الفصل 58 | من 61 فصل

رواية بحر العشق المالح الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
17
كلمة
4,164
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

لندن امتُعض وجه عواد ساخرًا بتهكم: "عن أي بطل تتحدث؟ هل هنالك بطل قعيد؟ رأت تحية وجه عواد الذي امتُعض، شعرت بحزن لكن عادت تبتسم بحنان وهي تمسد على رأسه رغم تلك الدمعة تتلألأ بعينيها، لكن قول عواد لها: "ممكن تعدلي لي المخدة تحت راسي."

جعلها تشعر بسعادة تعمدت أن تنحني بجسدها عليه وهي تفعل له ما شاء، كأنها تضمه لصدرها، حتى لو كان للحظات، حتى عواد شعر بيديها تحتوي نصف جسده الأعلى للحظة أغمض عينيه يُبعد ذلك الشعور الذي افتقده بعد مقتل والده، شعور بالاحتواء...

لكن تمهلت تحية وهي تفعل ذلك تُعطي لنفسها وقتًا أكثر تستمتع بإحساس مفقود لديها الآن حتى لو لوقت قليل، حتى عواد نفسه فكر بتردد يرفع يديه يجذبها أكثر، فعل ذلك فعلًا، لكن لم يتنازل عن الكبرياء وفسر ذلك قائلًا: "خلاص كفاية كده كويس." رفعت تحية جسدها ونظرت لعواد مبتسمة وتعمدت تقول بخباثة:

"صابرين بتحبك أوي يا عواد، وإنت كمان بتحبها من زمان. فاكرة مرة وإنت صغير جيت وكنت متعصب قولتلي إن في بنت شوفتها بتلعب مع ولدين وإنت جاي في السكة وكنت عاوز أقولها كده عيب، البنت دي كانت صابرين، حتى اختيارك الجناح بتاعك في البيت بيطل على ناحية بيت باباها." تهرب عواد ببصره عن تحية وحول دفة الحديث قائلًا بشبه عصبية: "هي صابرين كده ساعة ما تكلم فادية عالموبايل بتفضل ترغي مش بتحس بالوقت." ضيقت تحية عينيها بمكر تومئ

برأسها مبتسمة لكن قالت: "وفيها إيه مش أخوات وبعيد عن بعض، لازم يطمنوا على بعض." زفر عواد نفسه بضيق، بينما ابتسمت تحية قائلة:

"لسه زي ما أنت يا عواد، لما كنت تبقى عاوز تغير الحديث لناحية تانية، بتتعصب عشان تهرب ومتعترفش إنك كنت غلطان، زي ما هربت على هنا ومقولتش حتى لصابرين أنك محتاجها جانبك، أنا متخليتش زمان عنك يا عواد وكنت ببقى حاسة إن قلبي مسحوب مني طول الوقت وطلبت أجيلك أكتر من مرة وأفضل جانبك لحد ما ترجع توقف من تاني على رجليك، بس جدك منعني وهددني لو سافرت لك هيمنع مصاريف العلاج عنك، جدك هو السبب، أنا مش بتحامل عليه عشان أبرئ نفسي

قدامك، عارفة أنها كانت قسوة منه، بس هو كان عاوز يحسسك إن مفيش إيد هتتمد ليك وتسندك ولازم تقوى تسند نفسك بنفسك وترجع توقف على رجليك من تاني، أنا روحي رجعتلي لما دخلت للبيت وإنت واقف على رجليك تاني، رغم إنك كنت لسه بتعرج برجليك وإنت ماشي بس كفاية إنك وقفت تاني قولت بالوقت هتروح العرجة، حتى لو مراحتش وفضلت ملازمة ليك كفاية إنك رجعت وبقيت قدام عينيا من تاني، وهشوفك في أي وقت، أنا أول ما رجعت كنت بتسحب وأدخل لأوضتك بالليل

وإنت نايم عشان أتأكد إنك رجعت تاني ومرحلة بُعدك عن عينيا انتهت...

وعندي أمل ويقين إنك هترجع من تاني تمشي على رجليك واللي أنا قصرت فيه زمان صابرين كملته النهاردة كانت أقوى مني ومترددتش لحظة، وجاتلك على هنا." دموع سالت من عين تحية ندم على ذنب لم تفعله تمنت مرافقته وقت احتاجه فقط تقول له كلمة أمل تجعله يتحمل آلام وضعف واحتياج لكن هكذا شاء القدر. مست نبرات صوت وإحساس تحية الموجوع قلب عواد، وسؤال بعقله بتردد:

حين شعرت أن صابرين ستضيع منك للأبد انتهزت فرصة سطو عائلة التهامي على الأرض واختطفتها كي تتحجج بالأرض مقابل صابرين وبداخلك لم تكن الأرض تفرق معك بل كانت صابرين التي كنت تعتقد أن ما تشعر به نحوها ليس سوى مقت أنها يومًا تمنت لك السوء بنية طفلة كنت تود إفساد زواجها من آخر أيًا ما كان هذا الآخر، الآخر الذي كان أخيك الوحيد من والديك، كنت تشعر نحوه بالنفور والـ.. وماذا كنت تكرهه؟

لا تكذب، الحقيقة لم يكن كره بل كان حسد، أجل حسد أنه سبقك إليها واقترن اسمه باسمها بوثيقة شرعية، لم تكن مثل أي قطعة ورق سهل تمزيقها وينتهي ذلك، كذلك الأرض لم تكن قطعة أرض عادية لكن كان معك كل إثبات أنك الوحيد الذي يمتلكها كما أرادت أن تكون الوحيد الذي امتلك صابرين. ندم أم لوم؟ ندم... أنك تأخرت وفي المقابل انتهزت فرصة دون أخلاق منك لتستعيد ما بحث عنه قلبك... لوم...

لوم أنك سمحت لنفسك أن تعثر على ما تريده، كل ذلك السوء فعلته وبالنهاية صابرين غفرت لك، لأجل سبب واحد، أنها سقطت ببحر عشقك المالح.. وبنفس الوقت تمنع بل تُجرم ذلك على غيرك مثلما تعاملت بجفاء لسنوات مع تحية بعد زواجها من عمك، أنت أكثر من رأى قسوة والدك معها ومعك، لما تبيح لنفسك فقط وكنت تود منع غيرك من العثور على نفس المشاعر أن تعشق وتجد بالنهاية قبلة حانية... لا ندم ولا لوم.

الآن يشفعان لك هذا لابد أن ترضى وترضخ وتقر بالحقيقة... أنك كنت ومازلت مخطئ ولا داعي للبقاء والاستمرار بنفس الخطأ القديم. قبل أن تسحب تحية يدها من على رأس عواد، رفع عواد يده وأمسك يدها... للحظة سئم وجه تحية أن ينفض عواد يدها من على رأسه بقسوة كما فعل مرات سابقة لكن تحول ذلك السئم إلى مفاجأة وسعادة بالغة وهي ترى عواد مازال ممسكًا بيدها بل ازدادت سعادة حين قبل عواد ظهر كفها، ثم أتبع تلك القبلة بكلمة

واحدة تعبير عن الندم: "سامحيني." لم يكن ردها سوى دمعة سالت بلا إرادة ومعها بسمة وانحناء منها على رأس عواد وقبلة وضمة قوية له... وهمسة أنه كان الأغلى دائمًا. ..... بينما بفناء المشفى أنهت صابرين الهاتف وابتسمت حين رأت دخول كل من فهمي ومعه سالم إلى المشفى، اقتربت منهم. تبسم لها فهمي قائلًا: "إزيك يا صابرين." ابتسمت صابرين له قائلة: "الحمد لله يا عمو."

أومأ فهمي برأسه مبتسمًا لكن قبل أن يرد أتاه اتصال هاتفي، فاعتذر منهم وابتعد للرد على من يهاتفه... بينما سالم ضم صابرين أسفل يده يسيران نحو غرفة عواد قائلًا: "كنت بتكلمي فادية أكيد." ابتسمت صابرين قائلة بمرح: "أيوه وماما كمان عندها وكلمتها شكلها مش قادرة على بُعدك عنها." ابتسم سالم قائلًا: "بصراحة هي وحشتني." غمزت صابرين له بعينيها قائلة بخباثة:

"أنا بقول لما ترجع تاني لأسكندرية تسرب الواد هيثم من الشقة وتستفرد بماما يمكن ربنا يقبل دعائي وتخلف ماما ولد تاني يدخل الواد هيثم الجيش عشان يتأدب شوية." ضحك سالم قائلًا: "مش عارف هيثم عملك إيه مفيش سبب عشان تفضلي دايمًا حاطة نقرك من نقره." ابتسمت صابرين بدلال قائلة: "قصدك العكس يا بابا هو اللي بيغير مني دايمًا وأنا ملاك وبكبر عقلي." ضحك سالم وهو ينظر لوجه صابرين قائلًا:

"هتقوليلي على يدي، وبعدين ولد إيه اللي نخلفه أنا وشهيرة دلوقتي، دلوقتي إحنا في انتظار أحفاد منك إنت وفادية." غص قلب صابرين للحظات ثم قالت بأمل: "وماله ميمنعش إن أخونا يبقى في سن ولادنا حتى يتربى معاهم." ابتسم سالم وقبل رأس صابرين قائلًا بتمني: "ربنا يرزقك الذرية الصالحة إنت وفادية، وبطلي رغي بقى وصلنا لأوضة عواد."

ابتسمت صابرين وفتحت باب الغرفة، لكن كان هنالك ممر صغير جانبي للغرفة قبل أن ينتهي تسمعت هي وسالم حديث تحية مع عواد، قبل أن تخطو صابرين تلك الخطوات وتدخل عليهم أمسك يدها سالم وجذبها للخروج نحو باب الغرفة قائلًا: "الأفضل نسيبهم مع بعض شوية." ابتسمت صابرين تومئ رأسها بموافقة. .......

بأحد مطاعم الإسكندرية كان ماجد ومنال يجلسان يتحدثان بشأن ابنتها وبعض الأشياء الأخرى من يراهم يقول أنهما زوج وزوجة منسجمان، لكن لسوء حظهم بالصدفة على طاولة قريبة منهم كانت تجلس فوزية في البداية لم تراهما لكن من معها سألتها أليس ذلك الجالس هو طليقك ومن تلك التي معه، هل تزوج بأخرى، اشتاطت فوزية غيظًا وغِلًّا لم تستطع ضبط نفسها كثيرًا ونهضت من مكان جلوسها وتوجهت إلى تلك الطاولة وقفت جوارها تدق بأظافر يدها المطلية بالأحمر الداكن وفوقه مادة لامعة، تدق فوق الطاولة باستهجان وهي تنظر إلى منال

باشمئزاز واستعلاء قائلة: "مين دي يا ماجد، طول عمرك ذوقك بيئة ومعدوم النظر في الستات، هي دي بقى اللي طلقت فوزية بنت السفير عشانها." شعرت منال بريبة وبدأت تنظر حولها بحرج ازداد حين رفعت فوزية صوتها أكثر وبدأ رواد المطعم ينظرون نحو منال على أنها خطفت زوجها منها. لكن نهض ماجد بضيق قائلًا بتأكيد:

"أنا فعلًا كنت معدوم النظر في الستات عشان كده في يوم بصيت ليكي، كنت مفكر بنت السفير عندها ذوق وإتيكيت مش شوارعية وبتتبل على غيرها بوقاحة وتفتعل فضايح قدام الناس."

اغتاظت فوزية وصاحت بعلو صوت أكثر تسب في منال حتى أنها كادت أن تتهجم عليها بالضرب لولا أن فصل ماجد بينهم وأمسك يد فوزية قبل أن تصل إلى منال التي تدمعت عينيها ولم تستطع البقاء أكثر من ذلك أخذت حقيبة يدها وغادرت المطعم، بينما نفض ماجد يد فوزية بعنف وهو ينظر لها بندم كيف يومًا أغرم بتلك الحقودة، لكن بنفس الوقت أخرج هاتفه وفتح مكبر الصوت قائلًا باختصار:

"عندك فيديو اعتراف السواق وكمان فيديو تاني بلقاء السواق مع فوزية بنت السفير، عاوزك دلوقتي تقدم الفيديوهين للنيابة وتقدم بلاغ باتهام عواد زهران ليها بتحريضها وتعمدها قتل مراته الدكتورة صابرين التهامي." رد عليه الآخر بنفس اللحظة: "تحت أمرك." سمعت فوزية ذلك ارتعبت بشدة وهي تنظر لماجد بعدم تصديق. ابتسم ماجد ينظر بشماتة على ملامح وجه فوزية الموجومة حتى أن شفاها ترتعش وتهكم قائلًا:

"مبروك يا بنت السفير شوفي تهمة التحريض على القتل هتاخدي فيها كام سنة في السجن، والتهمة ثابتة وموثقة بشرايط فيديو أنا كنت باقي وطلبت من عواد إنه بلاش يقدم بلاغ يتهمك عشان خاطر بناتك اللي نسيتهم وبعتيهم بالرخيص، بس الرخيص كده دايمًا، عواد لما يعرف هيفرح أوي إن اللي كانت السبب في أذية مراته وحبيبته خلاص هتاخد الجزاء اللي تستحقه... مبروك ابقي خلي وقاحتك تنفعك في السجن مع معتادين الإجرام اللي من مقام بنت السفير."

قال ماجد هذا وغادر المطعم سريعًا تاركًا فوزية التي لم تعد تحملها ساقيها وجلست على أحد المقاعد تنظر حولها لتلك الوشوش التي تنظر لها باشمئزاز وتقزز من تلك الوقحة السيئة الأخلاق... وهي تتمنى أن تندثر من أمام أعينهم التي تُشعرها بأنهم هم الآخرون شامتون بها.

بينما خرج ماجد من المطعم مهرولًا، ينظر بكل اتجاه إلى أن وقع بصره على منال التي ما زالت تسير بمكان قريب من المطعم. ركض سريعًا ينادي عليها وهي ما زالت لم تقف، حتى أنها أشارت إلى إحدى سيارات الأجرة أكثر من مرة، لكن لزحام الطريق لم تقف لها أي سيارة، إلى أن اقترب ماجد منها. وقف أمامها يمنع تقدم سيرها، تقطع نياط قلبه وهو يراها تحتضن حقيبة يدها بين يدها ودموعها تسيل بغزارة. لكن جملة واحدة أصمتها للحظات بمكانها

غير مستوعبة حين قال: أنا معرفش مشاعرك إيه من ناحيتي لكن أنا عارف مشاعري كويس، أنا بحبك يا منال. تتجوزيني! بنفس اللحظة توقفت إحدى سيارات الأجرة، استوعبت منال نفسها وهرولت إليها دون حديث، وبمجرد أن صعدت للسيارة طلبت من السائق أن يسير سريعًا.

بينما زفر ماجد نفسه بغضب، تلك الحقيرة فوزية أفسدت حياته مرة أخرى، هو كان ينوي طلب الزواج من منال لكن بطريقة ألطف من ذلك. ربما كانت وافقت بسهولة، لكن الآن أصبح ما حدث عقبة بينهم، لكن لن يفقد الأمل. ليلاً بالمشفى، وضعت صابرين رأسها على صدر عواد هامسة: مش آن الأوان يا عواد. رغم أن عواد يفهم مقصدها لكن افتعل عدم الفهم قائلًا: آن الأوان لإيه؟

ابتعدت صابرين عن صدر عواد ووضعت يدها بجيب منامتها وأخرجت ذلك الخاتم ورفعته أمام عيني عواد الذي ابتسم ومد يده آخذًا الخاتم منها وأمسك يدها اليسرى ووضع الخاتم ببنصرها ثم قبل يدها قائلًا: فكرتك نسيتي. ابتسمت صابرين قائلة: إنت اللي شكلك نسيت يا عواد. ضحك عواد متذكرًا. [فلاش باك] ثاني يوم لذهاب صابرين للندن، صباحًا.

أثناء تناولهم طعام الفطور سويًا، وقع بصر صابرين على بنصر يده اليسرى عواد ولمعة ذلك الخاتم الخاص بالزواج، وضعت ما كان بيدها ونظرت لعواد باستخبار شبه يقين قائلة: عواد فين دبلتي؟ تكاهن عواد بعدم الفهم وهو ينظر لها قائلًا: دبلة إيه؟ زفرت صابرين نفسها بصبر قائلة: دبلة جوازنا اللي كانت في إيديا وصحيت ما لقيتهاش في صباعي. رد عواد بكهن: وأنا هعرف هي فين منين؟ يمكن ضاعت منك في أي مكان.

تنهدت صابرين ونهضت غادرت المكان للحظات ثم عادت، وضعت ذلك الخاتم الخاص بها على الطاولة أمام يد عواد قائلة: لأ ما ضاعتش بس اتسللت من إيدي يوم سفرك للندن، وبقدرة قادر لقيتها هنا في درج الكمودينو اللي جنب السرير، الدبلة سبقتني ووصلت قبلي لندن. ابتسم عواد وهو يأخذ ذلك الخاتم من على الطاولة، قائلًا بمزح: أثبت لي إنك زي أي زوجة مصرية لازم تفتش وراء جوزها، يا دوب واصلة من مصر من كام ساعة بس ما ضيعتيش وقت يا حبيبتي.

خلاص يا عواد الصعب فات واللي جاي سهل. تنهد عواد قائلًا: تفتكري كده؟ اللي لسه صعب يا صابرين. تنهدت صابرين قائلة: ما افتكرش بس حتى لو صعب مش هيبقى أصعب من اللي فات وعشنا وقدرنا عليه سوا. بعد حوالي شهر ونصف، الإسكندرية، فيلا زهران.

ها هو بعد عناء من ماجد الذي أثبت لمنال أنها ليست زهوًا ولا تلك الوضيعة التي قالت عليها فوزية ذلك، بل هي عشق نمى بعد فقدان ثقة في العثور على حب بلا قواعد للعقل والمظهر الاجتماعي. وهي الأخرى اقتنعت أنها تستحق أن تجد رجلًا يعطيها قدرها.

كان احتفال هادئ وبسيط جدًا لعقد قران ماجد ومنال التي توسطت تحية وطلبت منها الموافقة على الزواج من ماجد بعدما رأت محاولة منال الابتعاد عن ماجد ظنًا أنها تحتفظ بجزء من كرامتها يكفيها تحملت زواج مصطفى الذي كان بغرض المصلحة، لكن تحية قالت لها أن الحياة قد تعطي فرصة ثانية ربما نجد بها العوض لما قاسيناه سابقًا. وافقت منال بعد وقت من التفكير تتمنى أن تجد ذلك العوض مع ماجد.

نظرت لهم تحية مبتسمة بغصة، لكن آن الأوان أن يجد الاثنين نصفه الآخر الذي يكمل الجزء الذي كان ناقص للآخر، كذلك كان لتحية هدف آخر هو ابنة مصطفى تظل أمامها طول الوقت تعوض جزء من فقدانها له، التي كان رحمة من عند الله بقائه طوال حياته بعيدًا عنها، خفف هذا من لوعة فقدانها له كثيرًا. أنهى المأذون قوله "بارك الله لهما وجمع بينهما في خير" ألف مبروك.

سحبت منال يدها من يد ماجد تشعر بخجل، حقًا تزوجت سابقًا، لكن الخجل ليس خجل عروس، بل خجل أنثى تشعر أنها تود أخذ ابنتها الآن والفرار من هنا من تلك العينان اللتان تنظران إليها وتبتسم على ذلك الخجل الذي بنظره لا داعي له. أتت إحدى ابنتي ماجد وأعطت لمنال باقة من الزهور، أخذتها منها منال مبتسمة، بينما قبلت الطفلة منال قائلة:

بوكيه الورد ده من تيتا تحية وجدو فهمي، وإحنا كمان جبنا لكِ هدية صغيرة، أنا وبابا وأختي اتفضلي يا طنط، بس بابا هو اللي لازم يلبسها لكِ. ابتسمت منال حين أتى ماجد وأخذ تلك العلبة المخملية من يد الصغيرة وفتحها أمام عينيها، انبهرت من ذلك الطقم الألماسي والمصحوب معه خاتم زواج ذهبي. بدأ ماجد بوضع خاتم الزواج أولًا ثم باقي القطع، كانت منال تشعر بانصهار إلى أن انتهى ماجد. رفعت الصغيرة الأخرى يدها بعلبة مخملية

لكن صغيرة وفتحتها قائلة: دلوقتي دورك يا طنط تلبسي بابا الدبلة بتاعته. ابتسمت منال وانحنت تقبل الصغيرة وأخذت ذلك الخاتم الفضي، مد ماجد يده لها مبتسمًا، وضعت منال الخاتم ببنصره سريعًا وحاولت أن تشغل نفسها بالنظر إلى ابنتها التي تحملها تحية. تحية التي جمعت الحفيدات الثلاث معًا أخوة، وأيضًا جمعت قلبي ماجد ومنال اللذان يستحقان فرصة أخرى، يسبحان معًا في تيار واحد. منزل رائف.

بسبب تلك التقلصات التي تشعر بها فادية ببطنها جاءها هاجس، خشيت التأكد منه، رغم ذلك أتت باختبار حمل وقامت بإجراء ذلك الاختبار بترقب مضطربة وهي تنتظر النتيجة، وها هي النتيجة أمامها لم يخيب ظنها، هي بالفعل حامل.

وضعت الاختبار على الطاولة ثم ذهبت نحو مرآة الغرفة وقفت تنظر لانعكاسها وهي تضع يدها فوق بطنها، لكن فجأة شعرت برهبة أن يحدث مثلما كان يحدث سابقًا، تحمل بأحشائها نطفة سرعان ما ينتهي ذلك الحمل وتعود خاوية الرحم، رغم أنها تعلم أن هذا لم يكن بسبب عيب بها لكن لتكرار ذلك تمكن منها ذلك الهاجس. جلست على أحد المقاعد تضم بطنها بيديها تشعر بخشية أن ينتهي هذا الحمل سريعًا. أخرجها من ذلك الشعور المقيت دخول رائف يحمل ميلا قائلًا

بمزح: مامي أهي، ما اعرفش لما بتغيبي عنك شوية بيحصلك إيه... طبعًا واخدة عالدلع، إنما أنا هنا بتعامل معاملة أسرى الحرب. ضحكت فادية ونهضت واقفة تنتظر اقتراب رائف بالصغيرة التي ألقت بنفسها عليها، ضحك فادي قائلًا:

على فكرة أنا اشتريت سرير صغير هيتحط في ركن هنا في الأوضة، مخصوص عشان برنسيس ميلا تاخد راحتها وهي نايمة، أنا مش بعرف أنام عالسرير بسببها، حتة صغنطوطة قد كده وبتبرم السرير كله، غير الرفس طبعًا، لأ وبتنشن مظبوط في الأماكن اللي توجع، غير طبعًا الرادار وقرون الاستشعار اللي بتشتغل لما بقرب منك عالسرير وتصحى تقطع صفو اللحظة. أنا عندي شك يكاد يكون يقين إن البنت دي أبويا هو اللي مسلطها عليا وهي بتنفذ باللي يقولها عليه.

ضحكت فادية بينما لفت نظر رائف ذلك الترموميتر الموضوع على طاولة جوار الفراش. بفضول منه ذهب إلى مكانه ورفعه ناحية فادية مبتسمًا. أخفضت فادية وجهها. ابتسم رائف وهو يعود نحو فادية قائلًا: أنا شوفت البتاع ده قبل كده وميلا كانت جنين عمره شهر وأيام في بطن مامتها وكان نفس الشكل كده، شرطتين برضه، بصي بقى أنا عاوز ولد، مش عاوز بنات تاني، عشان ينضم لحزب أسرى الحرب مش هبقى لوحدي أسير في البيت ده. ابتسمت فادية وهي تشعر بيدي رائف

على خصرها قائلة بدلال: شكلك كده مضايق من عمو صادق، عشان بيحب البنات أكتر، بصراحة عنده حق، أنا كمان نفسي في بنوتة تانية زي ميلا بالظبط، عشان يبقوا صحاب. ضم رائف فادية قائلًا: عشان يفضلوا يرغوا بعض عالموبايل بالساعات زيك إنت وصابرين كده، لأ أنا عاوز ولد...

ولد، الصبيان مش رغايين ولا بيدلعوا زي البرنسيس ميلا كده تتقمص عشان تخلينا نصالحها، إنما الولد مهما تعملي فيه ولا يأثر فيه الهوا، وكمان عاوز يبقى معايا خصم قوي قصادك إنت وبابا وميلا. ابتسمت فادية قائلة بمكر: والله اللي بيحدد نوع الجنين الراجل مش الست وبما إن أول خلفتك بنت فأكد لك إن التانية برضه هتبقى بنت وعمي صادق هو اللي هيختار ليها الاسم. ضم رائف فادية قائلًا: طب رهان بقى هيبقى ولد وأنا هاسميه صادق عند في بابا.

ضحكت فادية وهي تشعر بيدي رائف تضمها بحنان هي وميلا. كم ندمت في تلك اللحظة كيف فكرت يومًا برفض الزواج من رائف كانت مخطئة، لكن إصرار رائف وتحديه جعله يكون الفائز ونالها ونالت معه سعادة أسرة صغيرة دافئة تكبر مع الأيام بأمل وأماني كثيرة ستتحقق مستقبلًا. بعد مرور أربعة شهور، صباحًا، لندن، المركز التأهيلي. تحدثت أوليفيا إلى عواد قائلة: هيا انهض واقف، عواد لدي يقين أنك أصبحت تستطيع الوقوف على ساقيك.

ابتسم عواد وهو ينظر نحو صابرين التي كانت تجلس على أحد المقاعد الموجودة بالمكان، عينيها ترتكز عليه طوال الوقت. أخذ القرار هو حاول الوقوف مرات سابقًا وفشل أكثر من مرة دون أن تراه صابرين، لكن آخر مرة استطاع الوقوف للحظات قليلة، لكن لا مانع الآن من ذلك... ارتكز بيديه على مسندي المقعد الخاص به وتحامل ببقية جسده عليها، حتى استقام واقفًا على قدميه لثواني. وقفت صابرين مذهولة للحظة ثم اقتربت منه بعد أن كاد يختل توازنه

ووقفت أسفل إبطه قائلة: اسند عليا يا عواد. لكن عواد دفعها قليلًا عنه قائلًا بعصبية بسبب ما يشعر به من ألم وضعف قائلًا: صابرين ابعدي عني. لكن صابرين عاندته وتحملت تلك العصبية قائلة: اسند عليا يا عواد. رأى عواد بعين صابرين تصميم فقال لها: صابرين ابعدي أنا جسمي ثقيل عليكِ، أنا هاسند على مساند الكرسي وأقعد تاني. نظرت له صابرين بتحدي قائلة بهمس:

كويس إنك اعترفت إن جسمك ثقيل، بس ليه مش بتحس إن جسمك ثقيل عليا وإنت بارك فوقي في السرير... هتسند عليا ولا أترجم كلامي ده للشمطاء أوليڤيا اللي واقفة تتفرج علينا وتبتسم، طبعًا عاجبها إنك عاوزني أبعد عنك. نظر عواد نحو أوليڤيا التي ابتسمت له قائلة: تأكدت الآن أن للحب مفعول ساحر يا عواد بغض النظر عن تلك البلهاء التي أحببتها... لكن لها سحر خاص عليك. نظرت لها صابرين قائلة:

وأنت لك فضل أيضًا أيها الشمطاء يكفي مساعدتك وصبرك معنا بالفترة الماضية والقادمة أيضًا. نظرت أوليڤيا إلى عواد الذي ساعدته صابرين على الجلوس مرة أخرى حتى لا يُرهق جسده، قائلة: قول الحقيقة عواد ما معنى كلمة شمطاء التي تقولها زوجتك، لما أشعر أنها هجاء ليست مثل ما ترجمتها لي سابقًا. ابتسم عواد وهو ينظر لـ صابرين التي قالت له:

ترجمها لها بمعنى الكلمة يا عواد، ولا أقولك خلي عنك أنا اللي هترجمها لها، الولية الشمطاء المتصابية دي. قبل أن تتحدث صابرين تحدث عواد قائلًا: ترجمتها كما قلت لك سابقًا والآن لنكمل بقية جلسة العلاج. حسنًا. هكذا قالت أوليڤيا وهي تنظر لـ صابرين ببسمة وتقدير لكن بخفاء منها. ـــــــــــــــــــــــــ ليلًا لندن أنهى عواد وصابرين عشاءهم.

تبسمت صابرين بعد أن ضمت بقايا الطعام ثم دخلت إلى غرفة المكتب على عواد وجلست فوق ساقيه بدلال كعادتها ضمت نفسها إليه قائلة: تعرف فرحت أوي النهاردة لما فوقت على رجليك، بس حاسة إن قعدتي على رجليك دي هتوحشني أوي. ضمها عواد قويًا هامسًا بمزح: يعني عاوزاني أفضل مشلول وقاعد على كرسي متحرك. رفعت صابرين رأسها عن صدر عواد قائلة: لأ طبعًا، بس الكرسي ده قربنا من بعض أوي بحس وأنا إني مش بس في حضنك بس إني جزء من جسمك.

رفع عواد رأسها مبتسمًا وهو ينظر لوجهها بتأمل قائلًا: إنتِ فعلًا بقيتي حتة مني يا صابرين مقدرش أستغنى عنها. تدللت صابرين بتذمر قائلة: بأمارة الصبح لما خليت الشمطاء أوليڤيا بتضحك عليا وما كنتش عاوزني أسندك. ضحك عواد بخباثة قائلًا: بصراحة كده أنا ما كنتش عاوزك تسنديني بس كنت عاوز حاجة تانية وقتها بس ما كانتش تنفع قدام اللي كانوا واقفين معانا في الأوضة. نظرت له صابرين باستفسار قائلة:

وأيه الحاجة اللي ما تنفعش قدامهم دي بقى؟ ابتسم عواد وجذب صابرين من عنقها قائلًا: دي حاجة ما ينفعش تتقال بتتعمل فورًا. أنهى عواد قوله وهو يُلثم شفاه صابرين بقُبلة ناعمة تزداد شغفًا وتلهفًا... لكن قطع تلك القُبلات رنين هاتف عواد... مُغصبًا ترك شفاه صابرين ووضع جبينه فوق جبينها يتنفسان ثم ضم عواد صابرين قويًا، لكن عاد رنين الهاتف، رجعت صابرين بوجهها للخلف قليلًا تنظر لـ عواد ثم للهاتف ابتسمت وهي تنهض من

على ساقيه باستسلام قائلة: ماجد اللي بيتصل، يبقى أكيد عشان الشغل والاتصال هيطول... تمام هقوم أنا أتسلى أشوف فيلم قديم. ابتسم عواد غامزًا: اتسلى في الفيلم بس بلاش تنعسي ها. ابتسمت صابرين قائلة: لأ ما تخافش مش هنعس، بس إياك إنت ما تقولش مرهق من جلسة الصبح وكمان متابعة الشغل سِير مع ماجد دلوقتي. قهقه عواد قائلًا: هو من ناحية الإرهاق فأنا مرهق فعلًا، بس طبعًا الإرهاق ما يمنعش أخدك في حضني وأنام بهدوء.

ابتسمت صابرين ساخرة بمرح: أهم حاجة الهدوء، يلا هسيبك ترد على ماجد، شكله شغل مهم الموبايل مش مبطل رن. بعد قليل بغرفة المعيشة وضعت صابرين جهاز التحكم الخاص بالتلفاز تشعر بضيق لم تجد ما يجذبها لتشاهده، فتحت هاتفها تتصفح بعض المواقع، لكن سئمت من ذلك أيضًا بعد قليل، رغم أنها تشعر بنُعاس لكن قررت العبث مع عواد وذهبت إلى غرفة المكتب كي تُشاغبه قليلًا. رفع عواد وجهه عن مُطالعة الحاسوب ونظر ناحية باب الغرفة ببسمة

حين سمع قول صابرين بتذمر: هو الشغل عاللابتوب ده مش بيخلص بقالي وقت قاعدة في أوضة النوم زهقت من التلفزيون والتليفون، إنت ما زهقتش من الشغل عاللابتوب، ولا تكون..... قطعت صابرين المسافة من الباب إلى مقعد عواد سريعًا ونظرت إلى الحاسوب قبل أن يغلقه، وقالت: طلعت مظلوم. ضحك عواد قائلًا:

طول عمري مظلوم معاكِ يا حبيبتي، قطعتي بقية كلامك اللي كنتِ هتقوليه، وجيتي تطمني بنفسك إني مش براسل ستات، حبيبتي إنتِ اللي يتجوزك ما يفكرش في ستات تاني. نظرت له صابرين باستفسار قائلة: أعتبر كلامك ده مدح ولا هجاء. ضحك عواد قائلًا بمرح: هجاء طبعًا يا حبيبتي. نظرت له صابرين بعبوس مصطنع قائلة: إزاي بتقول هجاء، وإنت بتقول حبيبتي. ضحك عواد يقول: حبيبتي يمكن لساني اتعود عالكلمة مش أكتر. نظرت له صابرين بغيظ

وقامت بوكزه في كتفه قائلة: بطل طريقتك دي بقى. ضحك عواد يستفزها قائلًا: طريقة إيه اللي أبطلها. ردت صابرين: طريقة الغلاسة بتاعتك، وبعدين مش كفاية شغل بقى. قالت صابرين هذا وأغلقت ذلك الحاسوب وجلست على ساقي عواد تُقبل وجنته وتسللت إحدى يديها إلى ظهره والأخرى فوق كتفه ورأسها على صدره بدلال. تخابث عواد مبتسمًا يقول: أعتبر البوسة دي تحرش مباشر منك ليا. رفعت صابرين رأسها من على صدره ونظرت له قائلة ببراءة:

تحرش إيه دي بوسة عالخد بريئة أنا بس زهقانة وقولت أجي أشاغب فيك وأعطلك شوية. ضمها عواد بين يديه مبتسمًا يقول: بس إنتِ مش هتعطليني لإني خلاص خلصت شُغلي عاللاب وفضيتلك. وضعت صابرين رأسها على صدر عواد مرة أخرى قائلة: بس أنا دلوقتي عاوزة أنام. ضحك عواد قائلًا: مش من لحظات كنتِ بتقولي زهقانة، ودلوقتي عاوزة تنامي. ردت صابرين: أيوه عاوزة أنام كده في حضنك. ضحك عواد قائلًا:

بس إنتِ كده مش بس نايمة في حضني، ناسيه إنك قاعدة على رجلي وبصراحة كده بقى إنتِ بقيتي تقيلة أوي لازم تخسي شوية. ردت صابرين بهدوء: بكرة أبقى أعمل دايت، وبطل رغي بقى وسيبني أنام. تبسم عواد بصمت. نعست صابرين بعد أن اتخذت من صدره مُتكئًا لرأسها ويديه مسندان لها، تسمع دقات قلبه الذي أخبرها أنه عاد ينبض بسببها. بعد وقت قليل، استيقظت صابرين فجأة رفعت رأسها عن صدر عواد ونظرت لوجهه وجدته يُغمض عينيه لكن قالت: عواد إنت نمت.

فتح عواد عينيه يتثاءب قائلًا: لأ يا دوب كنت لسه هنعس. ابتسمت صابرين بدهاء وقالت: أنا جعانة. نظر لها عواد بتعجب قائلًا: جوعتِ بسرعة كده ليه إحنا مش متعشين سوا. ببراءة ردت صابرين: أنا جوعت وعاوزة أكل بطيخ. نظر عواد لها بتعجب قائلًا: تاكلي إيه! ردت بتأكيد وتهجي للحروف: بـ طـ يـ خ. عواد بتهكم يكز على أسنانه: وأجيبلك البطيييخ ده منين دلوقتي؟ ردت صابرين ببساطة: هيكون منين يعني، من السوبر ماركت. نظر عواد لها بذهول يقول:

سوبر ماركت إيه اللي هنلاقيه فاتح دلوقتي إحنا بعد نص الليل. ردت صابرين ببرود: وايه يعني بعد نص الليل، ناسيه إننا في لندن، مش بيقولوا إنجلترا هي الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. تعجب عواد قائلًا: آه إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، بس مش النوم يا حبيبتي، أقولك كُلي أي حاجة دلوقتي سدي جوع والصبح نروح السوبر ماركت وأجيبلك شادر بطيخ. نهضت صابرين من على ساقيه قائلة بتصميم: لأ أنا عاوزة دلوقتي.

ــــــــــــــــــــــــــــ

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...