بعد مرور أسبوعين صباحًا منزل الشردي على طاولة الطعام زفر وفيق نفسه متأففًا بغضب وهو يضع الهاتف على الطاولة بعد أن أنهى الحديث. لاحظت سحر تأففه، كذلك شعرت ماجدة بذلك قائلة: "في إيه يا وفيق، مين اللي بيكلمك عالصبح كده، صوتك مضايق قوي؟ زفر نفسه مرة أخرى قائلًا: "ده تاجر من اللي بتعامل معاهم بيفكرني بفلوسه بطريقة غير مباشرة." شعرت ماجدة بالضجر قائلة: "هو ده أول تعامل بينكم ولا إنت هتاكلهم عليه؟ تنهد وفيق بضجر هو الآخر:
"مش حكاية هاكلهم عليه، ومش هو لوحده اللي بيطالبني بفلوس بضاعة. حريق مصنع القاهرة وكمان البضاعة اللي كانت في الكاميون وإتقلبت على الطريق وضاعت هدر، مبقتش قادر أسدد إيه ولا إيه. حتى عرضت مصنع القاهرة للبيع، بس طبعًا كل الزباين اللي بيجولي بيتصيدوا إن المصنع تقريبًا أرضية وعاوزينه بتمن بخس. بفكر أوافق على بيعه واهو تمنه يسدد شوية من الديون للتجار، على ما أقدر أوقف المصنع تاني على رِجله." تنهدت ماجدة بحسرة قائلة:
"أنا مش عارفة إيه المصايب اللي فجأة حلت علينا دي، إحنا عمرنا ما أذينا حد." تهكمت سحر بضحكة سخرية قائلة: "عمرنا ما أذينا حد! اللي بيحصل ده كله ذنب فادية." ردت ماجدة: "وإحنا كنا أذيناها في إيه؟ هي اللي مشيت وسابت البيت بمزاجها، كانت عاوزة تضغط على وفيق بزيادة عشان يجري وراها ويطلب عطفها عليه." تهكمت سحر قائلة:
"ده اللي كان المفروض فعلًا يحصل، بس نقول إيه. برضه خروجها من البيت بالهدوم اللي كانت عليها بس، كان جوازة ناهد لعنة بتخلص حق فادية اللي خرجت من البيت ده خالية الوفاض." نظر وفيق لسحر بتعجب مُستفسرًا: "قصدك إيه بخالية الوفاض؟ فادية هي اللي اتنازلت عن حقوقها قصاد الطلاق، أنا مكنتش هطلـ... قطعت سحر حديثه بتهكم وسخرية قائلة: "مكنتش هطلقها! أمال اتجوزت ناهد عليها ليه؟ ومفكرتش هي ليه اتنازلت عن حقوقها؟
السبب واضح، الظلم اللي شافته منك قبل من ماما اللي خرجت فادية من البيت بهدومها اللي عليها بس." تفاجئ وفيق مذهولًا غير مُصدق، قائلًا بإستفسار: "قصدك إيه يا سحر بإن فادية خرجت من البيت بالهدوم اللي عليها؟ فادية خدت هدومها وكمان صيغتها." تهكمت سحر قائلة بتأكيد: "لأ ده محصلش، وعندك ماما اسألها. أنا شبعت خلاص وهقوم أستنى ولادي هيجولي بعد ما يطلعوا من المدرسة."
صُعق وفيق من الحقيقة التي قالتها سحر وصمت ماجدة. نظر وفيق ناحية ماجدة التي من الجيد أنها لا ترى ملامح وجهه القاسية، لكانت شعرت بالقهر من نظرة وفيق المتدنية النادمة لها. لكن مازال يريد أن تنفي والدته تلك الحقيقة التي قالتها سحر، لكن الصمت جواب وافٍ. تدمعت عين وفيق متسائلًا: "ساكتة ليه مش بتتكلمي يا ماما؟ قولي إن اللي سحر قالته كذب." مازالت ماجدة صامتة. زفر وفيق نفسه بضيق قائلًا:
"فعلًا زي سحر ما قالت، كل اللي حصل لنا ذنب فادية اللي عاشت هنا مقهورة، حتى وخرجت من هنا خسرانة. بس للأسف أنا خسارتي كانت أكبر وأفدح منها، خسرت تعبي وشقايا اللي عشت سنين أكون فيه. يا ريت دي بس كانت الخسارة، في خسارة أقوى، خسرت إني كنت بصدقك وبسمع كلامك في الباطل. لازم يكون عندك ولاد يشيلوا اسمك ويتمتعوا في خيرك، فادية خلاص كبرت ومش هتخلف. مش ده كلامك اللي زودتي بيه دماغي؟
بدل ما كنتِ تقوليلي خد بنصيحة الدكتور وإتعالج يا ابني. لكن الدكتور كلامه فارغ، طالما فادية بتحبل يبقى إنت سبع الرجال العيب منها. حتى لما جت ناهد وحبلت وسقطت ودارت علينا وعيشتنا في كذبة، كان ده عقاب من ربنا إنت السبب فيه. كنت مرتاح مع فادية، أنا اللي إفتريت بإن معايا فلوس وقادر، ليه ميكونش معايا من كل نِعَم ربنا، واتغافليت إن العيب مني. يا ريتني سمعت كلام فادية وقتها وقبلت العلاج. أهو المال اللي كنتِ عالدوام تقوليلي مين هيتمتع في خيرك، بقيت مديون وقدمت على قرض من البنك بفوايد تقطم وسطي عشان أقدر أرجع تاني أوقف المصنع على رجليه."
بكت ماجدة بدموع مقهورة وهي تسمع لحديث وفيق السام لها، لكن مازال طغيانها مستمر حين قالت: "كان غرضي مصلحتك." تهكم وفيق بمرارة قائلًا: "مصلحتي... خلاص مبقاش في وقت للندم، كل شيء انتهى. فين صيغة فادية؟ ارتبكت ماجدة للحظات صمتت مما جعل وفيق يقول بِحِدَّة: "فين صيغة فادية؟ ردت ماجدة بتلعثم: "موجودة بس.... قاطعها وفيق قائلًا: "بس إيه؟ ردت ماجدة: "ناقصة." تساءل وفيق بتعجب: "ناقصة إيه؟ ردت ماجدة: "ناهد كانت سرقت منها إنسيال."
تهكم وفيق ضاحكًا بمرارة: "كمان كانت حرامية! وداريتي عليها طبعًا عشان ميتفضحش السر." ردت ماجدة بكذب: "لأ عشان بيتك ميتخربش." تهكم وفيق قائلًا:
"بيتي اتخرب أول ما فادية طلعت من عتبته. فين صندوق الدهب هاتيه. لازم الحق يرجع لصاحبته. دهب فادية مش أنا اللي كنت جايبه ليها كله، كان في جزء كبير منه باباها اللي جابه ليها في الشبكة، غير مناسبات عيد ميلادها كانت هدايا بتجي ليها من أهلها وأصدقائها، كانت بتردها من معاها من فلوس شغلها قبل ما تتجوز، باباها كان بيتكفل بكل مصاريفها وهي مرتبها كان بتحوله للبنك باسمها."
لم تُذهل ماجدة، هي تعرف تلك الحقيقة، لكن أعماها الطمع والجشع، لتجني على الروح والعين أيضًا عقاب، لكن وفيق هو أكثر المُتضررين من ذلك. بعد دقائق أعطت ماجدة صندوق المصوغات لوفيق، الذي قام بفتحه ونظر لداخله يشعر بالندم الشديد كم كان مُغفلًا وأضاع فادية، لكن ليت الزمن يعود للوراء لحظات فقط كان سهلًا علينا وقتها واستطعنا محو بعض الأخطاء أو حتى تقويمها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كافيه چوري
تلك الجلسة الصباحية أصبحت لهما الاثنان مثل إدمان، يجلسان سويًا كل منهم يحتسي مشروبه المُعتاد، يتحدثان بأي موضوع يتناقشان فيه كل منه بوجهة نظر، يختلفان تارة ويتفقان تارة أخرى، لكن مجرد الحديث سويًا يشعران بأُلفة خاصة، لا تفسير لها عندهم سوى أن كل منهما يشعر براحة نفسية حين يتحدث مع الآخر. صدح رنين هاتف چوري، نظرت للهاتف للحظات عبس وجهها وشحب وقامت بإغلاق الهاتف.
لاحظ فاروق ذلك، ساقه الفضول، ربما آن الأوان أن تتحول تلك الصداقة لمنحنى آخر. تساءل فاروق: "ليه قفلتي موبايلك من غير ما تردي عاللي بيتصل؟ زفرت چوري نفسها بضيق قائلة: "ده آخر شخص بتمنى أسمع صوته." تعجب فاروق بعد أن عاد رنين الهاتف وأغلقت چوري الهاتف نهائيًا قائلًا:
"واضح أنه شخص ثقيل ومصر إنك تردي عليه. رأيي كان المفروض تردي عليه وتقولي له مباشر إنه ميتصلش عليكِ تاني، كده هيفضل عنده أمل إنك في مرة تردي عليه وهيرجع يتصل تاني وتالت، لازمك قرار حاسم طالما شخص مبغوض منك رأيي التجاهل مش هينفع معاه... بس ليا سؤال لو هتعتبريه فضول مني تقدري مترديش." نظرت له چوري ولم تتحدث لكن أومأت رأسها بموافقة. تساءل فاروق على استحياء وترقُب منه: "مين الشخص ده؟ "طليقي."
كانت كلمة موجزة قالتها بامتِعاض. رجف قلب فاروق، يشعر بامتِعاض من ذلك الرجل الأحمق الذي طلق امرأة مثل چوري لأي سبب، حتى لو كان بها عيوب، يكفي صفة واحدة فيها أن رفقتها فقط من أجل الحديث لا يُمل منها. تحدث فاروق بتساؤل: "كان المفروض تردي عليه وتشوفي عاوز منك إيه؟ ردت چوري بأسى: "لأ مالوش لازمة أرد عليه، أنا عارفة هو عاوز إيه." بترقُب وبفضول من فاروق تساءل: "وعاوز منك إيه؟ قال فاروق هذا ثم توقف للحظة ثم قال معتذرًا:
"متأسف لو كان ده فضول وتدخل مني." نظرت چوري لـ فاروق، لا تعلم سببًا لقولها:
"لأ أبدًا، إحنا أصدقاء. إنت حكيت لي قصتك مع مراتك، حتى مع البنت اللي كنت بتحبها، واعترفت بندمك إنك كنت متخاذل. أنا كمان كنت زيك متخاذلة، بس مش أنا اللي ضيعت حياتي بمزاجي. أنا كنت يا دوب متخرجة من الجامعة، واتقدملي زميل كان هو أكبر مني بتلات سنين، كان بيشتغل في مطعم مشهور في المنصورة. أنا أساسًا من المنصورة. وافقت عليه وكان الاتفاق إننا هنفضل سنتين مخطوبين لحد ما يقدر يكون شقة بسيطة نتجوز فيها. لكن فجأة جاله فرصة
كبيرة عقد شغل في مطعم في دبي. واقفنا وسافر سنة وجه تاني سنة إجازة واتجوزنا بس طلب مني نأجل الخلفه شوية حتى لما يقدر يكون نفسه. قولت أوكيه. المهم بعد شوية جابلي عقد عمل هناك وسافرت معاه أشتغل. سحبتنا زهوة القرش وبقينا نأجل الخلفه. لأ نستنى شوية هنشتري بيت كبير السنة دي. اللي بعدها هنشتري حتة أرض قريبة من المباني بكره هتغلى أكتر. وهكذا لحد ما مر سبع سنين على جوازنا. أنا كنت خلاص كملت التلاتين سنة قولت في نفسي كفاية
بقى، هأجل أكتر كده إيه، والحمد لله وضعنا بقى ميسور. قولت لطليقي إني هبطل وسيلة منع الحمل. للحق معترضش. بس شهر وراء شهر كملت سنة وراء التانية ومفيش حمل بيحصل. وجوزي اللي كان قبل كده مش فارق معاه، بقى بيفرق معاه أوي ويسألني ويضايق كل شهر لما يجيب الأمل. لحد ما حسيت بشوية وجع في ناحية من صدري. الوجع كان بيزيد. روحت عملت فحوصات واتأخد خذعة من صدري تحلل في المعمل. النتيجة كانت صدمة ليا. ورم ولابد من استئصال فورًا. طبعًا
أي ست مكاني كانت تفضل الموت على إن يستئصل الجزء ده من جسمها وتفقد مظهر من مظاهر أنوثتها. قولت للدكتور أنا ممكن أتعالج كيماوي أو أي شيء بس بلاش استئصال. بس الدكتور وقتها قالي إن سهل المرض ينتشر بسرعة وكمان يصيب مش بس الناحية التانية من صدرك ممكن يمتد للرحم أو جزء تاني من جسمك. بصراحة كنت أفضل الموت. بس خضعت لطلب الدكتور. وفعلاً استئصلت ناحية من صدري. بس بعدها كان في صدمة تانية. إني بسبب أخدي لأدوية منع حمل لفترات
طويلة أثرت على الرحم احتمال شبه أكيد إني مخلفش. طبعًا هنا ظهر المعدن الحقيقي لطليقي. هو عاوز يكون له أولاد تورث اللي اتغرب وتعب في جمعه لسنين وحرم نفسه من ملذات كتير. في البداية عرض يتجوز وافقت بغصبانية مني. بس طبعًا لما تتنازل مرة لازم هتفضل طول عمرك تتنازل بالذات لما يكون اللي قدامك شخص أناني. بدأت أحس بالنفور منه ليا. وبالذات لما ينظر لجسمي اللي بقى ناقص أنوثة. لحد ما قالها صريحة إنه بيشمئز لما بيبص لجسمي. كان
وقتها بدأت آخد القرار ومستنية لحظة حاسمة. كانت هي دي اللحظة الحاسمة. طلبت الطلاق منه. رغم أن ده كان هدفه. بس كان لازم يساوم وميطلعش خسران لأن كان ليا النص في كل حاجة ومكتوب في مستندات حكومية. بدأ يضغط عليا.
قالها لي صريحة: أنتِ متفرقيش معايا لكن اللي يفرق معايا هو الشراكة اللي بينا في الممتلكات. كان سهل ألجأ للمحكمة وآخد حقي وزيادة منه. بس أنا كمان كنت كرهته بزيادة. وقولت في فترة مرضي صرفت فلوس كتير وربنا من عليا بالشفاء حتى لو جزء في جسمي نقص. في غيري بيحصل معاه كده وبيوت المرض بيخربها ماليًا وفي الآخر الرأي بيبقى للقدر. أنا أحسن من غيري. اتفقنا أنا هاخد جزء من الممتلكات دي وكان أقل من نص حقي. وتم الطلاق. بعدها بكم شهر لقيت جوز أختي بيقولي في كافيه في البحيرة ومكانه ممتاز وبسعر يعتبر لقطة والكافيه شغال كويس. بس صاحبه هيشتري كافيه في الغردقة وعاوز يكمل تمنه إيه رأيك؟
وافقت. بس بعدها قولت طيب هأعيش فين؟
قالي ممكن أأجر شقة هنا من ريع الكافيه. وفعلاً ده اللي حصل وجيت لهنا. مش هربانة بس محتاجة أبعد. واللي عرفته إن طليقي مراته خلفت ولد قبل ميعاده كان ناقص نمو تقريبًا وقعد أربع شهور في حاضنة خاصة صرف عليه دم قلبه وربنا افتكر البيبي. ومراته حامل تاني. كلم جوز أختي إنه يقابلني عشان يطلب مني السماح ويرجعلي بقية حقي. عشان ربنا يرضي عنه. بس أنا مش شمتانة فيه. بالعكس أنا فوضت أمري لله من زمان ورضيت بحياتي وقدري. ومفيش في قلبي له أي ضغينة."
رغم أن فاروق شعر بوجع من حكاية چوري، لكن بداخله شعر بإعجاب مضاعف بها. ومد يده ومسح تلك الدمعة التي خذلتها وسقطت من بين أهدابها غصبًا، رغم أنها حاولت إخفاؤها كثيرًا أثناء سردها لحكايتها المؤلمة. لم يُعطِ فاروق وقتًا للانتظار أكثر من ذلك. هو يقول: "تتجوزيني يا چوري." والصدمة كانت قوية لـ چوري وأفقدتها النطق. لينتهز فاروق الفرصة ويبتسم بيقين قائلاً: "السكوت علامة الرضا." ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ألمانيا
بالمطار بصالة الوصول وقف فادي ينتظر بترقب أن تطل عليه غيداء. تبسم يشعر بانشراح مازال لا يصدق اتصال غيداء عليه وإخبارها له أنها أنهت اختبار نصف العام. واكتملت أيضًا أوراق سفرها له. تذكر آخر لقاء مباشر لهم. [فلاش باك] يوم عيد ميلاد سالم.
فجأة أثناء جلوس غيداء جوار تحية شعرت ببوادر غثيان. استغربت هذا فهي منذ مدة اختفى الغثيان. أرجحت ذلك ربما بسبب الحلوى التي تناولتها بكثرة دون انتباه منها. بسبب اشتهاء مذاقها بفمها لم تنتبه وتناولت منها الكثير. نهضت فجأة. تعجبت تحية حين نهضت وقالت لها: "وقفتي ليه الحفلة لسه مخلصتش." بصعوبة وتسرع ردت غيداء بسبب شعور الغثيان الذي يزداد ولن تقدر على التحكم أكثر: "هروح الحمام يا ماما."
هرولت سريعًا نحو الحمام. وسط قلق تحية التي كادت أن تنهض خلفها لكن رأت وقوف فادي وأشار لها بيده أن تنتظر هو سيذهب خلفها. رغم قلقها لكن تمنت أن يكون ذلك فرصة له مع غيداء. بالفعل دخلت غيداء إلى الحمام لدقائق. كان فادي ينتظرها بالخارج يزداد القلق لديه حتى أنه قرر الدخول إلى الحمام لكن بنفس اللحظة خرجت غيداء ملامح وجهها تبدو بوضوح مجهدة. اقترب منها بلهفة قائلاً: "غيداء مالك وشك أصفر وشكلك عيانة. خلينا نروح للدكتور."
لم تستغرب غيداء من اهتمام فادي المبالغ فيه. بداخلها شعرت بانشراح في قلبها لكن أظهرت البرود قائلة: "مالوش لازمة أنا كويسة. وشي مجهد من المذاكرة والسهر خلاص الامتحانات قربت جدًا مسألة أيام." أصر فادي عليها قائلاً: "لأ ده مش إجهاد مذاكرة. غيداء بلاش عناد وخلينا نطمن عليكِ وعلى البيبي وكمان نفسي أشوف ابني قبل ما أسافر بكرة."
شعرت غيداء بسعادة بنفس الوقت غصة بسبب ذكره أنه سيسافر بالغد. شعور متضارب بداخلها سعيدة بقلق فادي الواضح عليها. كذلك شعور بالندم كانت تتمنى أن تظل قصتهما كما بدأت وردية. لكن هي خيالية أرادت حياة وردية رسمتها بخيالها لتصدم بواقع زجت به نفسها هي على يقين أن فادي ليس هو المخطئ هي أيضًا أخطأت ماذا كانت تظن تفرض دائمًا حسن النوايا. لكن بأول اختبار سقطت وظهرت النوايا الحقيقية. فادي كان يأخذها درجة للانتقام. لكن هو اعترف بخطأه وأبدى الندم كثيرًا كذلك هي جلدت ذاتها بما يكفي. لما الآن لا تترك ذلك القارب الشراعي المتهتك والذي يكاد يغرق وتُعطي لنفسها فرصة وتجازف بالسباحة بين تلك الأمواج ربما تغلبت عليها أو ربما طوعتها الأمواج إلى شط نجاة.
بسمة كانت جواب واضح وصريح لـ فادي. شعر بسعادة هو الآخر. وتمنى أن تظل تلك البسمة على محيا غيداء. التي تعطيها توهج خاص وآخاذ ذم فادي نفسه: "كم كنت غبيًا ومعتوهًا واتخذت أسوأ انتقام لتحصل على أسوأ عقاب. الآن استغل تلك الفرصة جيدًا. لا تفعل مثلما فعلت بالماضي القريب واتخذت من الغباء سبيل." ابتسم فادي لها هو الآخر ورفع يده لها بإشارة أن تسير أمامه. تبسمت غيداء بخفاء قائلة:
"خليني أقول لـ ماما وكمان أجيب شنطتي وبعدها نروح للدكتورة اللي متابعة معاها الحمل." انشرح قلب فادي وهو يومئ رأسه بموافقة. بعد قليل بعيادة تلك الطبيبة. مازالت سمة غيداء الأولى هي الخجل وهي ترى لمعة عين فادي وهو يرى صغيرهم يتحرك بأحشائها. حركته بطيئة لكن كانت بقلبهم صخب من المشاعر المتمنية نسيان كيف نمى هذا الجنين بعلاقة مشوهة بل محرمة بغطاء شرعي سافر.
فـ بالنهاية الزواج العرفي مُجرم ومُحرم فهو يُشبه الاختلاس بإتمام علاقة آثمة بوضع غطاء شرعي مثل الزينة لا أكثر من ذلك. بعد قليل خرج الاثنان من عيادة الطبيبة كاد فادي أن يُشير إلى إحدى سيارات الأجرة لكن قالت غيداء: "إحنا صحيح في الشتا بس أنا حاسة إن الجو دافي الليلة إيه رأيك نتمشى شوية." انبسَط قلب فادي موافقًا يقول: "فعلاً الجو الليلة على عكس طبيعته وكمان في قمر في السما بس أنتِ شايفه قمر جانبي على الأرض."
خجلت غيداء ببسمة. بدأ الاثنان يسيران معًا كانا يتحدثان بصفو من يراهما يُجزم أنهم عُشاق. هم فعلاً كذلك. تحدثت غيداء عن بعض الأفعال الطفولية البريئة التي كانت تفتعلها وهي صغيرة. ضحك فادي قائلاً: "كنتِ رقيقة أوي يا غيداء. وشبه ساذجة لأ ساذجة فعلاً." عبست غيداء بمرح قائلة: "فعلاً ماما دائمًا تقولي إني كبرت بس لسه بعقل طفلة. وإنت بقى إيه كنت شقي ولا هادي." ابتسم فادي بحنين وشجن ودمعة تتحجر في العين تغص القلب قائلاً:
"أنا كنت شقي جدًا عكس مصطفى الله يرحمه." تنهدت غيداء بأسى ورددت: "الله يرحمه. أكيد كنت بتفتعل مشاكل كتير." تنهد فادي قائلاً:
"فعلاً أنا كنت خاربها صياعة. كنت أوقات كتير بجيب مشاكل مع زملائي في المدرسة بس عمري ما حد علم عليا. بس كنت باخد استدعاء ولي أمر كتير. وبابا يجي المدرسة ويرجع مكسوف مني. بس كان المدرسين في المدرسة بيغفرولي أوقات كتير. لأني كنت شاطر. كمان مصطفى كان أوقات يتحايل على المدرسين وبسبب شطارته هو كمان كانوا بيغفرولي على وعد إني معملش نفس الغلط تاني. وبرضه مكنتش بحرم. حتى وأنا في الجيش كنت مشاغب ومقضي نص إجازاتي عقاب."
تبسمت غيداء قائلة: "وليه كنت بتتعاقب في الجيش؟ رد فادي: "مشاغبة. وخناقات مع زملائي ضحك يقلب جد. تقدري تقولي كنت مستقوي نفسي شوية." ضحكت غيداء قائلة: "وطب في المدرسة كمان كنت بتتعاقب ليه إيه نوع الغلط بقى. كنت بتعاكس البنات مثلاً." ضحك فادي قائلًا: عمري ما عاكست بنت، بالعكس أوقات كنت بتعصب على زمايلي لما يعاكسوا بنات، وكانت ممكن توصل معايا لمقاطعة أصحاب أحيانًا كثيرة، بسبب كلمة قالتها
لي فادية في يوم من الأيام: اعتبر البنات اللي معاك في المدرسة أخواتك زي صابرين، ترضى حد يزعلها بكلمة فارغة؟ قلت لها لأ. توقفت غيداء عن السير للحظات، مما جعل فادي هو الآخر متلهفًا يقول: تعبتي من المشي. ردت غيداء: لأ، بالعكس، بس عاوزة أسألك عن صابرين، تبقى بالنسبالك إيه؟ لم يكن سؤال مفاجئ لفادي، ورد ببساطة وصدق: بنت عمي، أختي هي وفادية في مكانة واحدة.
لمعت عين غيداء تشعر بسعادة، لكن فجأة هبت نسمة باردة بتلقائية، وضعت غيداء يديها فوق عضديها تمسدهما تستمد الدفء. لاحظ ذلك فادي قائلًا: واضح إن الجو هيقلب وبردت شوية، إيه رأيك ندخل أي كافيتريا نشرب أي حاجة سخنة تدفينا شوية. ردت غيداء بخجل: لأ، خلينا نرجع الشقة. ذهل فادي قائلًا باستفسار: أي شقة؟! بخجل ردت غيداء: إنت عندك كام شقة هنا في إسكندرية؟ كان الرد من فادي أبله، أو ربما غير مصدق لمقصد غيداء: عندي شقة واحدة بس.
ابتسمت غيداء تومئ برأسها قائلة: يبقى هي الشقة اللي أنا أقصدها، ولا إنت ليك رأي... قاطعها فادي بلهفة قائلًا: لأ ماليش رأي، خلينا نرجع لشقتنا. في ثوانٍ أشار فادي لإحدى سيارات الأجرة. بعد قليل فتح فادي باب الشقة، وقبل أن يشير بيده دخلت غيداء إلى الشقة وهو خلفها مبتسمًا. في البداية شعرت غيداء بغصة في قلبها، لكن لهفة فادي أزالت تلك الغصة حين قال: هروح للمطبخ بسرعة أعملك بابونج، اللي أعرفه إنه مهدئ كويس للمعدة.
ضحكت غيداء قائلة: ويا ترى عندك هنا بقى بابونج. رد فادي: أيوه. بعد لحظات ابتسمت غيداء وفادي يدخل إلى غرفة المعيشة يحمل صينية صغيرة عليها كوبان، وضع الصينية فوق طاولة قريبة منها مبتسمًا ثم جلس جوارها وأخذ أحد الكوبان ومد يده لها به قائلًا: البابونج أهو، اشربيه هيدفيكي وكمان هيريح معدتك. أخذت غيداء الكوب من يد فادي وارتشفت رشفة ثم نفخت بفمها قائلة: دي سخنة قوي، خليها تبرد شوية وخلاص مبقتش بردانة.
وضع فادي يده فوق كتفها بتردد منه، لكن ابتسمت غيداء له. وبدأت غيداء تقول مازحة: كنت بتفكر في إيه وإنت بتشتري البابونج؟ كان له استخدام إيه عندك. تنهد فادي قائلًا:
معرفش، أنا لما سافرت ألمانيا في البداية كنت بنزل أشتري مستلزمات كتير من السوبر ماركت ومعرفش هستعملها في إيه أو حتى لازمتها إيه، أو بتنطبخ إزاي. مع الوقت بقيت أقرأ التيكت اللي على المنتج اللي هشتريه وأعرف بيستخدم في إيه وكمان أطبخه إزاي. في مرة كنت بشتري نسكافيه ووقع في إيدي علبة ورق عليها زهرة، قريت المكتوب اللي عليها وعرفت إنها بابونج زي مهدئ للمعدة وكمان للأعصاب. أنا كنت في الفترة دي عصبي قوي واشتريته، صحيح مكنتش بشرب منه كتير، بس قولت وجوده مش هيضر...
حتى لما نزلت مصر كنت بشتري شوية بهارات من محل عطارة وشوفته وبصراحة اتغويت واشتريته، قولت ممكن يكون له استعمال فيما بعد واهو نفع. ابتسمت غيداء واضجعت بظهرها للخلف قليلًا. جذب فادي وسادة قائلًا: خليني أحطلك المخدة دي وراء ضهرك. اقترب فادي يضع الوسادة، تلاقت عينيه مع عيني غيداء، اللتان تأمل بهما رأى جمال وبريق ساحر. شعرت غيداء بالخجل من نظرة فادي... لاحظ فادي خجل غيداء، تنهد وابتعد قليلًا ثم قال:
إيه رأيك أجيب بطانية وأعمل شوية فشار ونشغل التلفزيون نشوف فيلم رعب. ردت غيداء بإيماءة مبتسمة قائلة: يا زين ما اخترت فيلم رعب، الناس بتقول رومانسي، لكن طبعًا إنت مختلف، عالعموم وماله نشغل التلفزيون يمكن يخلف ظنك ونلاقي فيلم رومانسي نسمعه... بس بلاش فشار معدتي خلاص مش هتستحمل أي أكل تاني الليلة، كفاية البابونج ده.
ضحك فادي ولسوء الحظ فتح التلفاز ليجد قناة أفلام رعب، لكن كان فيلم رعب مضحك، لكن بعض المشاهد كانت ترعب غيداء، وتفزع منها، وكان فادي يسخر منها حتى أنه اقترب منها أكثر فأكثر وانعدمت بينهم المسافة حتى غيداء حين كانت ترتعب أصبحت تدس وجهها بصدر فادي الذي يتزلزل كيانه نادمًا كيف سمح لغبائه بإضاعة براءة تلك الرقيقة. انتهى الفيلم... نحت غيداء تلك البطانية من عليها ونهضت تتثاءب، ذهبت نحو غرفة النوم، بينما ظل فادي جالسًا...
نظرت له غيداء متعجبة تقول: لسه هتسهر مش هتنام؟ مش عندك سفر بكرة لازم تستريح شوية. نهض فادي قائلًا: لأ هنام بس هدخل الصينية دي المطبخ الأول. انحنت غيداء وأخذت الصينية قائلة: لأ هوديها أنا المطبخ وخد إنت البطانية لأوضة النوم. تبسم فادي مازحًا يقول: يعني اخترتي الأخف فيهم، مع إني أنا اللي سبق وجبت الاتنين بس ماشي يا غيداء. ابتسمت غيداء...
بعد قليل دخلت غيداء إلى غرفة النوم. للحظات شعرت بغصات قوية تضرب قلبها، هنا كان أول صرخة ألم وندم شعرت بهما، سابقًا كانت تشعر بالاختناق وهي بتلك الغرفة، اليوم لا تشعر بذلك فقط غصة ندم، بينما فادي تعجب حين دخلت غيداء إلى الغرفة هو ظن أنها ستبقى بالغرفة الأخرى. شعر بغصة هو الآخر لكن هناك شعور آخر بالسعادة حين توجهت غيداء إلى دولاب الملابس قائلة: أنا هطلع ليا غيار عشان أغير هدومي، تسمح تطلع بره الأوضة خمس دقايق.
ابتسم فادي وأخذ ثياب منزلية وخرج من الغرفة... بعد قليل دخل إلى الغرفة على ترقب منه لرد فعل غيداء. بينما غيداء تثاءبت وهي تنحي غطاء الفراش ثم تستلقي عليه قائلة: سهرت كتير الليلة كمان حاسة بإرهاق، بس مع ذلك كانت ليلة جميلة بغض النظر عن فيلم الرعب. ابتسم فادي وظل واقفًا لا يعلم سبب لذلك... لكن انتبه لقول غيداء: مش هتنام ولا إيه؟ ولا تكون خايف بسبب الفيلم. ابتسم فادي قائلًا:
فيلم إيه اللي أخاف منه، عادي جدًا شوفت أفلام رعب أكتر من كده. ابتسمت غيداء قائلة: بس أنا بقى بصراحة خايفة أنام في أوضة لوحدي بعد الفيلم ده. كلمة غيداء كانت صريحة بالنسبة لفادي الذي اقترب من الفراش ونحى الناحية الأخرى من غطاء الفراش واستلقى جوار غيداء التي اضطجعت على جانبها تنظر لفادي للحظات ثم أخفضت بصرها تشعر بخجل زائد.
ابتسم فادي وتجرأ قليلًا وجذب غيداء بتوجس، لكن صمت غيداء وعدم ممانعتها أسعدا قلب فادي وهو يشعر بها بحضنه. انتهت ليلة لم يكن بينهم تقارب جسدي لكن تقاربًا بقلبيهما وكل منهم فتح قلبه للآخر ليغزو العشق ويزول ذلك الجفاء.
عاد فادي مبتسمًا من ذكرى تلك الليلة التي أزالت كل الغيوم، بعد أن اتفقا أن بعد نهاية الامتحانات ستلحق غيداء به لألمانيا. ها هو يسمع صوت عبر مكبرات الصوت الداخلية بصالة الوصول يعلن أن الطائرة هبطت بسلام وآن أوان دخول القادمين إلى صالة الوصول وها هي طلت غيداء تجر حقيبة صغيرة خلفها، رغم أن حملها اقترب من الشهر الخامس لكن جسدها لم يزداد كثيرًا، من يراها يظن أنها ليست حامل فقط سمينة قليلًا، سريعًا قطع فادي تلك المسافة وحضنها...
عانقته غيداء على استحياء منها، وهي تنظر حولها. تبسم فادي قائلًا: لأ بلاش كسوفك ده، هنا احنا في ألمانيا عادي وأقل كمان من العادي إني أحضنك في المطار أو حتى في الشارع. خجلت غيداء بصمت، حين عانقها فادي مرة أخرى يود أن يتأكد أنها أتت كما وعدته قبل سفره أنهما لابد ان يبدآن بطريق جديد، كما أنها سمعت
مقولة من أحدهم ذات يوم: إذا أردت أن تعرف أهميته وغلاوتك عند أحد فأختبره بثلاث أشياء "المال والغربة والمصلحة" وهي تيقنت أن فادي لا يفرق معه المال وليس لديه مصلحة عندها، ظلت الغربة هي الاختبار لمعرفة قيمتها لدى فادي، كذلك تبدأ منحنى آخر بعد أن تأكدت. تلك الأحلام الوردية التي كانت ترسمها سابقًا انتهت وهنالك حقيقة واحدة أنها أصبحت زوجة وقريبًا أم وأصبح واجب عليها البدء من جديد بواقعية. مساءً عبر الهاتف
تحدثت صابرين بتهكم: والله رائف صعبان عليا، يعني بقالكم خمستاشر يوم وهو صابر، يا ريتني كنت عملت كده في عواد وشعوطته شوية بس أنا كنت هبلة وأنا اللي استفزيت عواد عشان يكمل جوازنا. ضحكت فادية قائلة: لأ كنتِ مستعجلة بس ما صدقتي اتقفل عليكم باب مارستي هوايتك الأولى على عواد. ضحكت صابرين قائلة:
طب والله أنا ما أجي نقطة بحر استفزاز عواد وهو اللي مصدق وقال فرصة، يلا كل شيء نصيب بس بلاش هزار، بجد رائف إزاي مطنش على كده، لو مش البت ميلا بنته كنت شكيت فيه. ضحكت فادية قائلة: هو مش ساكت هو بيتحرش ووووو. صمتت فادية تعض على شفاها تشعر بخجل قليلًا. لكن صابرين قالت باستفسار: بيتحرش وإيه؟
ده لو بيتحرش بجبل كان زمانه لان، يا بنتي بلاش تفكيرك العبيط ده، لو واحد تاني غير رائف مكنش استحمل عقدك دي كلها وظن إنك لسه بتحبي طليقك أو حتى فاروق. تنهدت فادية قائلة: والله بحاول أتغلب على الشعور ده بس غصب عني إنتِ عارفة إنه بيسهر في المطعم أوقات كتير بحس بدخوله للأوضة وبعمل نفسي نايمة. تهكمت صابرين عليها: وأنا عاملة نفسي نايمة، والله لو واحد غيره مكنش عذرك كده وولَا فرق معاه إنك نايمة بجد، إنتِ
محتاجة حاجة من الاتنين: يا علاج نفسي، يا اقتحام، رائف بدل ما يتحرش بيكي بكام بوسة يغتصبك ويحطك قدام الأمر الواقع. ضحكت فادية تدافع عن رائف قائلة: روفي يغتصبني؟ معتقدش ده شخص محترم. ضحكت صابرين قائلة: طب ما تقولي له الكلمتين دول وتليني معاه شوية، الراجل أثبت إنه جدع، وفكك من عقدة المخفي ابن أمه. ابتسمت فادية قائلة: على سيرة ابن أمه عرفت إن طنط تحية جاية لندن. تنهدت صابرين بتوجس قائلة:
أيوه عملية عواد اتحدد ميعادها بعد يومين خلاص، وطنط تحية وكمان عمو فهمي جايين لندن حتى بابا قالي جاي معاهم، معرفش ليه حاسة بشوية قلق من العملية المرة دي مع إن الشمطاء أوليفيا بتقول عملية تشبه نفس العملية السابقة. ردت فادية بتطمين: لأ متخافيش عواد قوي والعملية هتمر بسهولة زي اللي قبلها. آمنت صابرين على قول فادية تستمد منها قوة حتى لو واهية. بعد مرور يومين إسكندرية ظهرًا
دخلت فادية إلى ذلك الكافيه، تجول عينيها إلى أن وقع بصرها على مكان جلوس وفيق... اتجهت نحوه بخطى متهادية لا تعلم سببًا لذلك الشعور اللامبالي لديها، كأنها لم تعرف وفيقًا سابقًا، مجرد شخص عادي مر أمامها سابقًا. بينما حين رآها وفيق نهض واقفًا يبتسم، وحين اقتربت منه مد يده لها للمصافحة. بتردد منها صافحته فادية قائلة باستفسار: "اتصلت عليا وألحيت إننا نتقابل خير." رد وفيق بثقة:
"خير يا فادية، اتفضلي اقعدي، هنتكلم وإحنا واقفين كده زي الغرب." تهكمت فادية قائلة: "إحنا فعلًا غرب يا أستاذ وفيق، ولولا ألحيت إننا نتقابل عشان موضوع مهم مكنتش جيت فياريت تدخل في الموضوع مباشرة، لأني لازم ارجع للبيت بسرعة سايبة بـ... قاطعها وفيق قائلًا: "أنا فعلًا أصريت إننا نتقابل النهاردة لسببين. وعارف إن اللي حصل بينا قبل كده مأثر عليكِ."
تهكمت فادية وكادت تقول له أنه أصبح لا شيء بحياتها، شخص عابر ومر، لكن سبق وفيق ووضع أمامها علبة علمتها جيدًا فادية، لكن تعجبت بفضول واستغربت حين أخفض وفيق رأسه قائلًا بأسف وندم: "دي علبة الصاغة بتاعتك، أنا بتأسف منك يا فادية، أنا كنت فاكر إنك أخدتيها معاكِ قبل ما تسيبي بيتنا، بس إمبارح بس اكتشفت الحقيقة، بعتذر منك أنا غلطت في حقك كتير." تعجبت فادية بذهول، وازداد الذهول حين نظرت إلى وفيق ورأته يزدرد ريقه بوضوح وعاد
يقول بندم يظهر على ملامحه: "أنا طلقت ناهد بعد ما اكتشفت إنها فعلًا... مش مهم اللي اكتشفته، النهاردة أنا جاي أعتذر منك وأرد لك حقك مش بس علبة الصاغة، لأ كمان لو ترضي إننا نرجع تاني نتجوز وأوعدك إني أسمع كلام الدكتور وأتعالج." "اتأخرت." كان هذا جواب فادية المختصر الذي أذهل وفيق حين قالت: "أنا اتجوزت يا وفيق." قالت فادية هذا ونهضت قائلة: "اعتذارك مقبول وبتمنى ليك السعادة."
صدمة أذهلت عقل وفيق للحظات غاب عن الوجود يشعر كأنه بلا هوية، لكن حين رأى وقوف فادية بندم كبير تحدث: "دي علبة الصاغة بتاعتك حقك." نظرت فادية لعلبة المصوغات وتهكمت قائلة: "هي حقي فعلًا، بس أنا مش عاوزاها، أنا حقي احتسبته عند ربنا." قالت فادية هذا وغادرت المكان، بينما جلس وفيق مرة أخرى يشعر بانهزام فادح وهو ينظر إلى تلك العلبة، ذم عقله قائلًا:
"أضعت فادية بغبائك وتصديقك لأكاذيب، كنت تظن أنها ستنتظرك كي تمن عليها مرة أخرى." فادية، بنفس اللحظة اعترف أن فادية كانت جوهرة ظن أنه طمس بريقها، لكن هي فقط دُمست بين الغبار وبنفخة واحدة زال الغبار وعاد بريق الجوهرة. ــــــــــــــــــــــــــــــــ لندن الانتظار أمام غرفة العمليات صعب، الوقت لا يمر، دقائق تسوى دهر كامل من الزمن، هكذا كان الحال.
تحية التي تجلس تقرأ القرآن تحاول تهدئة قلبها المنشغل، لكن رغم ذلك تشعر بانسحاب في قلبها بقوة، ندمت كثيرًا وقلبها يئن لثاني مرة تحضر وقت عملية عواد، هو كان يواجه ذلك وحده سابقًا. بينما صابرين هي الأخرى رغم أن سالم يجلس جوارها يضمها تحت إبطه، لكن عقلها وقلبها وعينيها مسلطون على باب تلك الغرفة، والوقت زاد عن الحد وساد القلق... إلى أن خرج الطبيب يبدو مجهدًا، لكن قال بالإنجليزية:
"تم زرع الدعامات والشرائح بجسد المريض وفي الفترة القادمة ستندمج تلك الشرائح والدعامات مع جسده وبالعلاج الطبيعي سيعود للوقوف والسير على قدميه مرة أخرى." انشرح قلب الجميع، إلى أن خرجت أوليفيا ونظرت نحو صابرين وللغرابة ابتسمت لها، ابتسمت صابرين هي الأخرى لها، تود رؤية عواد. ـــــــــــــــــــــــــــــ الأسكندرية
عادت فادية إلى المنزل تشعر بشعور لا تفسير له، اليوم رأت وفيق منهزمًا أمامها كانت تلك آخر صورة تتوقع رؤيتها عليها، عقلها كان شبه شارد إلى أن سمعت رائف الذي يحمل ميلا يحاول أن يجعلها تكف عن البكاء يقول بحدة عكس طبيعته المرحة: "كنتِ فين، خرجتي بدون ما تقولي رايحة فين." مدت فادية يديها وأخذت منه ميلا وهدهدتها قائلة: "بتعيطي ليه يا روحي." حضنتها ميلا وبدأ بكاؤها يهدأ، بينما رائف عاود سؤاله: "كنتِ فين؟ ردت فادية:
"خرجت أشتري شوية طلبات." تهكم رائف قائلًا: "بس أنا شايف إيديك فاضية، فين الطلبات اللي اشتريتيها." ردت فادية بهدوء: "ما عجبتنيش الحاجات اللي كنت هاشتريها، لقيتها مش هتلزمني." نظر لها رائف قائلًا: "تمام... أنا طالع أغير هدومي عشان أروح للمطعم." صعد رائف بينما قبلت فادية ميلا قائلة: "ليه كل الدموع دي، آه، جعانة." أومأت ميلا برأسها وهي تحاوط عنق فادية بيديها الصغيرة.
بعد قليل دخلت فادية لغرفة النوم وحدها، كان رائف يقف أمام المرآة يهندم ثيابه، تحدث وهو ينظر لفادية عبر المرآة: "فين ميلا؟ ردت فادية: "ميلا مع عمي صادق في الجنينة مبسوطة باللعب في أدوات الرسم بتاعته." رد رائف بتهكم: "وكمان بابا رجع، ما عرفش كان خرج هو كمان فين ومابقتش عارف ميلا عاوزة إيه، بتعيط من غير هدف." ابتسمت فادية قائلة: "لأ كانت جعانة، ولما شبعت هديت." ابتسم رائف قائلًا:
"ما أنا حاولت أأكلها ورفضت وفضلت تعيط برضه، أكيد دلع، هي مستحوذة على الدلع كله، ياريتني بس آخد نسبة واحد في المية من الدلع ده." ابتسمت فادية قائلة: "طيب ميلا طفلة ومن حقها تدلع، إنما إنت كبرت خلاص." أدار رائف وجهه ناحية فادية واقترب منها يقول بمزاح: "طب ما تعتبريني زيها كده بيبي ودلعيني شوية." ضحكت فادية قائلة: "بيبي وأدلعك؟ طب أدلعك إزاي بقى؟ بذمتك إنت شوفت بيبي قبل كده بالحجم ده."
بمفاجأة جذب رائف فادية من خصرها وحاوطها بين يديه قائلًا: "أيوه شوفت في فيلم عربي الست كانت بتقول لجوزها يا بيبي."
ارتبكت فادية من فعلة رائف، التي تكررت سابقًا أكثر من مرة، كانت تستطيع الهرب من حصار يديه بسبب وجود ميلا، لكن الآن ميلا ليست هنا، كذلك رائف تجرأ أكثر ورفع وجهها ونظر إليه، ثم إلى شفتيها وبلا وعي منه أحنى رأسه يقبلها، ظل يقبلها يشعر بعطش حتى ترك شفتيها ولم يتوقف عن تقبيل وجنتيها وعينيها، إلا حين شعر بطعم مالح بفمه، فاق من تلك السكرة اللذيذة، ونظر لوجه فادية رأى تلك الدموع تسيل من عينيها، توجع قلبه وفك حصار يديه عنها لكن ما زال ينظر لوجهها، لكن يكفي
لن يتحمل دموعها أكثر وقال: "أنا عارف إنك اتورطتي ووافقتي على الجواز مني بسبب حبك لميلا بس يا فادية وأنا ما كنتش ميلا هي السبب، كان عندي سبب ومتأكد إنك عارفة إني بحبك... بس أنا ما أقدرش أجبرك تحبيني، فادية أنا عارف إن اللي مريتي بيه قبل كده ما كانش سهل وكمان أنا اللي بفرض نفسي عليكِ من البداية و... توقف رائف يبتلع تلك الغصة القوية بقلبه، لكن تسرعت فادية قائلة: "وإيه تاني يا رائف؟ زهقت مني خلاص وهتتخلى عني؟
هز رائف رأسه بلا قائلًا: "عمري ما أتخلى عنك غير بخروج روحي من جسمي، إنت اللي مصرة تخلي الماضي حاجز بينا." تنهدت فادية قائلة: "بس إنت خلاص كسرت الحاجز ده يا رائف، والدموع دي كانت بالنسبة لي دموع فرح مش ندم زي ما بتقول." نظر رائف لبسمة فادية، وانشرح قلبه وعاود القرب من فادية وضمها من خصرها إليه متسائلًا: "قصدك... أومأت فادية برأسها ثم أخفضت بصرها بخجل وهي تقول بهمس: "أنا كمان حبيتك يا رائف." صُدم
رائف يطلب تأكيد ما سمعه: "قلتِ إيه؟ أخفضت فادية وجهها بحياء. رفع رائف وجهها قائلًا: "قوليها تاني." ردت فادية بحياء: "لا مش هأقولها تاني، وبطل تحرجني." ابتسم رائف قائلًا: "لأ خلاص ما بقاش بينا حاجة اسمها حرج."
أنهى رائف قوله وهو يجذب فادية عليه يقبلها يضمها أكثر لصدره، قبلاته تزداد تلهفًا، كذلك فادية لم تشعر بيديها اللتان تعانقان جسد رائف العاري وهو يتحسس جسدها العاري أيضًا، شعور لم تشعر به سابقًا في زيجتها الأولى، كانت تشعر معه أحيانًا أنها بالنسبة له مثل الوعاء يفرغ وفيق به رغباته وبالنهاية يريد منها مقابل ذلك طفل، لكن رائف جعلها تشعر أنها مثل الحورية وهو البحار الذي راوغ الموج الهائج وانتصر بالنهاية وفاز بالحورية.
بقبلات حميمية رقيقة وضعها رائف على وجنتي فادية، كأنها كانت شكر منه وامتنان هكذا شعرت فادية وانتهى هاجس الخوف لديها، حتى أنها تناست أنها تزوجت بآخر سابقًا، آخر انتهى اليوم من حياتها للأبد، لم يعد موجود بقلبها ولا بحياتها غير رائف... رائف الذي يشعر بمنتهى السعادة حقًا، تزوج سابقًا لكن كان زواج العقل كل ما كان يبحث عنه وقتها هو الأنس في الغربة، لكن مع فادية وجد الانتماء يشعر بالعشق... ولكن لم يشعر بالارتواء.
جذب فادية عليه مرة أخرى مبحرًا بين أمواج تسحق جسديهما معًا... برحلة إذابة تكرير لملوحة تلك المياه المالحة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ باليوم التالي لندن غرفة عواد اهتز هاتف صابرين الذي بيدها، نظرت لشاشته مبتسمة ثم نهضت تقول لتحية: "دي فادية بتتصل عليا، عواد نايم هأطلع أكلمها من بره عشان ما ينزعجش ويصحى." ابتسمت لها تحية.
خرجت صابرين من الغرفة وتركت تحية التي نهضت من مكانها وتوجهت نحو فراش عواد، مدت يدها تمسد على خصلات شعر عواد بحنان. شعر عواد بذلك وفتح عينيه للحظة ظن أنها صابرين لكن انحنت تحية وقبلت جبهته مبتسمة حين همس باسم صابرين. بينما فتح عواد عينيه مرة أخرى ونظر بتمعن جيدًا، شعر بغضب قائلًا: "صابرين، صابرين فين." ردت تحية: "صابرين خرجت تكلم فادية، قولي لو محتاج لحاجة وأنا أعملها لك، أعدلك المخدة تحت رأسك." تأفف عواد قائلًا:
"متشكر مستغني عن خدماتك." تدمعت عين تحية حين أحاد عواد برأسه الناحية الأخرى حتى لا ينظر لوجهها ولا ينخدع بتلك الدموع، يتذكر قول جده له يومًا ما: أنا اللي ضغطت على تحية تتجوز من عمك عشانك، هي كانت هتتجوز خلاص من واحد تاني، وتعيش معاه بفلوس جاد، والله أعلم التاني ده كان هيعاملك إزاي، إنما جوزتها من عمك عشان عارف مصلحتك، فهمي عمره ما هيطمع في فلوسك. لكن تحية لم تستسلم لذلك يكفي، بيدها أدارت رأس عواد
حتى ينظر لها وهي تقول: كفاية يا عواد، أنا متأكدة إن جواك معترف بقسوة جاد علينا إحنا الاثنين... أنا فعلًا وافقت أتجوز من فهمي عشانك بس بعد ما جدك هددني إنه هيتخلى عن مصاريف علاجك، غير أنك كنت قاصر وقتها، وهو سبق وخد الوصاية عليك في كل شيء بسرعة،
قالها لي صريحة: كلمة رفض مني معناها إني أنسى إن لي ابن، أنت كنت وما زلت وهتفضل أول فرحة حسيت بيها في قلبي. لك مكانة خاصة، رغم إني خلفت بعدك مرتين، بس أنت كنت المميز في قلبي، صحيح الأم بتحب ولادها بالتساوي، بس أنت بالنسبة لي ما كنتش بس ابني، أنت كنت ابني وأخويا وصديقي، لسه فاكرة لما كنا بنروح سوا لبطولات السباحة، ولهفتك عليا بعد ما
تكسب وتحضني جامد وتقولي: بكرة هبقى سباح عالمي وهتفتخري بيا وتقولي أنا مامة البطل، يمكن الأماني ما تحققتش، بس أنا فعلًا أم لبطل. تهكم عواد قائلًا: بطل مشلول. ردت تحية بأمل: زي ما هزمت الشلل قبل كده هتهزمه تاني وهتوقف على رجليك عشان صابرين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!