت استسلمت حتى من قبل ما الموجة الأولى ما توصل للشط. أسست حياتك مع غيري وشايفة إن كونت معاها بيت وعيلة بعيد عن وهم بيت الرمال اللي كنا بنبنيه سوا، وتهد لما دوست عليه برجلك. إنما أنا خالية الوفاض.

قالت هذا وتركته وحيدًا يشعر بطعم ملح مياه البحر تغرق قلبه التعيس. هو بالفعل جبان نادم ليته حارب ضد الأمواج وغرق بها ومعها. بينما رائف رأى ما حدث بين فادية وفاروق بالصدفة، وتعجب لكن شعر بنغزة في قلبه حين كادت تتصادم معه فادية على باب المنزل. وقع بصره على عينيها الحزينة وشعر بغصة في قلبه وتنحى جانبًا لها كي تخرج من باب المنزل. تنهد بشعور لا يعرف تفسير له، ودّ أن يراها مرة أخرى ويعلم من تلك الجميلة صاحبة العين الحزينة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...